العدد

152 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 11:22 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

 نحو تقارب في فهم نصوص الوحي

لا جزئيات في المذاهب

مؤتمرات التقريب بين المذاهب الاسلامية 2/2

في العدد الماضي من «النور» ناقش الباحث احمد الخمليشي مدير دار الحسنية في المملكة المغربية، الافكار الاساسية في عملية التقريب بين المذاهب ومدى مساهمتها في توحيد الامة الاسلامية، وهنا يستكمل دراسته  بشرح سبل التقارب بين المسلمين في فهم الاسلام اولاً قبل المذاهب وكيفية تكوين الشخصية الاسلامية واعداد الفقهاء المسلمين، ويتطرق الى دراساتهم  لمادة اصول الفقه التي يعتمدون عليها في صياغة افكارهم واجتهاداتهم ويبين الحاجة الى دراسة مادة المنطق، التي بقي  فقهاؤنا بعيدين عنها.

وفي ما يلي نص الجزء الثاني من هذه  الدراسة:

رأينا ان من المؤثرات التي  ترد على الدعوة الى التقريب بين المذاهب، انها لم تتجاوز المذهبية الى فكرة التقريب بين المسلمين في فهمهم للاسلام، وأتوقع الاستجابة والقبول من مجموع الأمة ومفكريها لهذه الفكرة في صورة أوسع من المساهمة في التقريب بين المذاهب، اعتباراً لما اكتسبته الثقافة المذهبية من رسوخ يجعل إثارة المذاهب المخالفة والاقتراب منها تقابل بحذر شديد وتوجسات مقلقة، وعلى العكس من ذلك، لا نعتقد وجود من يعارض قراءة نصوص الوحي قصد محاولة التقارب في فهمها وتطبيقها على وقائع الحياة المعيشة.

والتقارب في فهم نصوص الوحي يبدو ميسراً لأن الأمر يتعلق باستعراض وقائع الحياة الاجتماعية بكل ملابساتها الحاضرة وعناصرها المؤثرة في الحكم، وهو ما يسهل التكييف وبالتالي تحديد الحكم الشرعي الملائم لكل واقعة منها، بينما الأحكام الاجتهادية المدونة في المذاهب، تقرر أغلبها في القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجريين، وكانت مرتبطة بالملابسات الثقافية والاجتماعية المحيطة بالواقع آنذاك. ومحاولة التقريب الآن في القرن الخامس عشر بين تلك الأحكام، يعني تغييب كل ما طرأ على ملابساتها من تغيير، لذلك فإن محاولة التقريب بينها بمعرفة المسلك غير مأمونة النتائج.

ان العالم الاسلامي اليوم، يعيش على خريطة مترامية الأطراف متباعدة جغرافيّاً ومتنوعة ثقافياً، وما يلائم هذا الاتساع والتنوع هو التقريب في فهم الاسلام الذي يركز على المبادئ والاحكام العامة، بينما الكثير من الاحكام الجزئية لا ضير في بقائها مختلفة بين اقليم وآخر، وبين ثقافة وأخرى، وبهذا تضيق دائرة الاختلاف وتتيسر أكثر معالجتها.

أما الاختلاف المذهبي فيكاد ينحصر في الجزئيات ومحاولة التقريب بين أحكام الجزئيات، يوسع مجال الاختلاف، ويناقض طبيعة التجمعات الانسانية وخصوصياتها وتنوع ثقافاتها(1).

تلافي الأثر السلبي للاختلاف

قد ينتهي الحوار الى الاتفاق وتوحيد الرأي، ولكن قليلاً ما يحدث هذا إن لم يكن نادراً ونادراً جداً. وتؤكد قراءة سريعة للتاريخ أن ما قصم ظهر الأمة من فتنة الخلافات السياسية والفكرية (العقائدية) وحتى الفقهية احياناً، كان مصدره اغفال تنظيم وسيلة يحتكم إليها عند الاختلاف، ويكون قرارها ملزماً للجميع في التطبيق والتنفيذ(2).

 بدأت كوارث هذا الاغفال بحصار الخليفة عثمان رضي الله عنه وسط المدينة  أيام عدة واقتحام داره واغتياله، وتعاقبت على مر الأزمان واختلاف الأقطار. وما تزال حتى اليوم، تعبث باستقرار المجتمعات الاسلامية وبامكاناتها المادية والفكرية. فهل من المقبول  الاستمرار في هذا الفراغ؟ وألا يكفي ما عانيناه وما نزال نتجرعه من مآسيه؟

إن اعلان الأفكار ونشرها، أصبحت له وسائل نافذة لم تكن متوافرة  من قبل، وهو ما يؤكد ضرورة ايجاد وسيلة لابعاد الاختلاف عن التطبيق، وذلك بتحديد مؤسسة يعهد اليها مناقشة كل الآراء وتقرير الرأي الواجب التطبيق على تنظيم العلاقة الاجتماعية موضوع الاختلاف. وقرار هذه المؤسسة يلزم الجميع من حيث التنفيذ مع احتفاظ كل صاحب رأي بممارسة حقه في الدفاع عنه بأسلوب الحوار والمناقشة الفكرية الخالصة.

وهذا لن يتأتى إلا إذا سبقته خطوة أساسية يتعين الانتباه إليها، فالموضوع الذي نناقشه هو الأحكام الاجتهادية المتعلقة بتنظيم المجتمع أي تنظيم مؤسساته، والعلاقات بين أفراده، وعلاقاته بالمجتمعات الأخرى. والثقافة السائدة الآن هي اصدار «فتاوى» بهذه الأحكام في شكل الاخبار واسلوب تبليغ «أحكام الشريعة» وليس كرأي في تفسير نصوص الشريعة يوجد الى جانبه رأي أو آراء اخرى.

 إذن، ينبغي أولا الفصل في طبيعة الفتوى من حيث كونها تعبر عن الرأي في تفسير النص، وتمكن مناقشتها من خلال ما تقدم من مؤيدات للتفسير الذي اعتمدته مقارنة بالمستندات التي تقدمها الفتاوى المخالفة، وبعد ذلك الاتفاق على الوسيلة التي تدبر الاختلاف بتقرير الحكم الملزم. ومن دون ذلك يبقى كل تنظير  حول الاجتهاد ومقاصد الشريعة والتقريب بين المذاهب ومصطلحات أخرى عدة، مجرد جدل تستهلكه وسائل التواصل المتباينة في بواعثها وأهدافها، معزولاً عن التأثير في توجيه حياة الناس وطموحاتهم، والواقع السائد في المجتمعات الاسلامية مؤشر مقنع للباحث عن الاقتناع...

مشكل التكوين

كثر الحديث عن الاصلاح وعن وسائله ويبدو ان وسيلته الأهم لم يتسن لها التميز الذي تستحقه وهذه الوسيلة هي التكوين، وصدق رسول الله (ص) عندما قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه او ينصرانه، او يمجسانه...»(3).

كان الأبوان من قبل مصدر التوجيه لولدهم وغرس المعتقدات والأفكار في ذهنه، واليوم أصبحت الوسيلة الاساسية في ذلك المدرسة ثم الوسائط الأخرى لتلقي الأفكار والمعرفة التي قد تنقل بالفرد الى نقيض ما قدمه له أبواه في صغره...

لذلك، فإن العناية بالاصلاح يجب ان توجه الى مرحلة التكوين والتعليم التي تترك أثرها بارزاً في أفكار المتعلم وفي تعامله مع الآخرين. صحيح ان مرحلة النضوج الفكري بعد الانتهاء من الدراسة النظامية قد تمكن الفرد من اعادة النظر في كل أفكاره وعلاقاته بما حوله، وبناء نظرته الخاصة الى الحياة وما ينبغي ان يسود فيها من قيم وأدوات التعايش، ولكن الحالة الغالبة هي استمرار الأسر داخل الأفكار والمعلومات الملقنة باعتبارها الحقيقة التي ما بعدها إلا الضلال...

والظاهرة العامة في الدول الاسلامية هي وجود نوعين من التعليم: تعليم عام وتعليم اسلامي، وإن كان الأمر يختلف من بلد الى آخر: في التسمية، وفي استقلال كل من النوعين من الآخر من الابتدائي الى المرحلة الجامعية، وفي وجود الجسور بينهما، تمكن المنتمين الى أحدهما من الانتقال الى مواصلة تعليمه في النوع الآخر.

وما يهمنا هنا هو التعليم الاسلامي او الشرعي (4) الذي يمكن ان نثير بشأنه: لغة التلقين، والمضمون. وقبل الحديث عن هاتين الملاحظتين ينبغي التأكيد على ان الجانب الاساسي المقصود من «التعليم الاسلامي او الديني» هو المتعلق بالأحكام الاجتهادية في مجالات:

ـ مضمون العقيدة والاستدلال عليها.

ـ مؤسسات الدولة ومرافقها وتنظيمها(5).

ـ العلاقات بين الأفراد التي يطلق عليه الفقه مصطلح  المعاملات.

التكوين في هذه المجالات هو الذي نعنيه بملاحظتي لغة التلقين والمضمون.

لغة  التلقين

في القرنين الأول والثاني للهجرة كان هناك قراء وفقهاء يتولون تلقين أحكام الدين تدريسا وافتاء، وكان التلقين يشمل النصوص وتفسيرها الذي يقدمه القارئ او الفقيه باعتباره رأيه الشخصي الذي فهمه من النص أو من مجموعة نصوص. ولذلك فإن تلامذته يوافقونه في بعض آرائه ويخالفونه في  البعض الآخر.

هذا ما نجده واضحاً في هذين القرنين ويشمل شيوخاً وتلامذة وكل من  اعتبرت آراؤه في ما بعل تشكل «مذهباً» له «أصوله» وأحكامه الملزمة لا تجوز مخالفتها إلا ممن يدرك صفة «المجتهد المطلق» وآخر من اعترف له بهذه الصفة (بالكاد) أحمد بن حنبل في بداية القرن الثالث...

بعد ذلك، تغيرت شيئاً فشيئاً لغة التلقين، ولم يعد المعلم والمتعلم معا يميزان بين الأحكام القطعية القليلة جداً، وبين الأحكام الاجتهادية التي تشكل الغالبية المطلقة للغة الملقن، فهذه وان بقيت نظرياً توصف بأنها «ظنية» إلا أنها عمليّاً امتدت إليها صفة «القطعية» بحكم الاتفاق على وجوب التلقي والتقليد من دون مناقشة على كل من لم يعترف له بصفة الاجتهاد، وهذه الصفة غابت منذ بداية القرن الثالث، وظهرت كتابات أواخر القرن الخامس وما بعده تنظر لانتهاء الاجتهاد تأسيساً على قصور معرفة «فقهاء الوقت» ومعلوماتهم وذهاب الخير والاحتياط في الدين مع السابقين...

هذه الثقافة صبغت لغة التقليد بمميزات ملائمة من اهمها:

1 - فصل الأحكام عن النصوص، واقتصار الاستدلال لها على ذكر من رواها عن إمام المذهب أو أحد تلامذته، واذا أشير إلى النص في حالات قليلة، فعلى وجه الزيادة في البيان لا غير، وليس لمناقشة تفسير الإمام او كبار تابعيه ونقدهم.

2 - نتيجة لذلك اختفى الفصل بين الأحكام القطعية وبين الأحكام الاجتهادية الظنية، وأضحى كل ما يلقن يوصف بأحكام الشريعة أو أحكام الله الواجب تلقيها بالقبول والإذعان، لا تطالها المناقشة وإثارة الأسئلة.

3 - استمر تدريس مادة أصول الفقه بمضمونها النظري دون ان تنتج شيئاً من آثارها العملية بسبب فرض التقليد، ليس المذهبي منه وحده، ولكن حتى داخل المذهب في حال تعدد آراء فقهائه السابقين، فلم يسمح للأجيال المتعاقبة من بعدهم بحرية اختيار الرأي الذي تقتنع به، وإنما ألزمت بتقليد الرأى: «الراجح» ثم «المشهور»، ثم «ما به العمل او الفتوى» وتوافقت كل المدونات المذهبية على منع الفقهاء من الفتوى والقضاة من الحكم بغير الراجح أو المشهور أو ما جرى به العمل في المذهب المقلد.

4 - غاب البحث في مضمون الأحكام وسندها ومؤيداتها، وتركزت العناية على سند الرواية التي تقلد بها هذه الأحكام عن الإمام أو الشيخ.

5 - تقدم المعلومات على أساس أنها نهائية، وأنها الحق الذي ما بعده إلا الضلال، لذلك فإن المطلوب من المتلقي ليس ا لبحث عن الاقتناع بالتحليل والاستنتاج والاضافة وإنما الحفظ وأمانة النقل، أي أن المتلقي العبقري هو الذي يتفوق على أقرانه بالحفظ والاستحضار من المصادر والمراجع المعتمدة.

فالتلقين يجعل الحصول على المعلومة او المعرفة الهدف والغاية، ويغيب اعتبار ذلك وسيلة للمساهمة في أداء أمانة التكليف،  وخلافة عمارة الأرض. وكان هذا السبب الأساسي لانفصال كثير من الأحكام الملقنة عن واقع العلاقات التي تجري بين أفراد المجتمع ومؤسساته، وقد بلغ الانفصال ذروته في الوقت الحاضر ولا حاجة الى التذكير بالنتائج والآثار...

هذا، ومن أخطر النتائج التي أفرزها التلقين المتبع:

أ - الانتقال من دور الإرشاد والمساعدة على فهم نصوص الشريعة إلى الإلزام بالوساطة وفرض التقليد  على «غير المختصين» الذين لا حق لهم في  المناقشة وإبداء الرأي.

نقرأ هذا بوضوح عند الشيعة استناداً إلى حديث «التوقيع» الذي سبقت الاشارة إليه، كما نقرأه في كتابات «أهل السنة» التي تؤكد اختصاص «العلماء» وحدهم ببيان احكام الدين وأن غيرهم لا حق لهم في الخوض في الموضوع(6).

ربما كان للمقولة ما يبررها من قبل عندما كان التعليم قاصراً على تكوين «العلماء» ومن عداهم أميون، لذلك كان تقسيم الناس الى علماء وعوام، والأمي أو العامي يستبعد ان يصدر منه رأي في تفسير نصوص الشريعة وتأويلها.

واليوم تنوعت فروع التعليم التي يجمعها الجذع المشترك المعبر عنه بمواد الثقافة العامة والأمية في طريق الاختفاء والانقراض، وكثير من التخصصات في العلوم الانسانية تبحث مباشرة في العلاقات السائدة في المجتمع، ووسائل تحصينها، سلوكاً وتنظيماً وهي الوظيفة التي ينجزها الفقه الاجتهادي نفسها.

هذا التطور الكيفي والكمي الذي حدث في التعليم، وبالأخص في العلوم الانسانية، يضيق من مفهوم التخصص المتعارف عليه من قبل، وهو ما يفرض ان تتغير معه لغة التلقين كي يدرك المتخصص ان مهمته هي الارشاد والاقناع ومناقشة الآخرين بالتي هي أحسن بدل لغة التحجير وسلب أهلية إبداء الرأي.

ب - اعلان الأحكام الاجتهادية بلغة التبليغ والاخبار بشريعة الله، دون افصاح عن الطبيعة الاجتهادية للحكم وعن مستنده من نصوص الوحي، فبالأحرى مستندات الرأي والآراء المختلفة، وإنما يكتفي بإرفاقه بسند الرواية عمن يجب تقليدهم من السلف.

وكثيراً ما نشاهد في الفضائيات من يؤكد بصريح العبارة ان ما يصدر عنه من حكم أو تحليل او تحريم ليس هو الذي يقوله، وانما تقوله الشريعة أو الله ورسوله، ثم يتلو آية أو حديثاً دون بيان لمؤيدات التفسير الذي قدمه ولا اشارة إلى الرأي او الآراء المخالفة.

 صحيح أن دور هذا الداعية لم يزد عن النقل، لكن النقل في تفسير نص، توجد الى جانبه آراء أخرى وقد يقتضي الأمر تجاوز كل الآراء السابقة وتقديم تفسير تفرضه ملابسات الحياة المعيشة تطبيقاً للمبدأ الاصولي القاضي بوجوب مراعاة مآلات الأحكام في التطبيق.

الموضوع يتطلب تفصيلاً وتوسعاً، ولكن يبدو أن ما أشرنا إليه بإيجاز كاف لإبراز الثغرات الكامنة في لغة التلقين، التي تنعكس آثارها السلبية على الخطاب الذي يتمسك به المتعلم بعد تخرجه، وعلى الصعوبة البالغة في اقناعه بمراجعة ما ترسخ في اعتقاده بأن ما تلقاه كله - دون تمييز بين الأحكام النصية والأحكام الاجتهادية - هو الشريعة وهو الحق الذي لا ريب فيه وكل ما عداه من الآراء التفسيرية المخالفة انحراف وربما زيغ وزندقة... وأن الثقة قاصرة على التفسير الذي قال به السابقون دون المحدثين...

إن الرغبة في تضييق فجوة الاختلاف الفكري بين المسلمين، يتوقف تحقيقها على وجود التربية والمناخ الصالحين للحرث والإنبات، وهو ما لا يتحقق إلا بإيمان المساهمين في الاصلاح كلهم او جلهم بأن:

- وحدة الأمة أسمى من اختلاف الآراء.

- السنة الفطرية في تعدد الآراء تستلزم حتمية تعايشها، وقبول الحوار بينها بالحسنى.

- الرأي الاجتهادي الفردي يختلف في طبيعته عن «الحكم الشرعي» الواجب التطبيق باعتبار الأول رأياً شخصياً يستأنس به وغير ملزم، بينما الثاني هو ما تقرره الأمة بالوسيلة التي تختارها لهذا التقرير.

- نصوص الوحي  الممتدة أحكامها زماناً ومكاناً، لا يمكن ان ينحصر تفسيرها في رأي فرد او مجموعة آراء، كل رأي منها تأثر قطعاً بثقافة  الزمن والمكان.

- الاستئناس بآراء السابقين اذا كان مطلوباً ومرغوباً فيه، فإنه لا يحجب الواجب الملقى على الأجيال المتعاقبة، والذي يلزمها بالقراءة المتوالية لنصوص الوحي، والبحث عن التطبيق الملائم لها إزاء لحظة الزمن وحيز المكان.

ورغم ان لغة التلقين السائدة في مؤسسات التعليم الاسلامي لا ترسخ هذه المبادئ، لذا نكرر مرة أخرى ضرورة إصلاح هذه اللغة ليسهل المرور إلى علاج سلبيات الاختلاف وأمراض الطائفية المزمنة....

مضمون التلقين:

يختلف بلا شك بين دولة وأخرى مضمون التعليم الملقن في مؤسسات الدراسات الاسلامية. ومن ذلك يمكن التأكد على أن الثغرات التي سنشير إليها موجودة في كل المؤسسات، وإن وجد بينها تفاوت في ذلك فهو قليل الأهمية.

ومن أهم الثغرات المتعلقة بالمضمون:

1 - أنه محدود جداً، فالخطاب يؤكد على أمرين اثنين: شمولية أحكام الشريعة لكل سلوك الفرد وعلاقاته بالآخرين، ومرجعية العلماء وحدهم في صياغة هذه الأحكام.

لكن، مقارنة المعلومات الملقنة مع الاتساع والتنوع الهائلين لمجالات التنظيم الاجتماعي تؤكد استحالة كفاية تلك المعلومات لصياغة التنظيمات المطلوبة(7).

وغير صحيح القول بأن ما يتناوله اختصاص «العالم» يدخل ضمن ما يطلق عليه منطقة الفراغ التي يعالجها الحاكم او المـؤسسات السياسية بضوابط «السياسة الشرعية»، فمن الناحية العملية يتعذر عزل أي مرفق أو مجال، والقول بأن الشريعة أجازت تنظيمه دون مراعاة نصوصها الخاصة والعامة وضوابط تفسير هذه النصوص وقواعد تطبيقها.

2 - ظاهرة النقل وتهيب مناقشة آراء السابقين ومعارضتها، التي رسختها الثقافة المتوارثة عبر القرون والتي تؤكد أن الماضي خير من الحاضر، وأنه لذلك يتميز السابقون في سلوكهم بالاستقامة والزهد، والاحتياط في الدين وفي عقيدتهم بالصدق واليقين، وفي معرفتهم بالعمق والسعة وسعة الاستدلال (8). وعلى العكس من ذلك، الحاضرون او المعاصرون فلا يحق لهم التطاول على من هم أصدق عقيدة وأقوم سلوكاً وأوسع معرفة وعلماً.

 وهذه الثقافة لم  تبدأ في القرون القليلة الأخيرة كما قد يتوهم من فتاوى ومن أحكام قضائية تعتمد مؤلفات فقهاء القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وتصفهم بأضخم نعوت المعرفة والصلاح، وانما نشأت منذ العصر الأول لتدوين الفقه، فارتبطت بها الاجيال التي ألفت ان تخلع الثقة والصلاح على من سبقها، وتتمسك بالحذر والحيطة إزاء من يعاصرها.

فالحارث بن أسد المحاسبي مثلا الذي ولد في العام 861 هـ وتوفي في العام 342 هـ، يقول(9): «إنني تدبرت احوالنا في دهرنا فأطلت فيه التفكر، فرأيت زمنا مستعصباً قد تبدلت فيه شرائع الايمان، وانتقصت فيه عرى الاسلام، وتغيرت فيه معالم الدين، واندرست فيه الحدود، وذهب الحق وباد أهله، وعلا الباطل وكثر اتباعه، ورأيت فتناً متراكمة يحار فيها اللبيب، ورأيت هوى غالباً، وعدواً مستكلباً، وأنفساً والهةً عن التفكير، محجوبةً قد جللها الرياء، عميت عن الآخرة، فالضمائر والاحوال في دهرنا بخلاف أحوال السلف وضمائرهم»، ويضيف: «وبلغنا عن رسول الله (ص) انه قال: «يأتي على الناس زمان، المستمسك يومه بدينه كالقابض على الجمر». وقوله الحق (ص) «المستمسك بسنتي عند فساد الناس له أجر مائة شهيد...»، وأنه بلغنا - والله اعلم - ان الرجل ليسلب ايمانه وهو لا يشعر، وأن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه فيرجع وما معه من دينه شيء... على أن الله لم يخل دنياه من غرباء على عصرهم ينتمون الى فرقة الرسول الناجية... فقيض لي الرؤوف بعباده قوماً وجدت فيهم دلائل التقوى، واعلام الورع وايثار الآخرة على الدنيا» (10

ومن المؤكد أن أشد المتشائمين في بداية القرن الخامس عشر لن يقول أكثر مما قاله المحاسبي رحمه الله في القرن الثاني...

