|
بنية الدولة في العالم الثالث
ومظاهر الفساد السياسي والاداري
د. حسن جابر
ثمة محاولات مكثفة قام بها دعاة الاصلاح السياسي في غير قطر أو أقليم فيما
يعرف بالعالم الثالث أو المجتمعات غير المصنعة، وذلك بهدف الحد من
الفساد ومن تدخل السياسيين في الادارة والذي، غالباً، ما كان
يُؤدّى خلافاً لمصلحة المجتمع وبما يضر بأداء الموظفين والجهاز
الاداري وانتاجيتهم، وبمشاريع التنمية ومحاولات النهوض. لقد أظهرت
التجربة والدراسات أن جُلّ محاولات تخطي واقع المراوحة في تلك
الدولة كانت تصطدم بموانع ومعوقات من الطبيعة التي يصعب القفز
فوقها. وقد حمل الفشل الدائم، وعلى امتداد ما يربو على القرن، دعاة
الاصلاح الى البحث عن مخارج ونقاط عبور مختلفة يعتقد أصحابها أنها
تبدل من واقع الحال أو تزحزح بعض ثوابت الممارسة السياسية، وذلك
كتشكيل احزاب سياسية او الانتظام في جبهات معارضة واحياناً استخدام
العنف، والمحصلة رغم الجهود الجبارة، لم تكن أفضل حالاً مما اعتاده
الناس واكتووا بنيرانه.
هذه
الدوامة التي وقع في منزلقاتها الكثيرون ممن تصدوا للاصلاح او
التغيير، تشير الى سوء تقدير للواقع وآليات اصلاحه، وغالباً ما
كانت تؤدي اطروحات المعارضة الى نتائج خلاف المقرر، ما يعني أن
القراءة لم تكن صائبة واحياناً كانت مقلوبة، وهو ما يفسر تكرار
الفشل أو الاخفاق في إحداث تغييرات اساسية في سلوك الجامعات
الحاكمة.
تبدل شكلي
واللافت، انه في الحالات التي نجح فيها المعارضون او
دعاة الاصلاح في ازاحة الفئة المسيطرة، وهي قليلة بل نادرة، لم تؤت
التبدلات وتداول المواقع والمهام أكُلها كما ينبغي، وانما جاءت
نتائجها مخيبة للآمال، فقد حصل ما يعرف بتبادل المواقع، وهو تبدل
شكلي، اذ تحول من كان في السلطة الى موقع المعارضة، ولبس ثوب
الاصلاح، وباشر تقديم خطاب يغلب عليه طابع المزاودة، فيما استعار
الحكام الجدد الآليات نفسها التي كان يستخدمها القادة السابقون دون
تغييرات جوهرية.
هكذا بقي الواقع يراوح مكانه، وأمام فشل محاولات التغيير والاصلاح
وفق الاساليب التقليدية، يتساءل المرء عن طبيعة المعضلة التي تدور
مجتمعاتنا حولها دون ان تتمكن من حل احاجيها او تليين ممانعتها، مع
العلم ان جهوداً كبيرة بذلها أصحاب النيات الطيبة والمخلصة، طوال
عقود مديدة، وحتى لا تتجه احكامنا الى المطلقات، يمكن القول ان
التغييرات التي طاولت هذه المجتمعات توقفت عند حدود معينة فيما
بقيت المعضلات الاساسية تنتظر الحلول العلمية.
نقد
أساليب التغيير
في الواقع، باتت المراجعة لكل اساليب التغيير وحجم
النتائج والمترتبات اكثر من ملحة، فالعالم المصنع يندفع قدماً الى
الأمام وبوتيرة متسارعة تفوق الخيال، وهو لا يرتضي لنفسه هذا
الاندفاع فحسب وانما يحاول، في الوقت عينه، ان يوقع ما يعرف
بالعالم النامي في شرك قضايا من الطبيعة التي لا يقوى على الخروج
منها او مجابهتها كأزمة المديونية والبطالة والاحتراب الداخلي
والفوضى السياسية واشتراطات البنك الدولي وصندوق النقد، وهي معضلات
من العيار الثقيل التي تشل فعالية المجتمع ومؤسساته المختلفة وتضعف
من قدرة القوى الحية على التخطيط او محاولة النهوض. فثقل هذه
الملفات كفيلة وحدها بشل الأنظمة القوية فكيف بتلك الدول التي تعرف
بضعف المناعة وهزالة البنية؟
. فالأزمات العميقة التي تواجه دولاً كبيرة كالأرجنتين والبرازيل
وفنزويلا وتركيا فضلاً عن العديد من دول المنطقة لا ترفعها حلول
مجتزأة.
