|
المرشد العام
لجماعة الإخوان المسلمين المستشار مأمون الهضيبي للنور
العنف ليس هو السبيل لتحقيق الأهداف السياسية
حوار- شريف سعد الدين
على صفيح ساخن تمضي العلاقة اليوم بين
الحكومة وأجهزتها في مصر وبين جماعة الإخوان المسلمين، على رغم أن
كلا الطرفين لا يبحث عن التصادم، لكن يصح القول إن الحكومة متربصة
بالنشاط الإخواني لا سيما في المحافظات، ومحاولات الإخوان التسلل
إلى المؤسسات الحزبية والصحافية والنقابية فضلا عن البرلمان، في
الوقت نفسه لا يدخر الإخوان فرصة إلا واستفادوا منها لاثبات الوجود
والحضور والفعالية والوصول إلى الجماهير.
إذاً هناك صراع هادئ، لكنه استراتيجي، بين
السلطة والإخوان، وهو ليس وليد اليوم، بل يعود الى أربعينيات القرن
الماضي.
ورغم أن الرئيس السادات فتح عهدا جديدا، وصفحة
بيضاء مع الإخوان بالإفراج عنهم في العام 1971، واعترف بالمرشد
العام للجماعة عمر التلمساني الذي تم اختياره العام 1976، وكان
دائم الحوار معه، ربما بغرض توظيف وزن الإخوان لمواجهة النشاط
الناصري والماركسي المتنامين في تلك الفترة، إلا أن الصدام سرعان
ما عاد بين سلطة السادات والإخوان بعد توقيع معاهدة السلام المصرية
الإسرائيلية.
ولعل قانون العلاقة بين السلطة والإخوان منذ
عهد الملك فؤاد حتى اليوم، هو التعامل بحذر، فالسلطة تعترف بوجود
الإخوان كحركة سياسية فاعلة، لكنها لا تمنحها أي صفة شرعية، ولا
تسمح لها بتجاوز الأبواب الموصدة إلا بحساب، من هنا تأتي صعوبة
وتعقيدات هذه العلاقة التي فرضت نفسها على هذا الحوار، الذي اجرته
النور مع المستشار مأمون الهضيبي المرشد العام للجماعة في مقرها في
ضاحية النيل في القاهرة وهذا نصه.
<استبعدتكم
الحكومة المصرية من جدول الحوار الوطني الدائر حاليا بين الحزب
الوطني الحاكم وأحزاب المعارضة، لأنكم حسب توصيفهم (جماعة غير
شرعية)، فهل هذا التوصيف له دلالات قانونية وسياسية لديكم؟
- منذ 14 كانون الثاني
- يناير - 1954، التاريخ الذي صدر فيه قرار مجلس قيادة الثورة بحل
جماعة الإخوان المسلمين، والحكومات التي تعاقبت، بعد ذلك، تصر كلها
على أن جماعة الإخوان المسلمين منحلة وأنها غير موجودة أو شرعية،
وفي الوقت نفسه أيضا فهي تتصرف بشكل يؤكد أن الجماعة موجودة بالفعل
وقائمة، فلها كيانها وشعبيتها التي تفوق شعبية الأحزاب (المعترف
بها رسميا) مجتمعة، لذلك فقد آن الآوان أن تعقل هذه الحكومات
الأمور بأن لا تنكر الشمس الموجودة في عز الظهر.
أما عن الأحزاب الأخرى التي تهاجم وترفض وجودنا
مثل حزب الوفد على لسان رئيسه نعمان جمعة، الذي أكد أن المعرقل
الرئيسي للإصلاحات ولتسريع الخطوات نحو الديمقراطية هم الإخوان
المسلمون، فهو موقف غير معبر حقيقة عن حزب الوفد حيث إن أغلب
أساطين حزب الوفد أنكروا ذلك، ورفضوا تماما هذا الادعاء الباطل،
ووقف معنا في الرد على هذا الاتهام أغلب المثقفين المصريين من
الأحزاب المصرية كافة، بل إن أغلبهم يؤكدون أن الحوار الوطني بين
الحزب الحاكم والأحزاب والقوى السياسية الأخرى لا يجب أن يستبعد
منه الإخوان المسلمون كقوة فاعلة حقيقية في المجتمع المصري، حتى أن
رئيس الحزب العربي الناصري ضياء الدين داود في مقابلته مع وزير
الإعلام صفوت الشريف أكد له أن اقصاء الإخوان المسلمين من الحوار
"غباء سياسي" وأعتقد أن مسألة الحوار المطروح قد ماتت بالفعل
وانتهت طالما هي متمسكة باستبعادنا وما في ذلك من انكار للواقع مع
عدم وجود المبرر الحقيقي لذلك، حيث إن واقع الحال يؤكد أنه على مدى
أكثر من 75 عاما مند نشأة جماعة الإخوان المسلمين حتى الان، نحن
موجودون على الساحة وبقوة وعلاقاتنا مع الجميع طيبة وخصوصا مع
الأقباط، فنحن أكثر مَنْ يصون ويحافظ على الوحدة الوطنية وشواهدنا
في ذلك كثيرة من وساطات طلبتها الحكومة المصرية نفسها من المرشدين
السابقين (عمر التلمساني ومصطفى مشهور) للتدخل ولتسوية الكثير من
محاولات شق الوحدة الوطنية، وقد قاما بالفعل بتقديم كل العون
للحكومة للحفاظ على أمن البلاد ووحدتها.
لهذا لا يوجد سبب منطقي لاستبعادنا ووصفنا بغير
الشرعية سوى أن النظام الشمولي دائما ما يكون عدوه هو وجود أي قوة
شعبية تقلق باله وتؤرق منامه وقد يتزحزح من سلطته وهو ما لن يسمح
به النظام الشمولي إينما كان!
اختلاف في الأفكار وليس ثأراً
> سبق وأن تحالفتم
مع الوفديين في الانتخابات البرلمانية العام 1984 وحققتم إنجازا
غير مسبوق، واليوم يعاديكم الوفد ومعه حزب التجمع، بينما يبدو أن
الناصريين هم القوة الوحيدة التي تدافع عن حقوقكم في التواجد
السياسي، فهل انتهى الثأر التاريخي مع الناصريين، وهل تنوون تشكيل
جبهة سياسية مع الناصريين؟
- أولا لا يوجد لدينا
مع الناصريين الحاليين الآن اي ثأر ولكن حالة الخلاف والثأر
التاريخي كانت بيننا وبين جمال عبد الناصر وانتهت بوفاته، ثانيا
أغلب الناصريين المعاصرين يفكرون ويرفضون اعمال الاعتقالات
والتعذيب والاغتيالات التي مورست ضدنا، ثالثا إن الحزب العربي
الناصري ومنذ نشأته يطالب بالاعتراف بالاخوان المسلمين كحزب سياسي،
لذا فالمؤكد أنه ليس لدينا مع الناصريين ثأر، فقد يكون بيننا خلاف
في الآراء والأفكار وهو اختلاف موجود بين كل الاحزاب، يماثل
الاختلاف الموجود في طبيعة البشر والاشياء فالاختلاف هو السمة
المميزة بين حزب وآخر وشخص وآخر، وهو اختلاف لمصلحة الوطن ولذلك
وجدت الانتخابات وتداول السلطة لهذا الأمر.
المصالحة التي لم تحدث
> ما رأيكم في
المصالحة التي جرت بين الحكومة والجماعة الإسلامية والتي بمقتضاها
تم الإفراج عن الآلاف من المسجونين المنتمين للجماعة، وهل هي موجهة
ضد الإخوان، حيث إن هناك رأياً يقول إن الحكومة أفرجت عن الجماعة
لكي تحقق توازنا في الشارع مع الإخوان، مع تهدئة الموقف مع الجماعة
للتفرغ لمطاردة الإخوان؟
- في تقييمنا نحن نرى
أنه لم تجر حتى الآن مصالحة حقيقية بين الحكومة والجماعة
الإسلامية، فما حدث هو أن الجماعة تخلت عن بعض مبادئها التي كانت
متمسكة بها من قبل مثل: تكفير الحاكم والناس أيضا، وكانوا يتبعون
مبدأ تغيير المنكر بالقوة، وهذان الأمران كانا يقلقان الحكومة
كثيرا نظرا لخطورتهما على كيان الدولة ككل حكومة وشعبا بعد أن
تعددت وتكررت عمليات الاغتيالات والتفجيرات ضد المسؤولين
والمفكرين والمواطنين العاديين، ولكن ما حدث مؤخرا هو أن بعضهم
عدل عن هذا الفكر ورجع إلى فقه الشريعة الإسلامية الذي تأخذ به
جماعة الإخوان المسلمين، والتي كانت أول من تصدى لفكر الجماعة في
تكفير المجتمع من خلال اصداراتها التي أشرف عليها المرشد السابق
آنذاك (المرحوم المستشار حسن اسماعيل الهضيبي) لاقناع الناس بمنهج
الإخوان المسلمين التي لم يسبق وأن كفرت مسلما منذ حسن البنا،
وكذلك انكارنا ورفضنا لمبدأ تغيير المنكر باليد بالقوة.
أما عن جزئية المصالحة بين الجماعة والحكومة
فهي لم تحدث لأن الحكومة لم تسمح لهم بنشاط سياسي، وما قدمته
الحكومة للجماعة لا يتعدى أنها أفرجت عن جزء كبير من المنتمين
للجماعة من السجون والمعتقلات المصرية، وهذا أمر لا بأس به وخصوصا
أننا دائما ما ندعو إلى الغاء قانون الطوارئ والإفراج عن كل
المعتقلين.
أما في ما يخص التفرغ لمطاردة الإخوان سياسيا
وأمنيا من قبل الحكومة، فرغم إن مبادئنا المعلنة كلها ليس فيها ما
يخل بالأمن العام إلا أن حملات الاعتقالات تتواصل ضدنا لأمور غير
مبررة فترفع الحصانة عن أحد الأعضاء في مجلس الشعب (جمال حشمت)
ليتم الهجوم عليه في منزله واعتقاله والأمر نفسه تكرر مع علي عبد
الفتاح بتهمة امتلاكة أسلحة، كل تلك الملاحقات الأمنية لأعضاء
وقيادات جماعة لا ترفع السلاح ولا تستخدم العنف في مقاومة السلطات،
ويتم ذلك عن طريق إجراءات مخالفة للدستور والقانون وهو ما يستنكره
كل وطني في مصر.
قصة الحوار الملفقة
> هل حدث وأن حاورتم
الأميركيين عن طريق الدكتور سعد الدين إبراهيم وما هدفكم من أي
حوار بينكم وبين الأميركيين أو الغرب عموما؟
- لم يحدث مطلقا أن كان
هناك حوار مشترك بين جماعتنا والأميركيين، كل ما حدث أنه عندما كان
الدكتور سعد الدين إبراهيم في السجن قابل مجموعة من إخواننا
الموجودين أيضا في السجن نفسه ودارت بينهم حوارات ومحادثات عديدة،
ولما خرج سعد الدين إبراهيم من السجن اتصل ببعض من كانوا يرافقونه
في السجن وذكر لهم أنه يوجد بعض الأوروبيين الذين يريدون التحاور
معنا بهدف الاطلاع على دعوة الإخوان المسلمين، وبالطبع كأي داعية
يبلغ دعوته للناس، فقد وافقنا أن يذهب لمقابلتهم مجموعة أشخاص ولكن
بصفتهم الشخصية وليست الرسمية، وبالفعل دارت بينهم المناقشات حول
الإسلام وطبيعة دعوة الإخوان وبعض الأمور الفقهية المتعددة، ولكن
بعد أن وجد الأخوة أن هؤلاء الأوروبيين يطرحون مباحث فقهية عميقة
توقفوا لأنهم ليسوا فقهاء في الشريعة ليردوا على ما طرح ولكن هم
يعبرون عن مبادئ الإخوان فحسب، ولهذا انتهى الأمر على هذا ولم
يلتقوا بعدها أبدا.
وهكذا فإن المسألة لم تعد كونها مقابلة تمت بين
أشخاص أوروبيين (غير ممثلين لحكومات) وبين إخوان لنا في التنظيم
بصفتهم الشخصية ولم يدر فيها أي حديث سياسي، ولكن للأسف فإن أحدهم
قد ادعى قصة المفاوضات بيننا وبين الأميركيين وهي قصة كما أوضحت
ملفقة ولا أساس لها من الصحة.
التنظيم الدولي رمز للخلافة
> هناك غموض وعدم
توصيف لمفهوم التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وبأنكم المرشد
العام لهذا التنظيم فما تعليقك؟
- التنظيم الدولي
للإخوان المسلمين هو مجرد رمز للخلافة الإسلامية، حيث أن الإخوان
المسلمين يطالبون منذ نشأتهم بالخلافة الإسلامية واعادة احيائها،
ولكنهم، كما قال الإمام حسن البنا، يدركون أن دون ذلك أطوار
وأطوار، وأجيال وأجيال وأعمال وأعمال، وأن ليس هذا بالعمل الآني،
وأننا لابد أن نبدأ أولا كل في مكانه وفي وطنه وبين قومه، إذن
التنظيم الدولي الموجود الآن هو مجرد رمز لإحياء هذه الذكرى، ولكن
في كل بلد فإن قومه هم أصحاب الشأن وهم من يتولون ويصرفون أمورهم،
فمثلا الإخوان المسلمون في الأردن وفي السودان والجزائر وفي العراق
وفي غيرها من البلدان العربية هم وطنيون مئة في المئة خاضعون
لقوانين بلدانهم ويقررون أمورهم طبقا لما في وطنهم واحتياجاتهم،
فكل الإجراءات التي يتخذونها تكون بقرار منهم ونحن إذا كنا نعلم
شيئا عن تلك الإجراءات يكون ذلك عن طريق الوسائل الإعلامية
المتعددة، وعلى هذا نوضح أن الإخوان المسلمين الموجودين تحت أسماء
شتي في كل بلد من بلاد العالم كل منهم يتأقلم حسب ظروف بيئته
واقليمه وامكاناته، وما يجمع بيننا جميعا هي المرجعية ومرجعيتنا هي
القرآن الكريم والسنة النبوية، إضافة إلى الأصول العشرين التي
اجتمع عليها الإخوان المسلمون، وهذا يجعل التصرفات تقريبا متماثلة
بيننا جميعا، وعندما نستطيع أن نجتمع فإننا لا نجتمع للقيام
بانقلابات ولكن للمبادئ والأحوال العامة في الإسلام الموجودة في
العالم، وللأسف فإن بعض الجهات الرسمية الغربية والعربية تحاول
تضخيم المسألة بإشاعة أن التنظم الدولي للإخوان المسلمين يهدد
الحكومات وأنه يحاول أن يقوم بالانقلابات ليوحد البلدان تحت قيادة
واحدة، وهو أمر مبالغ فيه والمقصود به تبرير مطاردتنا ووضعنا في
دائرة الاتهام بشكل مستمر من قبل تلك الحكومات الخائفة من تجمعنا
وتنظيمنا.
الشورى مبدؤنا
> هناك شكوى من عدم
وجود دماء جديدة في الهيئة الاستشارية للإخوان أو مكتب المرشد
العام، وهذا كلام جماعة حزب الوسط التي تتهمكم أيضا بتغييب الحوار
وإعلاء مسألة الطاعة العمياء؟
- للرد على هذه
الاتهامات نعود بالتاريخ إلى يناير - كانون الثاني - 1995 والذي
قبض بعده على 83 من كبار الإخوان المسلمين وقدموا للمحكمة العسكرية
وكانت التهمة الموجهة إليهم بسبب أننا نظمنا انتخابات داخلية في
التنظيم وعقدنا الشورى الذي انتخب مكتب الإرشاد والهيئة
الاستشارية، وهذه الانتخابات جرت من القاعدة في المحافظات والقرى
حتى مكتب الإرشاد، وكل ذلك جرى قبل العام 1996، الذي خرجت فيه
جماعة حزب الوسط للوجود ليروجوا لهذه الاتهامات، ألم تكفهم هذه
الانتخابات ومجلس الشورى الذي عقد والحوار المبني على الشورى العام
1995، فكيف يتهموننا إذن بتغييب الحوار وإعلاء مسألة الطاعة
العمياء رغم أننا لا يوجد لدينا من يملك السلطة المطلقة المنفردة،
ولم يتخذ (مرشد عام) من قبل قرارا منفردا دون الرجوع للهيئة
الاستشارية.
وكثير ممن ينتمون الآن لحزب الوسط كانوا
يتحدثون في مجلس الشورى ويدلون بآرائهم ويحدث بعدها التصويت، وهم
بالفعل كانوا قد اقترحوا اقتراحات عدة عدلت النظام الأساسي للجماعة
وتم هذا بترحيب من الجميع، وذلك حدث في العام 1995 عندما كان معظم
مؤسسي هذا الحزب أعضاء في مجلس الشورى، ولكن أن يريدوا تغيير قواعد
في نظام الإخوان المسلمين فهذا لم يكن مناسبا لنا، ولطالما هم
يريدون التغيير فلهم ذلك ولكن ليس في تنظيمنا وجماعتنا التي لم تر
في التغيير المطروح ضرورة.
الشورى الإسلامية هي اختيارنا وليس
الديمقراطية الغربية
> أطلق الرئيس
الأميركي جورج بوش، ومن قبله وزير خارجيته باول، دعوتهما
للديمقراطية والتغيير في الشرق الأوسط، فكيف تقيمون مثل هذه
الدعوة؟
- كل شيء يأتي به العدو
الأجنبي المستعمر لا يخدم إلا مصالحه وأطماعه في اخضاع دول الشرق
الأوسط تحت سيادته وسيطرته، وهذا النفوذ الأجنبي أو دعوات التغيير
الديمقراطي في الشرق الأوسط التي يدعمها الأميركان ما هي إلا خدعة
لخدمة مصالحهم فحسب، أما الشيء الوحيد الإيجابي في هذا الخطاب
الأخير لجورج بوش الابن فكان هو اعترافه بأن تأييد أميركا للحكام
المستبدين وللأنظمة الدكتاتورية في المنطقة لمدة ستين عاما أوجد
شعورا لدى شعوب هذه المنطقة بالعداء والحنق ضد أميركا، وهذا صحيح
ولكنه أيضا تجاهل، وعن قصد، الإشارة إلى أن حالة العداء ضد أميركا،
في الأساس نتيجة سياسة أميركا المتحيزة للصهاينة وعدم مناصرة حقوق
الفلسطينيين الشرعية، وكذلك ما فعلوه بالعراق، وكل ذلك هو في
الواقع الذي أجج مشاعر الشعوب جميعها بالكراهية ضد الأميركيين،
وأيضا فإن اعترافهم بمساندة الأنظمة الدكتاتورية لا يعفيهم من
مسؤوليتهم في ارتكابهم هذا الأمر، الذي كان ولا يزال يعني نوعا من
التدخل في شؤوننا الداخلية واجبار الشعوب على أمور لا ترضاها، وعلى
ما يبدو فأن الأميركان، الذين يتحدثون اليوم عن مصلحة الشعوب
العربية وعن أسفهم لمساندتهم الأنظمة الدكتاتورية ويدعون إلى تغيير
ديمقراطي في المنطقة، هم أيضا من يواصلون فرضهم لنفوذهم في المنطقة
ولا يزالون يتدخلون في شؤوننا الداخلية، ولكنهم يسعون اليوم لا
لإزالة هذا النفوذ أو التدخل، ولكن لتغيير شكل هذا النفوذ ونهجه،
ليقدموه لنا في صورة جديدة اسمها الديمقراطية الأميركية ولكن
الجوهر يبقي مزيدا من النفوذ والتدخل!!
حيث أن التغيير الذي يرضونه ويريدونه سيكون
بأيدي أنظمة أكثر تعاونا معهم وأكثر استجابة لأوامرهم، ليأتي للحكم
أنظمة خاضعة ومستأنسة بصورة أكبر وتابعة لهم.
> إذن ما هي رؤيتكم
للتغيير وللإصلاح في ظل ما يشاع عنكم بأنكم إذا حصلتم على السلطة
لن تتخلوا عنها أبدا؟
- نحن نطالب أصلا
بتطبيق الشورى الإسلامية وهي تختلف كثيرا عن الديمقراطية الغربية
التي يروجون لها، وذلك لأن الشورى الإسلامية جزء من ديننا
وشريعتنا، أما الديمقراطية فهي نتاج فكر بشري وهي مناسبة لهم، ولكن
بالنسبة لنا فهي بعيدة عن ضوابط الدين لأنها بغير حدود، وقد تنفلت
إلى ما هو غير شرعي مثل اباحتهم للشذوذ الجنسي والزنا وكل الأمور
الشاذة، وأيضا ورغم أن الفكر الديمقراطي هو نتاج خاص بهم، إلا أنهم
عادة لا يطبقونه، فأعرق الدول الغربية والديمقراطية هي بريطانيا
أكبر دولة استعمارية في العالم، كانت تبرر احتلال البلدان وقتل
شعوبها وتشتيت مجتمعاتها وسرقة ثرواتها.
ولكن الشورى الإسلامية هي جزء من ديننا وهي
عقيدة عامة، لذلك فإننا عندما نتحدث عن الديمقراطية، فمعظم شعوبنا
تتصور أن الديمقراطية نتاج انتخابات نزيهة لإيجاد مجلس تشريعي قوي
ينتخب الحكام ويراقبهم، أما الحيل الأخرى التي يقولها الغرب، فهي
لا تخطر على بال شعوبنا ولا يمكن أن يقبلوها، فلو قلت عندنا إن
الديمقراطية تعني قبول «البوي فريند» و«الغيرل فريند» والشذوذ
الجنسي والتماثل فسيعارضون تلك الديمقراطية ويرفضونها، لذلك فنحن
عندما نقبل الديمقراطية فنحن نقبلها في حدود المبادئ الأساسية
للإسلام، وهذا أمر ليس جديدا علينا، فحسن البنا منذ العام 1938
تكلم عن النظام النيابي وقال إنه أقرب الأنظمة للإسلام وهو الطريقة
الوحيدة لاختيار أولى الحل والعقد، ونحن من ينادي بالتعددية
الحزبية ومن يطالب الحكومة برفع أيديها عن تشكيل الأحزاب مع حرية
تكوينها طالما لا يتعارض فكرها مع المقومات الأساسية للمجتمع
المصري المنصوص عليها في الباب الأول من الدستور، فلكل دولة في
العالم مقومات أساسية مختلفة عن غيرها، كذلك فالعنف مرفوض من أي
جهة تطمح في تطلعات أو أهداف سياسية.
فالصورة الموجودة حالياً في المجتمع المصري من
انفراد الحزب الوطني وحده بالسلطة في مصر وهو الممثل الطاغي في
مجلس الشعب، وكلما تجري اتنخابات تشريعية لا تتغير الوجوه وإن
تغيرت لا تتغير الاتجاهات والانتماءات، لذا فإن الانتخابات
النيابية في مصر هي صورة غير صحيحة لحرية غير موجودة.
- وما هي أهم
الخطوات المطلوبة للتغيير والإصلاح فى المجتمع المصري فى منظوركم؟
أولاً تعديل النظام السياسى في مصر الذي يمنع
كل خطوات التقدم مع الاستمرار في المبالغة في تقييد الحريات
وانتهاك حقوق المواطنين باعتقالهم وتعذيبهم، وثانياً إعادة هيكلة
كل المؤسسات الاقتصادية والصناعية والزراعية والتي ارتكبت مؤسساتها
الحالية الكثير من الأخطاء الفادحة في حق تاريخ هذا البلد العظيم
فأصبح الانهيار هو السمة المميزة لهذا العصر وأصبح التقدم والرقي
هو الهدف الغائب غير المحقق من قبل مسؤولي هذا المؤسسات الفاسدة،
ولعل النموذج المعاكس تماماً لحالة الانهيار التي نعاصرها، هو
نموذج مهاتير محمد الذى حكم أندونيسيا 22 عاماً صعد فيها ببلده إلى
سماء التكنولوجيا مقارنة بحالنا الذي وصل إلى أسفل دركات التخلف،
على الرغم من أننا نملك العلماء والمفكرين والمتخصصين العظماء كل
في مجاله وأبرزهم الدكتور أحمد زويل الذي وعدوه بالإشراف على معهد
أو مركز متقدم لتجهيز جيل من العلماء ولتفيد بلده من علمه ولكن
البيروقراطية وحالة الانهيار التي تحوم حولنا أدت إلى أنه هرب وذهب
إلى قطر لإقامة مركز مماثل لما كان سيشرف عليه في مصر هرباً من
الفساد الموجود عندنا.
حماس ومشاريع التسوية
> ما هي طبيعة
العلاقة بينكم وبين حركة حماس، وهل هناك دور تأثيري للإخوان على
القرار السياسي لحماس؟
- لا يوجد أي تأثير لنا
على قرارات حماس، وكل ما في الأمر أن علينا واجبا شرعيا مفروضا
علينا وعلى كل المسلمين، والإنسانية والحق والعدل تفرضه على كل من
يؤمن بالحق والعدل فى العالم، فالشعب الفلسطيني شعب مقهور ومظلوم
أرضه محتلة ومهجر من دياره ويقتل يومياً ويصادر حقه فى قوت يومه،
ويحاول أن يدافع عن البقية الباقية من أرض الوطن، لذلك ففريضة
علينا أن نساعده بكل إمكاناتنا، والدعم الوحيد القادرون عليه هو
الدعم المادي من خلال تبرعات شعب مصر، وللأسف فإننا لا نستطيع أن
يصل دعمنا هذا للفلسطينيين بطريقة مباشرة، نظراً للقيود المفروضة
علينا من قبل الحكومة التي تشترط أن يكون الهلال الأحمر هو الجهة
الوحيدة المخولة بتوصيل كل هذه التبرعات.
> هل يعني هذا أن
الإخوان المسلمين يتبعون منهج"أهل مكة أدرى بشعابها" في تعاملهم مع
القضية الفلسطينية، حيث كل ما تقبل به حماس يرضي الإخوان في مصر؟
- الفلسطينيون هم أدرى
منا بطبيعة أرضهم وبطبيعة المواجهة على أرض الواقع، فنحن نسمع عما
يجرى هناك مثل الجميع، ولا نستطيع نحن أن ندير معركة حربية لا نعرف
ظروفها المحيطة بها، وحماس ذاتها على أرض المواجهة مقسمة إلى
جناحين، جناح علني سياسي المنهج، والآخر جناح عسكرى سري قد لا يدري
كثير من جناح السياسيين في حماس ما يفعله أو يخطط له هذا الجناح
العسكري.
أما في ما يخص قبول حماس أو غيرها من التنظيمات
الفلسطينية بهدنة أو غيرها من التسويات أو الاتفاقيات بينها وبين
الكيان الصهيوني، فبالتأكيد نحن مع الثوابت الوطنية والقومية
العربية التي لا تفرط في حقوق الفلسطينيين أبداً مهما طال الزمن
وتغيرت الظروف، ولكن لا يمكننا أيضاً تجاهل الضغوط الدولية التي قد
تمارس على هذه التنظيمات الفلسطينية للقبول بهدنة، إلا أنه ومن
الواضح إنهم قد اكتووا بنار الهدنة من جانب واحد ولهذا فهم يشترطون
بأن تكون أى هدفة مقبلة بين جانبين، ليمتنع شارون عن انتهاكاته
وهجماته الإرهابية على الفلسطينيين في مقابل أن يتوقف الطرف
الفلسطيني عن مقاومته قليلاً بهدف الراحة وإعادة التأهيل، وهو ما
نجده منطبقاً نظراً لكم الضغوط الملقاه على عاتق الفلسطينيين وحدهم.
ماذا يجري في العراق؟
> كيف تقيمون الوضع
على الساحة العراقية، وكيف تصفون العمليات التي تجري في المثلث
السني وفي جميع أنحاء العراق، هل هي مقاومة، هل هي تخريب أو، تصفية
حسابات؟
- الوضع في العراق معقد
وغير مفهوم وغير واضح، فالأعمال التي تتم هناك غير معروف من يقوم
بها وكثير منها متناقض مع بعضه، فمثلاً تفجير مقر هيئة الأمم
المتحدة ومقر الصليب الأحمر، فهل تتفق مثل هذه الأعمال مع العمليات
التي يهاجم فيها الجنود الأميركيون أو تتسق معها، أرى تناقضاً
وتنافراً بين الاثنين، ولهذا فنحن نرى أن هناك قوى مختلفة تعمل في
العراق، فالى جانب عدم إنكارنا لوجود مقاومة حقيقية للشعب العراقي
ضد المحتل الأميركي وأعوانه، فنحن نؤكد أيضاً أن هناك أعمالاً يقوم
بها فلول النظام السابق نظراً لأن هناك العديد من تلك العمليات
التي تعتمد على وجود معدات حربية ثقيلة وغير متوافرة للمدني أو
العسكري العادي، أيضاً هناك تخريب مقصود ومخطط له يمارس على الأرض
العراقية قد تكون إسرائيل مشتركة في هذه الأعمال مثلما أكدت تقارير
عالمية أن هناك مجموعات إسرائيلية(قتالية ومخابراتية) دخلت واستقرت
في الأراضي العراقية وتعمل في الخفاء أو تحت أعين المحتل الأميركي.
ولكن نحن نؤكد أن المقاومة حق مشروع لكل عراقي
ضد المحتل، كما نؤكد أن التعاون مع المحتل حرام.
الإخوان في مجلس الحكم العراقي
> إذن فما تعليقكم
على أن هناك منتمين للإخوان المسلمين في مجلس الحكم الانتقالي الذي
شكله المحتل الأميركي ويتعامل معه؟
- طبيعة تعدد الأعراق
والمعتقدات والاتجاهات الفكرية الموجودة على أرض الواقع في النموذج
العراقي تجعل الأمور مختلفة تماماً عند مقارنتها بأي نموذج آخر،
فالشيعة هناك ليسوا نسيجاً واحداً بل أقسام، وكذلك السنة والعشائر،
ولهذا فقد خلق الوضع الحالي بعد أن انفلتت الأمور وأصبحت السلطة
مشتتة والمرجعية السياسية والسلطوية غائبة، حالة من الشك والخوف
المتبادل بين أطياف المجتمع العراقي كافة، بالإضافة إلى خوف كل فئة
من أن يساند المحتل فئة دون الأخرى في محاولته لإشاعة القلاقل
والفتنة بين فئات المجتمع العراقي، لهذا فنجد المبرر لهذين العضوين
الإخوانيين في عضويتهما بمجلس الحكم الانتقالي حيث إنهما في حالة
اضطرار لدفع الضرر، والمضطر يركب الصعب من الأمور، إضافة إلى أنهما
لا ينويان التعاون مع المحتل ولكنهما باقيين داخل مجلس الحكم لدفع
الضرر عن قومهما، وهما وحدهما (كاخوان) يتحملان مسؤولية هذا
الاجتهاد، حيث أنهما من أهل البلد وأدرى بأمورها، ونحن كتنظيم
الإخوان المسلمين في مصر لا نستطيع أن نتحمل عنهم صحة هذا الاجتهاد
ولا أن ننهاهما عنه، ولننتظر فترة أكبر حتى تتبلور الأمور وتبدو
أكثر وضوحاً ليعاودا النظر في اجتهادهما وعملهما.
