العدد

152 :

الثلاثاء, يناير 6, 2009 - 4:28 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

خمسة أحداث تاريخية واعدة؟

   العفيف الأخضر

عرفت سنة 2003 كثيراً من الأحداث. لكني لأسباب عدة لا مجال لذكرها هنا سأقتصر على خمسة أحداث سيكون لها ولا شك ما بعدها. الحدث الأول هو سقوط جدار برلين عفواً سقوط بغداد دون قتال أمام غزو قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. هذا الحدث هائل يشبه في نظري سقوط جدار برلين الذي وضع نهاية للحرب الباردة بين الكتلتين المتصارعتين على اقتسام المواقع الاستراتيجية ومناطق النفوذ في العالم: الكتلة الشرقية والكتلة الغربية. سقوط بغداد دون قتال فتح دون شك مساراً جديداً في تاريخ الشرق الأوسط قد يكون بداية نهاية الطغيان في هذه المنطقة، التي استوطنها الطغيان دون انقطاع منذ آلاف السنين، حتى ولو مر ذلك بفترة قد تقصر أو تطول من الفوضى الدموية والحروب الطائفية والإثنية لا في العراق فحسب بل في أكثر من بلد في الشرق الأوسط وهي مخاطرة طالما حذرت صدام حسين منها على صفحات جريدة «الحياة» منذ سنة 1998 إلى سنة 2002، هذه المحاذير كانت ستقع أيضاً حتى ولو أن صدام حسين مات على فراشه لماذا؟ لأن حكم صدام الفردي والدموي دمر بواكير المجتمع المدني الحامل بالقوة لبديل حديث له فلم يبق سوى المجتمع الأهلي أي القبائل والطوائف كبديل عتيق له، وهكذا لم يفعل حكم صدام سوى وضع التناقضات الطائفية والإثنية في الثلاجة ونعرف تاريخياً ـ وآخر الأمثلة على ذلك انهيار الاتحاد السوفيتي ـ أن التناقضات إما أن تحل حلاً واقعياً وإما أن تنفجر، أما تجميدها فهو ضرب من سياسة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال لكي لا تواجه الخطر الداهم. بعد سقوط حكم صدام الفردي لن يكون في مقدورأي حكم فردي أوحكم عتيق (كالذي في السعودية) أوحكم محافظ (كالذي في طهران الرافض للتداول على الحكم مع الإصلاحيين، عملاً بالقاعدة الفقهية العتيقة «الخليفة لا يعزله إلا الموت أو الكفر البواح») أن يبقي على حاله.

الحدث الثاني: بداية تغيير في السعودية إما لصالح حكومة إرهابية يقودها بن لادن أو شيوخ موالون له، في السيناريو المتشائم، وإما لصالح الجناح المنفتح من الأمراء الذي يقوده الأمير عبد الله وطلال بن عبد العزيز بإقامة ملكية دستورية يتقاسم فيها الملك سلطة القرار مع رئيس وزراء لا يتبعه كظله. وفي كلتا الحالتين سيكون للحكم السعودي الجديد انعكاسات إقليمية ودولية لا يمكن التنبؤ بها جميعاً وقد يكون منها حرب نووية بين إسرائيل وكل من السعودية وباكستان في حال انتصار السيناريو المتشائم. 

الحدث الثالث: إلقاء ملك المغرب الشاب محمد السادس خطاباً تاريخياً في تشرين الاول أكتوبر الماضي الذي بشر نساء المغرب ونخبه الحديثة بإصدار مدونة قوانين أحوال شخصية حديثة إلى حد كبير ستكون بداية خروج المرأة المغربية المسلمة من قصورها الأبدي الذي فرضه عليها فقه القرون الوسطى والذي كتبه الرجال للرجال. تمثل قوانين الأحوال الشخصية المغربية امتداداً لقوانين الأحوال الشخصية التونسية الرائدة التي صدرت سنة 1956 وأضيفت إليها على مر السنين تنقيحات زادتها في كل مرة حداثة وتجديداً للفقه الإسلامي ليصبح قريباً من قيم حقوق الإنسان والمواطن. ولا يعود بالتالي عائقاً لتقدم المسلمين ودخولهم إلى الحداثة التي باتت بالنسبة إليهم قضية حياة أو موت حضاري.

الحدث الرابع: إعلان وزير حقوق الإنسان المغربي بعد التفجيرات الانتحارية في الدار البيضاء عن ضرورة مراجعة التعليم الديني المغربي لتخليصه من الأفكار الظلامية على حد قوله. إصلاح التعليم الديني المغربي هو الآخر امتداد لإصلاح التعليم الديني التونسي سنة 1990 بتخليصه من كل الأحكام الفقهية العتيقة التي شكلت وما تزال ينبوعاً للإرهاب في العالم الإسلامي والعالم.إصلاح التعليم هو أقصر الطرق لاستكمال الإصلاح الديني الذي بدأه محمد عبده وأجهضه الإخوان المسلمون.

الحدث الخامس: انتفاضة الشعب الفلسطيني على انتفاضة حماس. طوال ثلاث سنوات ظلت أغلبية الشعب الفلسطيني مؤيدة للانتفاضة الثانية الانتحارية التي نحرت إمكانية حصول الشعب الفلسطيني على وطن ودولة اللذين تضمنتهما مقترحات كلينتون التي رفضتها حماس ومعها عرفات، ثم عاد عرفات وبعد 22 شهراً من ضياع الفرصة فقبلها وطالب بأن تقدم إليه مجدداً. لكن هيهات، فما فات مات. لكن مفاجأة العام 2003 أن الشعب الفلسطيني استرد وعيه وصحا من غيبوبته الطويلة فانتفض على الانتفاضة الانتحارية كما تقول الإحصاءات التالية في استطلاعين فلسطينيين، الاستطلاع الأول أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية،58 بالمئة يؤيدون وقفاً متبادلاً للعنف بين الجيش الإسرائيلي وحماس وأخواتها، 46بالمئة يؤيدون العودة للهدنة الفلسطينية من طرف واحد، 95 بالمئة يؤيدون اتخاذ إجراءات لمنع حدوث عمليات ضد الإسرائيليين بعد التوصل لوقف متبادل للعنف. الاستطلاع الثاني أجرته الهيئة العامة للاستعلامات في غزة، 4،16بالمئة يعترفون بأن الفلسطينيين خسروا في الانتفاضة أكثر مما كسبوا، 1،34 بالمئة يقولون إن الانتفاضة أثبتت أنه لا يمكن فرض حل سياسي غير عادل على الشعب الفلسطيني، 9،52بالمئة يؤكدون أن الانتفاضة لم تحقق شيئاً للشعب الفلسطيني، 2،36بالمئة يقرون بأن الواقع الفلسطيني أصبح أسوأ مما كان عليه قبل الانتفاضة، 9،48 بالمئة مقتنعون بأن الانتفاضة تعاني من سلبيات كثيرة.

فما هي الرسالة التي حملها هذان الاستطلاعان؟ أن الشعب الفلسطيني بلغ مرحلة غير مسبوقة في تاريخه من النضج السياسي بات يعي فيها أن العنف والعمليات الانتحارية التي تمارسها حماس والجهاد وكتائب الأقصى ليست العنوان الصحيح لاسترداد حقوقه المشروعة في وطن ودولة في الضفة والقطاع. وهذا مؤشر تاريخي على إمكان ولادة سياسة فلسطينية واقعية على أنقاض التصرفات الغريزية والانفعالية التي لم تقد الفلسطينيين والعرب إلا إلى هزيمة بعد أخرى. وهذه أرضية مواتية لوضع تفاهمات جنيف موضع التطبيق إذا أرادت واشنطن ذلك.

وقد تكون هذه الأحداث الخمسة وعداً بمستقبل أفضل لشعوب الشرق الأوسط التي طال ليلها وعذابها تحت حكم نخب لم تستخدم إلا دماغيها الغريزي والانفعالي تاركة دماغها المعرفي معطلاً.    

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2009 م -  اتفاقية استخدام الموقع