العدد

177 :

الثلاثاء, يناير 6, 2009 - 9:14 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

ايران وسوريا في دائرة الضغوط الأميركية

د. طلال عتريسي

انقضت ستة أشهر على سقوط النظام السابق في العراق. وحصل خلال هذه المدة تطورات كثيرة في الداخل العراقي وفي محيطه الاقليمي وحتى على المستوى الدولي تستحق التأمل في اطار هذا التداخل بين «الفرص والضغوط» التي يتعرض لها العراقيون من جهة والقوى المجاورة للعراق، وحتى القوات الاميركية - البريطانية التي احتلته منذ اشهر.

 وتبدو سوريا وايران من اكثر جيران العراق تعرضاً للضغوط المباشرة من الولايات المتحدة الاميركية. ولو قارنا وضع هاتين الدولتين مع دول الجوار الأخرى، مثل تركيا او الكويت او الاردن او أية دولة من دول الخليج العربية لأدركنا حجم التهديد الذي لم تكف الادارة الاميركية عن اللجوء اليه منذ سقوط النظام السابق.

ولا شك ان هذه العلاقة المتوترة بين كل من سوريا وايران من جهة وبين واشنطن من جهة ثانية ليست مقطوعة الصلة بملفات المنطقة الأخرى مثل عملية التسوية التي لم تحقق اي تقدم فعلي على الرغم من «التغير الاستراتيجي» الذي حصل في العراق، كما اشار الى ذلك وزير الخارجية الاميركي كولن باول  عندما زار منطقة الشرق الاوسط من بينها سوريا... كما ان التوتر المتبادل في علاقة هاتين الدولتين بالولايات المتحدة ليس معزولاً ايضاً عن ما يجري في الداخل العراقي، على مستوى محاولات تشكيل بنى للسلطة العراقية أو على مستوى العمليات التي تحصل ضد القوات الاميركية، او عدم الوضوح الذي يقود السياسات الاميركية الامنية والاجتماعية والاقتصادية في العراق. خصوصاً ان انقضاء نحو ستة اشهر على زوال النظام السابق، وعلى سيطرة القوات الاميركية على العراق، تبدو مرحلة كافية لكي تتضح بعدها اتجاهات الرياح التي يمكن ان تهب على هذه البلاد فتدفعها إما الى المزيد من الاستقلال والاستقرار واما الى المزيد من التنازع والفوضى.

هزات ارتدادية للزلازل العراقية

لقد تعرض العراق في خلال عقدين فقط الى ثلاثة «زلازل» سياسية وعسكرية كبرى. أدى الأخير منها الى اطاحة نظامه والى الانتقال به الى وضع «جديد» لم يسبق ان عرفه منذ اكثر من ثلاثين عاماً. فالزلزال الاول، هو الحرب العراقية - الايرانية، التي استمرت ثماني سنوات وفقد بسببها العراقيون والايرانيون مئات الآلاف من الضحايا، وقدموا من اجلها كل ثرواتهم. وقد تحولت هذه الحرب الى «عقدة» في استراتيجية الأمن الاقليمي لايران. اذ اصبح العراق بالنسبة الى هذا الأمن تهديداً دائماً، ينبغي العمل على تطويقه أو على التخلص منه. ولعل هذه «العقدة» هي التي تفسر عدم الاعتراض الايراني الشديد على مبدأ اسقاط النظام العراقي، مثل اعتراضها على مبدأ شن الحرب، مقارنة مع الموقف السوري الذي كان شديد الاعتراض على مبدأ اسقاط النظام في العراق، بمقدار اعتراضه على الحرب نفسها.

الزلزال العراقي الثاني كان احتلال الكويت، الذي احتشد بسببه العالم خلف الولايات المتحدة الاميركية - لطرد القوات العراقية واعادتها من حيث أتت، بعد ان تكبدت خسائر بشرية هائلة وبعد ان فقدت اكثر من نصف قدراتها العسكرية. الا ان ما نجم عن هذا الزلزال ادى على المستوى الاقليمي الى انعقاد مؤتمر مدريد، والى جلوس العرب الى طاولة واحدة للتفاوض مع اسرائيل. ودخلت منطقة الشرق الاوسط في مسار من التطبيع السري والعلني لم يسبق له مثيل طيلة العقود الماضية.

اما الزلزال الثالث فقد اطاح النظام نفسه. ولأول مرة منذ الحرب الباردة قبل اكثر من خمسين عاماً تأتي قوة خارجية وتطيح نظام اًمن اقوى الانظمة العربية واشدها قسوة وانغلاقاً. كان النظام جزءاً من جامعة الدول العربية التي زادتها تلك الزلازل الثلاث ضعفاً على ضعف. وكان العراق عقدة من عقد الأمن في منطقة الخليج التي يستحيل ان تنعم بالاستقرار من دون مشاركة العراق في الاتفاقيات بين دوله. الى ان تمت محاصرة هذا النظام ونزع انيابه طيلة التسعينيات وفرضت عليه العقوبات التي مهدت لاحقاً الى إطاحته به. وفي مرحلة الحصار هذه «استقرت» السياسات الاقليمية والدولية تجاه العراق. فلا الادارة الديمقراطية في عهد الرئيس كلينتون بدلت من استراتيجية احتواء العراق. ولا ايران أو اي دولة من دول الخليج الاخرى كانت تريد تغيير هذا الواقع الذي يمنع عنها تهديد جار قوي، ويبقيه مكبلاً وقعيداً ولعل هذا ما يفسر ايضا  مواقف ايران والمملكة السعودية التي رفضت الحرب بشدة. لأن بقاء الاوضاع على ما هي  عليه كان بالنسبة اليها مقبولاً ومطلوباً  اطول فترة ممكنة.

بينما لا يمكن الاطمئنان الى المتغيرات التي ستنجم عن الحرب وعن اطاحة النظام. وهذا ما حصل لاحقاً.

 في مرحلة حصار العراق كانت «المسألة العراقية» مؤجلة او معلقة لحساب «المسألة الفلسطينية» لأن الاستراتيجية الاميركية كانت ترى ان «الحل الفلسطيني» هو المدخل «للحل العراقي». وكانت هذه الاستراتيجية موضوع توافق وقبول عربي واوروبي وروسي.

اما الاعتراض العربي على سياسة الولايات المتحدة فكان تحديداً لعدم ممارستها الضغوط الكافية على اسرائيل لتنفيذ الاتفاقيات مع الفلسطينيين اي انه كان اعتراضاً من داخل هذه الاستراتيجية وليس من خارجها...

بداية حملات الضغط

ما حصل بعد الحادي عشر من ايلول ـ سبتمبر ـ ان ادارة الرئيس بوش  وفريق الصقور فيها، قلبت الأمور رأساً على عقب. فجعلت «انهاء» الوضع العراقي  هو المدخل لبداية «الحل الفلسطيني» ولبداية التغيير الكبير والواسع  على المستويين لسياسي والاجتماعي في منطقة الشرق الاوسط كلها. وما ان تهاوى النظام العراقي حتى رفعت واشنطن مستوى اهتمامها بالتسوية الفلسطينية - الاسرائيلية. ورأت ان «التغيير الاستراتيجي» الذي حصل في العراق سوف يعجل في التغيير المطلوب في فلسطين من دون اي عرقلة او اعتراض من القوى مثل سوريا وايران التي  كانت تفعل ذلك دائماً قبل الاطاحة بالنظام العراقي، وقبل التغيير الاستراتيجي الذي اصر كولن باول على الاشارة اليه قبل وصوله الى سوريا.

وهكذا لاحظنا انه لم تمض ايام على اعلان انتهاء العمليات العسكرية الاميركية في العراق، حتى ارتفعت  اصوات التهديد والوعيد ضد سوريا. لانها سمحت بلجوء عناصر من النظام السابق اليها، ولانها قدمت المساعدات وسمحت بمرور المقاتلين في اثناء الحرب، ولأنها وهذا هو الأهم لا تزال تقف في صف المعارضين للتسوية الفلسطينية - الاسرائيلية، و«لخريطة الطرق» ولا تزال تؤوي التنظيمات الفلسطينية «الراديكالية»...

كما ارتفعت اصوات التهديد الاميركية ضد ايران لانها تسعى الى امتلاك اسلحة دمار شامل» ولانها تدعم المنظمات الارهابية وتقدم لها االمال والسلاح، ولا تزال تعترض على المسار السلمي في الشرق الاوسط.

اي ان ظاهر الاتهام الاميركي لسوريا وايران يتركز حول «عملية التسوية» وحول موافقة هاتين الدولتين على هذه العملية وعدم اعتراضهما على «خريطة الطريق» التي وافق الفلسطينيون عليها. وقد عمدت كل من سوريا وايران الى نزع فتيل المواجهة والى تخفيف الضغوط المباشرة من خلال التصريح بالقبول بما يقبل به الفلسطينيون، وبعدم التدخل لعرقلة «خريطة الطريق».

سوريا: المواجهة مباشرة

 وفي الواقع ان سقوط بغداد وانتهاء الحرب، وضع سوريا امام مواجهة مباشرة  لم تكن مألوفة مع الولايات المتحدة. واذا كان صحيحاً ان العلاقات بين البلدين لم تشهد دفئاً او استقراراً في السنوات الماضية، بل حالات متفاوتة من التوتر، ومن الحوار والضغوط وتقاطع المصالح، فإن المواجهة لم تكن في اي من المرات السابقة بهذه الحدة التي جعلت  الكونغرس يوافق على مشروع قانون «محاسبة سوريا» في 16/01/2003. والذي لا يعني سوى المزيد من التدهور في العلاقات ومن ممارسة الضغوط. وصولاً الى تأييد ا لغارة الاسرائيلية على منطقة «عين الصاحب» القريبة من دمشق. في اشارة واضحة الى الاحتمالات المفتوحة التي يمكن ان تتعرض لها سوريا.

 

ايران: البوابة النووية

اما ايران فتبدو اكثر قدرة على المناورة من سوريا في هذا «الحقل» المعقد من الفرص والضغوط على الرغم من علاقاتها المقطوعة والمتوترة مع الولايات المتحدة منذ اكثر من عشرين عاماً. فإيران التي «تخلصت» من نظام شكل تهديداً لأمنها القومي طيلة سنوات، تملك في الوقت نفسه نفوذاَ لا يمكن تجاهله في الداخل العراقي سواء بين اطراف الشيعة كافة او بين اعضاء مجلس الحكم الانتقالي، ومثل هذا النفوذ هو الذي يثير قلق واشنطن ومخاوفها. لأن اي استخدام لهذا النفوذ باتجاه مقاومة الاحتلال مقاومة عسكرية سوف يفاقم من ازمة القوات الاميركية ويجعل من استمرار وجودها في العراء أمراً مستحيلاً... ولعل هذا ما يفسر الضغوط الاميركية المتواصلة على ايران، من الباب النووي.

حتى لا تنصرف كلياً الى الاهتمام بالشأن العراقي وبمصالحها وبأمنها هناك. وقد نجحت ايران، في تجاوز هذا   «الكمين الذي نصبته لها الولايات المتحدة، بعد ان فتحت الباب لأوروبا لتكون وسيطاً في مقابل التوقيع على البروتوكول الاضافي الذي تريده الوكالة الدولية للطاقة النووية، والذي ينص على التفتيش المفاجئ للمنشآت الايرانية.

وما يمكن ملاحظته في خلال الأشهر الماضية ان هذه الضغوط التي لم تتوقف على سوريا وايران، ترافقت مع رغبة اميركية في مشاركة دولية لاعادة اعمار العراق. ومع محاولات في مجلس الأمن لمشاركة عسكرية متعددة ولكن بقيادة اميركية. ومع اعتراف اميركي واضح بصعوبة الحد من عمليات المقاومة في المناطق العراقية المختلفة وهذا يعني ان واشنطن تمارس الضغوط على سوريا وايران، من جهة، ولكنها تخوض حرباً دفاعية عن وجودها في العراق من جهة ثانية، كما ان شعبية الرئيس الاميركي بدأت بالتراجع وفقاً لآخر استطلاعات الرأي. وهو أمر يقلق الرئيس وفريقه الذي تقريب الحرب وقدم المبررات لها لأن هذا التراجع يعني ان عودة بوش مرة ثانية قد لا تكون مضمونة. واذا اضفنا الى هذه الحالة الدفاعية التي اقر بها احد اهم صقور الادارة  وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، واعترف من خلالها بعدم التقدم في الحرب على الارهاب، الوضع المتفجر في فلسطين، وعدم تطبيق خريطة الطريق، فإن «انجازات» الرئيس الاميركي الخارجية لن تحسب في مصلحة التأييد الذي يسعى للحصول عليه من الشعب الاميركي، وقد اصبحت الانتخابات الرئاسية على الابواب.

ان ما يجري في الداخل العراقي - والصعوبات التي تواجهها الادارة الاميركية في حشد التأييد للمشاركة في اعمار العراق،  وتصاعد عمليات المقاومة، سوف يساعد كلاً من سوريا وايران على الثبات على الرغم من الضغوط والتهديدات التي تتعرضان لها. لأن استمرار هذه الاوضاع على ما هي عليه اقليميا ودولياً  ليس في مصلحة الولايات المتحدة. وما نشهده في فلسطين من  كر وفر اسرائيلي وفلسطيني، سياسي وأمني في وقت واحد يشبه الى حد بعيد ما كانت عليه الاوضاع قبل احتلال العراق.

وزيارة وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا الى ايران، لحل «العقدة النووية» هو تأكيد لمبدأ «الحوار البناء» مع طهران وليس لتصنيفها ضمن «محور الشر» الأميركي.

المهم ان المرحلة المقبلة ستبقى مرحلة استمرار الضغوط على سوريا وايران، وقد يحصل فيها ما يخرج عن السيطرة اذا تكررت العملية العسكرية الاسرائيلية ضد سوريا. لكن ذلك لا ينبغي ان يعني بأي حال استعجال هذا التفجير الواسع. فما تحقق في الاشهر الستة الماضية في داخل العراق وخارجه اثبت ان الولايات  المتحدة اعجز من ان تدير كل ما يجري في الشرق الاوسط كما تشتهي. ولعل اهم ما يمكن القيام به من الاطراف الاقليمية العربية والاسلامية، ومع الاطراف الدولية هو عدم تمكين الولايات المتحدة من البقاء طويلاً في العراق.

* مدير معهد العلوم الاجتماعية
     الجامعة اللبنانية ـ بيروت





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2009 م -  اتفاقية استخدام الموقع