العدد

152 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 10:4 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

التيار الديني الراديكالي وعقيدة المواجهة مع الغرب : قراءة نقدية لفكرة سيد قطب

فؤاد نهرا *
يشكل فكر سيد قطب مرجعا فكريا أساسيا لأحد التيارات الدينية الإسلامية المتعددة التي عرفها "الإسلام السياسي"، وكان لمؤلفاته تأثيراً واضحاً على الجو الثقافي السائد في العديد من المجتمعات العربية و لا سيما في مصر, بالرغم مما عاناه «القطبيون» من تهميش سياسي، إذ ان كتاب العدالة الاجتماعية في الإسلام , يرد الاعتبار إلى النماذج الإسلامية الأصلية والأصيلة في التنظيم الاجتماعي ويبين انها تصلح لان تكون أساسا له بدلا من الرأسمالية أو الاشتراكية. ثم انه يرد الاعتبار إلى  الأخلاق في السياسة وينقض ميكيافيلية القوميين ومقولة ان الغاية تبرر الوسيلة, وهذا ما أغفله اتباعه الراديكاليون. وقد أصر سيد قطب على ضرورة ان تنطلق أية عملية إحياء حضاري بالنظر إلى الذات قبل الاستيراد الأعمى من الآخر، لكن العقبة الأساسية في فكر سيد قطب تكمن في النظرة الصدامية إلى الحضارة الغربية والتي تكاد تقضي على الجهد التبريري الذي قدمه لإظهار إيجابيات القيم الإسلامية في المجتمع والاقتصاد والسياسة، التي تنتهي بفكرة المواجهة بين الإسلام والجاهلية فتتجاهل أساليب التبادل بين الحضارات كافة.

يظن الكثيرون عن خطأ ان سيد قطب يمثل التيار الإسلامي ويقدم له عقيدة سياسية اعتمد عليها فيما بعد. ويعود هذا الخطأ في التقدير إلى اعتبارات عدة منها :

1- ان عبارة "حركة إسلامية" هي عبارة خاطئة لأنها تنفي صفة الانتساب إلى الإسلام عن المفكرين المسلمين الليبراليين الذين اعتمدوا على العقيدة الإسلامية لتبرير ليبراليتهم. كما انها تنفي جهود التيارات المتباينة لتأصيل عقائدها في مبادئ الإسلام . فإما ان يكون أكثرنا إسلاميون وإما ان تكون هذه العبارة فارغة.

2- ان التيارات التي تعتمد أساسا  على العقيدة الدينية في حقل الممارسة السياسية ليست كتلة متجانسة وهي تتوزع على أطراف الصراع السياسي كافة.. فعلى سبيل المثال نجد "إسلاميين" يعتمدون نهج المساومة مع السلطة والإصلاح التدريجي واخرين يتبنون نظرية الثورة الشاملة على النظام والدولة. فمن جمعهم في تسمية واحدة ظلمهم.

3- انه من الأفضل ان نتكلم عن إسلام سياسي يقيم الممارسة السياسية على أساس مبادئ العقيدة الدينية والأخلاق الإسلامية وذلك لتمييزهم من الذين يستوحون أساسا أو حصراَ بالعقائد السياسية الحديثة في ممارستهم السياسية.

استطرادا يعتبر سيد قطب مرجعا لدى أحد  التيارات الراديكالية داخل حقل «الاسلام السياسي» التي ترفع شعاري العودة إلى الأصول الإسلامية ورفض التأثر بالغرب. لكنه يظل  أحد مصادر  التأمل الفلسفي لدى العديد من المفكرين المصريين والعرب الذين لا صلة لهم بهذه الراديكالية.

سيقتصر موضوعنا على  نظرة سيد قطب إلى العلاقة بين الإسلام والغرب, لنبين مواضع الاختزال التي  تبرر  لديه مقولة " ان المسلم لا يملك ان يتلقى في أمر يختص بالعقيدة والتصور العام للوجود , أو يختص بالعبادة, أو يختص بالخلق, أو يختص بالقيم والموازين التي تحكم في المجتمع , اويختص بالمبادئ والأصول في النظام السياسي  أو الاقتصادي أو الاجتماعي , أو يختص بتفسير بواعث النشاط الإنساني وبحركة تاريخه ذلك المصدر البراني,,ولا يتلقى في هذا إلا عن مسلم يثق في دينه وتقواه .,," .  تلك المقولة تؤدي إلى رفض الاقتباس من علوم الغرب الإنسانية والاكتفاء باستيراد تقانته وعلومه البحتة.

مقولة سيد قطب في  صراع الاسلام والغرب
ترتكز نظرة سيد قطب على مقولة الصراع التاريخي الذي حكم تطور علاقة الإسلام بالغرب منذ بدء الحروب الصليبية التي شكلت نقطة البداية لمشروع التوسع الحضاري  الأوربي على حساب العالم الإسلامي، وتقوم على جمع الأدلة التاريخية التي تظهر النظرة السلبية السائدة في الغرب إلى الدين الإسلامي والى الحضارة الإسلامية.

ومن خلال جمع المعطيات التاريخية التي تدل على ثبوت الآراء المسبقة السلبية هذه عبر القرون المختلفة وعلى اختلاف الأنظمة والسياسات التي عرفتها الدول الأوروبية،  يخلص سيد قطب إلى القول بأن العلاقة بين الإسلام والعالم الغربي محكومة بهذا الصراع التاريخي الذي يدفع إليه عداء الثقافة الغربية للإسلام.

ولا يرد  هذا الصراع التاريخي على حد قوله إلى صراع بين المسيحية والإسلام. فالمسيحية هي على حد قوله براء مما توصلت إليه الحضارة الغربية, لان هذه الأخيرة اعتمدت على نماذج مادية الحادية في جوهرها , وان كانت قد استعانت في بعض مراحلها بالعقيدة المسيحية.

أما الأسس الأخلاقية للحضارة الغربية , فنجدها في عدد من الثوابت الأخلاقية التي تؤمن بمركزية الإنسان  ومصالحه الفردية على حساب العبودية لله عز وجل. وقد لعبت التيارات المادية والنفعية دورا أساسيا في توجيه الحضارة الغربية المعاصرة :

عرف التيار المادي تطورا هائلا داخل الفلسفة الغربية, ولعب دوراً واضحا في تغليب التفسير القائم على فكرة ان الإنسان هو جزء من الطبيعة وان جوهره كامن في هذه الطبيعة التي ليست من خلق الله . وقد أكدت الفكرة على ان الإنسان يحدد مصيره وقيمه بنفسه وان لا وجود لثمة إرادة إلهية تعلو عليه.

رافق التيار المادي انتشار النموذج الأخلاقي النفعي الذي قوامه ان منفعة الإنسان الفرد هي الغاية الأسمى للسلوك البشري. لقد استشهد سيد قطب بالكثير من الفلاسفة النفعيين، ليبين كيف انهم استطاعوا ان يفرضوا هذا النموذج القائم على المثل نفسها .  

التيارات الثورية المناهضة للراسمالية
تطورت فكرة سيد قطب هذه في وقت شهدت الحضارة الغربية انتشارا للفلسفات المادية والنفعية والتجريبية :

- فمن جهة سيطرت على أوروبا الشرقية بأكملها العقيدة الماركسية التي اعتمدت فلسفة مادية في الوجود وعزمت على  محاربة العقائد الدينية.

- ومن جهة ثانية عرفت الدول الرأسمالية في أوروبا الغربية وشمال أميركا انكماشا لدور الدين في المجتمع ومداً للأفكار والفلسفات التي "حررت الإنسان" من قيود العقائد الدينية. عرف حقل النقاش الفلسفي انتشارا لفلسفات متباينة ومتعددة لكنها اتفقت على هذا المسار الأخير.

لقد جاء نقد سيد قطب انعكاساً لمسار النقد الذي تعرض له الغرب الرأسمالي من  الداخل والخارج :

- ففي المجتمعات «العالمثالثية» التي شهدت مسار التحرر الوطني من الاستعمار،  غلبت النزعتان التراثية والقومية وإشكالية انبعاث الحضارات التي طغى عليها الغرب

- وفي داخل المجتمعات الغربية انتشر تيار الشك والتشكيك بالمشروع الاستعماري الغربي وأدت هذه النزعة إلى التعرض للرأسمالية اقتصادا وثقافة.