وهذا لا يعني ان الدول المصنعة او المصنفة بأنها دول العالم الأول خالية
تماماً من الأزمات غير أن الفرق يكمن في طبيعة. تلك الأزمات أي بين
ما يمكن السيطرة عليها وما لا يمكن السيطرة عليها.
امام هذا الواقع المأسوي، هل ثمة حل؟ أم أن قدر هذا العدد الهائل من الدول
وتلك المليارات من الناس ان تبقى غارقة في بحر الركود والفقر
والمديونية والفساد؟ في الحقيقة، لا توجد معضلات يعجز العقل عن
حلها، والاخفاق المتجدد ليس مرده استحالة اعطاء اجابات شافية،
وانما الى خلل في التشخيص وفي التبصر بمكامن الخلل في بنية تلك
الدول.
عوامل
فشل الاصلاح
لقد فشلت كل محاولات اصلاح الدولة من داخلها، وفشلت معها سياسة
تبدل المواقع والأدوار، مما يعني أن طريق الاصلاح لا يمر عبر
الدولة، في مفهومها التقليدي، الذي يتضخم فيها القطاع العام على
حساب القطاع الخاص، او دولة الرعاية التي تتحمل فيها الادارة
مسؤولية استيعاب الطاقات العاملة في البلاد والتي تفتح الباب واسعاً
للمداخلات والمحسوبيات والانتقائية في التوظيف، والتي تتحول فيه
الدولة الى مجرد خزنة للأموال والمنافع
طريق الاصلاح ثمة قراءة للواقع، ترى في تشجيع وتنمية القطاع الخاص، وتحجيم
دور الدولة الى مجرد ادارة سياسية وامنية وقضائية، ترى في ذلك
مخرجاً صحيحاً للمعضلات الجمة، فالمأزق، كما ترى تلك القراءة، يكمن
في بنية النظام ومفهوم الدولة، وان الحل لمثل هذا الواقع، لا يكون
إلا عبر سياسة تشجيع القطاع الخاص ليكون بديلاً صحيحاً عن الدولة
في امتصاص القوى العاملة واستيعابها. فالدولة مهما سما مسؤولوها لن
يتحرروا بالكامل من نزعة المحاباة والاسترضاء والانتقائية، فهم لا
يتأثرون مباشرة بالمفاعيل السلبية لتلك النزعة خلافاً للقطاع الخاص
الذي تكمن مصلحته دائماً في استيعاب الطاقات الناجحة والمثمرة.
تنشيط القطاع الخاص يسحب من المسؤولين الحكوميين اهم الأوراق التي يتلاعبون
بها وهي استغلال الموقع لحشو المحاسيب والأزلام والوصوليين في
الادارة، فيما تدب حركة الحياة في المجتمع وتنمو الى جانب المؤسسات
والشركات الخاصة مراكز الدراسات والبحوث العلمية، فيما ترتفع هواجس
الطلاب المتفوقين ومخاوفهم، ويتحولون الى متسولين يقفون على أبواب
الزعماء الى طاقة مطلوبة وقوة منتجة محل رعاية واهتمام، فليس من
مصلحة المؤسسات الخاصة ان تستوعب الفاشلين، ففي استيعابهم مضرة،
ويتحول الطلاب الى اختصاصات واقعية تقتضيها طبيعة السوق وحاجاتها،
خلافاً لما هو قائم، اليوم، من عشوائية في اختيار التخصص وفوضى في
الدراسة وقرصنة في تحصيل الشهادات الجامعية وفوضى في اشغال المواقع
ولعب الأدوار. عندئذ، تنظم أمور المجتمع، وتبدأ حركة النمو وتشحذ
الهمم ويغيب التواكل، ويتضاءل دور الدولة الى حدود رسم السياسات
وحماية القانون، ويصبح بالامكان قيام نظم سياسية تحكمها المشاركة
ويكون للرأي العام دور مؤثر فيه ولصوته صدى يُسمع ويُؤثر.
|