الإرهاب في السعودية
> ما هو موقفكم من
تفجيرات الرياض الأخيرة؟
- الإخوان المسلمون
يستنكرون تلك التفجيرات الإرهابية الإجرامية التي وقعت في المملكة
العربية السعودية وآخرها ما وقع في الرياض، وذلك لخروجه عن الإسلام
وتعاليمه ومثله وقيمه، حيث صادر حق الحياة والأمن الذي منحه الله
للناس وروع الآمنين وألحق الخسائر الفادحة بالممتلكات، لهذا فنحن
نتقدم بالعزاء الخالص للمملكة العربية السعودية ولأسر الضحايا
الأبرياء ونسأل المولى عز وجل الأمن والسلام والاستقرار للسعودية
والأقطار العربية والمسلمة كافة.
> وماذا عن رأيكم في
فتوى مفتي المملكة العربية السعوية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله
بأن الدعوة إلى قيام تظاهرات هو من الأمور المحرمة واصفا الداعين
إلى التظاهر بأنهم دعاة الضلالة والفتنة؟
- عندما هاجر الرسول
(ص) من مكة إلى المدينة استقبل بتظاهرة من أهل المدينة مرحبين
بقدومه ومناصرين لدعوته، وعلى مدار تاريخ الأمة الإسلامية هناك
العديد من تلك التظاهرات، كما أنه لا يوجد نص في شريعتنا الإسلامية
يحرم التظاهر، لهذا فنحن لا نوافق على مثل هذه الفتوى، ولكن أيضا
إطلاق الإباحة في بعض الأمور ليس بالصحيح لهذا يجب أن تكون
التظاهرات كلها سلمية وبطريقة بعيدة عن تهديد الأمن والسلام، ولا
يكون هدفها التخريب ولكن يكون هدفها محصور في إعلان وابداء الآراء
والمواقف لا أكثر، والأمثلة على الالتزام بذلك كثيرة، فالتظاهرات
التي سار فيها الملايين فى العالم المعارضة للحرب في العراق لم
يمنعها أحد وخصوصاً الحكومات المشاركة في تلك الحرب رغم معارضة هذه
التظاهرات لمشاركتهم، ولكن سارت هذه المظاهرات في إطارها السلمي
البعيد عن التخريب المرفوض.
> ما ردكم على
الاتهامات التي وجهها وزير الداخلية السعودي الأمير نايف بن عبد
العزيز للإخوان المسلمين مؤخرا عندما قال «إن كل العنف الحادث في
السعودية من نبت الإخوان»؟
- إن المملكة العربية
السعودية عزيزة جدا علينا لأقصى درجة ونحن لا نرجو لأحد سوءاً لذا
فنحن غير قادرين على فهم سبب مثل هذا الاتهام الباطل الذي اندهشت
له الأوساط السعودية نفسها، حتى أنه ورغم إشارته إلى أن الإخوان
المسلمين هم سبب الانفجارات الأخيرة والمسؤولين عنها، فقد اتضح
بعدها أن المسؤولين عن هذه الأحداث سعوديون لا شأن أو علاقة بهم
بالإخوان المسلمين، ولم يحدث أن قبض على أحد أو سجن أو أعدم من
الإخوان المسلمين الذين يعيشون في المملكة العربية السعودية، على
الرغم من أن الإخوان المسلمين الذين يعيشون في السعودية من
المصريين أو من الجنسيات الأخرى لا يزالون هناك ولم يقبض على أي
منهم، إذن فكيف يكون الإخوان مسؤولين عن أحداث العنف في السعودية؟!!
أقول إنه في بعض الأحيان يكون هؤلاء الأمراء
مضللين بمعلومات مغلوطة ونظرا لأنهم بعيدون عن حركة الشارع ونبضه
فإنهم لا يستطيعون التأكد من صحة ما يتلقونه من معلومات.
وما يخفف من وقع كلمات وزير الداخلية السعودي
أن موقفه هذا موقف شخصي بحت لا يعبر على الإطلاق عن موقف العائلة
الحاكمة وذلك بتأكيدات متعددة من أفراد العائلة الحاكمة عن عدم
موافقتهم على تلك التصريحات.
|