العدد

152 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 11:8 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

"تنفس"

الكتاب: تنفس
الكاتب: آن صوفية
الناشر: فايارد

يهيأ لبداية الموسم الأدبي في فرنسا كما يهيأ للدخول المدرسي، لذا نجد ملاحق الصحف اليومية أو الأسبوعية تخصص صفحاتها للكتابة حول الأعمال الأدبية التي تصدر مع بداية الموسم الإعلامي والدراسي. فنرى نقرأ، ونحن نتجول، على إعلانات أكشاك الصحف صور الأديب والروائي الكبير "روب غرييه « أو صور كتّابٍ آخرين، لكن هذا الموسم لا يقتصر على المعروفين فقط- كما هو الحال في بلداننا- بل تعكس اعلانات الصحف ما يشجع المواهب الشابة، وفي هذا الإطار فإن رواية "تنفس" للكاتبة الشابة آن صوفيه براسم البالغة من العمر 17 سنة والتي لا زالت تحضر نفسها لخوض امتحانات الثانوية العامة وكانت انجزت عملها وعمرها ستة عشر سنة. لهذا كانت حدث الموسم الأدبي، إذ أجرت الصحف والجرائد لقاءات معها حول عملها الإبداعي، كما شاركت في برامج إذاعية وتلفزيونية.

إن رواية "تنفس" التي أثارت فضول النقاد والصحافيين، التي تقع في 180 صفحة من الحجم المتوسط والصادرة في باريس، عن منشورات "فايارد"، تطرح إشكالية صداقة حميمة وغريبة بين الطفلة  شارلين الساردة وصديقتها "سارة" حيث تعرفتا على بعضهما في الإعدادية كانتا تدرسان معا، لكن إشكالية التعارف أدت إلى تبادل صداقة ود تراجيدي كبيرة ما بين شارلين و سارة. هذه العلاقة التي تمر بمد وجزر،نظرا لأن شارلين كانت ضعيفة الشخصية ومكبة على دروسها، أما سارة فكانت عكسها تماما، فهي أولا من أم أميركية وولدت في فلوريدا، ومتحررة جدا في كونها تقيم علاقات اجتماعية سريعة مع زميلاتها وزملائها، الشيء الذي لم تكن تقوم بمثله شارلين، فهذا الاختلاف في النظرة إلى الحياة ترك شارلين تتألم من جراء شخصية سارة القوية. فأصبحت سارة تؤلم شارلين بعلاقاتها المختلفة وبعدم اكتراثها أحيانا بصديقتها شارلين، التي كانت تعلم (أي سارة) أنها تحلم وتتنفس من خلالها، حتى تكون الغرور لديها وأصبحت سادية في تصرفاتها مع شارلين، أما شارلين ومن كثرة حبها لسارة أصبحت تجد لذة في هذا الألم وهذه العلاقة "المهم أن تكون سارة راضية عليها" وأن تدوم وتستمر.

تتطور أحداث الرواية عبر تعاقب السنوات، وتمسي هذه العلاقة بؤسا على شارلين، التي حاولت خلق علاقة غرامية وعمرها ست عشرة سنة مع زميلها ألكسندر وترك صديقتها سارة مع الآخرين أو بالأحرى لم تطق سارة أن تتحمل هذه "العلاقة الثقيلة " لكن عندما علمت بأن شارلين على ارتباط بالكسندر، جاءت تطلب صداقتها من جديد وهذه المرة إلى الأبد، فما كان من شارلين إلى أن ضحت بحبيبها الذي كان مرتبطاً بها أشد الارتباط.

هكذا تدخل العلاقة فصلا آخر بين "الصديقتين" ولكن سارة رجعت إلى فعلتها، وبدأت تتحاشى اللقاء مع شارلين بل وتخاصمها وتكذب عليها وتحتقرها أمام أصدقائهما وصديقاتهما مما أدى بشارلين إلى ترتيب عملية قتل لصديقتها ذات ليلة، وأخذت إلى السجن وهي في ريعان شبابها.

تقول الساردة في بداية الرواية: "اسمي شارلين بوهير أعيش في السجن منذ سنتين أياما وليالي متشابهة، ارتكبت جريمة لا تغتفر وأنا طفلة بعد، اغتلت صديقتي سارة التي كانت تربطني وإياها علاقة صداقة غريبة عجيبة..."

تبين لنا هذه العلاقة مسار طفلتين ارتبطتا ببعضهما، وكاننا أمام شارلين المزدوجة الشخصية، أي تلك التي تريد أن تدخل الحياة وتلعب وتمرح مثل زميلاتها، والشخصية الباطنية أي الحقيقية لشارلين التي لم تستطع أن تختار طريقها وحدها حتى تكون هي نفسها، فهاتان الشخصيتتان تتصارعا في جسد واحد حتى تصل حد القتل، لكن عملية القتل هذه تتركنا فعلا  أمام شخصيتتان حقيقيتن وأن شارلين ثارت فعلا بطريقتها الخاصة على سارة فقتلتها وأودعت السجن، هذا الفضاء الذي تبتدأ به أحداث الرواية.إذ اختارت المبدعة الصغيرة سنا العمل على النص الدائري، فكانت النهاية هي البداية حيث نتعرف على شارلين في السجن، أما النهاية التي كانت من المفروض- في عمل روائي كلاسيكي- أن تكون البداية تغيرت فقط بمجيء الكسندر إلى معشوقته بعدما سمع بالحدث، حيث كلمها على وفاة سارة، وكان في قرارة نفسه يشك في أن القاتلة هي شارلين. يتم حوار بينهما حول سارة وتعترف شارلين لألكسندر بارتكابها للعملية انتقاما لنفسها من المعاملات التي كانت تجدها من سارة. واعدها حبيبها على عدم البوح لأي إنسان مهما كان بهذا السر، غير أن البحث الذي قامت به الشرطة أدى إلى معرفة القاتل أو بالأحرى القاتلة.

إنها علاقة إنسانية في وسط اجتماعي انحلت فيه قيم العلاقات الأسرية، وأصبح الإنسان يبحث عن صديق له بأي طريقة كانت، فانقلبت المعادلة، أي أصبح حتى الطفل يبحث له عن علاقة حب وحنان خارج محيطة العائلي والأسري، فنجم عن هذا الانحلال الدمار الإنساني، وليست مفاجأة إن كان عدد الكلاب والقطط وبقية الحيوانات الأخرى هي التي "تعوض العلاقات البشرية " إنها مأساة الغرب الذي يجري وراء الاستهلاك، وأصبحت الأنانية سيدة الموقف في العلاقات الاجتماعية والانسانية.

ربما أرادت آن صوفي براسم (وهي من مواليد سنة 1984 بضواحي مدينة "ماتز" الفرسية) أن تقول ذلك عبر فصول عملها الإبداعي الذي حاكته بلغة فرنسية بسيطة راعت فيها التركيب اللغوي والبحث عن أسلوب جذاب.

إن رواية "تنفس"  هو أول عمل إبداعي لآن صوفي براسم، والذي يعتبر صيحة في وجه المجتمع الذي كبل الانسان وتركه يفتقد شخصيته وبالتالي تنفسه رغم وجود أجواء الحرية، وأن الانسان مهما كان عمره يستطيع عمل كل ما يريد، لكن لا شيء يعوض العلاقات الانسانية الحقيقية المبنية على الحب والصدق واحترام الآخر.

إن أمثال شارلين كثيرون في عالمنا العربي، فهل تعطى لهم الفرصة للتعبير عن أنفسهم والوصول إلى القارئ بأعمالهم الإبداعية؟ إنه لغز محير، لأن أغلب وسائل إعلامنا تتكلم أو تخصص صفحاتها قبل كل شيء للمعروفين أو للعلاقات ما بين المسؤولين عن الصحيفة والكاتب، أما البحث على المبدع الحقيقي مهما كان سنه فهو في طي النسيان، وربما يعرف طريقه إلى القارئ عبر صدفة ما، فهل الصدفة وحدها التي ينتظرها المبدع العربي؟ أم ينتظر المؤسسات التي تشجعه على المضي قدما في خوض غمار الإبداع، أنها مجرد أسئلة فقط، لأننا عندما نعير للثقافة اهتماما حقيقيا ربما ستشرق شمسنا.  

باريس، الطيب ولد العروسي

 

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع