|
تحرير المستقبل العربي الاسلامي
برنامج الجامعة
العبرمناهجية في باريس
حرب علمية وتكنولوجية وابستمولوجية عربية
اسلامية ضرورية
باريس ـ النور
تنهض في اوروبا، واميركا نفسها، هذه الايام
جملة من المدارس النقدية الذاهبة باتجاه قراءة تاريخ الموروث
الانساني، وتقييم الخيارات الايديولوجية والسياسية التي انحازت
اليها البشرية خلال القرنين الماضيين؛ خصوصاً بالقياس الى تأكد
الاحادية القطبية التي صار ينجرف اليها العالم.
في مجال العلوم، والعلوم البحتة، تأتي هذه
المحاولة بشكل خاص باتجاه مبحث فلسفي مقاوم، يحذر من خطورة تحويل
العلوم التكنولوجية والمكاسب العظيمة للاختراعات العلمية التي
راكمها العقل الانساني الى «آداة» خارج اطار المصلحة البشرية.
ويسعى هذا المبحث للتأسيس «لمنهج تحرري» يقصد بالذات «الزمان»
بالقياس الى منظور مستقبلي؛ هدفه اقحام شعوب الارض كافة في عصور
العلوم المقبلة، هذه «العصور» التي تم «احتلالها» بالكامل منذ الآن
من طرف حفنة من الدول الغنية الواعية بأهمية الوصاية المطلقة على
مستقبل العصر الانساني.
تمثل جامعة العبرمناهجية في باريس أحد أهم
الرموز الناشطة في هذا الاتجاه. وباعتبارها قد نجحت في استقطاب
جملة من الشباب الفرنسي ذوي الاصول العربية، الواعين بخطورة غياب/
أو تغييب «الفعل» العربي في الرهانات العلمية والتكنولوجية
المستقبلية، رأت النور أهمية معالجة هذا الموضوع في حوار مع الباحث
الجزائري الأصل محمد طالب، الخبير في شؤون تاريخ الاديان وفلسفة
وتاريخ العلوم والمنسق العام لأعمال الجامعة. في محاولة لتحديد أطر
هذه المبادرة ونوعية اهتماماتها بالموروث الحضاري الاسلامي العربي،
ثم للبحث عن طبيعة برنامجها لتطوير منهجية علمية مقاومة في
الفضاءات العربية نفسها؟
> كيف تربطون طروحات
الجامعة العلمية بالفضاء العربي الاسلامي؟
- يتأكد هم المشروع
الفكري العلمي للجامعة الذاهب باتجاهات الفضاءات العربية الاسلامية،
بشكل اساسي في التأسيس لحركة بعث حداثي منهجي عربي/ اسلامي. حداثة
تكون قادرة على مواجهة حقيقية للتحديات التي تواجه المجتمعات
العربية - الاسلامية.
واذا نظرنا الى اشكالية الحداثة العربية، وفق
المنهجية التي ندعو اليها، نجد أن الاشكالية تعود بالدرجة الأولى
الى المحاولة الفكرية لبلورة النموذج الحداثي العربي الضروري،
اقتصرت على الأخذ في اعتبارها بالزمان الحاضر لا غير، باعتباره
يمثل المسافة التي يدور فيها الاستلاب والاغتراب، بل الاحتلال
الفكري والسياسي والتكنولوجي.
كمحاولة للحداثة، تجد نفسها، وهي في هذه
المسافة الزمنية، مهددة باشكاليتين جديدتين، كلتاهما تقود الى طريق
مسدود: ترتبط الاشكالية الأولى بالتبعية الاقتصادية للمجتمعات
العربية للنموذج التطوري الغربي من الناحية التقنية او المعطيات
المادية الضرورية لتفعيل عمليات الانتاج، او من الناحية
الايديولوجية والفلسفية.
اما الاشكالية الثانية فتعود للتهافت والنكوص
الداخلي لشريحة مهمة من نماذج الفكر العربي - الاسلامي، الذي أصبح
يتأرجح في نقطة دنيا لا يقارب فيها مستوى الفكر الغربي المتطور ولا
مستوى الموروث الحضاري الذي سجل استقالة منه، مما يجعلنا نؤكد هنا،
ان المشروع الوحيد الممكن للحداثة العربية الاسلامية، هو ذلك الذي
يعتمد منهجية علمية فلسفية فاعلة، تنحو باتجاه المستقبل، ليست هي
محاولة «لتغريب» العالم الاسلامي (أي جعله كبلدان الغرب) وليست هي
مجرد مقاومة رجعية لكل ما قد يتأتى عن حضارة الغرب.
