|
الإسلام في المخيلة الغربية
صورة مشوهة واحكام مسبقة
الكتاب:
الإسلام في المخيلة الغربية: عودة إلى مصادر الفكر الغربي حول
الإسلام
الكاتب:
الدكتور رابح صادق
الناشر:
مكتبة الشرق ودار البراق
باريس: الطيب ولد العروسي
الإسلام في المخيلة الغربية: عودة إلى مصادر
الفكر الغربي حول الإسلام، عنوان كتاب صدر في باريس، وبيروت _ في
آن واحد - عن منشورات مكتبة الشرق ودار البراق، للباحث الجزائري
الدكتور رابح صادق، يقع في241 صفحة من الحجم المتوسط، ويتوزع على
بابين، الأول يحتوي على أربعة فصول، اما الثاني فيتكون من فصلين،
يتعرض الباب الأول منه للظروف التاريخية التي كونت الصورة المنبثقة
من الكتابات الغربية منذ العصور القديمة، مرورا بعصر الأنوار،
وصولا إلى العصر الحديث، حيث أن الديانة الإسلامية تخضع إلى تشويه
إعلامي وتستقطب الدعاية المغرضة والمعادية لكل ما هو مسلم وعربي،
ويعود ذلك إلى الجهل والأحكام المسبقة وكذا النيات المبيتة التي
تستهدف الإساءة إلى المسلمين.
والكتاب عمل أكاديمي استقرأ فيه الباحث المخيلة
الغربية وتراكم الصور التي كونتها عن الإسلام وكيفية انتقالها إلى
الرأي العام الغربي ورسوخ مجمل هذه الرؤى المتناقضة والمتداولة منذ
القرون الوسطى إلى يومنا هذا، سواء في الكتاب المدرسي أو في ميدان
الإعلام، وحتى ميدان المعرفة الأكاديمية.
يرى الباحث أن صورة الإسلام السلبية في المخيلة
الغربية هي نتيجة لقاء معرفة مشوهة بالفكر والاجتماع الإسلاميين
بالممارسات السائدة في الفضاء الإسلامي، هذه الممارسات عملت على
ترسيخ الصورة المشوهة في المخيلة الغربية، لأنها ممارسات يتفق
الباحث مع محمد أركون- الباحث الجزائري صاحب المؤلفات المختلفة عن
الإسلام- على وصفها بأنها فعل إسلامي لا يمت بصلة إلى الفعل
القرآني والإيماني.
دسائس وتراكمات تاريخية
إن الأبحاث الغربية التي تناولت الإسلام، لم
تتناوله من ناحية موضوعية، بل استعملت دسائس كثيرة كونت تراكمات
تاريخية جعلت هذا التفكير يختزل صورة المسلم والإسلام برؤى غريبة،
فهي تهمل الجانب المنطقي الموضوعي في الإسلام، ليصف أصحابها،
المسلمين بأنهم بدو، صحراويون وقراصنة، وتمتد الصورة إلى الآن، وإن
كان الجهل وقلة المعرفة سابقاً، يحولان دون إقامة حوار جاد مبني
على محاولة الفهم، والمناقشة، فإن العصر الحديث بما يميزه من تعدد
وسائل الاتصال لم يقض على هذه الأحكام المسبقة، لما لها من جذور
عميقة في المخيلة الغربية.
ودعم الباحث كل هذه المعطيات باعتماده الكتابات
القديمة حول الإسلام ليبين الخطاب الحالي حول هذه الديانة. إذ
يتغذى هذا الخطاب لا شعوريا أحيانا من هذه الصورة المشوهة والجاهزة
على الرغم مما قام به العلماء والباحثون العرب وغيرهم لتوضيح
الصورة، ولما أحدثته العلمانية من قطيعة ابستيمولوجية في عالم
الأفكار، وجعلت مسألة التدين مسألة شخصية. والأجزاء المكونة
للمخيلة الغربية هي ثلاثة، العصور الوسطى، وفلسفة الأنوار
والاستشراق، ما يوضح المعطيات الأيديولوجية والنفسية والتاريخية
التي بنيت عليها صورة الإسلام هذا من جهة، ومن جهة أخرى استمرارية
الصورة ومواصلتها عبر الإعلام الذي هيمن على كل المجالات الفكرية
والثقافية، والذي يروج للإسلام بأنه إرهابي ولا يحترم حقوق
الإنسان، ويشجع على الزواج بأكثر من امرأة، ويدعو إلى القضاء على
الآخر، وهنا يتداخل العمل العلمي المبني على دراية جيدة برسالة
الإسلام وحضارته وبالواقع الذي يروج للإساءة إليه في الإعلام
والأبحاث ذات الأغراض الهدامة، وحتى في الكتاب المدرسي، الذي يوجه
الطفل، فهو يعطيه صورة مشوهة عن الإسلام.
الباب الثاني من
الكتاب يبحث في تثبيت التراكمات والصور السلبية عن الإسلام وحضارته
وأتباعه، ويقول الكاتب انه على الرغم من أن الحوار الإسلامي في
فرنسا يرجع إلى عهود طويلة (بعض المؤرخين يعيدونه إلى القرن الثامن
الميلادي)، لكنه تعزز في بداية القرن العشرين ومرحلة التوسع
الغربي، فقد قدم الكثير من المسلمين من المغرب العربي وإفريقيا إلى
فرنسا للعمل في مصانعها، كما أن الكثير منهم جندوا أثناء الحربين
العالميتين في الجيش الفرنسي وسقط منهم الكثير في ساحات المعارك
(خمسة وعشرون ألفاً أثناء الحرب العالمية الأولى)، ثم بقيت الهجرة
تتوسع بعد الحرب العالمية الثانية والاستعمار الفرنسي للمغرب
العربي، وحتى بعد الاستقلال فكر هؤلاء المهاجرون، بأنهم سيرجعون لا
محالة، لكن الظروف أرادت غير ذلك، واستقروا وأنجبوا، وإن كان
الحضور في بدايته مغاربيا ومرتبطا بالظروف المذكورة، فقد تعدد
ابتداء من السبعينيات حيث توافد المشارقة والمغاربة والمسلمون من
القارة الأسيوية وبقية أنحاء العالم، ويقدر أن الجالية الإسلامية
في فرنسا تتكون من 122 جنسية حسب بعض المراجع.
حضور غير فاعل
والواقع أن حضور الجالية العربية الإسلامية
ككتلة مؤثرة في صنع القرار يكاد يكون معدوما، ودورها في مجالات
الحياة في فرنسا، وإن كان ذو قيمة، فهو لا يحظى بالاعتراف الرسمي
والجماعي، رغم الكثافة العددية لهذه الجالية (خمسة ملايين) حيث
تحتل الديانة الإسلامية المرتبة الثانية في فرنسا، لكنها مهمشة
وغير معترف بها كبقية الديانات، وهناك محاولات لإيجاد هيئة تمثل
الإسلام ظهرت بوادرها مع مجيء شيراك إلى سدة الحكم في مرحلته
الثانية، وتطرح الكثير من التساؤلات حول شرعية هذه الهيئة ويرجع
ذلك حسب الباحث إلى عوامل متعلقة بتركيبتها الاجتماعية والثقافية
الداخلية وانقسامات وصراعات حول التمثيل، «ولاءات للوطن الأم،
تدخل في شؤونها الداخلية من طرف الأنظمة الحاكمة، العقلية الإثنية
والشوفينية الخ.» التي لا تساعد هذه الجالية على خلق ديناميكية
مشاركة في البناء الثقافي والاجتماعي الغربي بصفة عامة، والفرنسي
بصفة خاصة، وعوامل أخرى لها علاقة بالمحيط التي تتحرك فيه، هذا
المحيط ذو الطابع الاقصائي، الناتج عن الصور السلبية للإسلام
والمسلمين والعرب بصفة خاصة،ولا يتعامل معها إلا بريبة كبيرة
ويحملها جميع مشاكله، ولا بد من الإشارة هنا إلى نقطة مهمة ويرى
المؤلف أنها: تتمثل في ثنائية الخطاب السياسي الفرنسي كلما تعلق
الأمر بالهجرة، فرغم العلمانية التي تدعيها فرنسا، حيث ان عناصر
الانتماء ليست الدين والانتماء الجغرافي، ولكن الفرد من حيث هو فرد
ينتمي إلى مجتمع قائم على حقوق وواجبات، غير أن ثنائية الخطاب هذه
تكمن في مدحه وتمجيده لنموذج الانتماء، بينما واقع المواطنين
الفرنسيين من أصول عربية إسلامية كله معاناة وإقصاء، فما معنى أن
يكون هؤلاء مواطنين قانونيا وأجانب سياسيا واجتماعيا، هذه هي
التناقضات التي نعيشها ونلاحظها من خلال الخطاب والممارسات اليومية.
أما المؤسسات التي تسعى لتمثيل الإسلام فهي
ليست ذات فاعلية تذكر وهي تفتقد الشرعية الجماعية للمسلمين في
فرنسا. وقد وجدت المؤسسة الفرنسية الرسمية في هذا التغيير
والانقسامات وسيلة لعدم إعطاء الإسلام في فرنسا كل حقوقه على عكس
باقي الديانات، إلى درجة أن الحضور البوذي مثلا، والذي يعتبر حديثا
في فرنسا، يتمتع ويحظى باعتراف رسمي واجتماعي، وأهم ما يميز الرؤية
الفرنسية والغربية، بصفة عامة، هو طابعها التواصلي الخطي، وهذه
الرؤية تراكمية، كما يقول الدكتور رابح صادق، لأنها تأسست في
العصور الكنسية الوسطوية، وتواصلت مع باقي العصور وهي تجد شرعيتها
في كل ما كتب إلى حد الآن حول الإسلام، فمعظم الكتابات مطبوعة
بطابع الاختصارية والاختزالية، إلى درجة أن المشاريع الأكاديمية
العلمية التي ظنناها ستعيد بناء رؤيتها للإسلام على أسس جديدة لم
تسلم من هذه المعضلة، وإذا عرفنا، كما بينت ذلك جيدا، المصادر التي
يستقي منها الغربي معرفته للإسلام ، وتتبعنا سيرورة الخطاب حول
الإسلام، فهمنا لماذا هذه الصورة السيئة جدا لديه عن الإسلام،
وقضية الخلط بين العربي والمسلم تندرج ضمن السياق العام، فكل ما هو
مسلم بالنسبة للغربي العادي هو عربي، وينطبق على اختصار العربي في
المغاربي، والمغاربي في الجزائري، واختصار المهاجر في المسلم، إلى
درجة أن الكثير من الفرنسيين يعتبرون إيران دولة عربية _كشف عن ذلك
احد استطلاعات الرأي_إن هذا الجهل الكبير كما يقول الباحث بحقيقة
التباين الثقافي والإثني داخل الفضاء الإسلامي يولد علاقة انعكاسية
بين ظاهرة الخلط والصورة السيئة فكلاهما مرآة للآخر، وهناك
بالإضافة إلى دور الإعلام السلبي والتراكمات والإقصاء، ما يسمى
بخبراء الإسلام الذين يصيحون صباح مساء بأن الإسلام سيكون عدو
الغرب بعد سقوط المعسكر الشرقي، ولا ننسى كما قلنا أعلاه الممارسات
الجانحة داخل الإسلام. كما يتحدث الكاتب عن دور المستشرقين والذي
يكشف لنا عقلية أصحابه أكثر منه تعبيراً عن حقيقة موضوعية، وخضعت
كتابات المستشرقين للدراسة والنقد من بعض المفكرين العرب والمسلمين
وبعض الغربيين أنفسهم، وأشهر كتاب في هذا المجال، كتاب الاستشراق
لإدوارد سعيد، والذي ينفي عن المشروع الاستشراقي أية علمية،
ويعتبره مؤسسا لنظام رؤياتي أيديولوجي وهو في مقاربته للإسلام
عنصري امبريالي ويطبعه التعالي الإثني، والكتابات الاستشراقية في
مجملها ، كما يؤكد المفكر الفلسطيني تعتبر الشرقي، إشارة إلى العرب
والإسلام، متخلفين ذهنيا، غير متحضرين، خاملين، وتتحكم بهم عيوب
قطرية تمنعهم من التطلع وتجعل من حركيتهم مراوحة في المكان نفسه،
ويخلص الكاتب إلى أن الاستشراق هو ليس فشل علمي فحسب ولكن أيضا فشل
إنساني.
|