|
اليأس والمأساوية والوجع الثقافي
د.واسيني الأعرج

)روائي جزائري(أستاذ
في جامعة السوربون ( باريس(
يجتمع وجع الإحباط السياسي والتدهور
الاقتصادي والكوارث الإنسانية... وكل ما عصف بالأمة العربية عبر
أيام وليالي العام المنصرم، ليؤكد الحالة المأسوية التي تنسج
خيوطها على واقع الحال العربي، ويؤسس لنوع فجائعي من اليأس المدمر
الذي أطبق قبضته على الوعي العام للأمة. لأن المأسوية، رغم ضراوة
هذا المعنى، يمكن لها أن تتدخل لقلب الأمور كلّياً لو تخلصت من
تهديد اليأس. فتتطور نحو فعل إيجابي يظل ممكنا، ومنطقيا وفق
تحولها، بما هي؟الة وجع صارخ أمام واقع الأشياء، إلى محرك خلاق
باتجاه التغيير، والرغبة في قلب اتجاه سير الأمور. وقد عرفت
الإنسانية نماذج متعددة لحالات بائسة من؟صار المأسوية والانكسار
التاريخي، التي تعرضت له أغلب شعوب الأرض،؟تى كان يصعب تصور
إمكانية نهوضها بعد تلك الكبوات المفجعة. لكن التاريخ أثبت قدرة
الشعوب ومهما كان ثقل المأسوية التي انكسرت تحت ضغوطها، على تطويع
وجعها نفسه للارتكاز إليه في قفزاتها نحو غد لا يشبه في شيء أمس
القهر.
فأوروبا على سبيل المثال بنت نفسها بعد الحرب
العالمية الثانية من رماد اليأس نفسه، وانتصاراتها على النازية
كانت وفق تطويع مأساويتها نفسها لرهانات الأمل، والإيمان
بالمستقبل. ففي الوقت الذي كان يبدو فيه مستحيلاً هزيمة النازية،
اختارت أوروبا أن تبعد عنصر اليأس من تفكيرها وأن تبادر بالعمل
إيجابيا ضد القهر النازي.
لكن المؤسف أن الوضع العربي لا يذهب في هذا
الاتجاه، على العكس تأصلت المأسوية في تفاصيله بتأكد اليأس، وصار
الإحباط يعشش كل شيء.
مع ذلك يظل في إمكاننا قراءة هذا الوضع بأكثر
من كيفية: الأولى:، وهي قراءة مبسطة للفاجعة، أن نعلن نهاية
الإنسان العربي ونسدل الستار على هذا الفصل الموجع من تاريخ
الإنسانية. فالأوضاع مرشحة كما يقول محمود درويش: ؟لكي يصبح؟ال
العرب مثل؟ال الهنود الحمر»، بانتهاء كيانهم، وسقوط المؤسسة
العربية، أو نهاية الدولة كمفهوم لتوفر الحماية والحصانة للفرد
والأمة. بحيث ينزلق الوجود العربي إلى عصر ما قبل الدولة، بكل
تهديدات؟ال الصراع والنزاع بين العشائر أو القبائل العربية
المختلفة، كما كان عليه؟ال الأمور في ماضيهم القريب؟ البعيد.
وهو الاحتمال الأكثر مأسوية بطبيعة الحال، لكنه
يظل احتمالاً قائماً، وممكن الحدوث المختلفة، على أن القراءة
الثانية والتي أميل إليها شخصيّا، هي التي ترى في المأساة العربية؟دا
يصعب أن تصل إلى أبعد منه. معنى أن كل ما قد يأتي بعد هذا لابد أن
يكون إيجابيا بالضرورة، لأنه سيكون أفضل مما كانت عليه الأشياء.
ففي رأيي أن المأسوية العربية وصلت إلى درجة قصوى من الفجيعة؟تى
أنها صارت تملك بنفسها ديناميكية الانقلاب في الاتجاه. وهذه
المأسوية التي تطل برأسها وكأنها مأساة الأفراد العرب، هي في
جوهرها، وبالدرجة الأولى، مأساة الأنظمة العربية بأسرها. وقد سحبت
من تحت أقدامها أي إمكانية للمناورة:؟يث انفلت من أيديهم زمام
القضية الفلسطينية على سبيل المثال، ولم يعد خطاب تحرير الأراضي
العربية المغتصبة يشغل بال الساسة العرب، أو الحرب ضد العراق وقد
دمر هذا البلد كما لم يتصور العرب أن يحدث ذلك مرة لقطعة من
أطرافهم، بل إن تهديد الحرب العربية؟ العربية صار يخيم بظلاله على
مساحة الأمة، وقد تأكد خذلان خطاب التغيير أو طموحات الديمقراطية.
فالحرب على العراق بالتحديد قد كشفت عن ذلك
الانهيار النهائي للأنظمة العربية ، وفقدانها لكل هوامش المناورة.
و هذه الأزمة تعصف بالأنظمة، نجدها منعكسة وبكل تفاصيلها على
الأفراد وفق هذه الحالة القصوى من المأسوية. لكن السؤال الاستشرافي
إنما ينهض هنا وبمواجهة هذا الوضع اللامعقول:ألا يعني ذلك أنه؟ان
الوقت لبعث العد العكسي لليأس؟ أليس هو الوضع الذي يمكن أن تأمل
بعده احتمال انطلاق قوة ما مشبعة بروح الديمقراطية والتغيي؟ وعلى
وعي نهائي بأن الديكتاتورية ومهما طال أمدها، هي دون أفق، ودموية
النهاية. فنهاية صدام؟سين المذلة، رغم أنها تحتاج لقراءة متعددة
المستويات بدورها، تبرهن على أن الأنظمة التي تقمع وتقتل شعوبها
وتحرمها من فرص التقدم أو الانفتاح، أو تلك التي؟ولت العلاقات
العربية من علاقات متكاملة ومفتوحة على أفق بعضها البعض، بالقياس
إلى أريحية هذا التكامل نفسه، إلى علاقات ضيقة ومنغلقة في وجه
الأشقاء، هذه الأنظمة إنما تؤسس لحتفها الحالك المزري.
رغم تأكد أزمة الوجود العربية، فإن الحل الممكن
لها لن يأتي بالارتكاز إلى الأنظمة، أو عبر هذه الأنظمة. بل أن
الحل في رأيي لن يأتي إلا من خلال هذه الفجيعة العربية وهذا اليأس
الذي يعصف بالوعي العربي والشارع العربي، والذي يؤسس لعنفوان
الإرادة في كسر طوق الهزيمة مرة واحدة وأخيرة.
على أنني أود أن أؤكد هنا على مسألة أساسية
بالقياس إلى هذا المعنى بالذات، وهي ضرورة عدم الخلط بين الرغبة
في التحرك نحو التغيير وقلب موازين الأمور، والمحاولات الأميركية
لفرض سياساتها في هذا الاتجاه، وبالقياس إلى رؤيتها ومصالحها
الخاصة التي لا تعبر بالضرورة عن مطالب أو؟اجات شعوب المنطقة، فلعل
ما تحتاجه هذه الشعوب هو شيء آخر مختلف، أي إن التغيير في المنطقة
العربية لا يجب أن يكون «على ذوق أميركيا» ولكن بالقياس إلى ما
تتصوره الحاجة العربية من آليات توظفها للولوج إلى عوالم الحرية
والديمقراطية وآفاق الإنسانية.
الوجع الثقافي الذي كان قد طبع العام
ثمة ظاهرتين أساسيتين تبدو أن لي كأهم ما طبع
تفاصيل الوجع الثقافي الذي عرفته سنة 2003: أولهما عجز للمثقف
العربي الكلي عن المبادرة بأي فعل أو تأثير، في مواجهة الأحداث
الخطيرة التي تعصف بالأمة. فعلى العكس من نموذج مثقفي الخمسينيات
أو الستينات الذين شكلوا جيلاً من الرواد المناضلين القادرين على
تحريك الشارع العربي بأسره بالقياس لأي خيار ينحازوا إليه، والذين
لم يترددوا في الخروج إلى لشارع والتظاهر ضد الأنظمة وضد
الاستعمار، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك في خياراتهم النضالية،؟تى أن
بعضهم دفع؟ياته ثمنا لذلك، نجد أن مثقف هذا العصر يبدو وكأنه غير
قادر على صنع أي ردة فعل؟اسمة، رغم وجود بعض الحركات أو المحاولات
الفردية ولكنها لا ترتقي إلى مستوى التأثير العام الذي يمكن له أن
يؤثر في الشارع العربي. فبالإضافة إلا إنها مجرد؟ركات عفوية غير
منظمة، ولا تملك وجهة نظر محددة أو مقصودة وموظفة باتجاه؟ركة رفض
ثقافي جماعي واعي، فإن الذي أصاب الجزائر، وأنا هنا أتحدث عن
الجزائر كمثال، باعتباري جزائري وأعرف عن قرب مأساة هذا الشعب،
البلد الذي كان يمثل أعلى نموذج عربي لمستقبل إيجابي، مفتوح على
أفق التقدم والتطور أو الديمقراطية الممكنة، من تقزيم وتحطيم
وجرجرة نحو الخلف،؟تى أنه صار لا يختلف كثيرا عن أي دولة متخلفة،
رغم ما كان يملكه من إرث ثقافي وآليات تقدمية خلفها الاستعمار
الفرنسي بعد ترحيله عن الجزائر، من مسارح ومكتبات وجامعات ومعاهد
ومراسم للفنون والنحت وخلافه... والتي؟رم الشعب من الاستفادة منها
ثقافيا، كل الذي أصاب هذا البد الممزق، لا نجد أنه حرك موقفاً
عربياً مثقفاً واضحاً أو مشتركاً، فاعلاً ومؤثراً. ولأنه ليس لم
يكن هناك من وقف مع الشعب الجزائري فحسب، بل ليس هناك من وقف أمام
الظاهرة ليحللها ويوظف رؤيته لها للتأسيس لموقف عربي واعي بالقياس
للحدث. لم أجد في؟دود ما قرأت وتابعت، وأنا متابع مهتم بهذا
الموضوع بشكل خاص، موقفا واضحا من طرف مثقف عربي يقترح أي؟ل أو
مخرج لمأساة الشعب الجزائري. بل كل ما قد نجده هو جملة من
التحليلات التبريرية التي تحاول أن تشرح الأمور من وجهة نظر
الجلاد. فالأدهى من الغياب الذي يطبع مواقف المثقف العربي هو
انزلاق معظمهم، نحو منطق تبرير الهزائم والانتكاسات.
وهذا ينطبق على بقية القضايا التي ما فتئت تعصف
بالأمة، سواء بالقياس إلى قضية العراق أو القضية الفلسطينية....،؟
يث نكتشف أن المثقف العربي غائب تماما كفاعل مؤثر باتجاه؟ركة
معارضة أو رفض أو تحليل مقاوم. ورغم وجود بعض الحركات الفردية هنا
أو هناك من بعض المثقفين العرب، مثل موقف الكاتب المصري صنع الله
إبراهيم في رفضه للجائزة كموقف مشكك في كل ما يحدث على الساحة
العربية، لكنها تبقى مجرد واقعة فردية لا تملك القدرة على التأثير
على مستوى واسع، لغياب المشروع المناضل الذي يواكب هذه المبادرة
ويؤسس لديناميكيتها. بمعنى ما الذي يمكن أن يسجله هذا الموقف
بالنسبة للثقافة العربية أو بالنسبة للأمة العربية؟ فباستثناء بعض
ردود الفعل الآنية، سرعان ما سقطت هذه المبادرة نفسها إلى طي
النسيان. عكس ما يمكن أن تفعله مبادرة مشابهة مع مشروع نضالي
مواكب، كما فعلت مبادرة سارتر في رفضه لجائزة نوبل للآداب،؟ يث
شكلت بحد ذاتها كمبادرة نقطة جذب لتمركز عالمي رافض تمحور؟ول الحدث
وأثرى عنفوان قدرته على الفعل والتأثير. لذلك فإن العام 2003 عكس
بالنسبة لي؟ الة قصوى من غياب أو تغييب الفعل الثقافي العربي،
وغموض أهدافه وعجزه عن استشراف المستقبل، مع الانزلاق الموجع نحو
مهاوي اليأس.
لذلك فإن ما أطرحه على نفسي مع نهاية عام آخر
يكرر نفس المأساة ونفس الوجع، بأن الحل ربما سيأتي من مكان آخر،من
أفق آخر غير هؤلاء الناس الذين نسجوا هذه المأساة خلال المئة سنة
الماضية. ربما جيل آخر،...جيل لم يولد بعد
أين تكمن هوية الكتابة العربية
ثمة؟دث آخر طبع هذا العام الحزين وفق إشكالية
أخرى، هو وفاة الكاتب الجزائري الكبير محمد ديب في المهجر. أما
لماذا يشكل هذا؟ دث نوعي الأهمية بالنسبة لي؟ فلأن الفقيد كان يمثل
شخصية مهمة على أكثر من صعيد. فهو الأب المؤسس للرواية العربية
المكتوبة بالغة الفرنسية. والأمر الذي كان قد وضعنا، لأول مرة في
الفضاء العربي، أمام أدب إنساني كبير، لكنه كان يطرح في الوقت نفسه
إشكالية جوهرية: ما معنى هوية الكتابة؟ هل هي لغوية؟
لأنه إذا ما كانت
الكتابة مرتبطة باللغة بالضرورة، ومقتصرة عليها، فإن محمد ديب
يضعنا هنا أمام مأزق تاريخي. أم أن الكتابة مرتبطة بالأحرى
بالمفاهيم التي يطرحها النص وبجمالية الكتابة؟......
كل هذه الأسئلة ظلت قاتمة في واقع الأمر ولم
يحسمها لا؟ضوره ولا غيابه. بقدر ما فجرت جملة من الاجتهادات، دون
أن تؤسس لموقف عربي واضح من هذه الإشكالية المهمة التي عصفت بهؤلاء
الرواد العرب الذين عاشوا في مناخات أخرى وكتبوا بلغات أخرى، دون
أن يخرجهم ذلك عن مخيالهم العربي وذاكرتهم العربية ورؤيتهم وتصورهم
للأشياء وفق منظور ثقافتهم الأم.
يعني أليس من الطبيعي أن نقول إن المهم في
الكتابة هو ما تحتويه عليه من مضامين ومفاهيم؟ بغض النظر عن اللغة
التي تنقل إلينا كل ذلك؟ وأنا أطرح هذا هنا لأن محمد ديب مات غريبا
في عزلة فكرية وعقلية وثقافية مرة و في مواجهة تهميش عربي
التام، وذلك لمجرد أنه كتب باللغة الفرنسية، رغم كل الوفاء
الخرافي الذي؟مله لموروثه الثقافي الجزائري. وأن الاهتمام الوحيد
الذي حصل عليه وهو على قيد الحياة كان اهتماماً فرنسياً وجوائز
فرنسية، مقابل الصمت و اللامبالاة العربية. لذلك فهو مات في
المنفى واختار أن يدفن في المنفى لكي يعاقب هذا الصمت وهذا الإقصاء
الظالم. وكأنه أراد من خلال هذا الخيار المأساوي أن يؤسس لرفض
مقاوم يستمر فعله إلى ما بعد الموت.
فمحمد ديب، ككثير غيره، يختزل هنا كل الخيبة
العربية، ويسلط الضوء على أقدار هؤلاء الذين؟اولوا الخروج عن سطوة
القمع الفكري، وفق أي خيار ثقافي/ معرفي أم سياسي، فمن منا اليوم
في هذه الغربة لا يشعر بتهديد هذه النهاية التي آل إليها محمد ديب،
لهذا أعتبر أن رحيل هذا الرجل، شكل واحدة من أهم الأحداث التي طبعت
هذا العام والذي يدفعنا للتفكير، خاصة وأن التفكير مفقود في الفضاء
العربي، في تفاصيل هذا الوجع الذي يهدد الذاكرة العربية. وفي
تفاصيل الظلم الذي قد يسقط على المبدع طوال؟ ياته وحتى رحيله...
كما تفاصيل الألم الذي يجرح الذاكرة العربية ذاتها. لأنه يصعب لأمة
أن تعيش بشكل صحيح دون؟ضور؟قيقي للذاكرة في مشروعها الحضاري.
|