|
بعد 12 عاماً من بدء الإعلام الفضائي
140 محطة عربية
تسبح في السماء
استبدال التقيم بالتضليل أم بالتنوير؟
القاهرة- عادل الجوجري
ماذا حققت الفضائيات العربية الإخبارية
للإنسان العربي، هل وضعته في قلب الأحداث فمزقت ستائر التعتيم التي
حاول صناع الحدث بطريقة أو بأخرى فرضها أو إسدالها؟ هل ساهمت في
طرح أفكار سياسية ورؤى أيديولوجية فاعلة في الساحة العربية، لكنها
محرومة من فرص التعبير، لأن أجهزة الأمن تطاردها، وإلى أي مدى قدمت
الفضائيات الشخصيات الفكرية والسياسية الناشطة في الساحات الحزبية
والنقابية أو حتى المجتمعية والتي مورس عليها اضطهاد أو استبعاد
لسبب أو آخر، وهل نجحت في تقديم الأفكار وشخوصها بدون مبالغة أو
رتوش إلى الجماهير المتعطشة لمعرفة الرأي الآخر باعتبار أن المحطات
التلفزيونية الأرضية، التي تملكها الحكومات «لم تقصر» في عرض رأي
الحاكم وأجهزته؟
هل اقتربت الفضائيات من قضايا المجتمع
العربي، وكذلك المجتمع الدولي، وحاولت تقريب وجهات النظر في إطار
ما يسمى حوار الحضارات كبديل لما يروجه آخرون حول صدام الحضارات؟
وهل أثرت المحطات الفضائية العربية على صانع
القرار العربي، سيما عندما عرضت عليه مباشرة، وبالصورة، رد فعل
الجماهير حول قضية محددة، فأخرجت الحاكم من عزلته أو سجنه الذي
يضعه فيه مستشاره ومساعدوه من خلال تقارير ملونة، ترى أن كل شيء
جميل وبديع وفق نظرية «تمام يا أفندم»؟
كثيرة هي الأسئلة المطروحة حول ظاهرة من أهم
ظواهر (نهايات قرن وبداية آخر)، وهي جزء من ثورة الاتصال أو عالم
المعرفة الجديد، وهي مرتبطة بفكرة إنتاج إنسان عولمي جديد، بدلا من
استنساخه على طريقة النعجة «دوللي»، كما هي متسقة مع النمط
الأيديولوجي المستحدث «اللاأيديولوجيا» التي تعني في المقام الأول،
علاقة بين الإعلام والحقيقة، وليس بين الإعلام والأيديولوجيا أو
النظام الأيديولوجي كما كان سائدا في ظل العولمة الاشتراكية في
النصف الثاني من القرن العشرين.
تعددية المنابر
إن «نهاية التاريخ» في الفقه الإعلامي الجديد
تعني نهاية سيطرة الدولة على أدوات المعرفة، وعلى وسائل الإعلام،
وإذا كان الطبق الفضائي هو الدليل أو التجسيد لفكرة السماوات
المفتوحة، فإن شبكة الإنترنيت اصبحت البرهان على حرية تدفق
المعلومات والمعارف فضلا عن سيولة الاتصال وسرعته، وإذا عَلِمنا أن
هناك 140 محطة فضائية عربية تنطلق في السماء اليوم، فهذه اشارة
واقعية إلى أن الأمة العربية دخلت عصر الإعلام الفضائي من اوسع
الأبواب، ولم يعد المواطن العربي محكوما في المعرفة بوسائل تملكها
الدولة الوطنية، ولا الحكومة، فقد تعددت منابر المعرفة، وفق اختلاف
ملاّك الوسائل بين ملاك حكوميين (محطات فضائية رسمية) وملاك قطاع
خاص، وبين محطات تعكس أفكار منظمات سياسية مثل «المنار» التابعة
لحزب الله اللبناني، ومحطات يمتلكها رجال أعمال، لكن التطور الحاصل
في مجال الإعلام الفضائي لم يأت فجأة، بل كان محصلة لجهود إعلامية
متراكمة حاولت فك أسر التبعية الإعلامية، ليس فقط على الصعيد
التقني، الذي يتمثل في الأقمار التي تحمل هذه المحطات، والتي لم
يصنع منها قمر واحد في بلد عربي، ورغم امتلاكنا للعديد منها، وإنما
جاءت كلها تسليم مفتاح من فرنسا وغيرها، في الوقت الذي استطاعت فيه
الهند مثلا أن تضع أقمارها، والصواريخ التي رفعتها إلى الفضاء
الخارجي، ومحطات التحكم الأرضية فيها، وكل ما يتعلق بها من منجزات
تكنولوجيا المعلومات، وربما كانت هذه المسألة- رغم جسامتها- أهون
التحديات التي تواجه الأمة وتنذر بوقوعها في أسر التبعية.
ما بعد عصر الراديو العربي
إن العالم العربي كان يمتلك قوة إعلامية ضاربة
في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين لا تتناسب مع قدراته
الاقتصادية والعسكرية، ولعل الولايات المتحدة قد أسهمت في هذا
الجهد دون قصد، حينما أهدت وكالة الاستخبارات الأميركية
CIA رشوة للرئيس عبد
الناصر العام 1954 قيمتها ثلاثة ملايين دولار، انشأ بها برج
القاهرة الشامخ الذي تحول إلى شوكة في جنب الاستعمار الغربي في ذلك
الوقت باعتباره المركز الرئيسي لبث الإذاعات السرية والعلنية التي
غطت قارتي أفريقيا وآسيا داعمة لحركات التحرر الوطني، وقد احتلت
مصر العام 1960 طبقا لحصر الإذاعة البريطانية
BBC HAND BOOK 1987 P.) 180)
المرتبة السادسة في العالم من حيث عدد ساعات الإرسال متعدد اللغات
(301 ساعة ارتفعت خلال أعوام قليلة إلى 560 ساعة، وقد كانت هذه
الإذاعات الثورية أحد مبررات العدوان الثلاثي على مصر العام 1956).
والواقع أن العالم العربي دخل في عصر الإذاعة
الصوتية «الراديو» في فترة مبكرة نسبيا، إذ بدأ الإرسال التجاري
المنتظم في الجزائر العام 1925 ومصر 1926 وتونس 1935 ليعم بعد ذلك
كل الدول العربية مع التحول من النمط التجاري إلى ملكية الدولة في
غالبية البلاد العربية، ولم تتخلف الدول العربية، التي تحرر الكثير
منها في العقدين الأولين من النصف الثاني للقرن العشرين عن الركب
العالمي في مجال التليفزيون، إذ بدأ الارسال التليفزيوني في المغرب
العام 1954، والجزائر والعراق ولبنان 1956، وفي مصر وسوريا 1960،
والكويت 61 وقطر 1970 واليمن 1975 وظل الراديو يلبي تعطش الجماهير
العربية التي يعاني أكثرها الأمية إلى أخبار الدنيا وإلى شيء من
الترفيه، إلى أن جاء التلفزيون ليحقق طموحات الحكومات والجماهير
معا، فالشعوب المحرومة لأسباب اقتصادية واجتماعية من ارتياد دور
السينما والمسرح وجدت في التلفزيون نعم السلوى والرفيق. لكن
الحكومات العربية كانت الأكثر سعادة فقد وجدت في هذا الجهاز
الجديد، البساط السحري الذي يحمل شعوبها إلى عوالم افتراضية
يمارسون فيها حياة بديلة ينسون في احضانها متاعبهم اليومية،
واحباطاتهم وقهرهم.
رحلة القمر العربي
ولدت فكرة إنشاء قمر صناعي عربي خلال اجتماع
لمجلس وزراء الإعلام العرب العام 1967 في مدينة بنزرت، ولم تهز
هزيمة 67 من قناعات العرب بضرورة إيجاد جهاز إعلامي عربي مشترك
يعكس القناعات القومية، وقد تبنى اتحاد إذاعات الدول العربية فكرة
الاستعانة بتكنولوجيا أقمار الاتصال في أول اجتماع له في الخرطوم
العام 1969. وكان الحلم عندئذ هو إقامة شبكة تلفزيونية تجمع بين
جميع الدول العربية على نمط اليورفيزيون والانترفيزيون
الأوروبيتين، لكن الخلافات العربية- العربية لم تترك مجالا أو فرصة
لتنفيذ هذا المشروع الطموح، لكن في العام 1980 تم اطلاق أول قمر من
أقمار عربسات (الجيل الأول) الذي وضعته شركة ايروسبسيال الفرنسية
وقد خرج هذا القمر عن مساره، وضاع في الفضاء، وقد عبرت إدارة
عربسات عن أسفها لهذا الإهدار ضمن تقرير قدمته في ندوة «الخدمات
الاذاعية والتليفزيونية عبر الأقمار الصناعية» في تونس العام 1987
عربسات ضائع في الفضاء من هنا يمكن القول إن بداية عصر الفضاء
العربي جاءت حينما أسس التلفزيون المصري مشروعا مشتركا مع محطة
CNN الاخبارية
الاميركية وشركة الكوابل المصرية العام 1990 لكي تستقبل برامج
CNN وتعيد
ارسالها من خلال الشبكة الارضية المصرية.
وإذا كانت CNN
قد استقرت في الغرب وعند صناع القرار وأصحاب المصالح المالية
الكبرى في العالم باعتبارها أهم مصدر إخباري مباشر في العالم،
فإنها ما لبثت ان فقدت بريقها في العالم العربي بعد انتهاء حرب
عاصفة الصحراء، حتى أن مشروعها المصري أصيب بخسائر فادحة، ومع ذلك
فإن هذا الحدث كان طلقة البداية لكي تتابعه الحكومات العربية، ثم
رجال الأعمال إلى الفضاء الخارجي، وكان طبيعيا أن تكون مصر هي
البادئة بحكم تراثها الكبير في مجال الانتاج السينمائي، الذي يرجع
إلى بدايات القرن العشرين والانتاج التليفزيوني الدرامي والوثائقي
والثقافي ووفرة الكوادر البشرية اعلاميا وفنيا، فبدأت الشبكة
الفضائية المصرية العام 1991 في بث 13 ساعة يوميا على عربسات تشمل
الأخبار والرياضة والترفيه، والبرامج الدينية والتعليمية
والثقافية. وكان الاستقبال يغطي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
وأوروبا وجزءا من آسيا، وسرعان ما تبعها مركز تليفزيون الشرق
الأوسط السعودي (MBC)
بتمويل من رجال أعمال سعوديين منهم الأمير وليد الابراهيمي كأول
شركة مستقلة. وقد ابدت منذ نشأتها ميلا واضحا للنهج الغربي معلنة
من خلال مديرها التنفيذي عبد الله المصري «أنها ستحاول أن تسعى
للمصالحة في الشرق الأوسط وأن تكون جسراً بين الشرق والغرب»، وقد
بدا ذلك واضحا من سعيها إلى أن تكون الطبعة العربية للشبكات
التليفزيونية الاميركية، وقد بدأت هذه الشبكة ببرنامج عربي وآخر
بالانكليزية لمخاطبة عرب المهجر، وفي العام 1994 انسلخ الشيخ صالح
كامل رجل الاعمال السعودي عن (MBC)
وانشأ راديو وتليفزيون العرب (ART)
ومقره جزر الكايمان، وجعل مركز الارسال الرئيسي في القاهرة ويرسل
حاليا على مدار الساعة على سبع قنوات منها ست قنوات مشفرة ولا توجد
في باقة «ART»
أي محطة اخبارية، لكنها ضمت محطة حوارية ذات طابع اسلامي هي قناة
اقرأ. وفي العام 1994 أيضا انضمت إلى هذه القنوات شبكة جديدة حملت
اسم «ORBIT»
برأسمال سعودي، حيث أن النصيب الأكبر فيها للأمير خالد بن عبد
الرحمن آل سعود، وتتكون من باقة بها 16 قناة تشمل قناتين مصريتين،
بالإضافة إلى عدد من قنوات الاخبار الاميركية، من بينها قناة
FOX الاخبارية
التي يرى البعض أنها أكثر المحطات كراهية للعرب وانحيازا لاسرائيل
بحكم أن صاحبها روبرت مردوخ هو رجل الاعمال المعروف بانحيازه
لاسرائيل.
انتفاضة أم إنتفاضة إعلامية؟
وفي وسط هذه الباقات من المحطات الفضائية
الحكومية برزت محطة الجزيرة الاخبارية العام 1997 برأسمال خاص وجاء
كوادرها من مجموعة اعلامية عربية على مستوى مهني كانت تدير قناة
الـ بي بي سي (BBC)
العربية في شبكة أوربيت (ORBIT)،
واكتسبوا خبرات خلال احتكاكهم بالخبراء الاجانب، لكن اللافت هو ان
محطة الجزيرة مثلت تحولا مهما، وكيفيا في الإعلام العربي بصفة عامة
بسبب شجاعتها في طرح الأفكار، واختيار الضيوف، واعطاء مساحات
لمنظمات واشخاص مهمة لكنها كانت محرومة من الاعلام الضخم، فظهرت
برامج كانت حوارية جريئة وصاخبة مثل: الاتجاه المعاكس وأكثر من رأي
وشهادات حية لمسؤولين عرب سابقين وفتحت ملفات كانت مغلقة مثل: ملف
الحرب اللبنانية وملف الأسرى المصريين والقيام بزيارة المعتقلين
العرب في غوانتنامو. باختصار شكلت هذه المحطة نقلة في الاعلام
العربي الذي كانت تسيطر عليه الرتابة والجمود والتقليدية، وظهرت
آثار هذه المحطة وغيرها، لاسيما بعد انضمام محطات أخرى بخاصة أبو
ظبي والمنار و ال بي سي والمستقبل إلى المنهج نفسه، مع اختلاف
الدرجات والاهتمام والخلفية السياسية والايديولوجية لكل محطة،
وأخيرا ظهرت محطة العربية كمنافس اخباري يتسم بقدر من الهدوء لتضيف
إلى الاعلام العربي رافداً جديداً، ومساحة أوسع للجدل بين الأفكار
والتيارات.
ومن التغيرات الجوهرية التي حدثت في عصر
السماوات العربية المفتوحة أن وسائل الاتصال لم تعد تعمل في اتجاه
واحد، من الحكومة إلى الشعب، بل أصبحت تعمل أيضا في الاتجاه
المعاكس، فقد ظهر ذلك جليا عندما أدت التغطية الاعلامية الواسعة
لانتفاضة الأقصى الثانية بما حملته من مظاهر الوحشية الاسرائيلية
في قتل الأطفال العزل مثل محمد الدرة، والتي اشعلت المشاعر العربية
التي كانت قد جنت في العقود الأخيرة بعد الغزو العراقي للكويت،
فخرجت الجماهير العربية تعلن غضبها ليس فقط على إسرائيل بل أيضا
على سلبية النظم العربية ما اضطر هذه النظم إلى اتخاذ اجراءات من
بينها سحب السفير المصري من تل أبيب، وتجميد نشاط المكاتب
الاسرائيلية في دول المغرب العربي وسلطنة عمان وقطر حتى وإن كان
ذلك لفترة مؤقتة، لكن الأمر المؤكد هو ان الفضائيات العربية
استطاعت أن تنقل صور التظاهرات الشعبية من المحيط إلى الخليج، وهي
صور ضاغطة على صاحب القرار ليس فقط في المحيط العربي بل أيضا في
المحيط الدولي.
ويمكن التمييز هنا بين أنواع عدة من المحطات
الفضائية العربية:
أ- المحطات الفضائية الاخبارية الرسمية منها
والمستقلة، والتي تركز في شكل أساسي على البرامج الاخبارية
والحوارية والوثائقية والثقافية أكثر من اهتمامها بالبرامج النوعية
الأخرى.
ب- محطات نوعية، ارشادية أو تعليمية ومن ضمنها
أيضا محطة موجهة إلى المجتمع الإسرائيلي انشأتها مصر مؤخرا.
ج- محطات ترفيهية، لبث الأفلام أو الأغنيات أو
المسابقات الرياضية.
تعميم المعلومات
ساهمت المحطات الفضائية الاخبارية العربية،
التي لها درجة من الاستقلالية الاعلامية، وهامش الحرية الواسع
مقارنة بالفضائيات الرسمية في تحقيق أمور عدة منها:
- اشراك القوى السياسية المحجوبة عن الشرعية في
العالم العربي، ووضع افكارها ورموزها وبرامجها أمام الرأي العام
لكي يحكم عليها مباشرة بعد غياب طويل، ظلت السلطات العربية هي
المتحكم الأساسي في المعلومات المتداولة حول هذه المنظمات. ونلفت
هنا إلى دور المحطات الفضائية في بث أفكار تنظيم القاعدة من خلال
الحوار المباشر مع قادته أسامة بن لادن وأيمن الظواهري أو عن طريق
بث أشرطة مسجلة سلفا، تحتوي آراء هذه المنظمة وأفكارها وغيرها تجاه
الحكومات العربية والدول الأجنبية الفاعلة في القرار الخاص في
المنطقة، ولولا محطات مثل الجزيرة ومن بعدها أبو ظبي ثم العربية لم
يكن ممكنا التعرف بصورة واسعة النطاق على أفكار هذه المنظمة، وصحيح
أن الإعلام المكتوب (نشرات وكتب)، وأشرطة التسجيل هي ادوات ظلت
المنظمات المحجوبة عن الشرعية منذ بدايات القرن العشرين الاكثر
حضورا في برامجها الثقافية، ما يعني أن الفضائيات لم تستحدث فكرة
نشر ايديولوجيا لهذه المنظمات، وإنما ساهمت في توسيع رقعة المطلعين
على أفكارها من خلال ايصالها بسرعة الى مشاهد متنوع على امتداد
الوطن العربي في وسائل اعلام جماهيرية (MASS
MEDIA).
ساهمت الفضائيات العربية في عرض أفكار التيار
الإسلامي على وجه الخصوص من خلال حوارات مع شخصيات ممنوعة في
بلادها، فضلا عن عدد من الرموز المتشددة والمنتشرة في دول أجنبية،
وكان صعبا عليها توصيل أفكارها إلى المواطن المصري، بل ونشر أفكار
الجماعات المتشددة العربية الموجودة في أوروبا.
وبطبيعة الحال هناك نظرتان في هذه القضية،
فالسلطات العربية في غير دولة نظرت بشكل سلبي إلى هذه الظاهرة،
واتهمت المحطات الفضائية بانها تلعب ادواراً تحريضية على التطرف
والعنف، ونالت محطة الجزيرة القطرية القسط الأكبر من الهجوم عليها
باعتبارها النافذة الفضائية الأولى للمنظمات المحرومة من الشرعية،
وجرت محاولات رسمية عدة لمنع هذه المحطة وغيرها من انتهاج أسلوب
طرح الأفكار التي توصف بأنها متطرفة على شاشتها، وقد أثمرت هذه
المحاولات أحيانا وفشلت في أغلب الأحيان.
وهناك نظرة أخرى تعتبر أن طرح الأفكار المتطرفة
على الشاشة حتى وإن كان يفيد المتطرفين أحيانا إلا أنه يضع هذه
الأفكار أمام الرأي العام مباشرة، ويتيح لأنصار الرأي الآخر
مقارعتها وتفنيدها، ما يساهم في إجلاء الحقيقة، وتجد هذه النظرية
رواجا لدى رموز يسارية (انظر مقالات رفعت السعيد في صحيفة الأهالي
القاهرية) التي وجدت أن شعار «الإسلام هو الحل» الذي طرحته الحركة
الإسلامية في مصر في مطلع الثمانينيات، ووجد صدى عربيا هو شعار
معتم ومبهم تستطيع الحركات الإسلامية ان تكسب به الجماهير البسيطة
أو الكتلة الصامتة، في حين أن الدخول في تفاصيل الأفكار والبرامج
والآراء سوف يكشف عن ضحالة قادة التيارات الإسلامية المتشددة،
ويعطي الفرصة لمناقشتهم، بل الأكثر من ذلك هو ان طرح أفكار
المنظمات المعارضة التي من غير المسموح لها إصدار صحف أو نشرات سوف
يخضع هذه الأفكار إلى تحليل جماهيري واسع النطاق، ربما يؤدي إلى
انحسارها في المهد، بينما وجود نوع من الغموض حول هذه المنظمات
يساهم في تضخيمها والمبالغة في تأثيرها في الشارع السياسي.
ولا توجد دراسات علمية حول تأثير بث الجزيرة
وأخواتها لأفكار منظمة القاعدة وآراء بن لادن مثلاً على الشباب
السعودي غير أن الأمير تركي بن فيصل رئيس الاستخبارات السعودية
السابق أشار في حوارات صحافية إلى دور من هذا النوع، كما مالت بعض
المقالات في الصحف السعودية الكبرى داخل المملكة مثل عكاظ والمدينة
والبلاد والندوة إلى نقد لاذع للمحطات الفضائية التي تسمح لما
وصفتهم بأفراد ضالين في بث دعايات مضادة لنظم الحكم في السعودية
كما وصفت مجلة الدعوة السعودية ذات الصبغة الإسلامية التقليدية
المحطات الفضائية الإخبارية التي تعرض الأفكار المتطرفة بأنها تلعب
دورا تآمريا على السلطة الشرعية في السعودية.
والخلاصة هنا هي:
أ - أن المحطات الفضائية قدمت الرأي الآخر
والفكر العربي الآخر، ليس فقط على الصعيد الإسلامي بل من التيارات
المعارضة والمناهضة كافة، بما في ذلك المتشددين في التيار القومي
العربي، وساهمت في ايجاد حالة من الجدل بين التيارات الرئيسية في
الأمة: الإسلامي، القومي، الليبرالي، الماركسي، وهو جدل كان غائبا
في الإعلام الرسمي العربي بل كان من المحرمات.
ب - قدمت المحطات الفضائية الاخبارية رموزا
سياسية وقربتهم فكرا وصورا للذهنية العربية العامة أو الجماهيرية،
فصارت وجوها مألوفة بعدما عانت التجاهل لأزمات طويلة، وتحولت الى
وجوه مألوفة حتى في التلفزيونات الرسمية، ويمكن القول ان بعض الدول
العربية، وبخاصة مصر واليمن والأردن، تجاوب مع المتغير الفضائي
العربي وفتح محطاته الفضائية والعربية لاستقبال السياسيين الذين
ظهروا كنجوم في الفضائيات العربية وكان ذلك متغيراً مهما جدا، إذ
ظهرت في التليفزيون المصري مثلاً شخصيات كانت ضيوفا دائمة على
السجون والمعتقلات بدءا من حمدين صباحي وأمين اسكندر (الناصريان)
ومرورا بمنتصر الزيات وابو العلا ماضي (اسلاميان) ووصولا إلى أحمد
بهاء الدين شعبان وحسين عبد الرازق (ماركسيان).
ج- أخطأ معظم الفضائيات العربية، ربما بسبب
الكسل او التأثر ومحاكاة الغير، من خلال التركيز على عدد قليل من
الشخوص يمثلون التيارات السياسية المختلفة، وكأنه لا توجد إلا هذه
الشخصيات دون غيرها، وهذه الظاهرة السلبية ساهمت في حرمان المشاهد
من التعرف على آراء شخصيات عربية أخرى، ربما أكثر كفاءة من الوجوه
المعروفة والمحفوظة في الفضائيات، حتى أن المشاهد كان يتابع
برنامجا تحليليا في محطة أبو ظبي وبعدها بلحظات يدير الريموت إلى
محطة الجزيرة فإذا بالشخصيات نفسها تحكي في الموضوع نفسه تقريبا،
وليست طرفة ولا نكتة أن معدي هذه البرامج يعتمدون على أجندة
الهواتف نفسها من دون تجديد، ولا محاولة الاطلاع بعمق على الحركات
السياسية أو حتى على المحللين السياسيين لاكتشاف ان هناك محللين
آخرين غير الوجوه المكررة.
ولا تقتصر الحال هنا على الرموز الفكرية
والسياسية المناهضة للحكومات العربية، وإنما على شخصيات دينية تم
تقديمها في المحطات الفضائية العربية، وبخاصة قناتي «اقرأ»
و«المحور» كان قد تم منعها من التواصل المباشر مع الجماهير فتحولت
إلى نجوم فضائية، وامتد الحال إلى بعض الشخصيات المختلفة مع الرأي
السائد، فجرى تقديم بعض منظري السلام مع اسرائيل أو المطبعين
العرب، وتم عرض أفكارهم مقابل عرض أفكار المناهضين للتطبيع، وشمل
الامر الحوار مع كل من أثار مشكلة فكرية او ثقافية في بلاده حتى
وإن كان صاحب روائياً مثل الكاتب السوري حيدر حيدر صاحب رواية
وليمة لاعشاب البحر التي صادرها الأزهر الشريف فتحول صاحبها إلى
نجم، وهرعت الكاميرات اليه في مدينته البعيدة عن دمشق حوالي 200
كيلو متر، واقتربت المحطات الفضائية من الإشكالات الثقافية
العربية، وبخاصة اتحاد الكتّاب العرب، وناقشت امينه العام وبعض
أبرز اعضائه حول حدود حرية المبدع، لكن هناك شكوى عامة بين
المثقفين العرب من أن الاعلام الفضائي لم يتبن حتى الآن الكتاب
الجدد، ولم يعلن او يعلم عنهم، ولا يهتم بالتساؤلات الثقافية
الجديدة إلا في حال اصطدامها مع المؤسسات الرسمية، حيث يتوافر قدر
من الإثارة والتشويق، وفي حين حرصت الفضائيات على الحوار مع كبار
السياسيين في اميركا وأوروبا لم تهتم بالقدر نفسه بالحوار مع
المفكرين المثيرين للجدل من منظري الليبرالية الجديدة ولهم افكار
خاصة بالحوار او الصدام مع المجتمع الاسلامي.
وظهر في مصر اكثر من محطة فضائية ثقافية من
بينها قناتا التنوير والثقافية لتعويض الغياب الثقافي والابداعي
الادبي في المحطات الفضائية الاخبارية، غير ان اللافت هو الهجوم
اللاذع الذي شنه المثقفون المصريون على هاتين المحطتين بدعوى
انعزاليتهما ورسميتهما وعدم تعبيرهما بصدق عن التفاعلات في الحركة
الثقافية المصرية والعربية، لذا هناك اتجاه يتبناه وزير الاعلام
صفوت الشريف لبث برامج المحطتين في التلفزيون المحلي (الارضي) بحيث
يتاح لجميع الادباء والمثقفين، وبخاصة في الصعيد الجنوبي الفقير
فرصة المشاركة، وبالتالي توسيع رقعة المتفاعلين مع المحطتين.
المشاركة الشعبية
لقد ظلت الرسالة الاعلامية المرئية لعقود حكراً
على الدولة وعلى النخبة سواء أكانت نخبة حاكمة أم النخبة الوسيط
التي تقوم على الرسالة الاعلامية فكريا وتقنيا، وظل الجمهور يلعب
دورا واحدا هو دور المتلقي، ورغم محاولات جرت منذ اطلاق
التلفزيونات العربية في اعطاء حيوية للرأي العام، والجمهور لجهة
اشراكه في البرامج، الا ان هذه المشاركة ظلت محكومة بقواعد صارمة،
بخاصة المشاركة السياسية، ولم يكن معهودا ان يشارك مواطن برأي
مخالف للتوجهات العامة للدولة، وكانت معظم البرامج التي يشارك فيها
المواطن مسجلة اي معدة ومراجعة قبل بثها، لكن الفضائيات المستقلة
او شبه الرسمية، وبخاصة قناة الجزيرة ومن بعدها أبو ظبي وباقي
المحطات ال بي سي والمنار والمستقبل والجديد والعالم والمستقلة سعت
الى اشراك المشاهد في الحوار على الهواء مباشرة، ما اتاح درجة من
الحيوية والمصداقية من جهة، كما اتاح من جانب آخر فرصة عرض رأي
الكتلة الصامتة في بعض الدول، وبدا مثيرا ان يتحدث مواطنون عرب
-مثلا- عن نظامهم السياسي، وكانت تلك احد المحرمات في القاموس
السياسي لبعض الدول، بل وظهرت احاديث عن الفساد والتحلل القيمي
والاخلاقي وجهها مواطنون الى النخب الحاكمة في غير قطر عربي، ويمكن
القول ان المشاركة الشعبية في الفضائيات اتخذت اشكالاً عدة منها:
أ: اسلوب المشاركة المباشرة عن طريق الاتصال
الهاتفي او عن طريق الفاكس والانترنت، وفي بعض الاحيان التقى
مراسلو المحطات ومحققوها مع المواطنين في مناسبات محددة (تظاهرات
ضد الحرب في العراق، او تظاهرات مؤيدة للانتفاضة الفلسطينية) او
حتى موجات غضب شعبية لسبب أو آخر، وفي اغلب الاحيان كان رأي
الجماهير مخالفاً لرأي النخبة الحاكمة.
ب: الاستفتاءات التي قام بها بعض المحطات
الفضائية لرصد اتجاهات الرأي العام في شأن القضايا المختلفة،
وبخاصة في اوقات الازمات او حتى الاشكاليات الفكرية، وكانت محطة
الجزيرة هي صاحبة السبق في اشراك المواطن في الاستفتاءات عن طريق
الانترنت والفاكس، وظهرت نتائج متفقة احيانا مع القرار الرسمي
العربي، ومختلفة احيانا، كالاستفتاء الذي اجرته الجزيرة حول رأي
المواطن العربي في بقاء الجامعة العربية او زوالها او رأي الشارع
العربي في بقاء الفكر القومي.
واللافت ان المحطات الفضائية اعطت مساحات
للمواطن لم تكن معهودة في الاعلام المرئي، وبات الفضاء اكثر
اتساعاً لقبول الرأي الاخر.
حكام ونجوم فضائيات
لقد ادرك القادة العرب اهمية المحطات الفضائية
المستقلة عن اجهزة الدولة، بما لها من سرعة انتشار ومساحة حرية،
وربما مصداقية في الاخبار، فضلا عن الحرَفِيَة العالية في اساليب
عرض البرامج والحوارات، فلجأ عدد من القادة الذين يعانون من قصور
وضعف في اجهزة اعلامهم المحلية والفضائية الى الفضائيات العربية،
فقبل مثلاً الرؤساء معمر القدافي وحسن البشير وعلي عبد الله صالح
الظهور في حوارات فضائية اتسمت بالصراحة ووجهت لهم خلالها اسئلة
وانتقادات من مشاهدين، وتولوا التفاعل معها والرد عليها.
ويلاحظ ان القذافي كان اكثر الزعماء العرب
انتقادا للمحطات الفضائية، وهو شن في مناسبة الذكرى 34 لثورة
الفاتح من ايلول - سبتمبر - الماضي هجوما قويا على المحطات
الفضائية، وخص بالذكر الجزيرة وابو ظبي بدعوى انهما شوهتا موقف
بلاده من قضية التعويضات المالية الكبيرة التي ستدفعها ليبيا الى
ضحايا طائرتين احداهما اميركية والاخرى فرنسية وتصل الى حوالي
أربعة مليارات دولار، لكن مع ذلك فإن القذافي هو اكثر الزعماء
العرب ظهوراً في المحطات الفضائية، وقبولا لطلبات تقدمت بها للحوار
معه. وهذا التناقض يمكن فهمه في اطار عجز وسائل الاعلام الليبية
بما فيها الفضائية عن نقل آراء القذافي الى المواطنين العرب
والليبيين، اذ ان نسبة مشاهدي الاعلام الليبي الفضائي لا تكاد تذكر
مقارنة بالمحطات المستقلة نسبيا عن اجهزة الدولة.
ويلاحظ ان قيادات عربية اخرى، كالرئيس حسني
مبارك او القيادات السعودية لا تميل الى الظهور في المحطات
المستقلة، وتحرص على عدم اعطاء اهمية او ثقل لها، وتعتبرها وسائل
اثارة وتحريض تفتقر الى المصداقية، وتعد مصر والسعودية والكويت
والاردن وتونس هي اكثر الدول العربية شكوى مما تبثه الفضائيات من
برامج سياسية وفكرية.
الفضائيات وعرب المهجر
استطاعت الفضائيات العربية بدرجة او بأخرى ان
تساهم في ربط المواطن العربي في المهاجر البعيدة استراليا، كندا،
الدول الاسكندنافية، اميركا، بالوطن الأم من خلال وسائل اعلامية
تصل الى المهاجرين العرب، وتحرضهم على التحرك لمناصرة القضايا
القومية، من خلال اشكال الدعم والتبرع المعروف، وكان ذلك صعبا في
مرحلة ما قبل الفضائيات، باعتبار ان الصحف العربية لم تكن تصل الى
هذه الدول، وان وصلت فهي بكميات قليلة لا تغطي سوى العاصمة، بينما
المهاجرون العرب يميلون عادة الى العمل والاقامة خارج المدن
الكبرى، وقد اظهرت منظمة كير الاسلامية في اميركا ان 75 بالمئة من
الاسر العربية تقيم خارج المدن الرئيسية في اميركا، ومعروف ان في
اميركا وحدها ثمانية ملايين مسلم، وحوالي مليونين ونصف المليون
عربي، يحتاجون إلى التواصل مع بلادهم ولغتهم وتقاليدهم من خلال ما
تبثه الفضائيات بكل انواعها من برامج او دراما، وبرز في هذا المجال
برنامج صباح الخير يا عرب الذي تنتجه محطة إ آر تي (ART)
وتحاور فيه المهاجرين العرب في كل الامور، وكذلك برنامج من المهجر
الذي تبثه الجزيرة وتستضيف فيه احدى الشخصيات العربية البارزة،
التي اثبتت تفوقا خلال وجودها في الخارج، كما اقتربت كاميرات
المحطات الفضائية الاخبارية من الحساسيات السياسية العربية المقيمة
في الخارج، فحاورت مثلا بعض مسؤولي التنظيم الدولي للاخوان
المسلمين، والتقت الفعاليات السياسية والاقتصادية بل واهتمت
بالرياضيين العرب، وبرزت محطة ابو ظبي الرياضية من خلال نقلها
للمباريات التي يشارك فيها محترفون عرباً، واجرت حوارات معهم،
واهتمت هذه المحطات بدرجة او بأخرى بمشكلات المرأة المحجبة في
المجتمعات الغربية، وقدمت الجزيرة موضوعات من لندن وباريس
ونيويورك، لكن الاهتمام الابرز انصبَّ على صورة العرب واساليب
معاملتهم بعد احداث 11 ايلول - سبتمبر - في اميركا، وشاركت جميع
المحطات العربية تقريبا في مناقشة اللوائح او القوانين الصادرة
حديثا في اميركا وبعض دول الغرب وبريطانيا بصفة خاصة، التي تستهدف
المزيد من الاجراءات والقيود لضبط تحركات الجاليات الاجنبية ومن
بينها الجاليات المسلمة على اراضيها، وسعت بعض المحطات العربية الى
عرض صور حوارات العرب والمسلمين مع الشخصيات الاجنبية في اطار حوار
الحضارات، لكن اللافت هو انه لم تقم اي محطة فضائية بتنظيم ندوة
علمية مسلسلة اكثر من يوم او اكثر من حلقة تجمع عربا واجانب في
اطار حوار الحضارات وتقريب السمات الفكرية بين الثقافات.
ولم تنجح الفضائيات العربية في تحقيق اختراق
للمجتمعات الغربية، والتأثير على الرأي العام فيها بسبب مشكلة
اللغة العربية ومشكلات اخرى، ورغم تنامي النداءات والدعوات لتأسيس
محطة فضائية موجهة بلغات مختلفة. فرنسية وانجليزية واسبانية، إلا
ان شيئا من هذا لم يتحقق، ولم تساهم سوى دولة الامارات العربية
المتحدة بمليون دولار تجاوبا مع دعوة عمرو موسى الامين العام
للجامعة العربية الذي دعا الى تأسيس صندوق للحوار مع الآخر، واطلاق
محطة فضائية هدفها اثراء حوار الحضارات كبديل لما تطرحه دوائر
غربية من صدام او صراع للحضارات، وفي حين يشكو القادة العرب من
سيطرة اللوبي اليهودي على عقول صناع القرار في معظم دول الغرب
الأوروبي والأميركي لم تتحرك القيادات العربية عمليا لامتلاك وسائل
اعلامية مؤثرة في المواطن الغربي.
جماليات العمل الإعلامي
قدمت الفضائيات على صعيد تقنيات العمل الاعلامي
اساليب جديدة، في:
أ- ترتيب الاخبار حسب اهميتها، وتأثيرها على
المواطن العربي، وبذلك تراجعت بذلك اخبار الرؤساء والملوك والوزراء
التي كانت تستغرق نصف نشرة الاخبار في بعض المحطات الأرضية
والفضائية.
ب- استضافة شخصيات سياسية واعلامية للتعليق على
خبر او تحليله من وجهة نظره بغض النظر عن اذا كان هذا الرأي يتفق
مع الخط السياسي للمحطة ومموليها من عدمه، وجرت لأول مرة استضافة
شخصيات اسرائيلية رسمية ومستقلة للتعليق على اخبار ترتبط بإسرائيل.
