|
الوجه الآخر
للولايات المتحدة
"المشاركة"
حركة اميركية تبشر بالحضارة
العربية
النور ـ باريس
يكاد الربط بين سياسة حكومة الولايات
المتحدةالرامية الى السيطرة على العالم والشعب الاميركي ان يكون هو
المنطق السائد في التحليلات المتعجلة التي تتناول العلاقة بين
الولايات المتحدة وشعوب العالم.
وهذا ما دعانا الى قراءة محايدة للوجه الآخر
لاميركا التي توصف بالعجرفة، وجه بعض من اهلها ومناضليها الذين لا
يتفقون مع سياسة حكامهم المتعالية، ويتطلعون الى علاقات طيبة مع
العرب. رافضين القطيعة التي تمليها ردة الفعل الطبيعية التي تصدر
من العرب في مقابل السياسة المتهورة لقادة الولايات المتحدة.
من هؤلاء ينهض رموز رواد حركة «المشاركة» التي
وظفت سلاح «المعلوماتية» للابحار ضد تيار العداء للعرب والاسلام
في اميركا، والعمل تقديم وجه آخر لهذه الحضارة ولهذه الامة، ولهذا
الموروث النوعي الذي يحمل اسمه العربي «مشاركة» والذي ينهض للتعريف
والتبشير بالحضارة واللغة والثقافة والامة العربية، ويفتح ابواباً
مباشرة للحوار، والتعريف والتأسيس لعلاقة ايجابية بين الاميركيين
والثقافة العربية.
وهؤلاء الذين يقفون وراء هذه المبادرة التي رأت
النور كما يمكن ان نتصور بعد احداث 11 ايلول ـ سبتمبر ـ 2002
جميعهم اميركان، يتحدثون اللغة العربية، ويعتنقون الثقافة
العربية، ويطلبون ود هذه الامة التي يحاول الآخرون مناصبتها
العداء.
في هذا الحوار نتحدث مع المشرفين الاساسيين على
هذه المبادرة، وهم الدكتور مايكل تولر رئيس تحرير موقع
«مشاركة» والدكتور دوجلاس ديفيس مديرالموقع والدكتورة
سوزان شيفر ديفيس، للبحث معهم حول طموحات هذه المبادرة
وابعادها، وما حققته حتى الآن من نتائج في اطار العمل الاكاديمي في
الولايات المتحدة.
يقول مايكل تولر: يرتبط تاريخ مبادرتنا،
وبالتالي الموقع الالكتروني في تفاصيله العامة، بالاحداث التي تلت
الحادي عشر من ايلول 2002 لأن الذي حدث في اميركا ليس فقط تصعيد
موجة العداء لكل ما هو عربي او اسلامي كما يتوقع البعض، بل كانت
هناك موجة من الفضول والرغبة في معرفة هذا الشرق العربي الاسلامي،
بحيث نفذت كل الكتب التي تعالج موضوع الاسلام او العرب او اللغة
العربية من الاسواق، وتعددت المواقع الالكترونية التي صارت تقدم
وتشرح لهذا الشرق الاسلامي.
لكننا لاحظنا، نحن المحبين للعرب، وللغة
العربية وهذه الثقافة العربية الرائعة، ان الكثير من المغالطات
والدسائس صارت تقدم بالمجان عبر هذه الكمية الهائلة من المعلومات
حول العرب والثقافة العربية او الدين الاسلامي.
وقد رأينا انه من واجبنا النهوض لهذه المهمة
الضرورية لتقديم الثقافة العربية والتعريف بالحضارة الاسلامية
وبناء الجسور بين العالم الاميركي واللغة العربية والفضاءات
العربية بشكل عام.
وقد رأينا ان يكون مشروعنا منذ البداية منصباً
على هذا الهدف الفكري / الثقافي والحضاري بالدرجة الاولى، فإن
المعلومات عن السياسة والحروب والمصادمات موجودة بوفرة في كل مكان،
وهناك المئات من المواقع التي تقدم كميات هائلة من المعلومات حول
هذه المواضيع. ومن ناحية اخرى رأينا ان نجعل عملنا اكاديمياً
تعليمياً، يؤسس لمعرفة موثقة وقادرة على متابعة المناهج التعليمية
في الجامعات الاميركية والكليات المختلفة.
لهذا كانت بدايتنا باعتماد نظام المشاركة
المعلوماتي، بحيث يتحول الموقع الى جامعة مفتوحة يمكن لكل الجهات
التعليمية في الجامعات والمعاهد الاميركية، بل في العالم بأسره ان
يتقاطعوا معنا من خلالها.
اي ان الموقع يقدم مادة معرفية كافية عن العرب
والاسلام لتفعيل النشاط الدراسي من اول السلم التعليمي الى اعلاه،
النور: وما
هي المحاور التي يتناولها برنامج الموقع؟
دوغلاس دبفيس:
يقدم الموقع معلومات وخدمات تعليمية مهمة باتجاه جملة محاور،
اهمها التاريخ بكل ما يحمل ذلك من معلومات تاريخية عن المنطقة
العربية الاسلامية، وتاريخ الاسلام نفسه، كذلك «الهوية» واشكاليات
الاقليات الاثنية (ونقدم عبر هذا المحور تعريفات ضرورية حول مفهوم
«العروبة» او ما الذي يعنيه «عربي» او «مسلم» وهؤلاء الذين هم
مسلمون وليسوا عرب في الفضاء العربي الاسلامي، او العرب الذين
ليس وا هم مسلمون في هذا الفضاء، كذلك الاقليات المسلمة الاخرى.
بالاضافة الى محور اساسي حول «الاسلام» وهو الملف الذي يسجل اكبر
نسبة من الزيارات، التي يسجلها الموقع يومياً. كذلك نحن نعالج
موضوع آخر مهم يتعلق باميركا بالذات، وهو موضوع العرب الذين يعيشون
فيها ونبحث في طبيعة حياة هؤلاء داخل المجتمع الاميركي وثقافتهم
وحول تاريخ الهجرة وتطوراتها النوعية على سبيل المثال كان رواد
المهاجرين العرب نحو اميركا من مسيحيي الشرق بخاصة من سوريا
ولبنان، لكنهم الآن صاروا من كل المناطق العربية ومن كل الجنسيات
وبخاصة من المسلمين.
وعن مدى فاعلية هؤلاء المهاجرين العرب في
السياق الاجتماعي والثقافي العام في البلد يقدم الموقع ملفاً خاصاً
عن الدور الذي يلعبه المبدعون الاميركيون ذوي الاصول العربية
بخاصة في مجال النقد والفكاهة، فإن اشهر ثلاثة كوميديين اميركان
اليوم هم من اصول عربية وهم يوظفون هذا النوع من الفكاهة لنقد
السياسة الاميركية سواء تجاه المهاجرين ام تجاه الامة العربية،
بخاصة في انتقاداتهم لحرب بوش ضد العراق.
ويقدم الملف دراسة «مفصلة» عن الاماكن التي
يتركز فيها الوجود العربي في اميركا (فمدينة بارسون نيوجرسي على
سبيل المثال وهي قريبة من نيويورك، تكاد تكون عربية). كذلك يوجد
شارع ضخم في بروكلين يعد بمثابة الحي العربي.
وفي مادة الثقافة، يقدم الموقع مواد تعليمية
وفنية ضرورية لفهم الثقافة العربية، وذلك في مجالات الابداع كافة
سواء الموسيقى او المسرحي او السينمائي، كما الرقص والفولكلور.
والموقع يجعل في خدمة الزائرين افلاماً عديدة،
وفيديوهات مصورة لأغاني اهم الفنانين العرب مثل مارسيل خليفة
والشاب مامي او غيرهما.
بالاضافة الى ملفات واسعة حول الثقافة والفلسفة
في الموروث العربي الاسلامي، وحول العائلة والمجتمع، ومشاكل الجيل
الجديد بالقياس الى الثقافة والهوية العربية، وعلى كل هذه الملفات
يعتمد الموقع على آراء اهم المفكرين والاكاديميين العالميين، الذين
تخصصوا في معالجة هذا الموضوع.
النور:
اهتمام الموقع باللغة العربية، هل سيشمل امكانية تعلم اللغة العرية
بالوسائل المعلوماتية المتاحة؟
مايكل تولر:
نحن الآن نسعى لتطوير هذه الامكانية بالفعل في شراكة مع اكثر من
ثمانين جامعة اميركية. بخاصة وان الطلب على تعلم اللغة العربية قد
وصل الى حد خرافي.
فقد امتلأت اليوم كل الاقسام التي تدرس اللغة
العربية، او تدرس الاسلام او الثقافة العربية في كل الجامعات
الاميركية، ما جعل الاسراع في تفعيل آليات تعليم اللغة العربية عن
طريق الموقع اكثر من ضرورة، ونحن الآن نقدم معلومات كافية عن تطور
اللغة العربية وتاريخها وآدابها ونحوها وصرفها، بالاضافة الى ما
نقدمه عن علاقة الفصحى باللهجات الدارجة في البلدان العربية، الى
غير ذلك.
النور:
تحدثتم عن برامج شراكة مع الجامعات والكليات الاميركية والموقع،
الى اي حد تم تفعيل هذه الشراكة؟
سوزان شيفر ديفيس:
لعل اول مفاجئة مهمة واجهتنا هي موافقة عدد كبير من المتخصصين
الاميركان في شؤون العالم العربي او الثقافة العربية والاسلامية،
لتقديم العون الفكري والاكاديمي لنا، وتزويدنا بالبحوث والمقالات
والابحاث بشكل طوعي ومجاني لتطوير خدمات الموقع، ما خلق حول برنامج
موقعنا حيوية فكرية واكاديمية عالية المستوى. ومن الذين ساندونا
من يعملون في أهم الاقسام الاكاديمية التي تدرس في الجامعات
الاميركية، الفكر او الثقافة العربية الاسلامية، وقد وافقوا مباشرة
على ربط الموقع ببرنامج التدريس الجامعي الذي يتعرض لهذه النقطة.
وبذلك كان تفعيل المشاركة يكاد يكون آني وعفوي. وهو ما ساعدنا على
الاتجاه الى تعميم هذه الخدمات على المعاهد والكليات والمدارس
الثانوية في كافة انحاء اميركا كافة.
ونحن نشعر بالفخر لقدرتنا اليوم على تقديم
معلومات موضوعية ومتعاطفة مع العرب الى المراكز التعليمية كافة،
القريبة والبعيدة، السهلة الوصول والمتعذرة على المواصلات. لذلك
فقد اصبح بإمكان اي مدرس في مدرسة ثانوية على احد المرتفعات
الجبلية في الاسكا او في نيفادا ، ان يستفيد ويشارك في اعمال هذا
الموقع.
النور: هذا
يعني ان الموقع كان استجابة لحاجة ضرورية انتجتها الظروف السياسية
العامة في العالم، وخاصة في اميركا؟
مايكل تولر:
كما اشرت وجدت الجامعات والمعاهد الاميركية نفسها امام مطلب ملحّ
تجاه معرفة العالم العربي والاسلامي، وكان نقص المعلومات في هذه
الفضاءات فادحاً، فحتى احداث الحادي عشر من ايلول لم يكن الاميركان
يعرفون الشيء الكثير عن هذه النقطة، لذلك فاننا بهذه المعلومات
المهمة، والموضوعية والاكاديمية المختارة قد وفّرنا لهذه الجامعات
والمعاهد والكليات مادة معرفية ضرورية دون شك، ليس هذا فقط بل
يستجيب الموقع لحاجة الجمهور الاميركي الواسع المتعطش لمعرفة
الاسلام، ومعرفة الثقافة العربية.
النور: وفق
هذا التوجه، كيف سيساهم موقعكم (مشاركة) في القفز على هوة
الخلافات او الصراع، التي اخذت تتعمق بين العالم العربي والاسلامي
واميركا؟
دوجلاس ديفيس:
بالقياس الى المادة المعرفية الموضوعية المعروضة عن الاسلام،
استطعنا ان نؤسس لخلفية جديدة عن هذه الثقافة، يتأكد من خلالها
تفاهة خطاب صراع الحضارات، وصدام الاعراق، او عدوانية الاسلام او
خلافه من المغالطات التي يروج لها من ليس لهم معرفة حقيقية
بالاسلام او من لهم حاجة في تشويه الاسلام، ونحن اردنا فقط ان
نؤكد على سماحة الموروث الحضاري الانساني للاسلام وعدله ومصداقيته.
ويمكن القول ان العداء، كان ناجماً عن الفهم
الخاطئ، او عدم المعرفة بهذه الحقائق، وقد صار الكثير من الاميركان
اليوم يشكروننا على هذه الفرصة المعرفية لتجاوز احقادهم، او
اخطائهم بحق الاسلام.
النور:
للتأسيس لهذا العمل الموضوعي الذي تقومون به حول الاسلام والحضارة
العربية الاسلامية، كان يحتاج منكم الى معرفة اساسية بهذه
الحضارة، وتجاوب عاطفي وعقلي معها. كيف تحقق لكم جميعكم كل هذا؟
سوزان شيفر ديفيس:
لقد تعلمت اللغة العربية وعشت طويلاً في المغرب وعملت كاستاذة
جامعية (جامعة الاخوين) لكي اتمكن من التعرف بحق الى سماحة هذه
الحضارة، والاقتراب من رونقها الانساني الرائع، وهو ما اعطى لي
مساحة عقلية كافية لتفهم ان الارهاب او العداء المجاني الموجه ضد
اميركا ليس هو بالضرورة من صلب الحضارة العربية ولا الفكر الاسلامي
المتسامح، وهو ما جعلني اتوجه بكل جهدي، للتأكيد على هذه الحقيقة
في اميركا نفسها بعد الاحداث الاخيرة.
وقد كانت لي تجربة سابقة قبل موقع «مشاركة»
وهي التجربة التي ما زالت مستمرة حتى الآن، في اطار موقع لصالح
المنتوج النسائي التقليدي المغربي، بخاصة في اعمال السجاد والكليم.
فأنا اعرض من خلاله ـ وفق برنامج تطوعي غير ربحي ـ انتاج السيدات
المغربيات، بخاصة من الريف المغربي، مع تقديم علمي لطبيعة العمل،
ونوعية المواد الاولية المستخدمة،. وتطويعه لمشروع انتروبولوجي ـ
اجتماعي عالمي، يؤكد على اهمية استمرارية الموروث الثقافي التقليدي
ومشروعية عمل المرأة الريفية من جهة، ما يعطي لها بعض من الدخل
الذي يأتي بالعملة الصعبة كما يقال.
|