|
إعادة الاعتبار للُّغة في كتاب: الحقوق
اللغوية
الكتاب:
الحقوق اللغوية، حق اللغة في الوجود والبقاء والتطور والنماء
والوحدة.
الكاتب:
عبد الهادي بوطالب
الناشر:
دار الكتاب
عرض: جواد الشقوري
يشكل الإعلان العالمي للحقوق اللغوية
(برشلونة 1996) وثيقة بالغة الأهمية لأنه ملأ فراغا كبيرا اتسمت به
جميع الإعلانات السابقة لحقوق الإنسان، حيث أنها لم تتطرق جميعها
إلى الحقوق اللغوية التي يتم اعتبارها لأول مرة في هذا الإعلان من
الحقوق الإنسانية الأساسية في بعديها الفردي والجماعي. هذا ما
يعالجه الدكتور عبدالهادي بوطالب في كتابه الجديد: الذي صدر عن دار
الكتاب، والذي يحمل عنوان: الحقوق اللغوية، حق اللغة في الوجود
والبقاء والتطور والنماء والوحدة.
واللغة في رأي المؤلف مخلوقٌ حيٌ له وظيفة
يؤديها لخدمة المجتمع، وله بالتالي على المجتمع حقوق لا بد للمجتمع
أن يوفرها له، وواجبات على اللغة أن توفرها للمجتمع كذلك.
والحق اللغوي في رأي الكاتب يحيل أولا على الحق
في تكلم هذه اللغة أو تلك. كما يشير ثانيا إلى المعيار التشريعي
المتعلق بالتدبير السياسي للأوضاع اللغوية. ويحيل في المستوى
الثالث على مجال من مجالات المعرفة العلمية، ليشمل فرع حقوق اللغات
الذي ينتمي إلى حقل القانون المتعلق باللغات، ثم فرعا آخر هو
التشريع اللغوي الذي ينتمي إلى مجال اللسانيات التي تهتم بالجوانب
القانونية التي تخص اللغات.
بعد هذا المدخل، اشتغل الباحث في تبيان ماهية
الحقوق اللغوية؛ حيث أسس تمييزا بين الحقوق الشخصية التي تتعلق بحق
الإنسان في استعمال اللغة الأم في حياته الخاصة وممارساته الثقافية
والدينية.. كما تتعلق بتعلم اللغة الرسمية واللغة الأجنبية.. وبين
الحقوق الجماعية التي تتعلق، في تصور الكاتب، بتلك التي ترتكز على
قيمة الهوية التي يجب المحافظة عليها.. وقسمها الكاتب إلى حقوق
متعلقة بالمجموعات الإثنية وهي حقوق طبيعية وثابتة لا يجوز المساس
بها.. وإلى حقوق متعلقة بالمجموعات الوطنية وهي حقوق وضعية ينشئها
المجتمع، وبالتالي يمكن أن يلحقها التغيير حسب مشيئة الدولة
بالأساس.
اسس الحقوق اللغوية
ويرتكز الاعتراف بالحقوق اللغوية، في نظر
الكاتب، على مجموعة من الأسس، من بينها: الهوية، لأن اللغة تشكل
جزءا من الهوية الإنسانية.. المساواة، أي ضرورة العمل على تحقيق
المساواة بين لغتين.. التاريخ، على أساس كونه شاهدا على مساهمة
المجموعة المعنية في بناء البلاد.. وأخيرا البيئة، حيث يسهم التعدد
اللغوي في الإبقاء على عدد كبير من الاختيارات في العيش بالنسبة
للنوع الإنساني.
يتناول المؤلف حق اللغة في الوجود؛ حيث رأى أن
مهمة النشاط المتعلق بالبيئة اللغوية هو وصف الشروط والظروف
الطبيعية والاجتماعية لوجود اللغات، والعمل على حماية الأضعف منها،
وطرح التساؤل التالي: لأي وضع تخضع اللغة في وجودها؟ وأجاب بأن
هناك مجموعة من الأوضاع تخضع لها اللغات: 1- وضع اللغة الرسمية،
وذلك بالاعتراف بها من طرف الدولة كلغة رسمية. 2- وضع اللغة
الوطنية، الاعتراف بلغة من طرف الدولة كلغة وطنية لا يلزمها
باستعمالها في مصالحها، ولكنه يلزمها بحمايتها وتطويرها. 3- التعدد
اللغوي الاستراتيجي، فالدولة قد تلجأ إلى لغتين أو أكثر استجابة
لضرورات معينة. 4- عدم التمييز بين اللغات، وفي هذا الصدد رأى
المؤلف أن حق لغة وطنية في الوجود يفرض إدماجها في المناهج
التربوية.
وقد ختم الكاتب حديثه عن هذا الحق بالإشارة إلى
أن ما يستدعي الإدانة هو الإرادة السياسية التي تعمل على تقليص لغة
أو القضاء عليها انطلاقا من ذلك، ما ينعته البعض بافتراس اللغة
البشرية... وأضاف بأن البعض اقترح اعتماد مفهوم الإبادة اللغوية،
ولكن القانون لم يعترف به إلى حد الآن، وعزا الكاتب السبب إلى كون
تطبيقه يبدو عسيرا، إذ كيف يمكن، إثبات الإرادة المقصودة في إبادة
لغة ما؟
بقاء اللغات وانقراضها
يأتي بعد حق اللغة في الوجود "الحق في
البقاء".. واستهل الباحث اشتغاله على هذا الحق في ذكر الشروط التي
تضمن بقاء لغة ما؛ وهي في رأيه: 1- ارتفاع معدلات التمدرس..2- نجاح
النظام التعليمي..3- دور الدولة. ثم لخص بعد ذلك المظاهر التي تهدد
بقاء اللغة فيما يلي: 1- محدودية انتشارها..2- حين لا تستعمل في
الحياة اليومية..3- انعدام مردوديتها اقتصاديا...4- قلة عدد
متكلميها..
في هذا الإطار أشار الكاتب إلى أن نصف اللغات
الموجودة راهنا، التي يقدر عددها بـ 6700 لغة، نصفها يتكلمه أقل من
10000 شخص فقط. وذكر الباحث أن معدل موت اللغات في إفريقيا أقل منه
في أميركا حيث يتسع حجم انقراض اللغات المحلية.
ولأهمية الأرقام المخيفة عن انقراض اللغات، نرى
أنه من المفيد ذكرها كما أوردها المؤلف:
- حوالي 170 لغة انقرضت
في البرازيل بعد الاحتلال البرتغالي.
- من ضمن 125 لغة
متحدثا بها في المكسيك انقرضت 113 منها.
- في كولومبيا فقدت بعض
القبائل لغاتها بشكل كامل.
- في الكيبيك انقرض
العديد من اللغات وبعضها يتلاشى الآن:
في سنة 1962، من ضمن
213 لغة محصاة في أميركا الشمالية، 86 منها لم يكن يتكلمها أكثر من
100 شخص. ولذلك يرى بعض الباحثين، كما يقول الباحث، أن جميع لغات
هنود الشمال ستنقرض بعد عقود عدة في أقصى الحالات. ومن المتوقع أن
تنقرض جميع اللغات الأهلية في كندا.. كما أن جميع اللغات المحلية
في البرازيل تواجه خطر القضاء عليها..
وفي المجموع - والكلام للكاتب - هناك أكثر من
300 لغة في أميركا معرضة للاستئصال، ويمثل الرقم نصف اللغات التي
يتكلمها هنود الشمال.. وقد أشار بعض الدراسات إلى أن اللغات التي
لا تستعملها ملايين من البشر في العالم مهددة بالانقراض.
والواقع، كما يقول الكاتب، أن موت أو انقراض
اللغات ليس ظاهرة جديدة؛ حيث يرى الباحثون في اللسانيات بأن حولي
30000 لغة ولدت واختفت دون أن تترك أثرا في أغلب الحالات منذ 5000
سنة على الأقل. إلا أن وتيرة انقراض اللغات قد تسارعت منذ المرحلة
الاستعمارية الأوروبية.. ويذكر المؤلف في هذا الصدد الحقائق
التالية:
* خلال القرون الثلاثة
الأخيرة لم تفقد أوروبا أكثر من عشر لغات، في حين انقرضت في
البرازيل مئات اللغات.
* هناك لغة تنقرض كل 15
يوما، أي أن معدل انقراض اللغات سنويا هو 25. وبالتالي سيفقد
العالم خلال قرن نصف تراثه اللساني.
* يتوقع اختفاء 50
بالمئة إلى 90 بالمئة من اللغات المتحدث بها خلال القرن الحالي، أي
بين 3000 و 4000 لغة.
* توجد في أوروبا تسع
لغات محتضرة، و26 لغة تكاد تنقرض، و 38 لغة في خطر.
* في دراسة أجرتها
اليونسكو العام 2002، ستنقرض 5500 لغة من ضمن 6000 بعد مدة لا
تتجاوز القرن الواحد والعشرين. تصف اليونسكو ذلك بالمذبحة.
ومن الأسباب التي تحول دون بقاء اللغات في تصور
الكاتب، ما يلي: 1- الغزو العسكري..2- الإبادة الجماعية..3- تقلص
عدد متكلمي اللغة باعث على انقراضها..وتقدر عتبة البقاء بالنسبة
للغة في 100000 متكلم. وتعتبر في وضعية صعبة في حالة بلوغ عدد
متكلميها أقل من مليون شخص.. 4- التشتت الجغرافي..5- الزواج
المختلط..6- الهيمنة الاجتماعية والاقتصادية..7- الضعف السياسي.
8- الإمبريالية
الثقافية، حيث تؤدي الى علاقة غير متكافئة لصالح لغة مهيمنة يملك
متكلموها السلطة الاقتصادية التي تتحكم في الإنتاج الثقافي.
ويعتقد الباحث أن مسار لغة نحو الانقراض ليس
حتميا؛ إذ اللغة واقع ثقافي لا يخضع للحتمية البيولوجية.
وقد تنبعث اللغات لتعود مستعملة من جديد بعد أن
تكون وظائفها قد تقلصت منذ قرون. وتشكل العبرية، كما يقول المؤلف،
مثلا على ذلك، إذ أنها لم تعد مستعملة منذ القرن الثاني الميلادي
واعتبرت لغة ميتة، وعادت بعد 1700 سنة لتصبح اللغة الرسمية
لإسرائيل.
ويؤكد الكاتب أن اللغة التي لا تعترف بها
الدولة تعاني من وضع صعب، لأن عدم الاعتراف بها قانونيا يجعلها
محصورة في نطاق العلاقات الفردية.
تطور اللغة
أما ما يتعلق بحق اللغة في التطور والنماء، فقد
أشار الكاتب إلى أن بقاء اللغة رهين أيضا بتطورها وتنميتها،أي
بتحولها من الداخل.. وفي ما يخص اللغة العربية فقد اقترح المؤلف
ضرورة تشكيلها بوضع الحركات على الحروف، الأمر الذي سيساعد على وضع
حد للأخطاء اللغوية التي أصبحت شائعة، كما سيرفع عنها الاتهام
بكونها اللغة التي يجب فهمها قبل قراءتها، بينما اللغات المشكولة
تقرأ لتفهم.
ومن بين الأسئلة التي أثارها الكاتب: كيف يمكن
خلق التعايش راهنا بين اللغات الموروثة عن الاستعمار واللغات
الوطنية التي تتكلمها الأغلبية؟ وبين أن البحث الحديث في مجال
التربية يؤكد على سلبيات التعليم الأحادي، ويبرز إيجابيات التربية
المرتكزة على التعدد اللساني.. وأضاف بأن الانغلاق على الذات ليس
بأفضل من الاستلاب.
وأوضح أن تطور اللغات يرتكز على الاعتراف الذي
توليه لها المؤسسة العمومية، وذلك بخلق إطار مؤسساتي يسهل عملية
انتقال المعلومات في جميع اللغات.. ومن بين الوسائل التي تساهم في
تطور اللغات عملية الترجمة.
المساواة بين اللغات
حق اللغة في الوحدة كان آخر الحقوق التي ذكرها
الكاتب.. حيث رأى أن انعدام المساواة بين اللغات لا يجب أن يؤدي
إلى التمييز بينها في الحقوق.. فإذا كان عمل الباحث هو ملاحظة
التفاوت بين اللغات في الواقع وتحليله وشرحه، فإن مسؤولية المجتمع
تتمثل في العمل على إقامة المساواة في الحقوق؛ أي منح الصفة
القانونية نفسها للغات الموجودة على تراب الدولة الديمقراطية.
من ناحية أخرى، أشار الكاتب إلى أنه حين تقرر
الدولة نهج سياسة لغوية رسمية على أساس فرض وحدة اللغة، توفر لها
الإطار والمرتكزات القانونية في الدستور.. وقد حصر المؤلف التشريع
اللغوي في التصنيف التالي: 1- تشريع رسمي محدود الصلاحية
والفضاء..2- تشريع ملزم وعمومي..3- تشريع ليبرالي..4- تشريع تعييري.
وعن تدخل الدولة في المجال اللغوي، أشار الكاتب
إلى أن أغلب الدول في الوقت الراهن تدخلت سياسيا في المجال
اللغوي.. ومن ضمن 173 دولة، تتعرض 130 منها في دساتيرها لتنظيمات
المجال اللغوي. ويعني ذلك أن 43 منها فقط ( من ضمنها المغرب وفرنسا
والولايات المتحدة الأميركية) لم تتضمن دساتيرها حتى اليوم بندا
يتعلق باللغة.
ومن بين العوامل التي تؤدي إلى تدخل الدولة في
المجال اللغوي في نظر الكاتب، ما يلي:
1- التعدد اللغوي..2-
حدة التنافس اللغوي..3- الصراع الاجتماعي..4- الرغبة في التدخل،
ففي ساحل العاج، مثلا حيث تتنافس أكثر من 70 لغة وطنية، لم تتدخل
الدولة تشريعيا ولكنها منحت الأولوية للفرنسية.
وسلطة الدولة في المجال اللغوي، كما يقول
المؤلف، ليست مطلقة، لأن نتائج الاستبداد الذي يؤدي إلى فرض لغة
واحدة على مجموع التراب الوطني وخيمة جدا.
وفي هذا الصدد اقترح الكاتب مقاييس يجب أن
تعتمدها الدولة في سياستها اللغوية، من بينها:
1- التوافق الاجتماعي
في وضع السياسة اللغوية..2- نشدان المساواة النسبية..3- ألا تتدخل
إلا في السلوك اللغوي الذي تنهجه المؤسسات التابعة لها..4- النتائج
الإيجابية المتوخاة..
ويختم الكاتب كتابه ببعض الخلاصات التي يتطلبها
الموضوع على ضوء الوضع اللغوي بالمغرب الذي يتسم بالتعددية
اللسانية العربية - الأمازيغية، وأشار إلى أن التعدد اللغوي لا
يشكل خطرا على اللغة أو اللغات إلا إذا تم في بيئة تطغى فيها لغة
أجنبية على اللغة الوطنية. بخلاف بيئة الازدواج اللغوي، أو التعدد
اللسني بين لغة معيار رسمية ولهجات من النسق اللغوي العام نفسه، أو
من المنظومة الثقافية نفسها. وأضاف الكاتب أن الازدواجية اللسنية
العربية - العربية، والتعددية اللسنية العربية - الأمازيغية أنتجت
تاريخاً وحاضراً غير مسبوقين للتناغم والانسجام والاستقرار اللغوي.
|