ج- جرى تطوير اسلوب البرامج الحوارية لكي تجمع
في الحلقة الواحدة اكثر من رأي، واكتسب برنامج الاتجاه المعاكس
وبرنامج اكثر من رأي في الجزيرة والمدار في (ابو ظبي) اهمية
شديدة للشجاعة في طرح المواضيع، واختيار الضيوف، وتسخين الحوار،
وان كان يؤخذ على هذه البرامج اعتمادها كثيرا على الاثارة والتحريض
وافتعال ازمات بين الضيوف، حتى ان بعض الحلقات بدت وكأنها صراع
ديكة او مشاحنات كلامية زاخرة بالسّب والشتائم والاتهامات بالعمالة
والخيانة، لكن في المقابل استفادت المحطات الفضائية الرسمية
والمحطات الارضية من فكرة استضافة اكثر من رأي، فظهرت برامج من نوع
بدون رقابة والرأي والرأي الثالث والظل الأحمر ومساحة اتفاق في
التلفزيون المصري، فكانت اضافة مهمة ونوعية.
مراسلون في كل أزمة
جذبت المحطات شخصيات اعلامية من حقول مختلفة،
وبخاصة الحقل الصحافي سواء كمعلقين ومحللين للأخبار والاحداث او
كمعدّين للبرامج والحوارات، ومنهم عماد الدين اديب (ORBIT)،
مفيد فوزي وابراهيم عيسى (المحور)، انيس منصور (ORBIT)،
محمد بركات (اقرأ)، واوجدت الفضائيات فرصاً لصحافيين تعطلت صحفهم
او تعرضت لمصادرات متكررة (صحافيو صحيفتي الشعب والدستور
المصريتين).
واتسمت الفضائيات بالقدرة على اختراق حواجز
احتكار الاعلام الغربي لتغطيات الاحداث الساخنة والمهمة كالحروب،
وصار هناك مراسلون عرب في مواقع الاحداث، وبخاصة حربي افغانستان
والعراق اللتين برزت فيهما محطة الجزيرة حيث نقلت عنها عشرات وسائل
الاعلام العالمية، ما كانت قد انفردت به من احاديث وشرائط مع قادة
حركتي طلبان والقاعدة، وكان لافتا أن الشعار الخاص بالجزيرة (Logo)
يظهر على شاشات سي إن إن (CNN)
وإن بي سي (NBC)
كما ظهر شعار ابو ظبي مرات عدة في الاحداث العراقية الاخيرة على
شاشة القناة الخامسة الفرنسية (TV5)،
وكان دخول دول ثرية مثل السعودية وقطر والامارات الى ساحة الاعلام
الفضائي كفيلا بتدبير مراسلين ومكاتب لمحطاتها الفضائية في مواقع
ساخنة، وتوفير ميزانيات لاجراء تحقيقات ميدانية في مناطق بعيدة ذات
تكلفة عالية، وعلى سبيل المثال فان قناة الجزيرة لها ثلاثة او
اربعة مراسلين في القدس ورام الله وغزة يتحركون بإمكانات تقنية
ومالية عالية، كما وفرت لهم التأمين اللازم على حياتهم، وقد تعرض
اكثر من مراسل لمحطتي الجزيرة وابو ظبي للخطر، واذا كانت قوات
الاحتلال الاسرائيلية اقتحمت مقر محطة ابو ظبي في رام الله اثناء
الاجتياح الذي جرى في نيسان - ابريل - 2002، فإن محطة الجزيرة قدمت
مصورها طارق دياب شهيدا في احداث العراق، وقدمت تيسير علوني معتقلا
على ذمة تهمة انتمائه الى تنظيم القاعدة، وكان الدليل الاساسي
لاتهامه هو حصوله على حوار مباشر مع اسامة بن لادن ثم حصوله على
شرائط بصوت بن لادن تفيد علاقة تنظيم القاعدة بأحداث 11 ايلول -
سبتمبر - الاميركية.
اهتمام بالمواطن والمسؤول
نزلت كاميرات المحطات الفضائية المستقلة الى
الشارع العربي لاستطلاع رأيه في قضايا الوطن بصفة عامة، ونقلت صورا
حقيقية ما فرض على المحطات الرسمية الاعتدال في اذاعة الاخبار
المتعلقة بالنشاطات الجماهيرية، ولم تعد السلطات العربية قادرة على
وصف التظاهرات الطلابية او العمالية بأنها شرذمة او حفنة، لان
الصور الفضائية كانت تكشف الحشود الجماهيرية الكبيرة، واهتمت
المحطات الرسمية لاول مرة بأخبار التظاهرات شبه الاسبوعية في
الجامع الازهر الشريف التي تعبر عن رأي الشارع المصري في الاحداث
القومية، كما كان لافتا ان تنزل كاميرات التلفزيونات الرسمية
(فضائية او ارضية) لتغطية نشاطات النقابات وانتخابات الاتحادات،
وان تنقل تصريحات جريئة تنتقد الجامعة العربية او حتى النظام
الرسمي العربي، وليس من شك ان الفضائيات العربية ساهمت في تجديد
الخطاب الاعلامي الرسمي العربي، واعادة النظر في المفردات
والمصطلحات لجهة الاهتمام اكثر بالمواطن العربي وليس فقط الاهتمام
بالمسؤول العربي.
ورغم عدم توافر دراسات علمية (تحليل مضمون كمّي
وكيفي) لاثر الفضائيات العربية على المجتمع العربي بجوانبه
المختلفة، الا ان المؤشرات التي يمكن رصدها، كتمهيد لبحث علمي اكثر
رؤية وعمقا، هي ان الفضائيات العربية مثلت طفرة حقيقية في الاعلام
العربي سواء على صعيد الخطاب الاعلامي وتحديثه او تطوير فنون العمل
التلفزيوني، فضلا عن تأثيرات مباشرة على الخطاب السياسي العربي،
والتعايش السلمي بين الرأي والرأي الآخر.
|