|
«الطاغوت» الذي هوى..!
جليل العطية
سمرنا عشية القبض على الرئيس العراقي السابق صدام حسين نحن ثلة من
الأدباء والمثقفين وحملة القلم - نتدارس هذا الحدث الخطير ونتلمس
آفاقه وتداعياته ونفكر في غد العراق بعده.
كنا بين مبتهج وشامت ومستنكر وحزين وما بين بين!
وكان من الطبيعي ان نستعيد ماضي الرجل مالئ الدنيا وشاغل الناس،
وألقابه العجيبة التي ناطحت المئة اسماً..!
استعاد أحدهم ألقاب (حوت الفجر الأحمر) فذكّرنا بأهمها:
فارس العروبة، حارس البوابة الشرقية، القائد الضرورة، صقر العوجة،
بطل القادسية، بطل أم المعارك، القائد المنصور... الخ.
وانبرى آخر يحدد الوجه الآخر لألقابه والتي كان يستخدمها المعارضون
له والرافضون لسياساته وأعماله فبدأ بـ:
الدكتاتور وانتهى بالطاغية والطاغوت..!
هنا قطع بعضهم الجلسة سائلاً عن معنى (الطاغوت) وهل هي عربية
أصيلة؟ فكانت هذه المقالة الوجيزة:
وردت كلمة الطاغوت في القرآن الكريم ثماني مرات. ولم ترد في غير
النص القرآني، إلا في كتاب المذكر والمؤنث لأبي بكر محمد بن
القاسم الانباري (ت 823 هـ)، حيث أورد بيتاً شاهداً لشاعر جاهلي
مغمور هو:
وأنقذني من الطاغوت اني
اليك نصبت يا نور السماء.
واختلف الائمة والعلماء المسلمين في تعريف الطاغوت،
قال عمر بن الخطاب هو: الشيطان
وقال سعيد بن جبير هو: السحر.
وذهب ابن جبير الطبري الى انه: الكاهن.
اما الفراء فرأى انه كعب بن أشرف.
وهنا تساءل أحد الحاضرين مَنْ هو ابن أشرف هذا؟!
قلت: هذا كافر سماه الباري - كما يذكر المفسرون - طاغوتاً لإفراطه
في الطغيان وعداوة رسول الله (صلعم) أو على التشبه بالشيطان!
نعود الى الكلمة فأقول إن علماء اللغة اختلفوا في تعريفها وأصلها،
وهل هي فرد أم جمع؟ وهل هي عربية أم دخيلة؟ واذا كانت دخيلة فمن اي
اللغات جاءت؟
يرى الدكتور ابراهيم السامرائي أن الكلمة سريانية الاصل
TO
OIOUTHO ومعناها ضلال او غلط من
الفعل (TOO) وان اصل (فاعول)
هو آرامي الاصل، حيث لم يشر اللغويون الى بناء (فاعول) بين الأبنية
اللغوية.
ويعتقد عالم آخر: ان الكلمة حبشية (TAWOT)
وهو فيها بمعنى أصنام وأغرب الدكتور بهاء الدين الوردي، فذكر انها
من اللغة (الهيروغيليفية) ومعناها: الصقر تلعو رأسه شمس.
ف(طاغ) صقر و(اوت): شمس
ويميل الدكتور عبد الله أحمد الجبوري أنها عربية الأصول او عرفتها
اللغات السامية وحفظتها السريانية والبرهان على ذلك كثرة الالفاظ
الدائرة على (فاعول) في الآرامية (السريانية) وعلى ندرته في
العربية.
وحجته في ذلك: كما في قوله تعالى: طالوت وجاولت، وردا في سورة
البقرة وقالوا في طالوت انه علم عبري، وهو مقلوب من الطول.
قال ابن دريد: انه اسم اعجمي، جريا على سنتهم في نسبة كل بناء أو
حرف لم يجدوا لهما مثالا في كلامهم الى الحجة.
وذكر السهيل أن جالوت اسم كنعاني، من العماليق.
وعدّ الثعالبي في كتابه الشهير فقه اللغة كلمة الطاغوت فارسية.
لغوياً جذر الكلمة نجدها في مادة (ط/غ/ى) والفعل منه طغيت وطغوت
والاسم، الطغوي.
والطاغية: الجبار العنيد، والطاغوت: مذكر واحداً واسم جماعة ومؤنث
وتاؤه زائدة: جاء في الحديث الشريف:
«لا تخلفوا بآبائكم، ولا بالطواغي».
وفي رواية اخرى: «ولا بالطواغيت».
والطاغية: جمع طاغ والطواغي من / طغى في الكفر / والطاغوت يكون
جمعاً وواحداً. ويلاحظ في تركيب (فاعول) ان الطاء والتاء لا
تجتمعان في كلمة عربية مثل: السطت، والطاغوت.
ويرى بعض اللغويين أن الطاغوت أقوى وأشد وقداً من الطغيان
و«الطاغية) والطاغوت على أوجه. قال تعالى:
(يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت) [ سورة النساء: الآية: 06] وهو
هنا اسم الواحد.
وقال (واجنبوا الطاغوت) [ سورة النحل. الآية: 63] وهي هنا اسم
تأنيث يعني اللات والعزى.
وأطغاه الله فهو طاغ، وهم طاغوت.
والطغية: المكان المشرف من الجبل.
والطاغية: الصاعقة تفسيراً لقوله تعالى (فأما ثمود فاهلكوا
بالطاغية) [سورة الحاقة الآية: 5].
قال تعالى (والذين كفروا اولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى
الظلمات) [سورة البقرة، الآية: 752]
قال أبو عبيدة في كتاب مجاز القرآن إن كلمة الطاغوت جاءت هنا جمعاً
على معنى اولياؤهم الاصنام.
ويذهب المبرد الى نفس رأي أبي عبيدة.
ويقول الانباري ان الكلمة اذا ذكرت فهي تعني الشيطان، واذا انثت
تذهب معنى الاصنام.
وانفرد ابو جعفر النحاس بالقول بتأنيت الكلمة.
فالطاغوت عند اهل العربية يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث -
كما اسلفنا - وقالوا: ان وزن على (فعلوت) انما هو (طغيوت) قدرت
الياء قبل العين فهو مقلوب من: طغى.
ويرى ابن جني أن وزنه فعلوت وهو مصدر بمنزلة: الرغبوت، والهرهبوت،
والرحموت، و قد يقال فيها:
الرغبوتي والرهبوتي والرحموتي!
ومن الكلمات التي نجد في نهايتها التاء:
عنكبوت، يهموت، ترنتموت، هاروت وماروت.
والبهموت من أسماء الشيطان كما يقول صاحب تاج العروس ومنه:
رجل بهموت، أي صاحب احتيال ودهاء وخبير بالأمور.
والبهموت: يطلق على عالم الغيب.
والجبروت من الجبرية، من التجبر والتكبر ويدل لفظها على المبالغة
في الشدة.
وفي الحديث النبوي الشريف: الجبروة هو الجبروت.
وفي الدعاء: يا ذا الجبروت، والجبروت، عالم العظمة.
وخلبوت من قولهم رجل خالب وخلاب: أي كذاب وخداع.
والرهبوت مصدر من الرهبة.
وجاء ذكر الطالوت في القرآن الكريم (فلما فصل طالوت بالجند) [سورة
البقرة: 942] وهو (فاعول) او (فعلوت) من الطول. قال: ابن دريد فأما
طالوت وجالوت، فليس من كلام العرب، وقال: ان طالوت علم عبري.
وعفريت على وزن (فعليت) من العفر وهو التراب ويقال: عفريت وعفرية.
وفي كتاب الاتباع والمزاوجة: عفريت تفريت كما يقال: كفرين عفرين،
للرجل الخبيث والتاء زائدة وهو ملحق بوزن (قنديل).
وصفوة الكلام ان (الطاغوت) كلمة ليست عربية، والمرجح انها سريانية
الاصول، ولها معان متقاربة فهي: الشيطان، او الكافر او الصنم
والطاغية.
اعاذكم الله منهم - جميعاً...! |