|
الاسلامي السياسي
واقع الحركات
الاسلامية في مصر ومستقبلها
اتجاهات الاعتراف والاستئصال
القاهرة- أحمد فاروق
ما هو واقع الحركات الإسلامية في مصر اليوم؟
سؤال عريض، يصعب الإجابة عنه من دون الخوض في دوائر حركية خمس، ومن
دون الولوج أحيانا إلى الدهاليز السرية لبعض هذه الدوائر
(المنظمات) ومن دون قراءة الأدبيات الحديثة الصادرة عن بعضها، بل
يتطلب الأمر أحيانا المشاركة في حفل الافطار "الموسع" الذي نظمته
جماعة الإخوان المسلمين في شهر رمضان لهذه السنة، باعتباره تظاهرة
سياسية ردا على استبعاد الحزب الوطني، الحاكم لها من الحوار الدائر
مع أحزاب المعارضة، بوصفها منظمة أو جماعة غير شرعية.
ولعل تلك هي الكلمة السحرية لتحليل مستقبل
جماعات الإسلام السياسي في مصر، في ضوء قانون الأحزاب الذي يحظر
إنشاء أي حزب سياسي على خلفية دينية، وهكذا رفضت لجنة الأحزاب
مشاريع حزبية عدة، بعضها له خلفية أو مرجعية أخوانية (حزب الوسط)
والبعض متمرد على الجميع، بما في ذلك الحركات الإسلامية بألوان
الطيف المختلفة.
لا توجد اليوم مظلة شرعية تتحرك تحتها حركات
الإسلام السياسي في مصر، وكلمة الشرعية «مطاطة» فهي قد تعني إطارا
خاصاً بهذه الحركات، وهذا مرفوض من الدولة شكلاً وموضوعاً، وقد
يكون إطارا تتحرك تحته بدرجة أو بأخرى وهذا كان متوافرا (حزب العمل
وصحيفة الشعب) لكن الحكومة ضاقت به، وبهم، فأطاحت، وربما يكون مجرد
صحيفة ترصد وجهات نظر هذه الحركة أو تلك، مثل صحيفة آفاق عربية
الصادرة عن حزب الأحرار، لكنها أقرب إلى حركة الإخوان، لكن ضمن
الشرعية أيضا هناك نقابات نشطت فيها جماعات الإسلام السياسي
بألوانها المختلفة، وقد غضت الدولة الطرف عنها إلا في حدود معينة،
اضطرت فيها الدولة إلى التدخل الساحق أحيانا، بغرض فرض الانضباط،
ومنع الهيمنة "الاخوانية" كما حصل في نقابات المهندسين والأطباء،
وأخيرا هناك بعض الشرعية في البرلمان، يتحرك في ضوئها اليوم 16
نائبا اخوانيا، ولا يوجد أي نائب جهادي، لكن مع ادراك أن عصي
الدولة الغليظة اطاحت قبل شهور بالنائب الإخواني جمال حشمت، ووضعته
وراء القضبان بتهمة محاولة تشكيل تنظيم أو احياء نشاط جماعة غير
شرعية.
وفي جانب آخر هناك جماعات قد تحصل على قدر ما
من شرعية التحرك العلني بعدما عقدت صلحا تاريخيا مع الدولة، ونقصد
الجماعة الإسلامية، لكن ما هي حدود هذه الشرعية، وما هو مشروع
الجماعات للمستقبل: سؤالان لازالا قيد الدراسة، بينما لازال تنظيم
الجهاد يعاني من توالي الضربات الأمنية، الخارجية والمحلية التي
انتهت به ضعيفا، هزيلا على الصعيد التنظيمي، لكنه لازال يثير
المخاوف على الصعيد الفكري والخططي.
يبقى أن هناك تيارين يحاولان السباحة في مياه
السياسة المصرية، كل على طريقته، تيار معتدل سعى إلى الاندماج في
الحياة السياسية، هو تيار الوسط بزعامة المهندس أبو العلا ماضي،
وهو صديق للناصريين والماركسيين والأقباط ولا يعادي بشكل واضح إلا
الصهاينة في ما لا يخفي اختلافه الكبير مع جماعة الاخوان، ويمكن
القول ان هذا التيار وجد له قنوات سياسية وتنظيمية واعلامية
للتفاعل والمشاركة والحضور، فيما هناك تيار تكفيري، هو تيار
التكفير والهجرة الذي أسسه شكري مصطفى في العام 1974 والذي انتهى
في العام 1977 بصدور احكام اعدام ضد المؤسس وبعض أخوانه، ثم ظهر في
اطار مجموعة القت القبض عليها أجهزة الأمن مؤخرا، وهي احدى الحلقات
التنظيمية الضيقة مثلها مثل الناجون من النار والقطبيين وشباب محمد
والسلفيين وجماعات أخرى تظهر وتختفي، وتشارك كثيرا في الجدل
السياسي، لكنها تؤرق الأمن والمجتمع.
خريطة القوى الإسلامية
هكذا يمكن رصد حركات عدة واتجاهات
عدة في المشهد السياسي الإسلامي المصري على النحو التالي:
1- جماعة الإخوان المسلمين (الجماعة الأم ذات
التاريخ والقوة)
2- الجماعة الإسلامية (تنتشر بين الشباب سيما
في الصعيد)
3- الجهاد (تيار قليل العدد لكنه منظم)
4- حزب الوسط (منفتح على المجتمع والدولة
والأحزاب)
5- جماعات التكفير والعنف الصغيرة
هذه باختصار هي خريطة القوى السياسية الإسلامية
في مصر اليوم، ولعل قراءة الخريطة عن بعد تكشف أن تغيرات حقيقية
جرت في الأعوام الأخيرة، وبخاصة بين حدثين وقعا في العام 1997 (أول
اعلان مبادرة هدنة من طرف واحد، اعلنته الجماعة الإسلامية) ذات
المشروع السياسي (الإخوان) والتنظيمي (الجهاد) وإن اتخذت موقفا
مغايراً تماما مع الجماعة الإسلامية، والعام 2001 حيث اتخذت الدولة
مواقف قوية ضد الجماعات الاسلامية ويصعب إدراك هذا التناقض بين
انفتاح الدولة على الجماعة الإسلامية وهي التي ناصبتها العداء منذ
مطلع الثمانينيات وحتى العام 1997، ووصل الأمر إلى حد محاولة
اغتيال رئيس الدولة وكبار المسؤولين، وتكرار محاولات اغتيال وزراء
الداخلية، كل هذا انتهى إلى صفحة بيضاء، بينما الدولة لا تزال لا
تعترف بجماعة الإخوان المسلمين، رغم أن الأخيرة "طلقت" العنف منذ
الستينيات، بصدور كتاب دعاة لا قضاة للمرشد الثاني حسن الهضيبي ولم
تعترف باجتهادات سيد قطب واعتبرت القطبيين غير إخوان، وفتحت يدها
للدولة وللأحزاب، ودخلت البرلمان، كل هذا لم يشفع لها في الحصول
على الشرعية، بل حصل العكس، حيث واصلت الدولة توجيه ضربات استباقية
للجماعة من خلال القبض على مجموعات في المحافظات لا تزيد عن 25 أو
30 في كل مرة، يتم احالتهم إلى القضاء، بهدف ارباك الأطر التحتية
للإخوان، ومنعها من بلورة مشروعها السياسي.
ما هو سر هذا التناقض، ولماذا تنفتح الدولة على
الجماعة الاسلامية التي تضم شبابا غابوا لعقدين أو ثلاثة عقود وراء
القضبان، ولا تنفتح على جماعة سياسية معروفة، وموجودة في كل مكان،
بما في ذلك سلك القضاء، فالمستشار مأمون الهضيبي (قاض) هو مرشد
الجماعة، وبين اعضائها الكبار ما لا يقل عن 150 أستاذا في الجامعة
و100 صحافي و200 طبيب و100 رجل أعمال كبار ومئات المهندسين وآلاف
المحامين، ولها مؤسسات اقتصادية وتجارية تدر ارباحا بالملايين!
جماعة الإخوان المسلمين
واقع الحال أن الحكومة لم تعد تخشى
الجماعة الإسلامية بعد أن تخلت عن مشروعها السياسي، الذي كان محوره
تغيير السلطة ومؤسسات المجتمع السياسي والمدني بالقوة، وانتجت ستة
كتب فكرية وفقهية تعكس التحول الكبير في أفكارها، ورغبة اعضائها في
التكفير عن ذنوب ارتكبوها من نوع قتل السياح الأجانب، وقتل ضباط
وجنود في سلك الشرطة، وزرع متفجرات في المقاهي، وصولا إلى محاولة
الاستيلاء على السلطة من خلال عمل انقلابي، لم يعد له مكان في
قاموس التغيير السياسي في المنطقة، أما جماعة الإخوان المسلمين
فتعتبرها الدولة نقيضا للنظام السياسي الحاكم، وهي ليست فحسب
منافسا قويا تخشاه مؤسسات الحزب الحاكم، وإنما هي بديل لكل الأطر
السياسية الموجودة حتى وإن ادعت عكس ذلك، فالخطاب السياسي الاخواني
متواضع في طموحه، لكن لا أحد في أجهزة الدولة يصدقه، بخاصة في
أجهزة الأمن، التي تعتبر مثل هذا الخطاب يأتي في سياق «تمسكن حتى
تتمكن»، بدليل أن الإخوان لا يترشحون في الانتخابات إلا في 100
دائرة من ضمن 444 دائرة، أي أقل من ربع عدد الدوائر، وهي تفوز في
17دائرة، وتنافس بقوة في باقي الدوائر، ولو اتيحت لها الفرصة
لأصبحت القوة الثانية في جدول السياسة في مصر، إن لم تكن القوة رقم
واحد. وذلك لأن الوقائع تفيد أن جماعة الإخوان المسلمين تعتبر
الحصان الأسود الذي تراهن عليه كل القوى السياسية في الانتخابات
المصرية، نظرا لما تتمتع به من شعبية ونفوذ وقدرات مالية في الريف
المصري على وجه الخصوص، بل إن العديد من الأحزاب لم تدخل البرلمان
في انتخابات سابقة إلا على ظهر الإخوان أو بالتحالف مع الإخوان،
كما حدث عندما تحالف معها حزب الوفد العام 1984 ونجح- بشعبيته
وشعبيتها- في الوصول إلى البرلمان، وتولى زعامة المعارضة، وحصل
الأمر نفسه بالنسبة لحزبي العمل والأحرار اللذين دخلا مع الإخوان
في «التحالف الإسلامي» العام 1987 تحت الشعار الشهير: «الإسلام هو
الحل»، وانتزعا زعامة المعارضة من الوفد واليساريين.
وعندما عادت التجربة الحزبية في منتصف
السبعينيات، فاز الإخوان في أول انتخابات تعددية حقيقية جرت العام
1984 بالتحالف مع الوفد بنسبة 15.1 بالمئة من أصوات الناخبين، ودخل
منهم ثمانية نواب إلى البرلمان، وجاءت الجماعة في الترتيب الثالث
بعد الحزب الوطني الحاكم، وحزب الوفد في عدد النواب في البرلمان،
وفي ثاني انتخابات في العام 1987، فاز الإخوان من خلال التحالف مع
حزبي العمل والأحرار بنسبة 17.4 بالمئة من أصوات الناخبين، ليحصلوا
على مليون و163 ألفا و525 صوتا من أصل أصوات 7 ملايين ناخب، وفاز
للإخوان 37 نائبا، وذلك لأول مرة في مصر، من أصل 454 نائبا (444
بالانتخاب و10 بالتعيين)، جاءت الجماعة في الترتيب الثاني بعد
الحزب الحاكم (69 بالمئة من الأصوات) من حيث عدد المقاعد والأصوات
التي فازت بها رغم أنها محظورة وغير معترف بها رسميا.
النشاط النقابي للإخوان
يبدو أن تجربتي العامين 1984 و1987
اعطت الحكومة درساً في التحسب لمنع الإخوان من المشاركة بكثافة،
وبالتالي الفوز بكثافة، بعدما سبب لهم النواب الإخوان حرجاً تحت
قبة البرلمان بأسئلتهم واستجواباتهم ومناقشاتهم التي طالت المطالبة
بتطبيق الشريعة الإسلامية ومنع الفساد، واللافت أن الدولة تنظر
بريبة إلى قدرة الإخوان على الحشد والتعبئة في وقت سريع، وقد لاحظ
المراقبون أن حوالي 10 إلى 15 ألف مواطن جاؤوا من محافظات مختلفة
ساروا في جنازة المرشد العام السابق مصطفى مشهور، وهذا العدد هو ما
سمحت به أجهزة الأمن التي لاحظت تدفق أتوبيسات من جميع المحافظات
تحمل مواطنين يهتفون بالعبارات نفسها، ويتجهون إلى مسجد رابعة
العدوية، حيث اقيمت شعائر صلاة الجنازة على المرشد العام السابق،
ويميل الإخوان إلى القيام بتظاهرات استعراض قوة
بين وقت وآخر، لإثبات الوجود وعدم الرغبة في التصادم مع الدولة،
وإنها جماعة متواضعة في طموحاتها، حيث لا تبغي سوى المشاركة وفق
النظام والدستور والقانون، لكن هذا ما لا تصدقه أجهزة الدولة، ففي
العام التالي لفوزهم في البرلمان لأول مرة العام 1984، حقق الإخوان
في العام 1985 فوزاً في مجلس نقابة المهندسين، ودخلوا في العام
1986 مجلس نقابة الأطباء، وفي العام 1987 حصلوا في انتخابات مجلس
الشعب على مليون صوت، واوصلوا 37 نائبا دفعة واحدة إلى البرلمان،
وفي العام نفسه اكتسحوا انتخابات نقابة المهندسين تماما، وسيطروا
على مجلس نقابتها، وفي العام 1988 تقدموا في نقابة الصيادلة،
وفازوا في نقابة المعلمين، وسيطروا على نقابة الأطباء تماماً، وفي
العام 1989 اضافوا إلى كل ذلك سيطرتهم على نوادي هيئات التدريس في
الجامعات الكبرى مثل جامعتي القاهرة وأسيوط.
تكتيكات الحكومة لحصار الأخوان
بادرت أجهزة الحكم في تقليص نفوذ
الأخوان مرحلياً، ووضعهم في القفص مستقبلياً من خلال سن قانون خاص
بالنقابات المهنية بغرض تضييق الفرص على سيطرتهم على النقابات،
وتعمدت الدولة فرض الحراسة على نقابة المهندسين، والتلويح بفرض
حراسة على باقي النقابات بخاصة نقابة المحامين، وحاولت فرض قانون
جديد للصحافة العام 1995، وتميزت الفترة من العام 1995 حتى اليوم
بمعارك صغيرة تخوضها الدولة ضد الجماعة، وصفها البعض بـ«تكسير بطيء
للعظام» ففي هذه الفترة تم عقد خمس محاكمات عسكرية طاولت ثمانين من
قيادات الاخوان تم سجن 61 منهم بالفعل في اعقاب محاكمات العامين
1995 و 1996 بمدد تتراوح بين ثلاثة وخمسة أعوام أشهرهم المحامي
مختار نوح القطب البارز في نقابة المحامين، وعصام العريان القطب
الإخواني في نقابة الأطباء.
واتجهت الحكومة إلى تكتيك آخر هو تضييق فرص
مرشحي الاخوان في الدوائر الانتخابية في البرلمان لعام 2000 بحيث
لا يصل إلا عدد محدود من الأعضاء، ففي انتخابات دائرة الرمل في
الاسكندرية، كانت جماعة الإخوان ترشحت ـ لأول مرة ـ بامرأة هي
السيدة جيهان الحلفاوي زوجة الدكتور إبراهيم الزعفراني وهو أحد
زعماء الجماعة، وكان في ذلك الحين رهن الحبس، وبدا أن فرصتها قوية
للفوز على مرشح الحزب الوطني، ورغم فوز جيهان في الجولة الأولى،
إلا أن الحكومة طعنت في فوزها، ولجأت إلى اجراء انتخابات جديدة
سجلت تدخلات سافرة من أجهزة الأمن في اسقاط مرشحة الإخوان.
اما النائب جمال حشمت، احد ابرز نواب الإخوان،
الذي أثار قضايا عدة شكلت صراعاً للدولة تحت قبة البرلمان، فقد تم
القبض عليه في الثامن من شهر ايلول- سبتمبر - الماضي في دمنهور في
شمال مصر ضمن سبعة آخرين بتهمة محاولة احياء تنظيم الإخوان، بعد
ما كانت الحكومة قد نجحت في اسقاط حشمت في انتخابات معادة، رغم
نجاحه في المرة الأولى بأغلبية ساحقة على مرشح الحزب الوطني، لكن
حكما قضائياً صدر يقول إن الإنتخابات كان ينبغي أن تجري بين مرشح
الإخوان ومرشح الوفد وليس مرشح الحزب الوطني، وهكذا تم تزوير
الانتخابات لمصلحة مرشح الوفد، لكي ترتاح الدولة من صداع حشمت،
وأسئلته الاستفزازية وطلبات الاحالة والاستجوابات التي كان يشهرها
في البرلمان كل حين.
استبعاد من الحوار الوطني
وجاء التكتيك الثالث الذي تعمدت
الحكومة تنفيذه لتعطيل مسيرة الإخوان، وابطاء نشاطاتهم، وهو
استبعادهم من الحوار الذي دعا اليه الرئيس حسني مبارك بين الحزب
الوطني واحزاب المعارضة، وقال كمال الشاذلي وزير شؤون مجلس الشعب
والشورى (ان هذا الاستثناء يستند إلى كون الحركة ليست حزبا
مشروعاً) وقد وافق حزبا التجمع والوفد على هذا التوصيف وشنت صحيفتا
الأهالي والوفد هجوماً شرساً على الإخوان، والغريب هو ان رئيس
الحزب الناصري ضياء الدين داود وصحيفة العربي والناصريين المستقلين
هم الذين يدافعون بقوة، وحماسة عن حق الإخوان في المشاركة
السياسية، وقال داود «ان الحوار يجب أن يشمل جميع القوى وإلا سيكون
قاصراً». في حين قال المرشد العام للإخوان المستشار مأمون الهضيبي
انه تم اقصاء الجماعة من حوار مماثل دعا اليه الرئيس قبل نحو عشر
سنوات، كانت النتيجة هي فشل الحوار. والخلاصة هي أن علاقة الاخوان
بالسلطة في مصر منذ عهد الملك فاروق هي علاقة غير ايجابية، تصل
احياناً إلى حد الصدام وتصل احياناً إلى حد الغرام المحسوب والحذر،
وتتجلى ابعاد معضلة الإخوان مع السلطة في أمرين متناقضين: واجب
تغيير السلطة باعتباره بنداً من خطط أي حركة تغيير جادة، وضرورة
التعايش معها مرحلياً، أخذا بدواعي المصلحة واقراراً باختلال ميزان
القوى، فالمواجهة بغير عدة انتحارعلى حد قول المرشد العام السابق
عمر التلمساني، من هنا يمكن القول ان حركة الإخوان ستبقى هي أقوى
الحركات الإسلامية في مصر، واكثرها مرونة وذكاء في التعامل مع
السلطة، ومع القوى السياسية، وهي ستظل تلعب في الهامش المتاح لها
من دون أن تسعى للصدام مع السلطة، وفي المقابل فإن السلطة تسمح
للجماعة بهامش حركة في النقابات والصحافة والبرلمان، لكن لا تسمح
لها بتجاوز خط(أصفر) وليس(الخط الأحمر) الذي لا تستطيع أصلاً
الاقتراب منه، وهي ستظل موجودة كطرف في الحياة السياسية غير معترف
به، لكنه موجود، وناشط وفق الدوائر المغلقة بإحكام يصل إلى حد
الحبس.
مستقبل الجماعة الاسلامية
هل تعود الجماعة الاسلامية إلي
طبيعتها الأولى، أي كحركة دعوية سلمية، قبل أن تجرفها الأحداث،
وتسحبها الأمواج إلى معركة ليست معركتها؟
إن مؤسس هذه الجماعة هو الاردني صلاح هاشم،
الذي كان يدرس في القاهرة، وظل مصرّاً طوال حقبة السبعينيات على
الطابع السلمي لحركته، لذلك لم يرد اسمه في أي من قضايا العنف التي
ارتكبتها الجماعة، وهناك روايتان حول نقطة التحول التي جعلت
«الجماعة» تتغير من اطارها السلمي، والدعوى في أوساط طلاب
الجامعات، باعتبارها ـ في الأصل ـ حركة طلابية إلى أن تغرق في بحر
العنف، فتصبح المنظمة الاكثر عنفاً في تاريخ مصر المعاصر.
الرواية الأولى وردت في كتاب هالة مصطفى بعنوان
تنظيم الجهاد وقالت فيه «لكنه لقاء جرى بين الشيخ محمد عبد السلام
فرج مؤسس تنظيم الجهاد في جامعة القاهرة حيث كان يعمل مهندساً،
وبين قادة الجماعة الاسلامية في أسيوط، كرم زهدي وفؤاد الدواليبي
وعاصم عبد الماجد، وان هذا اللقاء ـ على الأرجح ـ تم في مسجد
بضاحية شبرا حيث كان يقيم فرج وقد عرضت فكرة دمج التنظيمين معاً في
عمل واحد، الجماعة الاسلامية الشبابية المتحمسة، وتنظيم الجهاد
الذي يضم كوادر عسكرية ومدنية لديها درجة عالية من السرية
والاحتراف والروح القتالية»، وتمضي الرواية في أن المقدم في
الاستخبارات العسكرية المصرية سابقاً عبود الزمر اقنع اعضاء
الجماعة الاسلامية بالاشتراك، في الخطة (س.ص) لقلب نظام الحكم،
وتبدأ منذ لحظة اغتيال الرئيس السادات في 6 تشرين أول - أكتوبر -
1981، ان تتحرك مجموعات الصعيد للسيطرة على مديريات الأمن، وتؤمم
ما فيها من أسلحة، ثم تسيطر على المحافظات وتنطلق إلى القاهرة التي
ستكون المجموعات الجهادية قد سيطرت فيها على الإذاعة والصحف
والمناطق العسكرية الحساسة، وبالفعل تم تطبيق الخطة، ونجحت الجماعة
في تحقيق جزء من خطة تحركها، إذ دخلت في اشتباك دموي في مديرية أمن
أسيوط وسوهاج وقنا، لكن مجموعات الجهاد لم تتحرك في توقيت مناسب
بسبب سرعة أجهزة الأمن في رصد تحركات قادتها (المرصودين أصلاً).
والمهم أن الجماعة وجدت نفسها مع مطلع العام 2891 في السجن مع
اعضاء تنظيم الجهاد، مع فارق نوعي مهم هو أن الجسم الكبير للجماعة
كان خارج رقابة الأمن، وبالتالي بقي في الخارج، في حين أن الهيكل
التنظيمي للجهاد صار كله أو معظمه في السجن. ما اتاح مساحة واسعة
من الحركة امام اعضاء وقادة الصف الثاني في الجماعة الإسلامية
لامتلاك ساحة الفعل في ظل غياب القيادات الحركية الجهادية ذات
الخبرة الكبيرة، مع ملاحظة أن القيادات الجهادية ـ على غرار أيمن
الظواهري ـ التي لم تبق طويلاً في السجن، خرجت إلى افغانستان لكي
تقاتل ضد القوات السوفياتية، ويمكن القول ان المسرح السياسي بات
خالياً، امام الجماعة الإسلامية منذ نهاية الثمانينيات.
وهنا تأتي الرواية الثانية التي تقول ان شرارة
البداية وقعت في مطلع العام 1990 في شارع الطالبية في منطقة الهرم
بالجيزة، حينما اقدم مجهول على اغتيال الدكتور علاء محلي الدين
الناطق باسم الجماعة الإسلامية مستخدماً مسدساً مزوداً بكاتم
للصوت، اعتقدت الجماعة ان هذا المجهول ليس سوى احد افراد جهاز أمن
الدولة، لذلك دبرت للثأر عبر التخطيط لاغتيال اللواء محمد عبد
الحليم موسى وزير الداخلية السابق، ولأن الأعمار بيد الله وحده،
فقد شاء قدر الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب ان يسلك الطريق
نفسها التي كان مقرراً أن يقطعها موكب وزير الداخلية، وقبل دقائق
من مرور الأخير، وتصور منفذو العملية انهم يهاجمون عبد الحليم موسى
غير انهم اكتشفوا ـ ودم الرجل لايزال ساخناً ـ انهم قتلوا مسؤولاً
آخر ليس طرفاً معهم في أي صراع.
منذ ذلك الحين، انفتح صنبور الدم بين الجماعة
وأجهزة الأمن، ولم تعد هناك «محرمات»، فكل شيء، وكل شخص مهما كان
مصرياً أو اجنبياً، مدنياً أو شرطياً معرض للقتل، وصارت الجماعة
الإسلامية التي كانت تضم شباباً ريفياً منزعجاً من اضواء المدن،
صارت هي عنوان العنف الرئيسي في البلاد، وصارت مسؤلة عن غالبية
الاعتداءات التي حصلت بين العامين 1992 و 1998، والتي ادت إلى سقوط
اكثر من 1300 ضحية لكن سبحانه مغير الأحوال، ففي الخامس من يوليو -
تموز- العام 1997 أطلق أحد شيوخ الجماعة الإسلامية مبادرة من طرف
واحد لوقف العنف في مصر وخارجها، وصدر قرار بالفعل من مجلس شورى
الجماعة في الداخل (من السجن) إلى ابنائهم واخوانهم وكوادرهم بوقف
العمليات المسلحة داخل مصر وخارجها. وهنا نشير إلى أن أول مبادرة
أو صوت جهر بالهدنة كان هو خالد إبراهيم أحد أعضاء الجماعة في
أسوان، وكان يحاكم في احدى قضايا الجماعة في ابريل - نيسان - 1996،
لكن أجهزة الأمن والصحافة تعاملت معها باعتبارها خدعة أو مناورة
فظل الاشتباك مستمراً إلى ان وقع حادث الأقصر ـ الذي يعتبره منتصر
الزيات في تصريح خاص للنور بانه الحدث المفرق في نظرة الجماعة
الإسلامية لأعمال العنف، ففي معبد حتشبسوت وفي تشرين الثاني -
نوفمبر - العام 1997 حصلت مجزرة قام بها بعض المتطرفين غير معروفة
هويتهم السياسية بقتل 25 سائحاً أجنبياً بالسلاح الأبيض، وحصل نوع
من التمثيل بالجثث، ما اساء إلى صورة الجماعة الإسلامية التي كانت
أول طرف وجهت له أجهزة الأمن تهمة المسؤولية عن هذه المجزرة، ووقعت
أخطاء بالجملة بين قيادة الجماعة الإسلامية في الخارج والداخل، حيث
تبنى رفاعة أحمد طه (في الخارج) العملية بينما رفضها أسامة رشدي
الناطق الاعلامي للجماعة في الداخل، وبدا أن شبكة الاتصال والحوار
بين مجلس شورى الجماعة في الخارج والآخر في الداخل مقطوعة، وأن
حالة فوضى يمكن أن تسود، وبالتالي أصر قادة الجماعة في الداخل على
تأكيد المبادرة، وأنها أوقفت جميع عمليات العنف، ثم صدر بيان
للجماعة يدين حادثة الأقصر «حتى وإن كان الذين قاموا بها ينتسبون
إلى الجماعة» حسب نص البيان.
هذا التطور النوعي في موقف الجماعة لم تستقبله
الدولة ممثلة في أجهزة الأمن وصحفها بإيجابية دفعة واحدة، بل مر
موقف الدولة بمراحل الشك والتشكيك، الانتظار والترقب، ثم الحوار
والتأكد، وبعدها جاء القرار بالإفراج 4/9/2003 عن ألف عنصرمن
اعضاء الجماعة وقال وزير الداخلية حبيب العادلي «إن عمليات الإفراج
تجري تباعا وفق معايير واضحة، وهي تؤكد صدق التحول الفكري الذي طرأ
على أولئك الذين افرج عنهم، وصدق التزامهم بنبذ العنف» وأكد
العادلي «أن قيادات الجماعة الإسلامية قد طلقت العنف بالكامل،
وإنها لا تمارس الآن أية محاولات لتنظيم صفوفها في عمل سري». وأشار
الوزير إلى «أن وزارة الداخلية تسمح لقيادات الجماعة الإسلامية
المسجونين وأفرادها بالخروج إلى أسرهم في اجازات تصل إلى 24 ساعة
في بعض الأحيان لزيارة اقاربهم وزوجاتهم، وممارسة حياتهم
الاجتماعية بين أسرهم في ظل رقابة أمنية مرنة».
وأكدت مصادر قانونية قريبة من الجماعة أن عدد
من اطلق سراحهم منذ العام 1999 ارتفع إلى خمسة آلاف شخص من بين 16
ألفا تقدر هذه المصادر أنهم دخلوا السجن خلال الفترة من العام 1981
حتى العام 1997، وكان من أبرز من أفرج عنهم اعضاء من مجلس الشورى
هم كرم زهدي وناجح إبراهيم وفؤاد الدواليبي وعلاء الشريف وعاصم عبد
الماجد وحمدي عبد الرحمن وممدوح علي يوسف.
أسئلة تنتظر اجابات
السؤال الآن هو: أين يذهب الآن شباب
الجماعة الإسلامية المسرحين من السجون إلى شوارع القرى والمدن، هل
ثمة اطار سياسي يجمعهم، وما الذي يمنع أن يعود هؤلاء إلى ممارسة
العنف إذا لم يجدوا ما يدفعهم ويشجعهم على السير في الطريق السلمي؟
سؤال آخر برز في الصحف المعارضة هو: هل تم
الإفراج عن شباب الجماعة وهم ليسوا مسيسين بالقدر الكافي، وليسوا
محترفي عمل سري كجماعة الإخوان من أجل مواجهة شيوخ الإخوان ومنعهم
من احتكار التحدث باسم الإسلام السياسي في البلاد؟
وأخيرا: لماذا كرم زهدي على وجه التحديد؟
ونبدأ بالسؤال الأخير- الأسهل- وهو أن كرم زهدي
يستطيع أن يلعب دور المسيطر والعنصر الضابط لحركة آلاف من اعضاء
الجماعة الإسلامية، أصبحوا فجأة مطلقي السراح في الشوارع وفي
المدن، وأن عليه أن يعيد عملية الاتصال الفكري بهؤلاء الشباب
وتذكيرهم بأنهم طلقوا العنف نهائيا، وإن الجماعة عادت إلى سيرتها
الأولى، أي العمل الدعوي السلمي.
وينفي منتصر الزيات - أحد أشهر محامي الجماعة
الإسلامية في مصر، في تصريح للنور، أن يكون هناك مخطط لإزاحة
الإخوان المسلمين من صدارة العمل السياسي الإسلامي ويقول «أنا
شخصيا ممن يرون أن الإخوان بعد 75 سنة من العمل لا يستطيع أحد أن
يزيحهم عن المكانة التي ينفردون بها إن اختلفنا او اتفقنا معهم،
لكن هذه المشكلة تكمن في وجود تناقض بين انفتاح الدولة على الجماعة
بينما تضيق الخناق- في الوقت نفسه- على الاخوان، لكن هذا الهاجس
سوف يتلاشي بعد حين، بخاصة أن قادة الإخوان رحبوا بمبادرة الجماعة
نحو العمل السلمي».
ويقول الزيات إن التغيير الفكري الذي لحق
بالجماعة ارتبط أيضا بنظرتهم إلى موضوع العمل الحزبي، حيث كانوا
يرون في السابق حرمة العمل الحزبي بشكل قاطع، بالعكس لقد عدلوا عن
هذا الخط، وصاروا أكثر اقتناعا بأداء دور سياسي، لكن المسألة هنا
هل هم اتخذوا قرارا بتقديم طلب انشاء حزب؟
يبدو أن الوقت لازال بعيداً لمعرفة الطريقة
التي يفكر فيها هؤلاء القادة الذين لم يعودوا شبابا (كرم زهدي 51
سنة) فخطواتهم لم تعد تسبق تفكيرهم كما كان الحال في السابق، بل
صاروا أكثر ميلا إلى التفكير العميق، والحوار الهادئ قبل اتخاذ
الخطوة التالية، وهكذا فإن المشهد السياسي الإسلامي في مصر ينتظر
كلمة الجماعة الإسلامية من جديد.
الجماعات السرية
كانت فترة الستينيات هي الحقبة التي
شهدت التشكيل الجنيني للجماعات السرية، وأنه رغم نمو هذه الجماعات
خارج نطاق جماعة الإخوان إلا أن الأخيرة ظل ينظر اليها على أنها هي
الأم التي خرجت من عباءتها جميع الحركات بما في ذلك الجهاد فضلا عن
أن كتابات سيد قطب المنظر الإسلامي ذي الجذور الإخوانية ظلت في
مقدمة المراجع الفكرية التي تأثر بها منظرو التيار الجهادي.
وتقول كتب الإسلاميين إنه قد حدث داخل السجون
في الستينيات عملية فرز بين اتجاهين، الاتجاه الإخواني التقليدي
الذي يصر على أسلوب الدعوة والانتشار من دون صدام، وقد عبر عن ذلك
الشيخ حسن الهضيبي المرشد العام الثاني للجماعة في كتابه دعاة لا
قضاة، بينما كان هناك اتجاه آخر يائس من امكان التغيير، متأثرا
بالتعذيب الذي لحق بسيد قطب في السجون الناصرية فأنتج فكرا عدائيا
ثوريا تجسد في كتاب معالم في الطريق لسيد قطب، الذي اعتبره تنظيم
التكفير والهجرة الوثيقة الفكرية الأساسية له.
غير أن هناك رواية أخرى، تقول إن الفكر
التكفيري قام ضد فكر الإخوان أصلا، وأن قصة سيد قطب والتعذيب في
السجون الناصرية هي من وحي خيال جماعة الإخوان لكي تنفي عن نفسها
صفة الرجعية، التي أطلقها عليهم شباب أول مجموعة جهادية تأسست في
مصر العام 1958 على يد نبيل البرعي وانضم إليه إسماعيل طنطاوي
ومحمد الشرقاوي وأيمن الظواهري والتي رفضت أفكار الإخوان واعتمدت
على أفكار ابن تيمية، وقد نجح هذا التنظيم في التبلور العام 1968
حينما انضم اليه رائد في الجيش هو عصام القمري، الذي ادخل
التدريبات العسكرية إلى خلايا المجموعة، وجرت التدريبات في منطقة
المقطم.
لكن حزب التحرير الإسلامي، بزعامة الفلسطيني
صالح سرية، هو أول من سيحاول القيام بعملية انقلابية العام 1974 ضد
السادات عرفت باسم «عملية الكلية الفنية العسكرية» وقد فشلت،
ويعتبر صالح سرية ذا أصول إخوانية حيث انتمى إلى الإخوان في العراق
ثم الأردن قبل الانتقال إلى مصر، والأمر نفسه ينطبق على تنطيم
جماعة المسلمين وهي التي تعرف اعلاميا بالتكفير والهجرة فقد بادر
قائدها- الإخواني الأصل شكري مصطفى في معتقل أبي زعبل العام 1967
بإعلان «تكفير عبد الناصر والنظام بصراحة» وعندما خرجوا من السجون
في العام 1973 كفروا الإخوان بتهمة رفضهم تكفير النظام، وتبنى هذا
التنطيم فكرة (التكفير الاجتماعي الشامل) أي لا يقتصر على تكفير
الحكام وإنما يمتد إلي مؤسسات الدولة، ووصل هذا التنظيم الى رفض
الحياة داخل المجتمع، ومحاولة تقليد حياة الرسول الأولى عن طريق
رعي الغنم أو صيد السمك وعدم الاختلاط أو الصلاة في المساجد العامة
باعتبارها «اماكن عبادة جاهلية»، وقد انتهى هذا التنظيم بسرعة
العام 1977 عندما ارتكب اعضاء منه حادثة اغتيال وزير الاوقاف
السابق الشيخ الذهبي، فانقضت عليهم أجهزة الامن، لكن المشكلة تكمن
في بقاء فكرة «التفكير»، فقد أعلن وزير الداخلية الحالي حبيب
العادلي مؤخرا في ايلول - سبتمبر الماضي القبض على مجموعة متطرفة
تتبني فكر التفكير والهجرة، كما لا تنفي مصادر قانونية قريبة من
الجماعات الإسلامية وجود منظمات سرية صغيرة، تكاد تصل الى 30 منظمة
بعضها يضم اعدادا صغيرة في حدود 30 أو 50 شخصاً لكنها تمثل خطرا
داهماً، لذا تتابعها أجهزة الامن باصرار. والملاحظ ان هذه الجماعات
تتركز في المناطق الفقيرة والمزدحمة، ولا تندمج في النشاطات
الحزبية الاجتماعية، وتضم فئات اجتماعية أدنى من الطبقة الوسطى.
وبعض هذه الجماعات تتبنى فكر صالح سرية الذي جاء في كتابه رسالة
الايمان. وقد تبنى نمطا مختلفا من التكفير عن الذي تبنته جماعة
(المسلمين) بقصر حالة الكفر على جهاز الحكم فقط دون امتداد هذه
الحالة إلى المجتمع الذي اعتبره «ضحية للنظام السياسي، عاجزا عن
التخلص منه، يتطلب قيادة اسلامية مخلصة لتقوده».
مستقبل تنظيم الجهاد
يعتبر تنظيم الجهاد بقيادة عبود
الزمر داخليا وأيمن الظواهري خارجيا هو أخطر منظمات العنف السياسي
في مصر، لأنه لم يتخل عن فكرة التكفير ولا الحاكمية ووجوبية الجهاد
من أجل تطبيق الحاكمية لله ورفض الوسائل الأخرى. ولعل كتاب الفريضة
الغائبة، الذي وضعه محمد عبد السلام فرج العام 1979 هو الوثيقة
الفكرية الأساس وفيه يرفض التعامل مع مؤسسات الدولة كافة، ويرفض
فكرة اقامة حزب اسلامي، ويعتبر ان ذلك لا يؤدي إلى تحطيم دولة
الكفر، ولكنه يدعمها، كذلك يرفض الجهاد اسلوب الدعوة كاستراتيجية
للعمل على امة «الدولة الإسلامية» وهو يهاجم جماعة الإخوان
المسلمين بعنف ويتهمها بالتراجع عن الجهاد. وقد قدم منظرو جماعة
الجهاد مؤلفات عدة أخرى أهمها فلسفة المواجهة لطارق الزمر، ووثيقة
الجهاد ومعالم العمل الثوري ومنهج الجهاد وبحث في الحاكمية لأسامة
قاسم أحد قيادات الجماعة.
يعتمد تنظيم الجهاد الأسلوب الانقلابي للتغيير،
ويلجأ إلى تجنيد الضباط والجنود، وبخاصة ضباط الاحتياط وكان أبرز
الاعمال التي نفذها اغتيال الرئيس السادات (1981)، والمشاركة في
محاولة اغتيال الرئيس مبارك في اديس أبابا (1995) مع اعضاء في
الجماعة الإسلامية، وعلى رغم أن أجهزة الأمن وجهت ضربات قاست
لأجنحة التنظيم العسكرية وبخاصة جناح طلائع الفتح وقدمت للقضاء
أكثر من 25 قضية ضد حوالي 800 من كوادر تنظيم الجهاد وعناصره إلا
أن التنظيم لازال موجودا كفكرة وكحركة وله مصادر تمويل، وتعتبره
أجهزة الأمن في حالة ركون أو «كمون» وقد رفض «الجهاد» جميع الأطر
الفكرية التي استند اليها قادة الجماعة الاسلامية في نبذ العنف،
والعودة الى العمل الدعوي، اذ تقول وثيقة الجهاد والعمل السري وهي
احدى الاصدارات السرية لجماعة الجهاد «وامام ذلك الزحف الجاهلي
الشرس تقف الثلة المؤمنة توقظ الهمة وتسد الخلل، طمعا في نصر ربها
القريب على جاهلية اقبلت لتنال من الدين»، وتمضي الوثيقة في تحليل
الموقف الراهن:
- ان الجاهلية الغربية الحديثة بماديتها
الجامحة وايديولوجيتها الآثمة، ان هي إلا نتاج لكفر اوروبا بالدين،
ومن ثم نشأة اوروبا الوثنية.
- ان الديمقراطية فكرة جاهلية وقد تمخضت عن
تطور المجتمع الاوروبي على طوال تاريخه منذ زمن الاغريق، وهي تسعى
لتحكيم منطق الاغلبية ولو كان باطلا ودون وضع ضوابط.
- ان القومية فكرة غريبة تتناقض مع الاسلام.
ويتركز حضور اعضاء تنظيم الجهاد في القاهرة
والاسكندرية وبعض المدن الكبرى بعكس الجماعة الاسلامية التي نشطت
في الريف وجنوب مصر ووسط القطاعات المهمشة من الشباب، لذلك فان
اندماج اعضاء الجماعة الاسلامية في المجتمع اسهل بكثير من اعضاء
الجهاد الذين يميلون الي العمل السري، واقامة التنظيم الهرمي
المغلق الذي لا يسمح لأي عنصر بالانضمام اليه الا بعد المرور
بدرجات واختبارات.
حزب الوسط وتوسيع المشاركة السياسية
رغم ان تيار الوسط الذي برز على
الساحة المصرية في العام 1996، هو في الأصل تيار اخواني، ومن أبرز
رموزه أبو العلا ماضي ومحمد سليم العوا، الا ان هذا التيار الذي
ظهر كحركة انشقاق داخل الاخوان احتجاجا على عدم ديمقراطيتهم
واحتجاجا على مبادئ البيعة والطاعة العمياء وغياب آليات الحوار
الداخلي، إلا ان هذا التيار سرعان ما جذب اليه قطاعات من جيل الوسط
في السياسة المصرية، وهو جيل تربى في السبعينيات داخل الجامعة على
افكار منفتحة ومتناقضة مع الافكار المغلقة التي سادت التيارات
الايديولوجية السائدة في ذلك الحين، وبخاصة لدى الجماعات الاسلامية،
فقد ضم جيل الوسط المفكر القبطي رفيق حبيب، وعدداً من النساء في
قائمة مؤسسيه الذين تقدموا الى لجنة الاحزاب للحصول على رخصة
لإقامة حزب سياسي وكذلك تقدموا بطلب ترخيص لتأسيس صحيفة اسبوعية
تحت اسم المستقبل، لكن جماعة الوسط لم تحصل لا على رخصة الحزب ولا
رخصة الصحيفة، وهنا يقول أبو العلا ماضي للنور: «اذا كان القانون
يحظر اقامة احزاب على اسس او مرجعية دينية، فنحن لسنا حزبا دينيا،
نحن جماعة سياسية فيها مسلمون واقباط وفيها رجال ونساء، يجمعنا
برنامج سياسي وليس عقيدة دينية او نسق ايديولوجي مغلق، لذلك فان
رفض الحكومة لتأسيس حزب الوسط يعكس ضيقها بالديمقراطية او اصرارها
على ابقاء الهامش الديمقراطي المتاح حاليا من دون توسيع».
والواقع ان تيار الوسط يحظى بقبول واسع في
الاحزاب بما في ذلك الحزب الحاكم، وفي النقابات ومؤسسات المجتمع
المدني، وله علاقات واسعة مع قيادات قبطية مثل سعيد فخري أبو النور
(حزب الوفد) وميلاد حنا وله نشاطات ضد العولمة في اطار جمعية مصر
للثقافة والحوار التي سمحت الحكومة بتأسيسها العام 2000، ويترأسها
سليم العوا، ويلعب فيها المفكر وحيد عبد المجيد دوراً مهماً، رغم
أن بؤرة الحركة عند أبو العلا ماضي باعتباره الأكثر ديناميكية.
وهدف الجمعية هو نشر الثقافة العربية حسبما قال ماضي من خلال
مؤتمرات وندوات ومعارض كتب ليست قاصرة على تيار سياسي بعينه، وإنما
يشارك فيها فعاليات من الاتجاهات كافة.
أفق الانفتاحيين وضباب الجهاديين
وفي هذا الإطار يمكن التوصل الى
معطيات عدة حول واقع تيارات الاسلام السياسي ومستقبلها في مصر هي:
- ان التيار الدعوي المنفتح على المجتمع
السياسي - حكومة ومعارضة - والذي يقبل الرأي الآخر ويتفاعل معه هو
التيار الذي سيكون له الحضور والفعالية، في حين أن التيار الصدامي
مع الدولة، الذي يعتقد في اسلوب التغيير بالعنف، انطلاقا من تكفير
المجتمع فهو تيار هامشي، ظلامي، مغلق، من هنا يمكن القول إن التيار
الاخواني لازال هو الرقم واحد في الساحة الاسلامية في مصر، وسوف
يظل كذلك استنادا الى قدرته الكبيرة على الانتشار، وامكاناته
البشرية والمالية المهمة، رغم الحصار الأمني والسياسي من قبل
الحكومة والحزب الحاكم، ومن المتوقع ان يحصل الاخوان على 45 مقعداً
في الانتخابات التشريعية المقبلة العام (2005) اذا ما جرت
الانتخابات بطريقة القوائم، ومن المتوقع ان يحصل تحالف بين الاخوان
وأي حزب شرعي (هناك 14 حزباً في مصر) لتأمين الغطاء الشرعي لدخول
الانتخابات، كما من المرجح ان تواصل الاخوان نشاطاتها داخل
النقابات المهنية بقوة، فقد حصلت على أربعة مقاعد في مجلس نقابة
الصحافيين في الانتخابات الاخيرة لتؤكد تساويها في القوة مع
الناصريين، والحكومة والنسبة نفهسا حصلت عليها في نقابة المحامين،
لكن يبقى ان النقيب في الحالتين ناصري.
- يمر تيار الجماعة الإسلامية في مرحلة نقاهة
بعد خروج عدد كبير من اعضائه، كما أنه لازال العدد الاكبر وراء
القضبان، وبعد الافراج التدريجي عن قيادتها، يتوقع منتصر الزيات ان
تشكل الجماعة حزبا او جمعية ثقافية وأن تصدر صحيفة، لكنها ستكون في
خط معارض لخط الحكومة كأي حزب سياسي معارض في البلاد بعد أن هجرت
خط العنف، ويتوقع المراقبون فترة بين ستة شهور والعام حتى يفيق
قياديو الجماعة، وان يحصلوا على جرعات من الشمس بعد غياب استمر 20
سنة في السجون، وبعدها يبدأ النشاط السياسي والثقافي الدعوي
والسلمي في اطار القانون والدستور. لكن ليس من المتوقع ان يندمج
هؤلاء في تيار الاخوان او حتى ان يميلوا الى تيار الوسط، فهم حالة
مستقلة نفسها.
- ان تيار الوسط سيتحول الى حالة ثقافية وطنية
اكثر منه حالة حزبية تنظيمية، فاعضاؤه منتشرون في اغلبية القطاعات
الفاعلة، لكن يبدو ان الروابط التنظيمية بينهم قد تأثرت بسبب غياب
الاطار الحزبي، وبسبب تفاوت درجة الحيوية والديناميكية بين عضو
وآخر، وليس من المتوقع ان يعود اعضاء الوسط مرة أخرى إلى أحضان
الأخوان، لكن الأرجح هو تنشيط جمعية مصر للثقافة والحوار التي بدأت
فاعلة ومتحركة ثم تراجع نشاطها ربما لأسباب ترتبط بصحة الدكتور
محمد سليم العوا.
- ان جماعة الجهاد لا تزال تؤجل العنف، وهي
تمتلك قدرات تنظيمية سرية كبيرة، ولها ارتباطات ونشاطات في الخارج،
وصحيح أنها تعرضت لضربة كبيرة أثناء الحرب في افغانستان العام
2001، ولضربات اجهاضية قام بها الأمن المصري خلال العقدين الماضيين
الا ان الصحيح ايضا هو أن هذا التنظيم يظهر فجأة، إذ إن طبيعته
السرية لا تمكن المراقبين من رصد تطوراته ونشاطاته.
- أن تنظيمات سرية «تكفيرية» صغيرة تهدد السلام
الاجتماعي تظهر بين حين وآخر، لكن أجهزة الأمن المصرية تتمتع حاليا
بخبرة كبيرة في التعامل معها، واختراقها في المهد، حيث هناك سيطرة
على المساجد الأهلية التي كانت في السبعيبنيات أهم بؤر التطرف،
وهناك متابعات للقيادات القديمة التي تروج لأفكار التكفير،
والخلاصة هي أن أهم مكسب حصلت عليه مصر هو التحول في أفكار الجماعة
الإسلامية التي تعتبر أكبر التنظيمات وأكثرها حيوية.
|