العدد

152 :

الثلاثاء, يناير 6, 2009 - 6:51 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

 السفير الفرنسي المفوض ومستشار وزارة الخارجية الفرنسية للشؤون العربية

بيير لافرانس: ليست هي سنة للتشاؤم فقط

جملة من الخطوات السياسية المتواضعة، تؤسس لخطوات جبارة باتجاه السلام في العالم شهدها هذا العام المنصرم

  باريس ـ النور

رغم جملة الكوارث والحروب والصدمات الإنسانية الفاجعة، التي عرفتها هذه السنة الصعبة من تاريخ الإنسانية، إلا أن ثمة جملة من الأحداث الإيجابية، وذات الدلالة تاريخية نوعية، كانت قد طبعت بدورها تفاصيلها الحزينة، كما يحلل السيد بيير لافرانس السفير المفوض والمستشار في الخارجية الفرنسية لشؤون العالم العربي. على أنه لفهم هذه الإيجابيات نفسها، رغم نسبية مدلولاتها، يتوقف السيد لافرانس أمام ما يصفه بالعلامات الموجعة التي حفرت تجاعيد هذا العام الصعب:

- أولها كثرة الحروب والمصادمات المسلحة التي عرفتها الجغرافية السياسية، على اتساع أصقاع الأرض. والتي أسست لنوع دموي من الصراع، بلور لجملة من الممارسات الوحشية التي لم تكن معروفة حتى الآن. كذلك حرب العراق وما نتج عنها من كوارث إنسانية طالت المدنيين بالدرجة الأولى وحطمت البنى التحتية للبلد.

- الثانية هو ما شهدناه من قطيعة حادة لأنماط التحالفات المعروفة في السابق. ونهاية غرائبية لأشكال التضامن المفترضة بين بعض الأطراف التي كانت ترتكز في استراتيجياتها المختلفة لهذه التضامنات بالذات. فعلى سبيل المثال وجدت فرنسا نفسها وحدها تقريبا أمام خياراتها السياسية العالمية الأخيرة بالقياس إلى تغير اتجاه التحالفات والتضامن الدولي بالشروط المطروحة في هذه الآونة. هذا ينطبق أيضا على التضامن بين البلدان العربية، الذي رأيناه يشهد تغيراً كبيراً في استراتجياته وفي طبيعته، إن لم نقل إنه انعدم كليا، بالقياس إلى بعض وجهات النظر، فإن التحالف العربي لم يعد تحالفا واحدا و لا هو تحالف نهائي، حيث أن بعضاً من أصدقاء الأمس لم يعودوا اليوم كذلك على الإطلاق.

هذه القطيعة مع التحالفات السابقة نجدها قد ظهرت في أفريقيا كذلك، فان بلداً كالكونجو قد فضل بالقياس إلى خيارات استراتيجية جديدة أن يقطع الصلة بكل تحالفاته السابقة، بل هي قد قطعت صلاتها مع كل حلفائها السابقين.

وهذا يعنى؛ إذا أردنا تحليل ذلك في السياق العام للأحداث، بكل ما يحمله ذلك من مؤشرات استراتيجية، سياسية، دولية، حاسمة، أن كل التحالفات السابقة صارت اليوم موضع نقاش؟

وهذا يعني بلغة أخرى أن العالم قد دخل اليوم في مرحلة أقل ما يمكن أن توصف به: أنها مرحلة انعدام الثقة المتبادل بين الكيانات السياسية الدولية.

مع ذلك، يضيف السيد بيير لافرانس يمكن أن نلاحظ بعض النقاط الإيجابية المهمة، التي عرفتها السياسات الدولية هذا العام، والتي يجب أن تؤخذ باعتبارها مقدمات ذات دلالة باتجاه السلام الممكن على الأرض.

منها المحاولات الجادة التي أخذت تباشرها جملة من الأطراف المتنازعة للابتعاد عن منطق الخلاف والمصادمة واللجوء بالأحرى للتفاوض لحل المشاكل القائمة. وهذا ما نلاحظه تقريبا بالقياس إلى النزاعات كافة في كل مكان، ففي سريلانكا على سبيل المثال رأينا أن رئيسة الجمهورية فضلت أخيرا أن تتحاور مع الثوار التاميل وتسمع لمطالبهم في محاولة للوصول إلى حلول ممكنة للإشكال القائم منذ زمن غير قصير.

في كشمير أيضا أخذت بوادر جديدة تنحو لنبذ السلاح واللجوء للتفاوض من أجل حل أزمة هذه المنطقة العالقة بين الهند والباكستان. رأينا أيضا، على مستوى المجموعة الدولية بشكل عام، أن الاتجاه نحو الحوار والحلول التفاوضية هو الذي صار يكسب الجولة، كما هو الحال بالنسبة لخلافات الولايات المتحدة الأميركية مع ليبيا أو مع إيران أو مع كوريا الجنوبية حول إشكاليات أسلحة الدمار الشامل. فقد رأينا موافقة أغلب هذه الدول، على قبول التفاوض والتخلي عن منطق الصدام والمصارعة. في أفريقيا أيضا أخذت الأمور تتجه نحو هذا الخيار كما نشاهد من تقدم للمفاوضات بين الأطراف المتنازعة في السودان، وهي الخطوات المدعومة من دول الجوار كافة.

هذا لا يلغي بطبيعة الحال تعثر الحلول الممكنة التي يعاني منها الإشكال الأهم في المنطقة العربية والذي هو النزاع العربي الإسرائيلي. أو بالتحديد الخلاف الفلسطيني/ الإسرائيلي. مع ذلك، فهنا أيضا تسجل الأحداث جملة من التطورات الإيجابية باتجاه حل هذا الإشكال الذي يعصف بالسلام العالمي بأسره. منها، ملاحظة أن التطرف صار يشهد بداية العد التنازلي. أرئيل شارون نفسه، الذي يعتمد في وجوده السياسي على أغلبية لا تخفي رغبتها في إبعاد كل العرب الفلسطينيين الموجودين داخل الدولة الإسرائيلية إلى خارج الحدود، صار يعبر، بشيء من العقلانية عن استحالة استمرار احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية "، أي أنه صار يتراجع بشكل ما عن نظرية أو أحلام الدولة الإسرائيلية الكبرى. ورأينا كذلك تبلور عدة مبادرات، سواء من الطرف الفلسطيني أو الطرف الإسرائيلي، الداعية لإمكانية التعايش بين الشعبين وبين دولتين متجاورتين واحدة للفلسطينيين وواحدة لليهود. بل إن بعض الرموز الإسرائيلية المناضلة باتجاه السلام،  قامت للدفاع بشكل خاص عن ضرورة السماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم كشرط ضروري لإحلال السلام العادل والدائم في المنطقة وفي العالم. ولعل أهم هذه الخطوات الممتازة هي المفاوضات التي شهدتها مدينة جنيف والنتائج التي ترتبت عنها. فالاتفاق الذي صدر عن هذه المفاوضات، رغم أنه لا يشكل الحل النهائي أو المكتمل للقضية الفلسطينية، إلا انه يكشف دون أدنى شك بأن ثمة إمكانية لمناقشة تلك القضايا التي كان يتصور في السابق أنه من المستحيل التطرق إليها.

هناك أيضا مشروع خريطة الطريق، رغم كل سلبياته، لكنه يشكل خطوة مهمة نحو خيار الحل السلمي. حيث فيما يبدو أن ا الأطراف المعنية المختلفة قد قبلت بشروط هذا المشروع، بالإضافة لتبني الولايات المتحدة الأميركية له، بما يؤسس بنفسه لدفعة قوية لإمكانيات تحقق أهدافه. إلا أن ما يعيب هذا المشروع بصورة خاصة هو اعتماده على سياسة الخطوة خطوة،  بما يجعله يدخل في المنطق نفسه، الذي انزلق إليه اتفاق أوسلو، وكان سببا مباشرا في استحالة تطبيقه. رغم التقارب الزمني في الخطوات المقترحة من قبل خريطة الطريق عكس ما كان يطبع خطوات أوسلو. مع ذلك فهي تخرق من جديد هنا هذا المشروع نفسه بنقطة الضعف الفاتكة. حيث يمكن للأطراف، رغم قبولها بمبدأ تطبيق الاتفاق، أن تتمادى في عرقلة أو تأخير تنفيده، وهو ما سيرمي بجوهر الاتفاق إلى نفس المأزق الذي عرفه اتفاق اوسلو. من ناحية أخرى تضع الشروط التي تجعلها خارطة الطريق، المقدمة الضرورية لننفيد المشروع نفسه، والتي هي ضرورة وقف أعمال العنف للدخول في تطبيق خارطة الطريق، أمام هذه الإمكانية نفسها شروط استحالتها. فنحن نعرف أن مشروع خريطة الطريق يلقى معارضة قوية من طرف هؤلاء الذين يؤمنون بالحل المسلح للقضية الفلسطينية. وهؤلاء لن يسارعوا لإيقاف العنف من أجل إنجاح هذا المشروع الذي يعارضونه. فإذن وضع ضرورة إيقاف العنف كشرط ضروري لتطبيق الاتفاق، إنما يعني ولادة المشروع في أحضان استحالة التطبيق منذ البداية.

وفق هذا المعنى لن يكتب لمشروع خريطة الطريق حظ النجاح أو التحقق، إلا إذا تدخلت الأطراف المعنية كافة لدعمه. خاصة المجتمع المدني والحكومات العربية، رغم ما يمكن أن يترتب عن ذلك من مشاكل، كما رأينا مع حادثة الاعتداء التي تعرض لها رئيس الوزراء المصري، أثناء زيارته للقدس، في سياق جهوده الذاهبة في هذا الاتجاه تحديداً.

ورغم أن السياسة قد علمتنا أن أي استشراف ممكن للمستقبل، لن يكون بالضرورة هو الاحتمال الذي سيصدق، بل إننا في العادة نكون قد خالفنا الصواب كثيرا، إلا أنني على استعداد للمغامرة هنا والذهاب للتفاؤل بأن العام القادم إنما هو في طريقه لأخذ البشرية نحو منطق العقل والعقلانية. وأنه بالتالي العام الذي ربما ستصل فيه القضية الفلسطينية إلى حل دائم وعادل. والذي قد يكون عن طريق تعقل جميع الأطراف وقبولها بطموحات خريطة الطريق ؟ حول هذا الموضوع، أعتقد أن الأديان، والتي تنحو جميعها لدفع البشر للعقل والتعقل، خاصة الدين الإسلامي، سيكون لها الدور الأساسي في الدفع بالبشرية نحو مخارج أكثر إنسانية، وأقرب إلى طبيعة الإنسان، الذي إنما وجد على الأرض ليكون رمزا لكل ما هو خير وسلام.، يدفع الناس إلى  رفض ومحاربة التطرف وخيارات النزاع والمصدامات، وتحكيم العقل والقلب، والمحبة الإنسانية.
 

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2009 م -  اتفاقية استخدام الموقع