العدد

177 :

الثلاثاء, يناير 6, 2009 - 13:20 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

تركمان العراق:

بين المعادلة التركية ومتغيرات مرحلة ما بعد صدام 

خورشيد دلي *

يحتل تركمان العراق موقعا جغرافيا متوسطا يمتد بين العرب في الغرب والجنوب وبين الأكراد في الشمال والشرق في شريط طويل من الأراضي يمتد من تلعفر إلى مندلي على رقعة ضيقة تفتقر إلى عمق استراتيجي  وأحيانا يتقطع النفوذ التركماني في مناطق من هذا الشريط  لصالح الأكراد أو العرب.

ومع ان تاريخ وجود التركمان في العراق يرجع إلى أيام الدولة التركية السلجوقية الا ان هذا الوجود تعزز في ظل الدولة العثمانية التي استقدمت العديد من العشائر التركمانية إلى  المنطقة المذكورة وتعاملت معهم  كأتراك يقومون بدور الحماية للمصالح التركية في الدولة العثمانية، حيث يرى بعض المؤرخين ان استقرار التركمان في هذه المنطقة يعود أساسا إلى سياسة عثمانية هدفت أولا إلى حماية طرق التجارة بين المراكز التركية وبغداد، وثانيا إلى تشكيل مناطق حاجزة بين العرب والأكراد بعد وقوع المنطقة تحت سيطرة الدولة العثمانية.

ومهما يكن فان تركمان العراق باتوا عبر التاريخ يشكلون جزءا مهما من الأعراق في شمال البلاد وسط حساسية تاريخية مع العرب والأكراد كل لأسبابه الخاصة بعد ان ظلت علاقتهم  قوية بتركيا حتى بعد استقلال العراق، إذ ان الدعوة إلى (التركمانيزم  أو التركيزم ) ظلت قوية بين العديد من التنظيمات التركمانية التي تعمل في الساحة العراقية ولا سيما بين جيل الشباب الذين درسوا في تركيا وتأثروا بأفكار التيارات القومية التركية الطورانية,بخاصة بين تركمان السنة الذين يعيشون في مدينة كركوك بخلاف تركمان الشيعة الذين ينتشرون في المناطق الريفية من كركوك حيث القسم الأكبر من هؤلاء لهم ميول يسارية أو ترى في نفسها قريبة إلى إيران أكثر من تركيا بحكم الانتماء إلى المذهب الشيعي .

في ظل غياب إحصائيات دقيقة عن التركمان في العراق، تختلف التقديرات حول عددهم، ففي الوقت الذي تقدر فيه الأحزاب التركمانية هذا العدد بـ01%  من مجموع سكان العراق البالغ قرابة 25 مليون نسمة، أي مليونان ونصف مليون نسمة، فان المصادر العربية والكردية تقدر اعدادهم  بنحو 700 إلى 800 ألف نسمه استنادا إلى إحصاء العام 1957 الذي قدر نسبتهم بـ 2,16 % من مجموع سكان البلاد، بل يرى الدكتور نوري طالباني في كتابه: منطقة كركوك ومحاولات تغيير واقعها القومي، ان هذه النسبة انخفضت لاحقا بسبب عمليات التهجير التي تعرض لها التركمان والأكراد من منطقة كركوك في عهد نظام  صدام حسين المنهار .

دعوات خطيرة

من الواضح، انه في ضوء المعطيات السابقة والممارسات والإجراءات التي قام بها نظام صدام حسين في إطار سياسة تعريب المناطق ذات الغالبية غير العربية فان مسألة إعادة العلاقات الطبيعية بين العرب والأكراد  والتركمان والآشور والكلدان... وغيرهم من الاقليات القومية والدينية في شمال العراق تشكل حرجا كبيرا  للنظام السياسي الذي يتكون في العراق حاليا، بخاصة بعد أن اعادت الاشتباكات الأخيرة بين الأكراد والتركمان وضع مدينة كركوك إلى الواجهة السياسية كمدينة لها مكانة قومية ونفطية في الحسابات العراقية الداخلية والإقليمية وحتى الدولية، وإذا كان مفهوما ومبررا التنافس الجاري بين فئات الشعب العراقي من العرب والأكراد والتركمان على تحقيق أفضل  المكاسب من العملية السياسية والأمنية الجارية في العراق وذلك في إطار عراق ديمقراطي تعددي موحد  الا  ان الأمر الخطير في التطورات الأخيرة هو دعوة بعض الأحزاب والشخصيات التركمانية أنقرة إلى التدخل عسكريا  لصالحهم في النزاع الجاري بين الأكراد والتركمان  ولا يقل خطورة عن هذه الدعوة تلك الصيحات والدعوات التي بدأت تعلو في أنقرة وتدعو إلى التدخل عسكريا في شمال العراق بحجة حماية تركمان العراق بوصفهم أتراكا يتعرضون للاضطهاد ... انها  مسألة حساسة في غاية الخطورة وان كانت تأتي على شكل «عثمانية متجددة» تختلط فيها المشاعر القومية التاريخية بالتطلع إلى الدور الإقليمي  في وقت تتزاحم فيه الأحداث المتصلة بموقف تركيا وموقعها من ما يجري في العراق ويحضر لمستقبله السياسي أميركيا .

التعامل بحكمة

دون شك تعتبر الدعوة إلى التدخل العسكري التركي في شمال العراق بحجة حماية تركمان العراق مسألة خطيرة تهدد بتفجير الأمور بشكل غير مسبوق من شأنها إعادة  خلط الأوراق والأمور من جديد وفق معادلة مفتوحة على كل الاتجاهات، ولعل ما يشجع الأمور على  هذا النحو هو تلك التصورات التي تنشر الخوف في كل مكان، من عزم الأكراد على  إقامة دولة كردية  في العراق تقوم بهضم حقوق التركمان وهويتهم الثقافية، كذلك تلك التصورات التي تقوم على إظهار تركمان العراق وحدهم  كفئة مغبونة من الشعب دون باقي فئات الشعب العراقي التي تضررت جميعها من المرحلة السابقة، في الوقت الذي ينبغي على الجميع  عربا وأكرادا وتركمانا ... التعامل مع هذه المسألة بحكمة وعقلانية من خلال الحوار الواقعي الذي يقر بحقائق الواقع التاريخي والاجتماعي والسياسي في إطار عراق ديمقراطي تعددي لا باستجداء قوى خارجية للتدخل كطرف لصالح هذه الفئة أو تلك لأن ذلك لن يكون لصالح العراق والعراقيين مهما كانت الحجج والمبررات

في الواقع، مع ان العديد من التيارات السياسية التركية ولا سيما القومية المتشددة منها تنظر إلى  شمال العراق  كمنطقة تاريخية حيوية لها علاقة بأمنها ومصالحها ودورها في المنطقة، وان مثل هذه النظرة تعززت أكثر فأكثر منذ ان تذكر الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال فجأة ان هؤلاء التركمان هم أتراك لا يختلفون عن أتراك قبرص أو بلغاريا .. ! على الرغم من هذه النظرة فان حكومة حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب اردوغان أظهرت المزيد من الدقة والحرص إزاء المسألة العراقية قبل الحرب وبعدها، مكرسة بذلك سياسة تركية مغايرة  تحاول ان تنأى بنفسها عن البعدين الأميركي والإسرائيلي  في سياستها  إزاء المنطقة العربية والإسلامية، وهذه مسألة في غاية الأهمية في ابعادها الإقليمية عربيا وإيرانيا وروسيا ينبغي تقديرها.

المصلحة الحقيقية  

ومهما يكن الأمر فان مصلحة تركيا تبدو مرتبطة أكثر فأكثر في بناء عراق مستقر وموحد يتجه إلى البناء والنمو والتنمية ويرتبط بعلاقات اقتصادية وسياسية قوية مع محيطه العربي والإسلامي، وهذا يتطلب من الابتعاد عن الظهور بمظهر الطرف المعني بتركمان العراق بوصفهم فئة تركية مغبونة لا لأن مثل هذه السياسة تخالف الكثير من الوقائع التاريخية والحقائق الاجتماعية على الأرض فقط بل لأنها ضارة بمصالح تركيا في الوقت نفسه، والمصلحة الحقيقية لتركيا كما للجميع تكمن في  تهيئة الأجواء للعراقيين  وعلى اختلاف انتماءاتهم القومية والدينية من أجل حل المشكلات التي تعترضهم مهما كانت أسبابها وتعقيداتها وذلك عبر الحوار العقلاني الذي يقوم على حفظ  مصالح الجميع دون استثناء، وهذا الأمر يفرض على مجلس الحكم الانتقالي والحكومة الانتقالية أكثر من أي طرف أخر العمل من أجله لا لأجل كسب مشروعيته السياسية  فقط بل من أجل عراق معافى للجميع، كما ان الشيء الذي يجب ان ينتبه إليه القادة السياسيون للتركمان هو ان مصلحة أبناء جلدتهم تستدعي العمل من أجل تقوية روح التآخي مع باقي فئات الشعب العراقي  لا  التطلع إلى ما وراء الحدود.

وفي الوقت نفسه فان هذه المسألة تفرض على الجميع أخذ تركيبة الخريطة الاجتماعية على تعددها القومي والمذهبي والديني في العملية السياسية الجارية من أجل الوصول إلى العراق المنشود.

* كاتب سوري  





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2009 م -  اتفاقية استخدام الموقع