|
تطبيعيون.. نعم ليبراليون.. لا
بعد ان اطلت «الحقبة الشارونية» بوجهها الدموي المتعصب ونفذت في
حربها ضد الفلسطينيين سياسة الأرض المحروقة والتطهير العرقي
والإبادة قضت على كل بادرة لسلام ممكن على اساس الاتفاقات الدولية
او الثنائية، كان من اهم نتائج هذه الحقبة على الساحة فى مصر هنا
اسقاط نهج كوبنهاجن وسحب البساط من تحت من سموا أنفسهم بالسلاميين
«اعضاء جماعة القاهرة للسلام» إذ باءت كل دعاواهم بالفشل والخيبة
بعد ان التف امثالهم فى إسرائيل حول سياسة شارون.. واعتنق اصدقاؤهم
السلاميون فى تل ابيب فكر اليمين الحاكم وظاهروه تحت دعاوى الإرهاب
الفلسطيني وما روجوه عن قتل «الأبرياء»!
لم يجد اللوبي التطبيعي في مصر بدا من الانزواء مؤقتاً في انتظار
فرصة تلوح وتتيح لأفراده ان يخرجوا من مكامنهم ليواصلوا عرض
بضاعتهم «المضروبة».. وقد لاحت لهم هذه الفرصة حين علت من كل حدب
وصوب صيحات «الليبرالية» الجديدة
ولأن الليبرالية هي الهدف «الجذاب» الذي يستقطب اهتمامات كل
الفصائل الآن.. وتطرح قضاياه يومياً على ساحة الفكر السياسي
والحوار الحزبي.. فهو يصلح بالتأكيد لأن يكون حصان طروادة الذى
يختبىء فيه أصحابنا «التطبيعيون».. ويستخدمون حواراته وآلياته لدس
سم الغرض الحقيقي في دسم القضية المثارة.. ويسرع أقطاب كوبنهاجن
والسلاميون القاهريون إلى القفز السريع على المنصات والمنابر وهم
يرتدون أردية الليبرالية ويرفعون راياتها.. ثم يتسللون من خلالها
إلى ضمائر الناس وأفكارهم مؤكدين على أدبيات التطبيع وخطابه
الانهزامي والتلفيقي!
والمسألة هنا تتم بحذق شديد.. اولا لا بد لهم من اثبات ليبراليتهم..
وهذه من أسهل الأمور فدليلهم يكمن فى القدر الذي يمكنهم به النيل
من عهد الشمولية والديكتاتورية «اشتم الشموليين والعنهم فى كل كتاب
تصبح ليبرالياً» فى حين لم يجرؤ أحدهم حتى الآن.. ومعظمهم
اكاديميون، ومنهم من يترأس مراكز أبحاث ودراسات ذات شأن ذائعة
الشهرة، لم يجرؤ على ذكر الحقيقة فيما يتصل بشأن من اهم شؤون
الليبرالية ولم نقرأ له سطرا واحدا يقول فيه إن الليبرالية
الاقتصادية وحدها.. هى ليبرالية عرجاء منقوصة ومعيبة.. وان وجود
مناخ ليبرالىي حقيقي يعتمد على الليبرالية السياسية في المحل
الأول.. والليبرالية السياسية هي الديمقراطية الكاملة وتداول
السلطة واطلاق الحريات الأساسية في ربوع الوطن.
لم نقرأ لواحد منهم مقالا أو نسمع منه قولاً يشير إلى ان انعدام
الليبرالية السياسية هو «مفرخة» الفساد.. ومقبرة الاقتصاد..
وحضَّانة التيارات الإرهابية والتعصبية.. ذلك انهم ليسوا ليبراليين
حقيقيين.. وإنما عملاء للفكر البراجماتي الأميركي.. وهم بالتالي
أشقاء «بالهوى» والميل للفكر الصهيوني.. وهذا ليس اتهاما بالخيانة.
ولكنه توصيف لحالة ذهنية ونفسية مؤسسة على «الاستغراب» والوقوع في
حب «لآخر» لدرجة الرغبة في القفز إلى الفراش معه.. في مركب
«استعلاء» مدهش يبتني على احتقار الثقافة الوطنية والجذر القومي.
ببساطة تتلخص المسألة في رأيهم كالتالي: هم المثقفون المحترمون
الوحيدون.. ولأنهم كذلك فهم ليبراليون وفقاً للمواصفات القياسية
الأميركية وهم تطبيعيون بالضرورة.. لأن الليبرالي الأميركي لابد ان
يكون مؤمناً بالعودة إلى صهيون، في حين أن مطلق ليبرالي ينفر من
التعصب العرقي او الديني، لذلك فالليبرالي الأميركي ليس ليبراليا
حقيقياً.. بل ليبرالياً انتقائياً.. يختار من الليبرالية ما يوافق
هواه ومصلحته وبالتالي فليبراليته براجماتية بحتة.. وهكذا هم
السادة.
أسامة أنور عكاشة
كاتب سناريو مصري
|