|
الإسلام السياسي
بعد عقدين:
عزلة التيار الجهادي السلفي
د. طلال عتريسيفي
إطار التعليق على تداعيات
الحادي عشر من ايلول ـ سبتمبر ـ 2001،
ذكر بعض المصادر الفرنسية، وبنوع من الطرافة أو السخرية أن أكثر
المتضررين من هذه الهجمات على واشنطن ونيويورك بعد الولايات
المتحدة هو الباحث الفرنسي المتخصص بالحركات الاسلامية، جيل كيبل
الذي كان قد أصدر كتاباً سماه «الجهاد، صعود الاسلامية
وانحدارها»(1) يستعرض فيه تجارب أكثر من حركة اسلامية وأكثر من
محاولة اسلامية للاستيلاء على الحكم، ويستنتج ان هذه الحركات فشلت
في ما كانت تريد الوصول إليه. وأنها دخلت في حقبة أفول بعد التوسع
الذي شهدته في العقدين الماضيين وانها لم تعد تشكل تهديداً
لأنظمتها كما كانت في السابق.
ولا يُعتبر ما ذهب اليه كيبل غريباً مقارنة مع
قراءات أخرى استندت الى المنهجية نفسها في جعل الحركات الاسلامية
كلها في سلة واحدة، وفي عدم التمييز بينها، بينما اختصرت في الوقت
نفسه كل التنوع والاختلاف بين هذه الحركات بنموذج واحد هو نموذج
الحركات التي تبنّت العنف وسيلة وحيدة من أجل «تغيير الواقع
الفاسد» من حولها، خصوصاً واقع الحكام «الذين لا يطبقون احكام
الله» (2) واستناداً الى هذا النموذج تم تقديم ما تحقق من انجازات
وما تعرضت له الظاهرة الاسلامية من اخفاقات في السنوات الماضية.
وقد ساهم في هذا الانحراف المنهجي التركيز الاعلامي والسياسي
والأمني على التطرف الاسلامي وتجربته الدموية في كل من مصر
والجزائر وافغانستان أو في بعض الساحات الأوروبية والأميركية التي
تعرضت لتفجيرات او لزرع عبوات في مؤسسات أو في أماكن عامة. بينما
تم تجاهل التيارات الأخرى المعتدلة التي رفضت العنف الداخلي، ولم
تبحث عن ذرائعه ومبرراته الفقهية، في حين ان هذه التيارات تعرضت
تارة للتكفير من الاتجاهات المتشددة وطوراً للحصار والتضييق من
الحكومات فمنعت من أي نشاط علني وشرعي مثل خوض الانتخابات أو
الحصول على الاعتراف الرسمي القانوني... كحال تجربة حركة الاخوان
المسلمين في مصر التي لا تزال حركة محظورة لا يحق لها التقدم لأي
انتخابات.
هكذا دمجت الكثير من الدراسات السياسية
والاستراتيجية، ومعها وسائل اعلام متنوعة بين الظاهرة الاسلامية
عموماً وبين الأصولية والتطرف. بحيث بات الحديث عن هذا يقود الى
ذاك. وبحيث تحول الاسلام كله، كما كتب البعض، الى الخطر المقبل على
الحضارة الغربية بعد زوال «الخطر الأحمر».
اتجاهات التيارات الاسلامية
بعيداً من التركيز الأمني او
الاعلامي على تيار من التيارات الاسلامية، فإن الواقع يسمح لنا
بتبين أكثر من اتجاه في داخل الحركات الاسلامية يمكن رصدها على
الشكل التالي:
1 - اتجاه دعوي تربوي، وهو سابق على الثورة
الاسلامية في ايران التي تعتبر محطة فاصلة في تاريخ الاسلام
السياسي المعاصر. ويقوم هذا الاتجاه على الأسلمة من تحت في مقابل
الأسلمة من فوق (الانقلاب والاطاحة بالحاكم). ولذا يهتم اصحاب هذا
الاتجاه اهتماماً شديداً ببناء المؤسسات الثقافية والتربوية
والجمعيات والمكتبات، ويولون العمل في المساجد اهتماماً خاصاً.
وليس لرموز هذا الاتجاه او قادته مواقف سياسية مباشرة. ومنهم من
يعارض أصلاً هذا التداخل بين الدين وبين السياسة. ولهذا يعمل هؤلاء
على بناء المجتمع وتربية افراده تربية اسلامية، كشرط لا بد منه من
أجل التغيير المنشود. (3).
2 - اتجاه يزاوج بين الدعوة وبناء المؤسسات
الثقافية والاجتماعية والتربوية وبين الرغبة في المشاركة السياسية
من خلال الأطر الشرعية والدستورية مثل مجالس النواب والبلديات
وسواها، ولا يقر هذا الاتجاه العنف، ولا يلجأ اليه من أجل التغيير
أو من أجل نشر الدعوة وأسلمة المجتمع. والنموذج الأبرز والأهم لهذا
الاتجاه هو حركة الاخوان المسلمين التي بدأت في مصر وانتشرت كاتجاه
في معظم البلدان العربية والاسلامية.
3 - اتجاه جعل العنف وسيلته الاساسية للتغيير.
من خلال الاغتيال او التفجير او العمل السري المسلح.. من اجل
التخلص من النظام الكافر وبناء النظام الاسلامي وقد عُرف هذا
الاتجاه قبل الثورة الاسلامية في ايران واشتد ساعده بعدها. فقد
حاولت على سبيل المثال مجموعة من الضباط الاسلاميين في مصر في
منتصف السبعينيات السيطرة على كلية عسكرية، في اطار انقلاب اسلامي
لم يكتب له النجاح كما عرفت ايران جماعة فدائيان اسلام التي تزعمها
نواب صفوي وقامت بتنفيذ عمليات اغتيال ضد رموز سياسية،... وقد شجع
انتصار الثورة في ايران اصحاب هذا الاتجاه الذين رأوا في ما حصل
نموذجاً لما يمكن تحقيقه بواسطة الثورة التي تستند الى الاسلام.
وشهدت مصر بعد أقل من سنتين على انتصار الثورة
في ايران اغتيال الرئيس أنور السادات، في اطار محاولة انقلابية
فاشلة قامت بها مجموعة من الضباط تنتمي الى تنظيم الجهاد كما خاضت
حركة الاتجاه الاسلامي في تونس في منتصف الثمانينيات مواجهة أمنية
مع النظام التونسي، أدت الى اضعافها وتشتت قياداتها بين السجون
والمنافي، قبل ان تتحول لاحقاً الى حركة النهضة التي منعت أيضاً من
العمل العلني ومن المشاركة في الحياة السياسية والانتخابية. ولا بد
من الاشارة الى ما يفسر لجوء هذا الاتجاه الى خيار العنف بأنه
نتيجة للواقع وليس سبباً للفكر الذي يحمله اصحاب هذا الاتجاه.
فعندما توصد ابواب العمل السلمي في وجه الاسلاميين ويمنعون من
التعبير عن رأيهم، ومن المشاركة السياسية في هذا الميدان او ذاك،
فلن يجدوا سوى ابواب العنف يطرقونها. ولعل هذا ما يفسر كيف نشأت
معظم الحركات الجهادية والراديكالية في كنف جماعة الاخوان المسلمين
قبل ان تنفصل عنها لاحقاً، لاعتقادها بعدم صوابية منهجها السلمي في
الدعوة الى التغيير في مواجهة عنف النظام الذي يبطش بالحركة
الاسلامية ويزج بقياداتها في السجون. (4)
ولا يعني هذا التفسير السوسيولوجي انتفاء اي
اثر للجانب الفكري - الفقهي على خيار التكفير والهجرة عند هذا
الاتجاه الذي يريد التغيير عن طريق وحيد هو العنف. فعندما ينقسم
العالم الى جبهتين لا ثالث لهما هما جبهة الاسلام وجبهة اليهود
والصليبيين والكفار كما يعتقد تنظيم القاعدة، فمن الطبيعي ان تبرر
هذه الرؤية دعوات زعيم هذا التنظيم اسامة بن لادن، الى الجهاد ضد
الجهة الثانية. او عندما تستند بعض الجماعات الاسلامية الى فتاوى
شيخ الاسلام ابن تيمية وتلامذته في شأن التتار الذين استولوا على
العالم الاسلامي في القرن السابع الهجري. فيقول محمد عبد السلام
فرج (من المجموعة التي نفذت عملية اغتيال الرئيس أنور السادات) في
«الفريضة الغائبة»، «إن الاحكام التي تعلو المسلمين اليوم هي أحكام
الكفر بل هي قوانين وضعها كفار وسيروا عليها المسلمين ويقول الله
«ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون» وبعد ذهاب الخلافة
نهائياً، واستبدالها بأحكام وضعها الكفار اصبحت حالتهم هي حالة
التتار نفسها كما جاء في تفسير ابن كثير في قوله تعالى «أفحكم
الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون». ويقول الشيخ
عمر عبد الرحمن في تفسير آية «ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم
الكافرون» انها عامة في أهل الكتاب وغيرهم شاملة اليهود والنصارى
والمسلمين. وان الحاكم بغير ما انزل الله كافر... وهكذا فإن
الحاكمية في فكر الجماعات الاسلامية تعني الحكم على الأنظمة
الحاكمة بالكفر... وينعزل الأمير بالكفر إجماعاً ويحق على كل مسلم
كما يقول الشيخ عمر عبد الرحمن، القيام بذلك» (5)
4- اتجاه اعتمد العنف استراتيجية «خارجية» في
مواجهة الاحتلال، وليس من اجل الاستيلاء على السلطة او اسلمة
المجتمع من الداخل وأبرز من يمثل هذا الاتجاه حزب الله في لبنان
وحركتا حماس والجهاد الاسلامي في فلسطين. ولا يعني ذلك ان تنظيمات
هذا الاتجاه لم تتورط في عنف داخلي في لحظات معينة، بل يعني ان هذا
العنف كان طارئاً في مقابل مقاومة الاحتلال كاستراتيجية ثابتة ومن
الملاحظ ان الحملة الاميركية للحرب على الارهاب، استهدفت هذين
الاتجاهين مباشرة (الثالث والرابع) من دون اي تمييز بين شرعية
المقاومة ضد الاحتلال، ولا شرعية العنف او التفجير لأهداف مغايرة.
صعود الاسلام السياسي
لو راجعنا تجربة صعود الاسلام
السياسي في العقدين الماضيين سوف نلاحظ ان هذه التجربة قد عرفت
مرحلتين. الأولى طيلة الثمانينيات عندما تم التحالف مع الاسلام
الجهادي السلفي ان لم نقل توظيف هذا الاسلام وتقديره اعلامياً
وسياسياً في مواجهة الاحتلال السوفياتي لأفغانستان. لكن هذه
المرحلة كانت تتسم في الوقت نفسه بتطويق «الاسلام الايراني» من
خلال الحرب العراقية على إيران التي حظي فيها العراق بدعم دولي
واقليمي مكنه من الاستمرار في هذه الحرب المدمرة ثماني سنوات
متواصلة.
مع بداية عقد التسعينيات حصل تحول كبير في
المعادلتين الاقليمية والدولية. فقد انسحب الاتحاد السوفياتي من
افغانستان العام 1989 ثم احتل العراق
الكويت العام 1990، وتفكك الاتحاد
السوفياتي العام 1991 وانعقد مؤتمر مدريد للسلام، ووقع الفلسطينيون
اتفاق أوسلو العام 1993. وتوقفت
الانتفاضة التي كانت قد بدأت العام 1987...
ونتج عن هذا التحول على مستوى الاسلام السياسي تداعيات عدة في هذه
المرحلة فقد بدأ التركيز على «الخطر الأخضر» في مراكز الدراسات
الاميركية بعد زوال «الخطر الأحمر» ثم ظهر الافغان العرب الذين
باتوا من دون قضية بعد انسحاب السوفيات من افغانستان. وباتوا عرضة
للملاحقة والاعتقال في معظم العواصم العربية والاسلامية. ولعل هذه
الملاحقة، وتبدل حال المجاهدين وتحولهم الى «فيروس ينبغي القضاء
عليه» هو الذي حوّل قبلتهم الجهادية الى هذه العواصم التي اكتشفوا
انها خاضعة للنفوذ الأميركي وللهيمنة الغربية... كما تعرضت في هذه
المرحلة أيضاً حركات العنف الاسلامي الى ضربات متلاحقة والى تراجع
عملياتها والى قتل او اعتقال الكثير من قادتها وأمرائها في مصر
والجزائر. والى تبرؤ معظم الحركات الاسلامية من العمليات التي يقوم
بها هذا الاتجاه. ولعل هذا التراجع هو الذي دفع الباحث الفرنسي جيل
كيبل وامثاله من المهتمين بالاسلام السياسي الى القول بأن
الاسلاموية تشهد انهياراً وأفولاً بعدما شهدت في الماضي صعوداً
وتوسعاً.
وما يمكن ملاحظته أيضاً على مستوى قراءة تجربة
الاسلام السياسي في العقدين الماضيين هو تزايد حجم الواقعية
والقدرة على التكيف مع المؤسسات والنظم الحاكمة، وتزايد الاتجاه
الى مشاركة تيارات الاسلام السياسي في هذه المؤسسات تحت شعارات
الاصلاح او التغيير السلمي. مثلما فعل حزب الله في لبنان، وجبهة
العمل الاسلامي في الأردن، وحزب العمل والاخوان في مصر، ومعظم
الحركات والمنظمات الاسلامية في الكويت والمغرب والبحرين. وفي
الوقت نفسه الدعوات من مفكرين وعلماء من التيارات الاسلامية، الى
الاعتراف بالآخر، والى الحوار وقبول الديمقراطية المواطنية بدل
الانتماء الديني(6)... ولعل أهم ما يمكن اضافته الى سمة الواقعية
والتكيف ذلك التراجع الكبير عن فكر الجهاد والتكفير الذي حملته
الجماعات الاسلامية المصرية في مطلع الثمانينيات. فقد أصدر قادة
هذه الجماعات من سجنهم في مصر دعوات الى وقف العنف والعمليات ضد
الحكومة المصرية، و أعقب تلك الدعوات صدور أربعة كتب العام 2002 في
اطار ما سمي بـ سلسلة تصحيح المفاهيم (7) تم فيها التراجع عن تجربة
الجهاد والاعتراف بالاخطاء التي رافقتها، وبالمفاسد التي نتجت عن
الغلو في الدين. كما اصدر هؤلاء القادة أيضاً في العام الثاني
2003 كتابين اضافيين حول المراجعات
الفقهية، وحول الآثار السلبية لتفجيرات الرياض (8).
الأصولية في سلة واحدة
إلا أن التحريض السياسي والتركيز
الاعلامي استمر ضد حركات الاسلام السياسي من خلال التركيز على
منظمات حزب الله والجهاد الاسلامي وعلى الجبهة الاسلامية العالمية
لقتال اليهود والنصارى التي نتجت عن توحد تنظيم القاعدة وجماعة
الجهاد الاسلامي التي يتزعمها أيمن الظواهري، والتي قامت بتفجيرات
عدة لمقرات اميركية عسكرية ومدنية في بلدان عربية واسلامية
وافريقية. والمقصود ان القوى الدولية ومراكز الدراسات الغربية،
ووسائل الاعلام المرتبطة بها لم تقدر هذا التحول المهم عند
الاتجاهات الاساسية في الحركات الاسلامية نحو الاصلاح والعمل
السلمي. والتكيف والواقعية، بل استمرت تلك القوى وفي مقدمتها
الولايات المتحدة الاميركية في تجاهل هذا التحول، وفي التركيز على
جعل الاصولية في سلة واحدة، وعلى اعتبار الاسلام تهديداً شاملاً...
وقد جاءت عمليات الحادي عشر من ايلول ـ سبتمبر ـ 2001
لتعطي لهذا الاتجاه الذي يشدد على مخاطر العنف الاسلامي مبررات
قوية وجد فيها المحافظون الجدد في الادارة الأميركية ذريعة تاريخية
لمشروع اميركا الامبراطورية.
وجدت الحركات الاسلامية نفسها على اختلاف
اتجاهاتها المختلفة امام تحد لم تسبق لها مواجهته. فقد فتحت واشنطن
عليهم ابواب حرب عالمية على «الارهاب» على المستويات السياسية
والأمنية والاعلامية والعسكرية والمالية في وقت واحد. وحشدت واشنطن
من اجل هذه الحرب تأييداً دولياً لم يتردد قادة العالم من الالتحاق
به بعد صدمة الحادي عشر من أيلول ـ سبتمبر ـ. العام 2001 وخرجت
صحيفة لوموند الفرنسية على سبيل المثال في اليوم التالي للاعتداءات
وفي صفحتها الأولى عنوان واحد كبير: كلنا أميركيون.
وعلى الرغم من حجم الضربة التي تعرضت لها
الولايات المتحدة، وامنها الذي اهتز، ومعه صورتها كقوة عظمى، فإن
الحرب الشاملة على الارهاب التي اعقبت الحادي عشر من أيلول ـ
سبتمبر ـ أدت الى خسائر وتراجعات لا يمكن اغفالها او التقليل من
شأنها في صفوف الحركات الاسلامية وخصوصاً تلك التي تنتمي إلى
الاسلام الجهادي السلفي الذي فقد السيطرة على افغانستان. وبات عرضة
للملاحقة في اكثر من دولة واكثر من مكان، بما فيها تلك الدول التي
كانت قاعدة لانتشاره وتوسعه مثل المملكة العربية السعودية.
كما كان من أكثر المتضررين من الذي حصل تيار
الحوار بين الحضارات اذ تحول العالم بعد الحادي عشر من ايلول الى
معسكرين اثنين لا ثالث لهما واحد للخير وآخر للشر. واحد يقوده بن
لادن ضد «الكفار واليهود والصليبيين» وواحد يقوده جورج بوش ضد «الارهاب
والشر» لحماية العالم المتحضر.
كما تضررت الحركات الاسلامية المناهضة للاحتلال
في لبنان وفلسطين. وتعرضت لضغوط شديدة لوقف عملياتها الاستشهادية،
وبذلت هذه الحركات جهوداً هائلة للمحافظة على تلك المسافة التي
تميز المقاومة عن الارهاب. ومهما قيل في نجاعة تلك الضغوط
ومحدوديتها، لأن المقاومة استمرت وكذلك عملياتها، الا ان ذلك لا
يعني ان المناخ الدولي الذي قادته الولايات المتحدة ضد الارهاب لم
يشكل عبئاً حقيقياً على هذه الحركات في مواجهة الاعباء الميدانية
والأمنية التي تتحملها في مواجهة الاحتلال.
لقد كشفت عمليات الحادي عشر من ايلول ـ سبتمبر
ـ وما اعقبها من تطورات من افغانستان الى العراق مدى اصرار الاسلام
الجهادي السلفي ورموزه حركة طالبان وتنظيم القاعدة على المواجهة
بالعنف المباشر مع الولايات المتحدة ورموزها المدنية والعسكرية في
أي مكان في العالم. وذلك خلافاً لكل الاتجاهات الاسلامية الأخرى
التي تندد بالسياسات الأميركية وتعلن تضامنها مع هذه القوة العظمى،
ولكنها توجه نيرانها اليها مباشرة. فهي اما انها تقاتل
الاسرائيليين وإما انها تتقاتل مع حكوماتها بالعنف حيناً او بالسلم
حيناً آخر.
كما كشفت الحرب على أفغانستان وانهيار نظام
طالبان وتشرد تنظيم القاعدة حجم التخلف عن الواقع في خطاب هذا
التيار الاسلامي الذي عاد ليندد بلسان زعيمه بن لادن، مع اقتراب
الحرب على العراق بالحرب الصليبية اليهودية وقد فات بن لادن ان اهم
معارضة لهذه الحرب جاءت من العالم المسيحي، ومن الفاتيكان نفسه،
وان أضخم التظاهرات خرجت في العواصم الأوروبية وليس في العواصم
العربية والاسلامية ضد الحرب الأميركية.
بداية التراجع
وعلى الرغم من عودة الاهتمام
الاعلامي والسياسي والأمني بهذا التيار بعد العمليات التي تتعرض
لها القوات الأميركية في العراق، والتي تنسب الى جماعات تنتمي الى
تنظيم القاعدة، فإن هذا الاهتمام لا يعني ان هذا التيار سيتمكن مرة
ثانية من استعادة ما بلغه في الثمانينيات من تأييد وتعاطف عندما
كان يقاتل القوات السوفياتية في افغانستان. وخصوصاً ان العمليات
التي يتبناها تنظيم القاعدة، والتفجيرات التي ينسبها الى نفسه في
كنيس يهودي في تركيا أو في مقر للأمم المتحدة في العراق أو في
مناطق سكنية في المملكة العربية السعودية لا تحظى بأي شعبية ولا
بأي تأييد حتى في الأوساط الاسلامية. بل ان هذه الأوساط والسلفية
منها بوجه خاص بدأت وخصوصاً بعد تفجيرات الرياض، تعلن ولأول مرة
تبرؤها من هذا النوع من التفجير وادانتها لمن يقوم به (9) في
المحصلة ان هذا التيار الجهادي السلفي مهما استطاع الاستمرار في
توجيه الضربات التي تحظى بالاهتمام الدولي فإن عزلته ستزداد
اتساعاً في الأوساط الاسلامية، لأن ما يقوم به بات يفتقد الهدف
الواضح، (مؤسسات مدنية وسكنية واماكن عبادة، وشخصيات سياسية
ودينية، ومقرات دولية وانسانية...) وذلك خلافاً لما كان عليه وضع
هذا التيار عندما كان يقاتل من اجل هدف محدد في الثمانينيات، ضد
الاحتلال السوفياتي او عندما حظي بالتعاطف بعد تعرضه للاعتداء من
القوات الأميركية في افغانستان بعد الحادي عشر من ايلول ـ سبتمبر
ـ.
وسوف تفتح هذه العزلة المزيد من ابواب المراجعة
في داخل هذا التيار حتى في معاقله الرئيسية حيث تلقى الدعم
والتعليم والتأييد. والمشكلة لا تقتصر على الصورة التي يختصر بها
هذا التيار الاسلام (القتل والتفجير...) كما يردد البعض، بل
المشكلة الفعلية هي في الأضرار العامة التي يتسبب بها هذا النهج من
العمليات والتي غالباً ما تصب في خدمة توسيع السياسات الأميركية
الأمنية والاعلامية والعسكرية في البلاد الاسلامية.
ولعل من المهم القول في نهاية هذه القراءة ان
ما ذهب إليه جيل كيبل وسواه من الباحثين حول أفول «الاسلاموية»
ينطبق أكثر ما ينطبق على هذا التيار من الاسلام السياسي ولكن
التراجع الفعلي لنفوذ هذا التيار لن ينتج عما يتعرض له من ضربات
من الحكومات الاسلامية، أو من القوات الاميركية، بل سينتج وهذا هو
الأهم عن تنامي التيارات الاسلامية الأخرى وثباتها: تيار المراجعة
والانفتاح والمشاركة والحوار، وتيار المقاومة ضد الاحتلال في
فلسطين.
هوامش
(1)Gilles keppel
"Jihad, Expanion et déclin de L' Islamisme". edition Gallimard,
psris 2000
(2) يقول محامي الجماعات الاسلامية منتصر
الزيات عن أيمن الظواهري «أنه حصر نفسه في وسيلة وحيدة دون غيرها
وهي أسلمة المجتمع ونشر الدعوة الاسلامية وذلك بقلب أنظمة الحكم
بالقوة فقط». راجع نص المقابلة مع الزيات في مجلة النور عدد
129/ 2002 (ص 05 - 15)
(3) «نحن في جماعة العدل والاحسان نعتبر اختزال
العمل الاسلامي في صراع سياسي محض منزلقاً خطيراً. كما نعيب على
بعض الحركات الاسلامية عدم اهتمامها بالأساس التربوي الايماني.
فالتغيير المنشود لا يكون الا بتغيير الأنفس... أما العنف فنعتقد
انه اخطرما يهدد المشروع الدعوي للحركات الاسلامية، الذي هو مشروع
ينبني أساساً على الرحمة والرفق...» راجع نص المقابلة مع فتح الله
ارسلان الناطق الرسمي باسم «جماعة العدل والاحسان» الاسلامية
المغربية في مجلة النور عدد 129/
2003 كما يمكن ان نرصد عشرات الجمعيات والهيئات
الاسلامية التي تنشر في البلدان (ص 48 -
49) العربية والاسلامية التي تنصرف
كلياً الى الشؤون الثقافية الاجتماعية والتربوية.
(4) يقول شكري مصطفى الذي اسس جماعة التكفير
والهجرة في مصر بعد التعذيب الذي تعرض له مع رفاقه في السجون، «ان
من يمارسون مثل هذا التعذيب الوحشي لا يمكن ان يكونوا مسلمين». ومن
المعروف ايضاً ان سيد قطب تحدث عن «جاهلية مجتمع» في كتابه «معالم
في الطريق» الذي يعتبر دستوراً ومرجعاً للحركات الاسلامية «الجهادية»
ضد الانظمة بعد سنوات طويلة قضاها في السجون المصرية.
(5) راجع د. كمال السعيد حبيب. الحركة
الاسلامية من المواجهة الى المراجعة. مكتبة مدبولي القاهرة الطبعة
الأولى 2002 ص 85 - 84
(6) راجع بهذا الصدد ما صدر عن الرئيس خاتمي في
ايران، وما كتبه الشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل
الله من لبنان، وما صدر عن حزب الوسط في مصر، وما نشره الدكتور
حسن الترابي من السودان، والشيخ راشد الغنوشي من تونس في مقالات
وكتب ومقابلات عدة...
(7) صدرت هذه الكتب عن مكتبة التراث الاسلامي
في القاهرة وهي:
1 - مبادرة وقف العنف، رؤية واقعية... ونظرة
شرعية.
2 - تسليط الاضواء على ما وقع في الجهاد من
أخطاء.
3 - حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين.
4 - النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم
المحتسبين.
وهذه الكتب هي من تأليف: اسامة ابراهيم حافظ،
عاصم عبد الماجد محمد، كرم محمد زهدي، ناجح ابراهيم عبد الله، فؤاد
محمود الدواليبي، علي محمد الشريف، محمد عصام الدين دربالة، حمدي
عبد الرحمن عبد العظيم.
(8) الكتابان هما: ـ نهر الذكريات المراجعات
الفقهية.
- تفجيرات الرياض... الاحكام والآثار، للمؤلفين
انفسهم، وعن مكتبة التراث الاسلامي في القاهرة 3002.
(9) دعا عضو مجلس شورى «الجماعة الاسلامية» في
مصر محمود شعيب اسلاميي السعودية الى إلقاء سلاحهم. واصفاً منفذي
تفجيرات الرياض بأنهم «مفسدون» كما قالت صحيفة الأهرام في
18/11/ 2003. وأضاف
شعيب «ان حادث المحيا يظل وصمة عار تبين للأبد دموية التنظيمات
الارهابية وعلى رأسها تنظيم القاعدة». كما صدرت من المملكة
السعودية ادانات مماثلة من علماء بارزين الى التراجع عن «سفك دماء
المسلمين».
مدير معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة
اللبنانية
|