ان التحدي العربي
المعاصر هو في أخذه للمبادرة التاريخية باتجاه المستقبل، الأمر
الذي يعني الخروج من موقف الرفض او المقاومة لما هو غربي (الموقف
الذي لن ينتهي به إلا وظهره الى الجدار)، نحو مشروع يسجل التقدم
والحركة في المكان والزمان كأبجدية اساسية لمنطقه.
وهذه الحركة التاريخية لها أهميتها النوعية،
فالزمان كما المكان جغرافياً تم استعماره واحتلاله لقرون كاملة
قادمة ولقرون كاملة ماضية، فالزمان القادم، شئنا ام أبينا هو مُدار
ومستعمر، منذ الآن، من طرف البلدان العظمى القادرة على النظر ببعد
فلسفي مستقبلي، كما ان هؤلاء قد احتلوا مساحات زماننا الماضي عبر
استثمارهم لكل الموروث الحضاري الموثق وغير الموثق. أليست حركة
الاستشرق التي لفت انظارنا اليها الراحل ادوارد سعيد هي هذا الأمر؟!.
اي ان الحركة العربية يجب ان تكون باتجاه تحرير
هذا المستقبل وتحرير زمان المستقبل المستعمر من قبل الغرب.
> ترتبط منهجية
ادوارد سعيد في تحديده لفكرة غزو الذاكرة والموروث والماضي،
بتفسيره للمشروع الامبريالي نفسه، ونحن هنا ندخل في السياسة، أليس
مشروعكم معرفي/ علمي بالدرجة الأولى؟
- المشروع العلمي
الفكري لجامعتنا يتقاطع ويقترب كثيرا من الرؤية المنهجية للراحل
ادوارد سعيد الذي نعتبره ليس فقط من أهم مفكري العالم العربي بل من
أهم مفكري العالم، وذلك عندما يعتبر ان الامبريالية تسيطر ايضاً
على الثقافة، ومن هنا، يكون من الضروري جعل الثقافة بدورها «فضاء
للتحرير». ولا يمكن فصل المشروع العلمي عن واقع تطبيقاته، وفق كل
التهديدات التي تطبع المناخ العام لصيرورة الاشياء بأسرها. فاليوم،
لن نستطيع فهم الأزمة التي تعصف بالعالم العربي بمعزل عن اشكاليات
«العولمة» نفسها. ووفقها أو بالقياس اليها.
وثمة كثير من التحليلات التي ذهبت، للأسف، الى
قصر العولمة في حدود الاقتصاد (سيطرة منظمة التجارة العالمية على
الاقتصاد العالمي). رغم ان العولمة هي ايضاً «اغتصاب للمخيال» بحسب
تعبير وزيرة الثقافة المالية السابقة أمينة تراوغي، الذي جعلته
عنواناً لكتابها عن العولمة الذي صدر منذ عشر سنوات.
فالنظام الغربي لا يعني فقط السيطرة السياسية
او العسكرية او الاقتصادية، بل هو ايضا يهدد «روح» الشعوب التي
تشكل في ذاتها هدفاً لهذه الشهوة المتزايدة في السيطرة عند الغرب.
اي السيطرة على ثقافاتهم وشخصياتهم الروحية وعمقهم النفسي. وللأسف
قد يتدخل العلم، او المنتوج الخلاق للعلوم الانسانية في التأكيد
على هذه السيطرة او التأكيد لها.
واذا اراد الخطاب العربي الحداثي ان يساير
الزمن، وبخاصة الزمن المستقبلي، عليه ان يأخذ في اعتباره بالذات
بقضية العلم. هذا الذي كان خلال فترة ثلاثة قرون أداة للسيطرة
الغربية على الجنوب، بخاصة على الجنوب العربي الاسلامي. فثمة رابطة
حميمة بين العلم والرأسمالية والامبريالية الغربية.
واليوم، داخل العلم
نفسه، اخذت تتولد ديناميات معرفية جديدة - هي التي تنتمي اليها
منهجيتنا- والتي اخذت تناقش وتنتقد هذه الاساسات للسيطرة الغربية
على العلم وتوظيفه لمصالحها. وهذا التيار الجديد يؤسس لفضاء فلسفي
جديد، وفق منهجية جديدة ومفاهيم علمية جديدة. وجامعتنا وفق هذا
المعنى، تعتقد بضرورة ولادة حداثة علمية عربية اسلامية قادرة على
الحدي ث بلغة عربية عالمية فاعلة في هذا الحقل الجديد للرؤية
العلمية الانسانية.
> كيف سيتحدد عمل
الجامعة بالقياس الى هذا المنهج العربي الاسلامي للحداثة؟ بمعنى
في أي الميادين سيكون برنامجكم العلمي؟
- برنامج عمل الجامعة
باتجاه الفضاء العربي الاسلامي يعتمد بالأساس خمسة محاور ضرورية،
يشكل كل منها قاعدة عمل منفصلة بالمعنى البحثي والاكاديمي للكلمة،
لكن كل منها مرتبط بشكل اساسي مع المحاور الاخرى، التي يمكن
اختصارها كالآتي:
- المحور أو الاتجاه
الأول: يسعى لتجديد الفكر الثيولوجي
الاسلامي ونهضته. بقصد اعادة الاعتبار للمكونات الاساسية للإرث
الفكري الاسلامي العظيم، وهي المكونات التي تشكل القاعدة الضرورية
لتفعيل حركة الحداثة العربية (نماذج من الموروث الذي تركه فلاسفة
عظام كالكندي والفارابي وابن سينا او بعض من المتصوفين كابن عربي
والجيلي والنابلسي، او الأمير عبد القادر الجزائري وبعض من
المتكلمين كنحوي البصرة....).
لذلك يحتل المشروع الاكاديمي حول «ثيولوجي
اسلامي للتحرير» مساحة مهمة من برنامجنا العام للعمل. وعبر هذا
المشروع بالذات نعتقد في امكانية التأكيد على أن البعد الديني
للحياة الاجتماعية يمكن ان يساهم في مجتمعاتنا العربية والاسلامية
للتأسيس لمخرج نوعي للأزمات الاخلاقية والسياسية. (الاسلام يحافظ
في هذه المجتمعات على الروابط الاجتماعية المتهددة من الانبهار
بالغرب على سبيل المثال). بالقياس الى هذا المفهوم، يرتكز البحث
حول «قيم» بنفسها، مثل: التآخي والتراحم، الذي يدعو اليها الاسلام،
وكيف ان ارتباط ذلك بمعرفة اخرى« كالوعي الحر للفرد بذاته» قد تجر
اما الى اشكالات التكتل والتعصب، او الى التقوقع على الذات
والفردانية والانانية المطلقة بينما ما يدعو اليه الاسلام هو نقطة
وسط بين الطرفين هي بذاتها الحل لجملة من الازمات الاجتماعية التي
تعصف بالعالم، جنوبه وشماله بالقياس الى كلا الطرفين.
- المحور الثاني:
هو الحوار بين الاديان، وهو بحث ضروري يكشف الاباطيل التي يروج لها
بعض اللاهوت المسيحي بالقياس الى بعض النظريات التي صارت تسود
الوسط الثقافي الغربي كصراع الحضارات (هنتنغتون) او أفكار
الاصوليين البروتستانت. فالعالم العربي الاسلامي سيؤكد ويفرض دوره
كفاعل تاريخي اذا ما نجح في الدخول في الحوار والتواصل، عبر
الثقافة والدين، مع بقية الاطراف الفاعلة في العالم.
وقد اخذت الجامعة
بالمبادرة في هذا الاتجاه وفق سلسلة من البرامج الاكاديمية بهدف
الحوار، منها برنامج بحثي مشترك مع جامعة بوذية هي (درما، غرب شرق)
التي اسسنا معها لبرنامج شراكة للحوار بين الاسلام والبوذية عبر
مجموعة الابحاث (اسلام/ درما) المشتركة بين الجامعتين والتي نسعى
أن نرصد من خلالها للخطوط العريضة للتقاطعات او التكامل التاريخي
بين الاسلام والبوذية في آسيا واسيا الوسطى او بغداد (في العصر
العباسي بالذات).
وقد حقق المؤتمر المشترك بين الجامعتين (الذي
اقمناه الصيف الماضي في فرنسا) نجاحا منقطع النظير، مما يؤكد على
أهمية هذا النوع من المبادرات.
- المحور الاخير،
هو العمل على بعث او تأكيد حركة «ايكولوجية» اسلامية تعنى بأهمية
الحفاظ وحماية البيئة. وان المراقب للحالة «الايكولوجية» في العالم
العربي سيصدمه الوضع الكارثي: التصحر الذي يهدد كل حياة، تدني
خصوبة التربة لسوء الاستخدام الزراعي المزمن، الهجرة الرعوية، عدم
التوازن بين البلدان العربية ذات الكثافة السكانية العالية وتلك
التي لا تملك مصادر كافية للطاقة (مثل مصر) والبلدان التي تملك
مصادر كبيرة للطاقة لكنها ذات كثافة سكانية متواضعة، بالاضافة الى
التلوث والمشكلات الصحية المختلفة.
وللأسف، هناك مسافة كبيرة بين خطورة الأزمة
الايكولوجية ومستوى الوعي بها. فمن سمع في بلداننا العربية مثلاً
عن «اليوم العربي لحماية البيئة» الذي تم التصويت عليه من قبل
المؤتمر العام لوزراء البيئة العرب.
ومن ناحية اخرى، نحن
نعرف جميعاً ان الماء سوف يشكل في السنوات المقبلة واحدة من اهم
الحدود/ والمؤثرات الجيوبوليتيكية في العالم (وهذا يبدو واضحاً
اليوم في الصراع العربي الاسرائيلي والأزمة بين تركيا وسوريا
والخطر الذي يهدد مصر بالقياس الى منابع النيل في بوروندي واوغندا).
لذلك فإن ما نهدف اليه عبر اهتمامنا الاكاديمي بالمسألة هو التأكيد
على ان أي مشروع عربي قومي حضاري، اذا لم يأخذ بمسألة حماية
البيئة فلن يكون الا مشروعا فارغاً وعقيماً. او انه يولد وهو مصاب
بهذه «العاهة» القاتلة.
- المحور الرابع:
يبحث للتأسيس لثقافة نقدية بشأن العولمة الليبرالية، لاننا على
يقين بانه لن تكون هناك ولادة لحداثة عربية حضارية حقيقية في اطار
الرأسمالية القائمة. فإن روح الرأسمالية التي تعتمد تراكم رأس
المال للمرور لتراكمات آخر هي روح «موات» وخذلان لأي بعث ممكن.
فمشروع الرأسمالية هو تحويل كل موجود الى مجرد «شيء» المرأة والرجل
والشعوب، او البيئية والطبيعة نفسها. فمشروعنا الفكري يشارك في هذه
الجغرافيا الجديدة المقاومة للعولمة النيوليبرالية والتي تستند الى
مدن جديدة. (بورتو اليغرو، لولارزاك، سياتل، فلورنسة). وعلى نحو
ما فإن ما نسعى اليه هو ان نوضح ان الرأسمالية ليست فقط كما يعرفها
ماركس (نمط انتاج اقتصادي) ولكنها ايضاً نظام عام عالمي يهدد كل
فضاءات الحقيقة. (فليس اقتصاد السوق هو ما يشكل المشكلة بل مجتمع
السوق هو المشكلة الحقيقية).
- المحور الاخير:
هو التبشير بخطاب علمي عربي اسلامي او التأسيس له، وفي هذا الاتجاه
لا نريد ان نكتفي بمدح الامجاد العلمية العربية التي وصل اليها
العرب خلال العصر الذهبي للحضارة العربية بل تطويع كل هذا باتجاه
مشروع علمي فلسفي عربي يواجه تحدياً فكرياً اساسياً هو: كيف يمكن
ان نجعل مكانا واضحاً في الخطاب العربي، او في اللغة الفكرية
العربية، للفلسفة الجديدة للعلم والتي تتأتى من التغير
الابستمولوجي الذي حدث في علوم الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا
كما في العلوم الروحانية.
والجامعة العبرمناهجية
تعمل في هذا الاتجاه مع مجموعة من العلماء، وبخاصة من العلماء
العرب والمسلمين ذوي الكفاءة العالمية، وفق طموحات كبيرة ويتأكد
برنامجها من خلال المشروع العلمي الاسلامي الذي سيدور خلال السنوات
الثلاث المقبلة.
ونحن سعداء ان مجلة النور قد قررت فتح ملف شهري
خاص حول الاسلام والعلم، ومساهمتها بشكل فاعل في اطار هذا المشروع
نفسه، باتجاه ايجاد اجابة عربية اسلامية «حداثية» للتحديات
المعاصرة.
|