وثقافة النقل والحفظ والاستحضار أصابت الفكر الاسلامي والفكر الفقهي، بخاصة بعقم مميت برز في انفصاله عن الواقع وعجزه عن توجيه مسيرة المجتمع الى البناء وتحقيق الافضل، وهذا أمر طبيعي ما دامت الدراسة والمعرفة المتلقاة فيها لا تنطلق من واقع حياة الناس، ولا تبث في المتلقي روح البحث والمسؤولية عن تحليل هذا الواقع وتقديم الأفكار المفيدة في السير به الى الأحسن.

 ولا نقول هذا جزافاً أو رغبة في النقد أو التشهير، ولعل تقديم بعض الأمثلة من مضمون التعليم الذي نناقشه ينهي كل جدل عقيم.

 وهذه الأمثلة اخذ بعضها من البرامج التعليمية بالمغرب، وهي لا تختلف عما هو موجود في مؤسسات التعليم الاسلامي بباقي الدول الاسلامية لأنها جميعا ما تزال دائرة في فلك النمودج الموروث. ويؤكد ذلك أنه لا توجد - فيما نعلم - مؤسسة تقدم لطلابها «فقهاً اسلامياً» أنجزه باحثوها من الفقه الموروث ومن واقع العلاقات الاجتماعية الفعلية سواء في الانظمة الدستورية والادارية والمالية مثلاً، او في عقود النقل والعمل والكراء والشركات وباقي أبواب الفقه.

وتلتقي الأمثلة التي سنشير إليها في  تأكيد صفة لصيقة بالتعليم «الاسلامي» وهي انفصاله عن الواقع وعدم العناية بمواكبة مشاكله وتحليلها وتقديم الحلول الملائمة لعلاجها.

 وهذه أمثلة من المواد او الموضوعات، نعرض باختصار شديد مضمون تدريسها وما يوجه إليه من مآخذ:

مادة أصول الفقه

إنها المادة الاساسية في التكوين الفقهي، فهل تؤدي  هذه الوظيفة؟

يمكن التأكد من ذلك بالرجوع الى معالم مضمونها التي في مقدمتها:

- الحديث عن «المجهتد» بمواصفاته المتداولة منذ قرون، وإضفاء صفة «الحكم الشرعي» على آرائه التي تلزم كل من لم يبلغ درجة الاجتهاد أي جميع الأمة، مع اغفال مناقشة الوسائل التي يمكن بها تطبيق ذلك التنظير ومع التمسك بالمذاهب المؤسسة منذ اكثر من  اثني عشر قرناً، وتدريس أحكامها بلغة التبليغ والاخبار وليس بأسلوب المناقشة والتقييم واستحضار ملابسات العلاقات الاجتماعية وظروفها.

- ربط تفسير النصوص بالدلالة المعجمية للألفاظ والعبارات، مع المناقشة غير المفيدة حول ما اذا كانت هذه الدلالة توقيفية او وضعية دون الاستفادة من ناحية مما حققه علم اللسانيات في مجال دلالة اللغة  ومن ناحية ثانية اغفال جانب الحكمة والقيم العالية للشريعة عند التفسير، والتركيز على المعاني اللغوية للكلمات والتراكيب.

- عدم مراعاة الواقع الذي يتميز أولاً باتساع وتنوع مرافقه التنظيمية التي يضيق عنها قطعاً تخصص فرد او مجموعة افراد، وثانياً بتطور في الفكر الاجتماعي والسياسي، يحتل فيه الفرد مركز الصدارة ولم يعد يقبل بترتيب الأفراد بين «مجتهد» يتعلق بالاحكام و«مقلد» يتلقى وينفذ... ولو اخذ هذا الواقع في الاعتبار لأعيد النظر في مفهوم «المجتهد» وفي دوره كمتخصص في الدراسات المتعلقة بنصوص الشريعة.

النتيجة الحتمية لهذه الطريقة التي يتم بها تدريس أصول الفقه هي العقم الكامل في انتاج فقه يواجه العلاقات اليومية في المجتمع، ويبحث لها عن الحلول الملائمة.

 فالدارس يحفظ عن ظهر قلب عشرات المبادئ والقواعد الاصولية، ولكنه لا يستعملها خضوعاً لثقافة التقليد المسيطرة على التكوين (11) واذا غاب الرأي الشخصي صعب التقريب بين الآراء المختلفة الصادرة عن اشخاص آخرين، فالفرد يمكنه ان يغير او يعدل رأيه الخاص بعد محاورة صاحب الرأي المخالف، ولكنه لا يملك التصرف في رأي غيره او تعديله. ومن اجل هذا نؤكد على ضرورة  تكوين من ينتج الفقه، كي يسهل التقريب بين الآراء في هذا الفقه، أما اذا اقتصر المتحاورون على عرض آراء ليست من انتاجهم فيبدو التقريب بينها بعيد المنال.

المنطق

دراسة مادة المنطق في الفكر العالمي تطورت كثيراً وتفرعت وهو ما بقي بعيداً عن مؤسساتنا التعليمية الموروثة. ففي التعليم «العتيق»، الذي صدر قانونه في المغرب في العام 2002، يدرس المنطق في السلك الثانوي بمنظومة السلم للأخضري بشرح القويسني في السنة الثانية، وحاشية بناني في السنة الثالثة، هذه المنظومة التي تبتدئ بحكاية ثلاثة أقوال حول تعلم المنطق (12) لا يتضمن إلا معلومات محدودة عن المنطق الأريسطي يبقى معها الدارس بعيداً من الافكار التي تقدمها الدراسات الحديثة لمادة المنطق وعن التأثير على أفقه الفكري في الربط بين الفلسفة وفلسفة الاجتماع.

النظام السياسي والولايات الشرعية

قد تختلف المصطلحات المستعملة، ولكن المضمون واحد وهو ما يطلق عليه في الاصطلاح التقليدي للدراسات القانونية عبارة  «القانون العام» الذي يشمل الأنظمة الدستورية والادارية والمالية...

في كليات الشريعة في المغرب مثلاً وبعد صدور القانون المنظم للتعليم العالي في العام2000 تقرر أن تدرس في وحدة «النظم الإسلامية والقانون» مادتان هما:

- «النظم الاسلامية الشرعية»، - و«القانون الدستوري».

وغير خاف ما في كلمتي «الاسلامية الشرعية» من التداعيات الايحائية... بخاصة عند المقارنة مع «القانون الدستوري» الذي يعني القانون الوضعي غير الشرعي والذي صدرت بشأنه فتاوى تكفر كل من يحتكم الى دستور غير القرآن الكريم.

 نتجاوز كل هذا، ونتساءل عن المضمون الذي يقدم في مادة النظم الاسلامية الشرعية، منقولاً طبعاً عن المؤلفات المتداولة في  الموضوع منذ «الخراج» لأبي يوسف، و«الاحكام السلطانية والولايات الشرعية» للماوردي ومن بعدهما:

- رئاسة الدولة يتم الوصول إليها في رأيي بإحدى وسيلتين:  تعيين ممن كان قبله او اختيار من «اهل الحل والعقد» (13) من جلهم او يكفي خمسة منهم، او ثلاثة يتولاها احدهم قياساً على عقد  النكاح الذي ينعقد بشاهدين وولي، او يكفي واحد قياساً على قول العباس بن عبد المطلب لعلي رضي الله عنه: «امدد يدك أبايعكم»(14

ورأي ثان يضيف وسيلة ثالثة وهي القهر والغلبة أي ما يطلق عليه اليوم «الانقلاب الدموي» و«من ظهر عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يومن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً براً كان أو فاجراً»(15).

- اذا تحققت الرئاسة بإحدى الوسائل الثلاث، «فعلى كافة الأمة تفويض الأمور العامة إليه من غير افتيات عليه ولا معارضة له ليقوم بما وكِّل إليه من وجوه المصالح وتدبير الأعمال»(16). والصلاحيات المطلقة والواسعة التي يخولها الفقه للامام معروفة ومفصلة في مراجعها الخاصة. وكذا الصيغ المقبولة وغير المقبولة في تقليده «الولايات الشرعية» لمن يختاره لها...

- علاقة المسلمين بغيرهم أو أحكام دار الاسلام والكفر تلخص في تقسيم العالم الى دارين: دار الاسلام أو مجتمع المسلمين الذي قد يعيش فيه الى جانبهم «أهل الذمة» بوضعيتهم المفصلة في الفقه،  ودار الكفر التي يجب مواجهتها بالسيف أو بالاستعداد له ما لم يبرم معها عقد أمان وموادعة...

- النظام المالي للدولة أي الخزينة العامة او بيت المال موارده كلها من مال الآخرين ولا يساهم فيها المسلم بشيء (17)، وهذه الموارد تتكون من «الفيء» ومن جزء من «الغنائم» (18) وكلها اختفت في العصور الأولى لقيام الدولة الاسلامية، ومع ذلك يكتفي بحكاية ما قيل (19) ولا يقدم للدارسين اي بديل يشكل رأياً للفقه الاسلامي في موضوع النظام المالي للدولة: موارد ومصارف رغم الواقع المعيش للدولة المعاصرة.

هذه اشارات محدودة جدا الى مضمون ما يقدم من النظم السياسية الشرعية المفصلة في مؤلفات: الاحكام السلطانية، والولايات الشرعية، والخراج، والأموال،  وما شابهها. وفيما اشير إليه كفاية لإدراك ما يتعين ان توجه إليه يد الاصلاح لإنقاذ الفكر الاسلامي من الاختلاف العقيم، والجمود المميت...

الأبواب الفقهية الأخرى

تقدم الأبواب الفقهية  كلها بالأحكام المدونة في المذهب المتبع دون استثناء من الزواج والطلاق والعقود العوضية والضمان ووسائل الاثبات، الى النظام القضائي واجراءاته الى غيرها مما يشمله مصطلح «القانون الخاص» في الدراسات القانونية.

وكل بال - مع تفاوت بينها - يتضمن نسبة من احكامه الجزئية لتطبق قابلة للتطبيق. وفي الوقت نفسه أصبح واقع هذه العلاقات الاجتماعية المتجددة يتطلب حلولاً أخرى غير تلك المدونة في الشروح والحواشي.

والنتيجة أن الدارس يتلقى كمية كبيرة من المعلومات منها المفيد ومنها ما تجاوزته سنة التطور، ولا يواجه بواقع العلاقات الاجتماعية الذي يفرض عليه المساهمة في تحليلها والبحث عن الحلول الملائمة لها.

الأمر لا يحتاج إلى أمثلة، ويكفي الرجوع الى قراءة أي باب في أي كتاب فقهي ومقارنة الأحكام الجزئية الواردة فيه مع الأحكام المقررة في القوانين المطبقة أمام القضاء والإدارة (20) بما في ذلك أبواب الزواج والطلاق(21

إن التكوين الذي أشرنا إلى بعض معالم مضمونه تنتج عنه ثلاث نتائج بالغة الأهمية:

الأولى: ترسيخ تداول المصطلحين: «الأحكام الشرعية أو الفقه الإسلامي» و«القانون الوضعي»، وهذا المصطلح الثاني أفرز ظاهرة الاستخفاف بالقانون وعدم الشعور بالمسؤولية الدينية والأخلاقية عن الإخلال بأحكامه وآثار ذلك لا تخفى على أحد وشكل السرطان المدمر للانضباط الاجتماعي الذي بدونه لن يقوم أي بناء، كما وجدت فيه اتجاهات شاذة مبرراً للقول بتكفير المجتمعات التي تقره لأنها تحكم بغير ما أنزل الله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون).

والثانية: ما تحدثه هذه الازدواجية من اضطراب في فكر المسلم وسلوكه، وبالتالي في مسيرة المجتمع وتوحيد الجهود والرؤية.

والثالثة: غياب دارسي «الفقه الإسلامي» عن المساهمة في «الفقه العملي» أي دراسة القوانين المطبقة في مختلف فروعها ومناقشة مضمونها للإبقاء على الصالح، واستبعاد وتعديل ما يراه الدارس جديراً بذلك، اعتماداً على نصوص الشريعة الثابتة ومبادئها العامة، في ظل الواقع وملابساته.

وبدون ذلك، يفقد «الفقه الإسلامي» حيويته وحضوره في تحليل العلاقات التي يعيشها الناس فعلاً، وفي اقتراح (22) تنظيمها بما هو مفيد، ولا يعارض نصاً صريحاً ولا مبدأ من مبادئ الشريعة وقيمها.

لهذا نعتقد أن اللبنة الأساسية التي ينبغي أن يبدأ منها البناء هي لغة التلقين ومضمون المعرفة المقدمة في مؤسسات الدراسات الإسلامية، وبالأخص الجانب المتعلق منها بالأفكار العقدية وبتنظيم مؤسسات المجتمع ومختلف علاقاته. وذلك لتحقيق:

- تواصل الدارس المباشر مع نصوص الشريعة ومساعدته على فهمها.

- ربطه بواقع الحياة وحاجاته ليناقشها ويدلي بدلوه في ما ينبغي أن تخضع له من تنظيم وتدبير.

- شعوره بأن ما يتلقاه من معرفة هي وسيلة لإنتاج معرفة أخرى استجابة لسنة التطور، وامتثالاً لآية (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً).

وأنه لا يطلب منه أن يكون مجرد وعاء للخزن والنقل، وأداة للاستحضار والحكاية كما هو سائد اليوم.

- ثقافة تعايش مختلف الأفكار والآراء، والسجال بينها يكون بأسلوب الحوار والاقناع، وليس بالتجريح والاتهام بالزيغ والانحراف.

 

خلاصة

أود في هذه الخلاصة إثارة بعض الأسئلة التي يبدو الجواب عنها مساعداً على وضوح الرؤية، وعلى تحديد موضوعات المناقشة، واختيار الوسائل الملائمة لعلاجها.

1 - الخلافات المذهبية مجرد خلاف في فهم نصوص الشريعة أو في ثبوتها. فهل هذه الخلافات في الفهم وفي ثبوت بعض نصوص السنة قابلة للمناقشة والمراجعة، أم أنها نهائية لا يملك الجيل الحاضر إزاءها إلا أمانة النقل وحرفية التطبيق؟

2 - اتسعت وتنوعت كثيراً المرافق والعلاقات الاجتماعية وتغيرت ملابساتها، وتشعبت التخصصات المعرفية بشأنها.

فهل يكفي ما يقدمه أصول الفقه حول المفسر وطرق التفسير (أو المستثمر وطرق الاستثمار بلغة الإمام الغزالي) لمواجهتها وصياغة الأحكام الملائمة لها؟

أم تقسم مجالات التنظيم الاجتماعي ليشرع في جزء منها «المجتهد» (ولا أحد يعلم كيف ومتى سيتحقق وجوده الفعلي) وفي الجزء الآخر غيره من المتخصصين أو المؤسسات الموكول إليها صياغة «القانون الوضعي»؟

وهل هذا التقسيم ممكن عمليّاً مثلاً في العقود والمعاملات وفي نظام الحكم او النظام الدستوري بالاصطلاح المتداول؟

3 - تطبيق نصوص الشريعة على وقائع العلاقات الاجتماعية، ساد اسناده من قبل الى ا فراد بمواصفات معينة «المجتهدين» عند المسلمين كافة اضافة الى «الأئمة المعصومين» عند الشيعة.

واليوم أصبحت كل المجتمعات المتمتعة بالنضج والاستقرار تميز بين رأي الفرد - أياً كان وصفه - الذي لا يلزم أحداً، وبين الحكم الملزم في السلوك الاجتماعي، وتسنده إلى المؤسسات وليس الى الأفراد.

فهل نهمل هذا الواقع ونتجاهله، ونقصر المناقشة على «الاجتهاد» الفردي أو الجماعي الذي يسند الى «الفقهاء» وحدهم أو مع «المتخصصين» في كل مجال يراد التشريع فيه؟

أم إن التجاهل مستحيل، وأن المفيد هو البحث عن الوسيلة القادرة على مسايرة هذا الواقع «الدستور» الذي لا يبدو مخالفاً للإسلام، وفي الوقت نفسه تحقق تلك الوسيلة ارتباط تنظيم المجتمع بالشريعة، وشعور الفرد المسلم بعدم مخالفة او انتهاك احكام وقيم دينه في الأنظمة الاجتماعية التي يطلب منه الامتثال لها؟

4 - اختلف السابقون في آرائهم، ولم يضعوا وسيلة لتحديد الرأي الواجب التطبيق من بين مختلف الآراء، فنشأت بذلك، الفرق والمذاهب التي تدعو  اليوم الى التقريب بينها.

وبما أن الاختلاف من سنن الله الأبدية، أفلا نتعظ بما حدث للأمة الاسلامية منذ حوصر الخليفة الثالث وذبح في داره الى أيامنا هذه التي تتناسل فيها الفتاوى ذات اليمين وذات اليسار بالتحليل والتحريم والتكفير الفردي والجماعي، لنركز البحث عن الوسيلة التي تجنبنا الآثار السلبية للاختلاف وذلك بالتمييز:

- بين رأي الفرد الذي هو فهم او استنتاج شخصي من النصوص ولا ينبغي أن يوصف مباشرة بـ«حكم الشريعة»، سواء كان في صورة «فتوى» أو في أي شكل آخر، ولا سند لفرضه على الآخرين وإلزامهم به.

- وبين ما تقرره الأمة (المجتمع) عن طريق المؤسسات التي تنتدبها لذلك من تشريعات تلزم الجميع في التطبيق وهي التي يتعين اعتبارها معبرة عن «اجتهاد الأمة» في تفسير نصوص الشريعة وتطبيق أحكامها، مستأنسة فيه بالآراء الفردية المختلفة؟.

5 - وأخيراً اذا كان المشكل التشريعي في المجتمعات الاسلامية يمكن حله بالتقريب بين المذاهب الذي يكفي للقيام به عمل ثلة من العلماء الراسخين المتمتعين بالورع وصدق النية أفلا ينبغي تأكيد صدق ذلك:

 - بإنجاز نموذج محدود لهذا  التقريب (مثلاً: عقد الرهن أو العمل او الشركات أو الاجراءات أمام القضاء) لإثبات أنه كافٍ لتنظيم علاقات المجتمع بظروفها التي يعيشها الناس.

- ببيان الحل الواجب اتباعه ازاء الآراء المخالفة التي قد يقدمها العلماء الذين لم يشاركوا في صياغة نموذج التقريب.

- ببيان الوسائل والاجراءات التي تمكن النموذج من الصفة  لالزامية في التطبيق في ظل الواقع الدستوري الذي تعيشه كل دولة اسلامية؟

ان التنظير ينبغي ان ينطلق من الواقع بحثاً عن وسائل عملية لتسير به الى الأفضل، أما التصورات المجردة فلا تقدم للناس شيئاً ينفعهم. والله الهادي الى سواء السبيل.

 

 

هوامش:

1 فمن  هذه الطبيعة والخصوصيات التمايز والاختلاف في النظر الى جزئيات غير يسيرة من  وقائع العلاقات الاجتماعية، ومن ثم ترتيبها في سلم تنظيم المجتمع، وتحديد الاحكام المناسبة لها.

من المعروف مثلاً  ان الشافعي بعد انتقاله الى مصر غيّر كثيرا من آرائه التي كان يقول بها وهو في العراق، تم هذا بين اقليمين متقاربين اجتماعيّاً وجغرافيّاً وفي فترة النصف الاخير من القرن الثاني، فكيف نقول الآن بفرض احكام المذهب الشافعي الجزئية في كل من مصر مثلا والغالبية المسلمة في تايلاند اللذين يأخذان بهذا المذهب؟

2 أي في العلاقات الاجتماعية التي يتعين اخضاعها عمليّاً لحكم واحد بحيث يفرض الحكم الواجب التطبيق ويلتزم به حتى المخالفون مع حقهم في الاستمرار في اعلان آرائهم بأسلوب الحوار والمجادلة بالحسنى. وما استبعد اليوم قد يظهر صوابه غداً، ويستدعي المنطق والمصلحة الرجوع إليه.

اما الاختلاف في التنظير والأفكار المجردة التي لا تستلزم تنظيّماً تطبيقيّاً في الحياة اليومية، فعلاجه المقبول هو الايمان بتعايشها باعتبار ذلك سنة الله التي خلق عليها الانسان ولن تختفي ما دام له وجود على هذه الأرض. والايمان بتعايش الآراء المختلفة تتبعه ضرورة الالتزام بالمناقشة بالحسنى مع قصرها على الرأي ومستنداته، والابتعاد عن الغمز واللمز، وعن كل أشكال التجريح لشخص صاحب الرأي المخالف.

3 البخاري (ح 5831)

4 أما التعليم العمومي من زاوية علاقته بالموضوع  الذي نناقشة، فيمكن التركيز فيه على ضعف المعرفة الدينية التي يقدمها وبساطتها، حيث تقتصر على معلومات جزئية واحياناً  غير دقيقة ولا نافعة، الأمر الذي يجعل غالب المتخرجين منه:

- يعتبرون  هذه المعرفة شبه غيبية لا يدركها إلا رجالها المتخصصون فيها، وبسبب ذلك تجد  ذوي شهادات عليا يستفتون في احكام بسيطة او معلومة من الدين بالضرورة تمكن معرفتها بسهولة من المراجع الميسرة المتداولة. وهم لذلك لا يناقشون مستند «الفتوى» وانما يكفيهم الحكم الذي نطقت به، ويعلم الجميع نتائج هذه الظاهرة التي افرزت استباحة قتل المسلمين حتى داخل المساجد وهم يصلون...

- وجزء منهم يتعرض بسهولة لاهتزاز عقيدته الدينية، لانه لم يلقنها بأسلوب الفهم والحوار والاقناع.

تفادي ذلك كله او جلّه على الاقل، يتطلب التركيز في التعليم العمومي على تلقين العقيدة الدينية في بعدها الفلسفي والروحاني، وترسيخ قيمها الاجتماعية والسلوكية، وما يعنيه «التكليف» من مسؤوليات الفهم، وأداء الواجبات والمطالبة بالحقوق، او ما يجمعه مفهوم «تحمل الامانة».

 ان هذا يمكن المتلقي - أيّاً كان تخصصه التعليمي فيما بعد - من معرفة نافذة الى العمق يستطيع بها ان يسير على بصيرة من امره فيما يصادفه من افكار حول الانسان والوجود وفلسفة الحياة، وان يميز بين الغث والسمين إزاء الآراء والفتاوى المتناثرة ذات اليمين وذات اليسار.

5 مع قلة ما كتب فيها مقارنة بما دون في «المعاملات» يجمعها بهذه الأخيرة امران:

الأول: اضفاء الصفة الدينية على  ما وضع لها من احكام، لذلك عنون الماوردي مثلا كتابه «الاحكام السلطانية والولايات الدينية» وعدد الى جانب ولاية الامامة تسع عشرة ولاية كانت تمثل كل مؤسسات الدولة ومرافقها، وكلها مفوضة الى من  ندبه الله «للأمة زعيماً خلف به النبوة واحاط به الملة وفوض إليه السياسة ليصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأي متبوع» ـ ص - 1.

الثاني: التقيد فيها بمذاهب الفقهاء وآرائهم (المرجع السابق)، وتؤكده المؤلفات المدونة في  موضوع الولايات الدينية او الشرعية كلا او بعضاً وفي الخراج او الاموال حيث تبنى كلها على آراء الفقهاء والسابقين.

6 بالمقابل، ظهر الخطاب المنادي بمنع «الفقهاء» من ابداء رأيهم في السياسة وفيما يخرج عن «اختصاصهم».

ففي بداية الاسبوع الثاني من شهر ايار ـ مايو ـ الجاري (3002) كتب احدهم تحت عنوان: «دخول اهل الدين في السياسة» مقالا يتعجب فيه «من متخصصين في شؤون الدين يفتون في الشأن السياسي» مثل «الكبيسي وقبله القرضاوي وبعدهما مشايخ وفقهاء ايران والسعودية ومصر ولبنان وغيرها».

 صحيح ان تعرض الاحكام التي تصدر عن غير المتخصص للخطأ اكثر منه عند المتخصص،  يصدق  هذا على الفقيه والسياسي والاقتصادي والمهندس، وعلى غيرهم من قائمة عشرات التخصصات المعرفية التي تفرعت إليها المعرفة  الانسانية اليوم، وان المبادئ الاخلاقية - والدينية كذلك - تدعو الفرد الى الاحتياط اكثر عند ابدائه الرأي خارج اختصاصه.

لكن، لا يبدو مقبولا  عزل  كل المتخصصين في زاوية اختصاصهم المعرفي الاكاديمي ومنعهم من المناقشة وابداء الرأي فيما يثار ويتداول خارج ذلك الاختصاص.

 فبالاضافة الى تغير طبيعة التكوين المعرفي وتطور وسائل التلقي، اصبح من الحقوق الاساسية للفرد ابداء الرأي في كل ما يمس الشأن العام، وبناء تنظيمه على الادراك والاقتناع وليس على  الفرض ومصادرة التفكير.

 نعم، يبقى الدور الاساسي للمتخصص هو : كشف الخطأ في الرأي الذي قدمه غير المتخصص، وبيان صواب رأيه بأسلوب الحوار والبرهان، ووسائل الاقناع والمجادلة بالحسنى. علماً بأن التخصص في العلوم الانسانية ـ وفي مقدمتها الفقه الاجتهادي - يتسم بمرونة واضحة بسبب الدور الاساسي فيه لكل من العقل وظروف حياة المجتمع وملابساتها.

7 يقترح اشراك المتخصصين في المجال المعني بالتنظيم، او استشارتهم كخبراء، او توزيع «العلماء» على التكوين في كل فرع من فروع التخصصات الحديثة، فيجمع «العالم» بين المعرفة الشرعية والمعرفة الحديثة في الاقتصاد مثلاً، او الادارة، او النظام الدستوري او الضريبي... الخ.

ولكن، بقليل من التأمل يتأكد تعذر تطبيق هذه المقترحات النظرية، فضلا عن كون اسناد التقرير الى فرد  او مجموعة افراد بحكم تخصصهم المعرفي تجاوزته القيم والمبادئ التي تحكم تنظيم المجتمع المعاصر.

8 يقول ابن مالك في ألفيته: «ما أصح علم من تقدما»

9 كلام المحاسبي هذا ورد في كتابه «الوصايا او النصائح» ونقله الدكتور حسين القوتلي في ص: 62 و72 من تحقيقه لمؤلف المحاسبي «العقل وفهم القرآن».

10 ان الفكرة التي عبر عنها المحاسبي مثل كثيرين غيره، والتي انتجت ثقافة التهيب من مراجعة آراء السابقين ومناقشتها، خلطت بين امرين متميزين ومنفصلين، الاشخاص والآراء فالأشخاص يجب احترامهم دينيا واخلاقيا ولا يجوز المساس بحرمتهم وصدق طويتهم. أما الآراء التي تتعلق بشبكة العلاقات الاجتماعية، فإنها ملك الجميع وبحكم عدم عصمة صاحبها من الخطأ وامتداداها مكاناً وزمانا،ً وخضوع حياة المجتمع وعلاقاته لسنة التطور، تكون مناقشتها أمراً ضروريا وحتميّاً والاقتصار على ترديدها وتقليدها  اخلال بمسؤولية التكليف، وتضييع للأمانة التي عرضت على السماوات والأرض فأبين ان يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان...

11 الذي يثبت هذا بصورة يقينية هو واقع مؤسسات الدراسات الاسلامية بمختلف اسمائها، فما يدرس فيها باسم «الفقه الاسلامي» هو الفقه المنقول، والشيء نفسه ينطبق على مؤلفات شيوخها وعلى ابحاث الطلبة، ونادراً ما يعترض على بعض الاحكام، لكن استناداً الى رأي آخر قديم، والمؤكد هو انه لا وجود لمؤلف «فيما اعلم - انطلق من قراءة شخصية لنصوص الوحي على ضوء الواقع المعيش، وصاغ «احكام الفقه الاسلامي» في باب او مجموعة ابواب من فقه المعاملات، مكتفيا بالاستئناس بآراء السابقين بدل نقلها واعتمادها دون مناقشة. وفي كل الاحوال، اذا ادلى شيخ، او فقيه بآرائه في بعض الجزئيات داخل كتاب او بحث، فـإن آراءه  هذه لا تندمج في منظومة، «احكام الفقه الاسلامي» المتعارف عليها في التدريس والتأليف والافتاء.

12 والخلف في جواز الاشتغال/ به على ثلاثة اقوال

فابن الصلاح والنواوي حرما/ وقال قوم ينبغي ان يعلما

والقولة المشهورة الصحيحة/ جوازه لكامل القريحة

ممارس السنة والكتاب/ ليهتدي به الى الصواب

13 لم يسبق ان عينوا فعلا، او حددت وسائل عملية لهذا التعيين،، كل ما قيل هو الاشارة الى بعض الشروط او الاوصاف. فمثلاً: الماوردي وابو يعلى يذكران ثلاثة شروط: العدالة، والعلم بشروط من يستحق الامانة، والرأي والحكمة او التدبير. بينما يحددهم الشيخ محمد رشيد رضا في «كبار الفقهاء، ورؤساء الجند، والقضاة، وكبار التجار، والزراع واصحاب المصالح العامة، ومديرو الجمعيات والشركات وزعماء الاحزاب ونابغو الكتاب والاطباء والمحامين» تفسير المنار 5/891

14 الأحكام السلطانية ص: 6-7

15 الاحكام السطانية لأبي يعلى ص : 32

اي ان القوة والسبق، والانقلاب الدموي كل ذلك وسيلة مشروعة للوصول الى السلطة، واحتلال كرسي الامامة او الرئاسة.

16 الماوردي، ص: 51

17 فالمسلم لا يفرض عليه شيء في ماله غير الزكاة، وهي ليست من موارد بيت المال لأن لها مصادرها المحددة في القرآن يقول أبو يعلى الحنبلي:

«وأما الصدقة فضربان: احدهما صدقة مال باطن فلا يكون من حقوق بيت المال لجواز ان ينفرد اربابه بإخراج زكاته في أهله.

 والضرب الثاني: صدقة  مال ظاهر: كأعشار الزرع والثمار وصدقات المواشي، فذهب احمد إلى انه ليس من حقوق بيت المال أيضا لأنه لجهات معينة لا يجوز مصرفه في غير جهاته، ولا هو محل لإحرازه عند تعذر جهاته لانه لا يجب دفعه الى الامام وان جاز ان يدفع اليه» ص: 252.

ويقول الماوردي عن زكاة المال الظاهر انها عند ابي حنيفة «من حقوق بيت المال لانه يجوز صرفه على رأي الامام واجتهاده ولم يعينه في اهل السهمين، وعلى مذهب الشافعي لا يكون من حقوق بيت المال لانه معين الجهات عنده لا يجوز صرفه على غير جهاته» ص: 412

وحتى ما يؤديه المسلم من العشور على بضائعه التجارية عند الحدود يعتبر زكاة ويأخذ حكمها (الخراج لأبي يوسف، ص: 431). وداخل دار الاسلام لا يجوز اخذ العشور: «وأما اعشار الأموال المتنقلة في دار الاسلام من بلد الى بلد فمحرمة لا يبيحها شرع ولا يسوغها اجتهاد ولا هي من سياسات العدل..». الماوردي، ص: 802.

18- يقول الماوردي: «وأموال الفيء والغنائم ما وصلت من المشركين او كانوا سبب وصولها» ينفقان في ان كل واحد من المالين واصل الكفر، ويختلفان في «ان مال الفيء مأخوذ عفوا، ومال الغنيمة مأخوذ قهراً» فالفيء «كل ما وصل من المشركين عفوا من غير قتال ولا بإيجاف خيل ولا ركاب، فهو كمال الهدنة، والجزية، واعشار متاجرهم، او كان واصلاً بسبب من جهتهم كمال الخراج» ص: 621.

وتشمل الغنائم: الأسرى، والسبي، والأرضيون، والاموال المنقولة، ولا يدخل مثلا في موارد بيت المال الا الارضون على احد القولين الذي يرى ان للامام وقفها او قسمتها.

19- ما قيل عن الفيء والغنائم نظريّاً ولا علاقة له بالواقع، وكذا عن انفاق ما في بيت المال الذي يرجع الى اختصاص الامام وحده. واذا شحت موارده، وهي اصلاً غير موجودة منذ قرون - يقول الفقه:

- المصارف المستحقة «على وجه البدل كأرزاق الجند وأثمان الكراع والسلاح» يجب التعجيل بدفعها «كالديون مع اليسار» والا  وجب الانظار «كالدين مع الاعسار».

- المصارف المستحقة للمصالح والمرافق العامة دون بدل، تؤدي ان وجدت، واذا لم توجد سقط وجوب القيام بتلك المصالح والمرافق، فإن كان في عدم القيام بها ضرر عام، اعتبر انجازها فرض كفاية على المسلمين كافة «حتى يقوم بها منهم من فيه كفاية كالجهاد وان كان مما لا يعم ضرره كوعورة طريق قريب يجد الناس طريقا غيره بعيداً، او انقطاع شرب يجد الناس غيره شراباً، فإذا سقط وجوبه عن بيت المال بالعمد، سقط وجوبه عن الكافة لوجود البدل». الماوردي ص: 412 - 512، وأبو يعلى، ص : 252 - 352.

نعم هناك فتاوى تبيح للامام عند الحاجة إلزام الاغنياء والموسرين بأداء ما تسد به هذه الحاجة لكن من ناحية توجد كذلك فتاوى مضادة، ومن ناحية ثانية الفتاوى المبيحة لم تقدم أية وسائل عملية لضبط معايير الحاجة والفرض، فكان ضررها اكبر من نفعها في كثير من الحالات.

20 - صحيح ان احكام تلك القوانين ليست سليمة كلها، ولكن ما يجب التأكيد عليه هو:

أولاً - ما دامت تنظم العلاقات التي تناولها الفقه الاسلامي فإنه من المتعين معرفتها ومناقشتها لتأييد الصالح واقتراح البديل لما قد يبدو مخالفاً لأحكام الشريعة او غير ملائم للتطبيق، اما الاعراض عنها وتغييبها فلا يبدو مسلكا رشيداً.

 ثانياً - من المحقق ان اكثر احكامها ملائم لما طرأ على العلاقات الاجتماعية من ملابسات، مثل عقود النقل، والعمل، والرهن، والضمان الاجتماعي، والتنظيم القضائي، والحريات العامة... الخ.

21- فكل قوانين الاحوال الشخصية في الدول الاسلامية تتضمن مقتضيات - تضيق وتتسع - مخالفة للمنصوص عليه في المذهب المقلد.

في الزواج: مثلا: السن، ولاية الاجبار، ولاية الزواج عموماً، اشتراط توثيق العقد، الزام الخاطبين باحضار وثائق عدة لابرام العقد.

وفي الطلاق: ألغيت صيغ عدة كان الفقه يقول بوقوع الطلاق بها، واعتبر الطلاق بلفظ الثلاث طلقة واحدة رجعية، وطلاق الزواج رجعيّاً وان وصفه بالبائن وفرض تدخل القاضي لمحاولة الصلح، وتقدير مستحقات الزوجة والاطفال قبل تسجيل الطلاق...

22 - نؤكد على كلمة «اقتراح» لأن رأي الفرد لا يمكن ان يكون الا اقتراحاً، باعتبار ان الآراء متعددة، وضروري اختلافها، فيتعين اذن التمييز بين رأي الفرد وبين الحكم الملزم للأمة جميعا، والذي يرجع إليها هي أمر تقريره بالوسيلة التي تراها ملائمة حسب ظروف الزمن والمكان وأهمية الحكم.

 أما الخلط بين رأي الفرد  وبين الحكم الملزم فنتائجه السلبية حاضرة بيننا ولا تحتاج الى تعليق او بيان.

 

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع