العدد

152 :

الثلاثاء, اغسطس 19, 2008 - 23:18 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

محاكمة للفرد والنهج

لندن ـ بدور زكي محمد

باعتقال صدام حسين، ينقضي عهد من الاستبداد لم يشهد العالم له نظيراً منذ رحيل النازية والستالينية. ويبدو العالم اليوم منشغلا بمصيره اكثر بكثير مما ابداه إزاء حكام آخرين ولوا عن الحكم، أو بالشعب العراقي الذي لم ينل حقه من الاهتمام خلال معاناته الطويلة تحت حكم صدام. هذا اذا استثنينا المظاهرات التي نظمت ضد الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الاميركية لتقويض النظام في العراق، والتي هي في جوهرها فعل اوروبي مناهض للحرب بشكل عام، وليس دفاعا عن الشعب العراقي.

لقد واجهت اوروبا في تسعينيات القرن الماضي خطر الحرب بعد تفكك يوغسلافيا السابقة إلى جمهوريات صغيرة، وكان ما كان من مذابح يتحمل مسؤوليتها الرئىس اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش الذي يحاكم اليوم امام محكمة العدل الدولية في لاهاي، ولو قارنا ما ارتكبه هذا الرجل بما اقترفه صدام حسين بحق شعبه، لرجحت كفة صدام، بخاصة وان افعاله موثقة بخطب بعد توليه رئاسة الدولة في العام 1979.

الحريصون على صدام

يشكل الموقفان الدولي والعربي إزاء صدام حسين مفارقة كبرى، فمقابل اهمال شأن ميلوسوفيتش يزداد الاهتمام بالرئىس العراقي السابق، بل والحرص على حياته، فرئىس الوزراء البريطاني توني بلير  لا يوافق على إعدامه، ونظيره الاسباني خوسيه ماريا اثنار يشاطره الرأي.

محامون عرب وأجانب يتطوعون للدفاع عنه، وفضائيات عربية تجري استفتاءات على الهواء، تربط بين كرامة صدام وكرامة الشعب العراقي بل وكرامة الأمة العربية، ومن الفاتيكان يعبر الكاردينال ريناتومارتينو عن اشفاقه عاى صدام، وامتعاضه من معاملة القوات الاميركية له بقوله: «شعرت بالشفقة وأنا أراه مدمرا وطبيب الجيش الأميركي يفحص اسنانه. كالبقر كان من الممكن ان يعفينا من رؤية هذه الصور(...) رجل في مأساة(...) ورغم كل اللوم الذي يتحمله... شعرت بالعطف نحوه».

وكان مجلس الحكم الانتقالي قد اصدر في العاشر من شهر كانون الاول - ديسمبر- الماضي قرار بتشكيل محكمة عراقية خاصة لمحاكمة أركان النظام السابق ـ ولم يكن صدام قد اعتقل بعد، لكنه سيخضع للمساءلة امامها ـ ووفقا للقانون الاساسي لهذه المحكمة، الذي اشترك في صياغته خبراء عراقيون ودوليون في مجال القانون الدولي وحقوق الانسان امثال البروفسور شريف بسيوني الذي سبق له أن ترأس  لجنة تابعة لمجلس الأمن الدولي للتخفيف من جرائم وقعت في يوغسلافيا السابقة، وعلى حد قوله فإن العراقيين  يمتلكون العدة اللازمة لمحاكمة صدام حسين بدون الحصول على مساعدة كبيرة من الأميركيين أو من البلدان الاخرى، ويذكر ان بسيوني شارك بفاعلية في الملتقى القانوني العراقي - الاميركي، الذي عقد في واشنطن في آذار -مارس- الماضي واطلع على الخبرات القانونية العراقية التي لم تكن معروفة من قبل الاميركيين.

هذا الرأي الايجابي بقدرات العراق لا يجد له صدى لدى الإتحاد الاوروبي والامم المتحدة، واطراف اخرى ابدت قلقها من ان تستبعد المحاكمة قواعد القانون الدولي، ولم يكن يعرف عنها قلقا مشابها على ضحايا الرئىس المخلوع طيلة حكمه. كذلك اعربت منظمة العفو الدولية عن عدم رضاها عن الصورة التي قدمتها القوات الاميركية لصدام بعد اعتقاله وعلقت في بيانها الصادر في 2003/12/14، بالآتي: «... بينما قد تدعو الحاجة للإثبات بأن صدام حسين حي ومحتجز، إلا ان عرضه وهو يخضع لفحص طبي في فمه وشعره، كان غير ضروري ويثير تساؤلات حول القصد من توزيع هذه التعطية».

ورأت المنظمة التي يشهد لها بتوثيق جرائم النظام السابق والاحتجاج عليها، رأت ان انشاء المحكمة العراقية الخاصة، تم « من دون إجراء مشاورات واسعة النطاق مع المجتمع المدني العراقي، أو الباستئناس بآراء الخبراء القانونيين الدوليين الذين لديهم خبرة في مواقف مشابهة...».

وفي سياق تعبيرها عن قلقها، حثت هذه المنظمة، مجلس الحكم في العراق على دعوة خبراء الامم المتحدة لضمان اختيار افضل لتركيبة المحكمة الخاصة، وأضافت في بيانها المذكور: «... ان أي شيء اقل من ذلك سيسيء جدا الى قضية العدالة، ليس في العراق وحده بل في العالم».

ابدت المنظمة قلقها الشديد من احتمال الحكم على صدام بالاعدام ورأت أنه «...لا يجوز اعتبار محاكمة صدام حسين وسواه، عملية انتقام...». وجوابا على هذا القلق، صرح عضو مجلس الحكم موفق الربيعي بأنه «يجب ان يحاكم صدام قبل الاخرين ويجب ان يعدم...»، شاركه في هذا الرأي، عضو اخر في المجلس بقوله، ان صدام ينبغي ان يعدم، لكن تنفيذ الحكم يمكن ان يؤجل الى حين استعادة العراق لسيادته الكاملة بعد تشكيل الحكومة المؤقتة المنتظرة في صيف هذا العام.

وفي هذا الشأن، أعلن مسؤول في وزارة الخارجية الاميركية بأن بلاده لن تعترض على الحكم على صدام بالاعدام، شرط ان يصدر بعد محاكمة عادلة.

وبشكل عام، يسود قلق مشروع لدى غالبية العراقيين من ان يتأخر البت في امر صدام، ويتجه الاحساس لديهم بضرورة الاستعجال لتلافي عودته للتأثير في مجريات الحياة اليومية للمواطنين وعرقلة مساعي اعادة بناء العراق، وانعاش العمليات الارهابية المرتبطة عضويا بهذا المشروع.

ومهما تكن الآراء حول محاكمة صدام فإنها تجمع على ضرورتها واستيفائها لشرط العدالة. ومعروف ان لاذحة الاتهام ستكون حافلة ومن بين ما ستشمله: استخدام الاسلحة الكيماوية ضد الاكراد في العام 1988 واعدام علماء الدين الشيعة وقتل المئات من القبائل السنية ممن اتهموا بمحاولة انقلابية، وابادة المنتفضين في العام 1991...الخ. وكان احمد الجلبي عضو مجلس الحكم، قد اشارالى ان قضية التطهير العرقي وجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية، ستتطلب من هيئة الادعاء التركيز على اثنتي عشرة تهمة لأكثر الجرائم الوحشية في عهد صدام.

كما صرح القاضي دارا نور الدين، عضو مجلس الحكم والمشارك في صياغة ميثاق محكمة جرائم الحرب في العراق، بأن هذه المحكمة لن تكون مستعدة لمحاكمة صدام قبل مرور شهور، وآنه سيسمح لقضاة من دول اخرى بالمشاركة في المحاكمة. واضاف بأن اي قرار بإعدام صدام حسين، سيكون من صلاحية الحكومة الانتقالية التي ينتظر تشكيلها في صيف العام 2004.

وبانتظار ذلك قرر مجلس الحكم اقامة مراكز عدة في جميع محافظات العراق لتسلم الدعاوى المرفوعة ضد صدام، وهذا الامر يقود الى التساؤل عن سبب تسمية المحكمة التي ستتولى محاكمة صدام واركان نظامه، بمحكمة جرائم الحرب، مادامت الجرائم التي ستنظر لا تتعلق بالحرب فقط، بل بممارسات كثيرة لا صلة لها بأجواء الحرب، كالتعذيب المفضى الى الموت وتحريم ال نشاص السياسي والاعدامات تحت طائلة العقوبات الاقتصادية المشددة ـ صدرت في السبعينيات من القرن الماضي ـ، اغتيال رجال الدين، اغتيال سياسيين بما فيهم اعضاء من حزب السلطة واخيرا الجريمة الاكثر وضوحا لعلانيتها وهي قطع الالسن وقد ارتكبت بناء على قانون يحرم انتقاد صدام وعائلته.

آراء عراقية في المحاكمة

ونظراً لك؛ون اهل العراق ادرك بشؤونهم ولهم الكلمة الفصل في تقرير مصيرهم ومحاسبة حكامهم منذ الان، فلا بد من التصرف على أراء بعضهم بقضية محاكمة صدام حسين:

خالد عبد الامير عيسى الصياح

كثر الحديث في الأوساط السياسية والقانونية حول تداعيات القبض على الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين وإمكانية محاكمته دولياً. وكلنا يعلم مدى بشاعة الجرائم التي ارتكبها النظام العراقي وأركانه، فالمقابر الجماعية التي اكتشفت إبان الحرب اظهرت وبدون شك، التعريف القانوني لهذه الجرائم وهي جرائم تطهير عرقي وإبادة جماعية. أخلت بالنسيج الاجتماعي العراقي، واضافة الى ذلك الجرائم التي أرتكبت بحق دول المنطقة (إيران والكويت).

ووالأمر المهم هو التطابق الجرائم على الوصف القانوني. للجرائم الدولية كما نصت عليها جميع القوانين والمعاهدات الدولية. أو اعتبارها  جرائم تخضع للقوانين الوضعية العراقية، حيث يتسنى للمحاكم العراقية كالمحكمة التي انشأها مجلس الحكم العراقي محاكمة صدام وأعوانه.

وما يجب ذكره وبشدة ان تلك الجرائم ارتكبت في العراق وعلى أراضيه، وأن المتضرر الأول منها هو الشعب العراقي الذي دفع ثمن هذه الجرائم من دم ابناءه واقتصاده وبنيته التحتية المنهارة.

ان القانون  العراقي والمحاكم العراقية هي صاحبة الاختصاص في محاكمة صدام حسين واركان نظامه. فموقع تلك الجرائم والشهود وكافة الأركان المادية لهذه الجرائم هي عراقية.

واذا كانت منظمات حقوق الانسان تتخوف من ان تنتهك حقوق المتهمين في تلك المحاكمات. فالقانون العراقي سيضمن تمتع صدم حسين واعوانه بكافة حقوقهم - وحتماً ستكون محاكمة هذا النظام وأركانه محاكمة علنية لا تدع مجالا للشك.

ويجب ان يأخذ بالاعتبار الجانب النفسي للشعب العراقي وأن يعاد لاعتبار لهذا الشعب المظلوم، بمحاكمة طاغيته محاكمة عراقية  وبيد ابناءه.

وما يهم الشعب العراقي من تلك المحاكمات انها ستفتح الباب ولأول مرة في تاريخ العراق لأن يكون رئيس الدولة عرضة للمحاسبة الأمر الذي يجعل العراق يبدأ اول خطواته نحو الديمقراطية وحكم الشعب.

سعيد بيرمراد: محلف قانوني

ان المحكمة المختصة بمحاكمة صدام ينبغي ان تكون عراقية وذلك لان العراق لم يوقع على اتفاقية محكمة العدل الدولية وبالتالي فهو غير ملزم بها، بالاضافة الى ان أغلب الجرائم التي ارتكبها صدام وقعت في العراق، ومن المهم ان تتوفر الخبرة الكافية للقضاة الذين سيتولون محاكمة صدام، ويستحسن ان يستفيدوا من خبرات زملائهم  في محكمة العدل الدولية، واقترح ان يتلقوا تدريبا على ايديهم لمدة شهرين، لكونهم يبا شرون لأول مرة محاكمة من هذا النوع. وبالنسبة لعقوبة الاعدام التي اوقفتها سلطة الاحتلال، أود القول ان هذا القرار يلزم فقط القضاء العسكري الأميركي في العراق ولا يلزم القضاء العراقي، وبالتالي بإمكان القضاة العراقيين بإمكانهم إنزال عقوبة الاعدام، استنادا الى قانون العقوبات العراقي، بما ان صدام حسين قد فقد حصانته كرئيس للدولة.

عبد الستار عزيز: كاتب وصحافي

من الضروري التذكير بأن ما نطمح اليه هو بناء عراق جديد تحكمه مؤسسات مدنية وقوانين، يجب انا نتفانى من اجل  تطبيقها بشكل سليم. انطلاقا من هذا الفهم، أرى ان مسألة محاكمة صدام حسين، شأنها شأن بقية المسائل الملحة في ا لعراق، لا يمكن التعامل معها بشكل منفصل، بل بموجب القوانين نفسها التي تطبق في البلاد.

وان موضوع المحاكمة يشكل اختبارا مهما لارادتنا وقدرتنا على التعامل مع المسائل القانونية، بخاصة وان هناك مواقف متنافرة حول هذا الاستحقاق، وهي تضغط باتجاهات مختلفة، واختبار رغبتنا في تطبيق القانون سيستمر ويجتاز مخاضات عسيرة، لذلك أرى وجوب ان تتحرر جميع المواقف من العوامل النفسية والعاطفية، لصالح ما يتمناه العراقيون في اعلاء كلمة القانون فوق كل الاعتبارات.

واقول انني مع محاكمة صدام في العراق. وعلى العهد الجديد ان يبرهن انه افضل من العهود التي مرت على العراق المعاصر، وتطبيق القانون هو العلامة الابرز في هذا البرهان.

ويمكن تقديم الكثير من الآراء، لكن اغلبها يدور بين محاكمة صدام دوليا وعراقيا، والمحكمة الدولية فيها خلاص لصدام من عقوبة الاعدام، وضمان استمرار اجراءاتها لسنوات، اما المحكمة الوطنية فلا يحتمل معها لا جانب النجاة، ولا الاطالة في امدها لأن فيها خطر حقيقي على امن البلاد. وبالنسبة للضمانات المتعلقة بحق المتهم، لنا ان نتصور ما يكفله الدستور الاميركي من (حق الصمت)، فإذا طبق ذلك واختار صدام الصمت، فماذا سيفعل الشعب العراقي بأطنان الوثائق التي تدين النظام السابق ورأسه المخلوع؟

سؤال ينتظر الجواب في الصيف القادم الذي سيكون الحسم فيه اكثر من ضروري، لا للعراق فحسب بل للعالم.

 

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع