|
إعادة الاعتبار للحمير
ما هي الاسباب التي جعلت حمير اليوم تختلف كثيراً عن حمير الأمس بل
ربما اختلفت عنها كيفياً؟ كأن تلك حمير وهذه حمير من جنس آخر.. من
أين جاء الوعي ليتسرب إلى «أمخاخ» الحمير لتصير «حمير اليوم أعجوبة
الدنيا.. الثامنة؟» هل هو التليفزيون؟ هل تطور الوعى لدى الحمار من
ذلك التليفزيون المفتوح في الدور ليل نهار كما استمع إليه الناس
استمع له؟ شاهد المسلسلات وعرف أسماء الفنانين وفرز - مثلنا -
الطيب من الغث واستخلص الحكم وصارت له رؤاه وأدواته النقدية؟
أو ربما من الصحف التي صارت تقرأ أمامه علناً دون ان يحس قارئوها
أو يلتفتوا او ينتبهوا - كعادتهم دائما - إلى تلك الحمير التي إلى
جوارهم منهمكة في أكل التبن والدريس، أو مربوطة فى شبابيك الحوانيت
و«المناور»؟
هكذا عرفت الحمير أرجاء الامة العربية كافة بأن الجيش الإسرائيلي
يشن حرب إبادة على الفلسطينيين: يهدم ويحرق ويحرث ويقتلع ويفني..
يمد كفه العسكرية فيمحو ما كان مستقراً وراسخاً منذ آلاف الاعوام
باحثاً عن ميلاد خريطة جديدة كذلك عرفت الحمير جيداً ما يحدث فى
العراق، وكيف ان الجيش الأميركي حطم العراق وشوه وأثخن البدن
العريق بالجراح، لابد وأنها سمعت هدير الصواريخ والقنابل التي لم
يكونوا قد وجدوا من قبل أماكن لإلقائها وهى تزغرد ساقطة على بيوت
ورؤوس العراقيين في بهجة رائعة، ثم تلك الأضواء الملونة المبهرة
التي سرعان ما تكشف عن حرائق تتلوى لتلتهم الاجواء، تعقبها نوافير
الدخان الأسود الذي يخفي الموجودات، ويكتم الأنفاس وتقتل ما في
الصدور، ولاشك أن الحمير بكت كثيراً وتعاطفت مع حمير العراق التي
استشهد منها عدد وفير تناثرت جثثها إلى جوار جثث البشر الشهداء.
كل الحمير عرفت بما حدث ولا شك أن خيوطاً من الحزن تسللت الى
قلوبها فى ارجاء أمتنا العربية كافة فأدى ذلك الحزن إلى الوعي به،
ذلك لأن الحزن كان أقوى من غباء كل حمير الدنيا، كان الحزن حقيقياً
لدرجة زلزلت الثوابت ووهبت الحمير بعض وعي من وعينا!!
هنا - كما تنقسم آراء البشر ومواقفهم وطرائق السلوك لتحقيق تلك
المواقف - انقسمت آراء الحمير - على الرغم من الوعي الجماعي..
لتبرز رؤوس الحمير وتختفي رؤوس أخرى طأطأت بصورة أكبر مما طأطأت من
قبل حتى لا يراها أحد فتصبح ملزمة للتعبير عن مواقفها. دفنت رأسها
في «خرج التبن» وصار مضغها أعلى من صوت القنابل والصواريخ المنهمرة
على العراق، وأخفى عنها صوت المجنزرات الإسرائيلية المتعجرفة
المختالة فى شوارع المدن الفلسطينية المقدسة.
تباينت تصرفات الحمير ليقرر البعض الاحتماء بماضيه الغبائى،
رافضاً، نافضاً عنه أية ذرة وعي قد تدينه حتى وإن لم يفهم شيئاً،
حمير سلبية وحمير ايجابية!!
سلكت حمير الأمة كل حسب خبرتها وسوابقها التاريخية وتجاربها مع
صروف الظروف لم يعد للحمير العربية موقف موحد ورأي واحد.. تماما
كما يختلف بشر الأمة كل جزء منها بأيديولوجية وطريقة تفكير ومنحى
فكرى يقوده إلى أهداف محددة بعيداً عن المجموع.
المهم أن الحمير احتلت فجأة المكانة التي تستحقها والتي حرمت منها
طويلاً، تبوأت مكانتها فى صدر الصحف والشاشات المتلفزة وصارت حديث
الناس في كل مكان. ما إن تفتح جريدة - قومية أو معارضة - حتى
تواجهك المقالات والرسومات والأخبار والكتابات فكأننا غبنا وصار
الزمن زمنهم.
الشاعر عبدالرحمن الأبنودي |