فلم يكن إذن الموقف السلبي إلى الحضارة الغربية وليد الصدفة ولم يأت سيد قطب بالجديد الجديد في موقفه هذا , لكنه رافق نشأة هذه التيارات على تنوعها : رافق نشاة القومية وشاركها في ردة فعلها على هيمنة الاستعمار الغربي , رافق نشاة اليسار الراديكالي في نزعته إلى رفض النموذج الشامل الذي قدمته الرأسمالية. وقد عزز موقفه هذا الشعور بالذنب الآخذ في الانتشار داخل المجتمع الغربي الذي اخذ يعي سياسة القمع والإبادة التي مارسها أصحاب المشاريع الاستعمارية.

لقد جاء التقسيم الثنائي لسيد قطب إسقاطا  لهذه النزعة العامة , لكنه كان اكثر شمولا من ذلك الذي أقامه الماركسيون والقوميون العرب الاشتراكيون. لقد اكتفى اشد هؤلاء تطرفا بإقامة الفصل بين الحضارات المقهورة من جهة وبين الغرب الرأسمالي من جهة أخرى، تاركين الكتلة الاشتراكية السوفيتية جانبا باعتبارها خارجة على هذا الصراع  وظنا منهم انها لعبت دورا إيجابيا في تحرير المجتمعات المستعمرة.

أما تقسيم سيد قطب فقد شمل الكتلة السوفيتية  وجعل في النظام العالمي خصمين لاثالث لهما وهما الحضارة الغربية والإسلام. لكن هذا التقسيم الثنائي لم يكن غريبا عن الأفكار الثورية المتواجدة في الغرب، فقد اعتمدته الماركسية الماوية، ثم ان الثمانينيات شهدت نشاة تيار جديد يدعو «العالم الثالث» إلى التحرر الثقافي من نظام عالمي يلازمه مسار "تغريب العالم" , كما يزعم المفكر الفرنسي سيرج لاتوش.

يقول سيد قطب ان التمايز بين الغرب والإسلام مطلق لان الغرب يقوم على معصية الله ورد العقيدة الدينية وتأليه الإنسان، في حين ان الإسلام يقوم على أساس العبودية لله وكذلك على أساس الحاكمية لله عز وجل والذي من خلالهما يحقق الإنسان حريته ويرسي أسس العدالة.

ويضيف ان هذا التمايز المطلق يحكم بمسار العلاقة بين الحضارتين، بحيث لا يسعها إلا ان تكون تناحرية, فهو يقول "ان  الصراع الحقيقي في المستقبل لن يكون بين الرأسمالية والشيوعية، ولا بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي. ولكنه سيكون بين المادية المتمثلة في الأرض كلها وبين الإسلام، أو بتعبير اصح أدق ستكون بين النظام الذي  يجعل العبودية لله وحده، ويخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وبين سائر الأنظمة الأرضية التي تقوم على أساس من عبودية العباد للعباد...".

 ولعلنا وجدنا في هذه النظرة رد فعل على تيار التحديث الذي ساد في المجتمعات الإسلامية حتى منتصف السبعينيات، الذي  قام على أساس تبرير عملية اقتباس النماذج الثقافية والتنظيمية من الغرب. لقد تمثل التيار التحديثي في مقولة الأخذ من الغرب من اجل اللحاق به سواء تحقق ذلك من خلال العلاقة السلمية ام من خلال الصراع السياسي.

النموذج الإسلامي بين الانكفاء والانفتاح
يقول  سيد قطب ان هذا الاتجاه السائد في عصره , أي في عصر الأنظمة الاشتراكية العربية , مرده مسلمة أساسية قابلة للنقد وهي ان المسلمين يعيشون حالة من التخلف يقابلها التطور الهائل الذي تشهده الحضارة الغربية, وان هذه المسلمة هي أساس المرض الذي يعاني منه المسلمون اليوم.

ويضيف ان هذه المسلمة وما يتبعها من تنمية اجتماعية قائمة على فكرة استيراد نموذج الحضارة المسيطرة عالميا  لا تعني سوى الاعتراف بالهزيمة في الصراع الحضاري الألفي بين الإسلام والغرب.  ينطلق هذا الفكر من الظن ان الحضارة الإسلامية تعاني من التخلف، و انها أنتجت الاستبداد والجمود أثناء القرون التي سبقت الاستعمار. ويرى أنصار هذا التيار ضرورة التخلي عن النماذج الإسلامية التقليدية التي ولى عهدها، أو على الأقل حصر نطاق قواعد المعاملات الإسلامية حتى يستعين الحاكم بأنماط التنظيم السياسي والاقتصادي الغربي. ويرد سيد قطب على ذلك التوجه بإظهار المبادئ الأساسية للتنظيم الاجتماعي الاقتصادي الإسلامي الذي يتضمن الأركان الأساسية لمبدأ العدالة الاجتماعية.  ثم يرد بإظهار أهمية مبدأ الشورى في النظام السياسي الإسلامي.

ان قراءة دقيقة لاسس التنظيم الاجتماعي المنبثق عن العقيدة الإسلامية، يرد الاعتبار إليها ويبرر عملية العودة إلى  هذه العقيدة من اجل تحقيق عملية التجديد التي يحتاج إليها  المجتمع الإسلامي. وهنا يبدو موقف سيد قطب منطقيا لانه لا يختزل عملية البناء الحضاري بمسار اللحاق والالتحاق بالحضارة المسيطرة عالميا, ولانه يجعل إثبات  الذات وقيمها وثوابتها منطلقا للنهوض الحضاري.

إلا ان المنطق الذي يتبعه يظل اختزاليا عندما يلقي بالتيارات الإصلاحية التي عرفها عصر النهضة بمعسكر التحديث والتنكر للذات. ونذكر على سبيل المثال ان أمثال محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي  وخير الدين التونسي قد ميزوا بين الفترة التأسيسية الأولى للحضارة الإسلامية من جهة وبين عصر الانحطاط اللاحق لهذه الحضارة. فالنموذج الأصلي والأصيل الذي يعترف به رواد النهضة الذين  نذكرهم   هو ذلك الذي عرفه المجتمع الإسلامي في بداياته , ومنه تستلخص المبادئ والقيم الأساسية , وهو يتناقض مع واقع الانحطاط الذي عرفه هذا المجتمع في عصوره الأخيرة . لا ينكر سيد قطب هذا التمييز بين البداية المؤسسة والواقع الانحطاطي, لكنه يختزل عملية استعادة الهوية الإسلامية عندما يطرح السؤال التالي :

"ما هو مدى تأثير الحضارة الإسلامية على الغرب وهل نجد في هذا الأخير قيما إسلامية احتفظ بها بعد ان كاد العالم الإسلامي ان ينساها ؟ ."

يجيب سيد  قطب سلبا على هذا السؤال ويحصر  تأثير الإسلام على الغرب بالجوانب العلمية والتقنية, وكأنه يوجزه باكتشافات علمية، استوعبها الغرب في عقيدته النقيضة ليستخدمها وسيلة للتطور ولمحاربة الإسلام.

لقد كان رد محمد عبده مختلفا عندما طرح فكرته القائلة ان الغرب لم يكتف باستخدام مقتبسات الثقافة الإسلامية كأدوات لتطوير العلم والتقنية, وانما استورد قيما إنسانية طورها وعزز البعض منها في حين ان العالم الإسلامي تراجع عنها وغدر بها.

 ان  رسالة الإسلام ليست بمثابة  نموذج جاهز يفرض نفسه على العقل البشري وعلى المجتمع فيدخل من يخضع له في حضارة الإسلام ويخرج منه من رفضه ليدخل حضارة الجاهلية. انها تخاطب العقل البشري وترافقه. ويعني ذلك ان المبادئ التي يتضمنها القرآن الكريم يكتشفها العقل من جهته فيثبتها. ذلك هو جوهر تفكير محمد عبده والذي يفسر مقولة "وجدت إسلاما بلا مسلمين".

من هذا المنطلق نستنتج بعض المقولات منها :

- ان أسس المعاملات التي نجدها في العقيدة الإسلامية ومبادئ العدالة المنبثقة عنها بإمكانها ان  تتطور خارج دار الإسلام بفعل العقل البشري.

- ان قراءتنا للقرآن الكريم تبين لنا ان لله تعالى ترك أمر الكثير من القضايا للعقل البشري، ما دفع علي عبد الرازق إلى القول ان مسألة التنظيم السياسي للدولة، يخضع للعمران البشري وليس لشرع مفصل ومحدد

- ان الطابع الكوني لقيم الإسلام، يضطرنا إلى عدم حصرها في حضارة مكتملة منغلقة لا تخاطب الآخر في خصوصيته. بكلمة أدق ان منطق الدعوة يناقض منطق المواجهة بين معسكرين.

أخيرا يجعل سيد قطب أي توفيق بين الإسلام والحضارة الغربية مستحيلا لان هذه الأخيرة قائمة على حد قوله على المادية والاستكبار على الله عز وجل. لكن هل يمكننا ان نختزل حضارة الغرب بفلسفاته المادية أو النفعية ؟ لقد دفعتنا قراءة سابقة  لحضارة الغرب إلى الاستنتاج ان هذه الأخيرة قائمة على المادية الاقتصادية وان منطق التراكم والاستهلاك يعلو فيها على ما سواهما من القيم. 

يبقى ان ثمة قراءة أدق للتيارات الفكرية والسياسية في أوروبا، دفعتنا إلى التسليم بوجود نزعات مضادة للمادية الاقتصادية الرأسمالية، تنمو وتنتشر داخل التراث الأوروبي.  لن نغوص في تفاصيل هذه التيارات. لكننا نذكر ان الكثير من التيارات الفكرية المثالية،لعب دوره في تطور الثقافة الغربية. والفكر المثالي على أنماط وأنواع متعددة : منه المؤمن بوجود الله تعالى ومنه الكافر به والمؤمن بألوهية الإنسان. منه العقلاني المجرد الذي يعترف بقيم أخلاقية يسنها العقل لكنها تعلو على الماديات ومنه الرومانطيقي المتمسك بمحورية الوجدان وبأسبقيته على العقل. ووظائفه متعددة : فمن التيارات المثالية نجد ما يستر أو يبرر  الرأسمالية وظلمها، ومنها ما ينتقدها باسم حقوق الإنسان الاجتماعية.

لذلك فان مفهوم الغرب غير دقيق وغير مجد علميا. فهو ان رضينا باستخدامه، استخدمناه للدلالة   على نمط اقتصادي وثقافي سائد عالميا ويفرض سيطرته على النظام العالمي, لكنه لا يختزل  الحياة الثقافية للمجتمعات الغربية، التي قد يعاني الكثيرون فيها من الاغتراب والحرمان.

ثم ان ثمة مثلا فكرية نجدها مشتركة بين الحضارتين الاسلامية والغربية. ,نذكر على سبيل المثال القيم المرتبطة باعلان حقوق الانسان, التي اوجدتها الحضارة الاسلامية من الوحي القرآني في حين ان الفلسفة العقلانية لعبت الدور الاساسي لفرضها في الغرب. 

خطأ تعميم مقولة العداء للاسلام
أما فيما يتعلق بعداء الغرب للإسلام فيرد سيد قطب سببه إلى  التناقض الجوهري بين نظرتين متناقضتين إلى الوجود. وينسب إلى الغرب الفلسفة النفعية والمادية.  لكن ألم تأت هذه الأخيرة كردة فعل على المسيحية ؟ ألم تأت تلك العقائد المادية، التي تبناها العقل الغربي كتعبير عن حقوق الإنسان التي أهملها الخطاب الكنسي القديم باسم الطاعة الدينية؟

 ان الثقافة غير الدينية و النقدية الغربية، تضمنت العديد من المبادئ الأخلاقية التي كشفها العقل البشري وقد نجدها في القرآن الكريم . ألم تأت أحيانا  لتذكر بان الروح لا يلغي المادة وان الدين لا يقوم على التنكر للدنيا ؟ انها جزء من رسالة الإسلام الذي قوامه التوازن بين الروح والمادة وبين مثل الدين ومسار الدنيا  وان  كان الخلاف في الجوهر أي في قضية الحاكمية لله وحده.

لا يسعنا ان ننكر واقع العداء للإسلام المستفحل في المجتمعات الغربية، الذي خيم على الجو الثقافي الغربي منذ الحروب الصليبية . ان اطلعنا على العقائد والفلسفات الأوروبية الكلاسيكية تبينت لنا هذه النظرة السلبية إلى الإسلام  دينا وحضارة، لكننا لا يسعنا ان نتجاهل اتجاها معاكسا يتواجد في صميم المجتمع الغربي وان لم يكن هو المسيطر. فمن بين رواد الفكر الأوروبي وجدنا الكثير  ممن أعطى للإسلام مكانته. ان الاتجاه إلى  تلقي معرفة اكثر موضوعية عن الإسلام تنامت في النصف الثاني من القرن العشرين مع تطور سبل معرفة الحضارات الأخرى و مع تزايد عدد المتخصصين في دراسة العالم الإسلامي. هذا عدا عن المفكرين الغربيين الذين انتهوا إلى اعتناق الإسلام لانهم وجدوا فيها عقيدة اكثر ملاءمة لمنهجيتهم الفلسفية التي اقتبسوها من الفلسفة الغربية نفسها.

لذلك لا بد ان نستعيض عن هذا الخطاب الفلسفي العام بدراسة علمية تحدد هوية التيارات والقوى التي تعادي الإسلام في الكتل الحضارية الأخرى , وتضع لائحة دقيقة من الأسباب والدوافع لهذا العداء.
ولا بد ان نطرح بعض الأسئلة منها :

- ما هي طبيعة القوى السياسية المسيطرة في النظام العالمي الراهن ؟

-  وما هي عقيدة أهل القرار في الدول الكبرى ؟

- ما هي أنواع الثقافات وأصناف الرأي في الـ"غرب" ؟

- وما هي الأنماط الثقافية والأيديولوجية التي تحول دون تفهم الإسلام دينا وحضارة تفهما نزيها ؟

- وما هي الاتجاهات النقيضة لهذا العداء ؟

جادلوهم بالتي هي احسن
وأخيرا لا بد من التطرق إلى الاستنتاج الاختزالي  الذي ينقلنا من واقع  المعاداة إلى ضرورة المواجهة . فان كانت نتيجة للجهل فان المواجهة تكون مع الجهل من خلال محاورة الجاهل. وان كانت  مصلحة ما فيجب تحديدها وكشفها واستفرادها حتى لا يؤدي ذلك إلى عداء أعمى يمتد إلى مجتمع بأكمله .

أما رد العدوان ومقاومته الشرعية فلا يحتمان  المواجهة الشاملة مع حضارة الأخر لان فيها مواقعا ومواقفا مختلفة, ولان الأصل والمبدأ  هو "المجادلة بالتي هي احسن" و "الا مع الظالمين" يحصر المواجهة بمجرد رد الظلم ولا يجعل المسلم يتجاوز ذلك إلى الاعتداء على أقرباء الظالم ان لم يظلموه شيئا.

خلاصة القول ان التفاعل بين الحضارات عملية معقدة فلا يمكن اختزالها في رسمة ثنائية تكون فيها الحضارة إما صالحة ومطابقة للمبادئ فنرضى بها و اما مخالفة ومعتدية فنواجهها : فالتبادل الثقافي كثيرا ما تم بموازاة الحروب. والتفاعل بين الحضارات لا يبقى كل حضارة على نموذجه الخالص وانما يؤدي إلى تبدلات في عمقها , فيدخل الاخر في صوب الانا بحيث يتحول رفض كل ما تقدم من الحداثة الغربية إلى مواجهة مع الانا الفعلية وذلك لصالح نموذج مثالي لانا مثلى.
 

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع