|
سنة من العمل
الحكومي في المغرب:
خدعة قياس الظل
الرباط ـ الطاهر الطويل وحكيم عنكر
أثار عمل حكومة إدريس جطو الكثير من الجدل
في المغرب. ورافقها هذا الجدل منذ اللحظات الأولى لتشكيلها، حينما
هاجمتها عدد من الأحزاب واعتبرتها حكومة تقنوقراط، في وقت كان
المغرب يحتاج فيه إلى حكومة سياسية قادرة على الإجابة عن أسئلة
الشارع المغربي، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ولعل أقوى
تعبير عن تلك الحكومة قد جاء من حزب الوزير الاول السابق عبد
الرحمن اليوسفي الذي طالب في بيان لمكتبه السياسي باحترام ما اسماه
بـ "المنهجية الديمقراطية" والتي لم تكن تعني وقت ذاك، سوى احترام
نتائج صناديق الانتخابات التشريعية، التي وضعت حزب الاتحاد
الاشتراكي على رأس قائمة الأحزاب القوية.
وبالرغم من مرور أكثر من سنتين على حكومة إدريس
جطو، فإن هذه الواقعة السياسية ما زالت تخيم على المشهد السياسي
المغربي، ذلك أنها خلقت نوعا من "التوجس" من العمل السياسي، وترجم
هذا التوجس والتخوف من مآل الممارسة السياسية في التعابير السياسية
التي صدرت عن الأحزاب بعد ذلك، وأهمها تعابير: الوضع المحجوز،
والتنذر من التقنوقراط، والقرع على جرس الأزمة السياسية، ونتائج
الاستحقاقات الإنتخابية غير المنطقية في بعض أشواطها وانحسار الفعل
الحزبي والمطالبة الخفية والعلنية بضرورة "تعديل حكومي" إلى غير
ذلك من الدواعي والمواقف التي تؤكد على أن هناك رجة ما قد هزت
الجميع، بحيث لم تعد الآمال كما كانت منتصبة في عهد حكومة اليوسفي
السياسية.
وتبعا لذلك، تكاد تتبلور قناعة مفادها أن سنة
2003 لم تشهد أداء حكوميا جيدا، وأن أحسن توصيف لها، هي أنها سنة
بيضاء، استكمل فيها المغرب المسلسل الانتخابي وظل الجميع مسكونا
برغبة الحصول على أحسن النتائج في الانتخابات، مهما كانت الطرق،
وكيفما كانت الأساليب التي تؤدي إلى ذلك.
يمكن القول الآن إن "جَمَل السياسة في المغرب"
قد ارتاح الآن، وأن الجميع من أحزاب وحكومة قد عاد إلى بيته
الداخلي ليرتبه، وأن هذا الترتيب سيفضي إلى مرحلة جديدة، قد تأتي
بترتيب طفيف في الحكومة، وقد تحدد مصير فسيفساء حزبية شديدة التشظي.
ولكن الأزمة الاجتماعية تظل في كل الأحوال،
المعادل الموضوعي الذي لا يمكن القفز عليه، لأنه يجعل المغرب يغلي
فوق مرجل من نار.
وفي البدء والمنتهى، فلا بد من التقويم، حتى
يرى الفاعل السياسي والثقافي الحاضر ويستشرف المستقبل. هنا شهادات
تختزل أهم هذه التعبيرات الموجودة في سطح الممارسة السياسية
بالمغرب:
سنة الانتكاسات
عبد الصمد بلكبير
منذ حوالي ثلاثين سنة، يحضر الدكتور عبد الصمد
بلكبير (عضو قيادي بالحزب الاشتراكي الديمقراطي) كاسم لامع في
المشهد الثقافي والسياسي المغربي، وألمعيته متأتية من معايشته
ومشاركته في كل الانعطافات الكبرى الذي شهدها المغرب السياسي
والثقافي المعاصر. ولذلك، فإن تقييمه لـ"السنة الثقافية والسياسية
بالمغرب" يكتسي صدقية خاصة، ذلك أنه ليس كلام مبتدئ أو نكرة، بل أن
خبرته ومراسه وطبقات وعيه وتفكيره، تجعله اليوم، في موقع إصدار
الأحكام والحكم على التجارب.
وليس من الصعب ملاحظة حسرة وعذاب المثقف وغضب
السياسي في نبرة خطابه حينما توجهت إليه "النور" بسؤال: ما
الحصيلة؟ !
سيسجل التاريخ الثقافي والسياسي، أيضا، للمغرب،
أن سنة 2003 كانت سنة انتكاسة بجميع المعايير، ذلك أن القرائن
السياسية متعددة وواضحة، أهمها ما وقع للانتقال الديمقراطي، الشيء
الذي يتجاوز نعت الانتكاسة والتعثر، وذلك بتوقف هذا الانتقال،
والذي انتهى بصورته المتوجة في صيغة استقالة الأستاذ عبد الرحمن
اليوسفي من حزب الاتحاد الاشتراكي وخروجه من العمل السياسي ككل
تعبيرا منه عن الاحتجاج وترميزا منه للشعب بأنه ما كان يراهن عليه
انتهى.
طبعا، هناك، حدث 16 أيار ـ مايو ـ الذي فجر فيه
جزء من ضحايا فكر والخط السياسي الموسوم بالإرهاب والذي أثر
تأثيرات على جميع المستويات، وبشكل سلبي بالطبع، على المسيرة
السياسية في المغرب.
إضافة إلى ذلك، هنالك اعتقال بعض الصحافيين
(حوالي خمسة صحافيين) ما زال منهم البعض في المعتقل.
وثمة قرائن أخرى، من مثل ما حدث للانتخابات من
إفساد لم يقل عن الإفساد الذي كانت تعيشه الاستحقاقات الانتخابية
المغربية السابقة.
ويؤكد بلكبير أن هذه الأوضاع على المستوى
السياسي، لابد أن تنعكس على المستوى الثقافي، فالثقافة تتأثر بشكل
كبير بالسياسة. ويقول: فضلا عما ورثناه، فإنه في المغرب، لا توجد
بعد طبقة اجتماعية تحس أن لها حاجيات استراتيجية، وبالتالي تلجأ
إلى الثقافة لكي تحققها وتحددها، وتوفر ما به تستطيع تلك الثقافة
أن تنتعش وتستمر وتتطور، من تمويل واستهلاك، وما يرتبط بكل ذلك.
هذا القانون العام لمختلف الطبقات الاجتماعية
في المغرب، بما في ذلك الدولة، مستمر، فما زالت الدولة بدون
استراتيجية ثقافية، بدون تصور وبدون بديل أو برنامج، وبالتالي
مازالت كما هو حال الكثيرات من الحكومات العربية تعتمد في ثقافتها
على شقين: الموروث من الماضي وتستعمله أداة إيديولوجية في ترسيخ
مصالحها وبقراءة مطولة ومغرضة لذاك التراث وعلى قمته القرآن والسنة
النبوية والتاريخ الديني عموما، والشق الثاني هو الشق الأوروبي
المستورد الرأسمالي لتحل مشاكل إدارتها المالية والاقتصادية
والثقافية والإدارية، وكلا الجوابين المأخوذين من الماضي الإسلامي
العربي أو من الحاضر الأوروبي الأمريكي لا يمكن أن يجيبا على
أسئلتها.
فالمعضلة ما زالت هي هي، وسنلاحظ أن ثمة ثقافة
تشتغل خارج الدولة، وعلى هامش المجتمع، ومن ثمة فإن الوضع الثقافي
يسير بنا، بشكل شبه مؤكد إلى نوع من الانقسام العمودي للأمة، بين
أمتين، بديلا عن الانقسام الأفقي بين طبقات، وهو ما سيسمح للحركة
التاريخية بالنمو والازدهار.
ذلك أن الحالات التي نحن مقبلون عليها تؤدي إلى
حالة من الفتنة، أو إلى حرب أهلية، صامتة، ولكنها فاعلة، بين من
يلتجئون إلى أن يشكلوا ثقافة لهم، معارضة، (إسلاميين) وبين ثقافة
حديثة ولكنها استعمارية فرنكفونية، تتوسل بثقافة الآخر، لا من أجل
التقدم والتنمية، ولكن من أجل تكريس أوضاع التفكك والاستغلال
والتبعية.
ويتابع: إنه لا قدر الله، إذا ما استمر هذا
الوضع بين ثقافة صفراء (مجازا) وثقافة بيضاء، فإن الأمر سيكون
كارثيا. ذلك أن التطور الحقيقي لكل ثقافة هو أن تمزج وتطور وتتطور
بدل الصدام، هذه الوظيفة الآن في المغرب تتخلف لمصلحة الصدام
الثقافي، وهو شيء واقع، ولا نتمنى أن ينتهي بنا هنا في المغرب إلى
صدام سياسي.
والأمل يفترض اليوم أن يوجد في المجتمع، في
النخبة العربية الحديثة التي تستطيع أن تجيب عن العروبة التقليدية،
وعن الحداثة الغربية المستوردة، وهذا الخيار الثالث الذي يغتال
الآن في المغرب، وعلى جميع المستويات، هو الذي يجب العمل على إعادة
تنميته وتفعيله ضدا على الوسائل التي تستعمل في وسائل الإعلام أو
في شبكات التوزيع، وتوزيع الكتاب خاصة، ذلك أننا نشعر أن هناك
حربا، وحربا ممنهجة ضد المنشورات العربية الحديثة على مستوى شبكات
التوزيع التي يتحكم فيها الذين يتحكمون في القضايا الأخرى.
ويوضح أنه شخصيا يعاني من ذلك في توزيع مجلته
"الملتقى"، وبذلك فإننا نشم روائح كريهة سبق أن شممناها قبل ذلك،
على حد وصفه.
ويختم بالقول: نتمنى أن لا يقدر الله علينا نفس
النتائج للذين أهملوا أو استهانوا بخطورة العامل الثقافي.
علاقة المغرب مع جيرانه
محمد العربي المساري
الأستاذ محمد العربي المساري (عضو قيادي بحزب
الاستقلال) تقلد مهاما عدة في السابق، حيث كان سفيرا ونقيـبا
للصحافيين المغاربة ووزيرا للإعلام خلال حكومة التناوب. ومن منطلق
خبرته الدبلوماسية العميقة، يتحدث "للنور" عن تقييمه لحصيلة علاقات
المغرب مع جيرانه وبخاصة إسبانيا وبلدان المغرب العربي وبشكل خاص
الجزائر، وذلك خلال عام 2003، فيقول: الخطوة الإيجابية حصلت على
مستوى الرباط ـ مدريد. أما بالنسبة للرباط ـ الجزائر فما زالت
الأوضاع على حالها.
بالنسبة لمدريد الرباط ـ الرباط وقع تحسن
وإعادة قراءة العلاقة بين البلدين. ذلك أن إسبانيا منذ مجيء اليمين
إلى الحكم اتخذت موقفا متشددا تجاه المغرب. وذلك لأن اليمين
الإسباني تحكمه العُقَد، وليس التفكير السياسي الواقعي، ووصلت
الحالة مع مدريد إلى أسوأ منذ الاستقلال. إذ أن إسبانيا وصلت إلى
حد التهديد ثم التصعيد في ما يتعلق بقضية الصحراء، ثم استعراض
القوة بكيفية سخيفة. فما بين إسبانيا والمغرب من مشاكل لا يحتمل
العسكرة، بل يتطلب الحوار والواقعية والتفاهم. المغرب، من جانبه،
صعد في اتجاه رفض كل ما تتقدم به إسبانيا وطرح مشكلة سبتة ومليلية
على أعلى مستوى في خطاب عيد العرش (عيد تولي الملك محمد السادس
الحكم)، وبدا أن العلاقة بين البلدين مهددة تهديدا كبيرا.
يبدو أنه منذ تموز ـ يوليو ـ 2002 إلى كانون
أول ـ ديسمبر ـ 2003 راجع كل من الطرفين حساباته، واستقر الرأي
البلدين على أن العلاقات لا تحتمل مثل هذا التشدد والتشنج، بل يجب
إعادة العلاقات إلى حالتها الطبيعية. ورأينا الجانبين يتسارعان إلى
البحث عن نقط الالتقاء. ووقع الالتقاء ومهّد كل هذا إلى اجتماع
مراكش الذي كان إيجابيا ويطبِّع العلاقات بكيفية نهائية ويفتحها
نحو المزيد من التفاهم على مختلف الأصعدة. هذا شيء إيجابي.
بالنسبة للعلاقات مع الجزائر، بقيت الأوضاع على
حالها. المغرب لم يأل جهدا من أجل جر الجزائر إلى التفاهم. فطيلة
حكومة "التناوب التوافقي" كرر الوزير الأول النداء لفتح الحدود.
ولم يحصل ذلك. كانوا يقولون: فتح الحدود هو أحد البنود من بين عدة
بنود يجب التصدي لها، وأنه لا بد من مسلسل لإعادة العلاقات إلى
طبيعتها. وبدأت لجان عمل مشتركة تعمل منذ سنتين لتحيين الملفات
ولتوضيح الرؤية تجاه المشاكل المعلقة، وطال كثيرا عمل هذه اللجان،
حتى سميتها بأنها مثل عملية مضغ العلك. فاللجان تجتمع لتقييم ما هو
مقيم وواضح.
وفي رأي المساري، فإن ما ينقص هو الإرادة
السياسية. ليس هناك إرادة سياسية من الجانب الجزائري ـ على حد
تعبيره. ويضيف إن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أصر على التدخل في
عدة مناسبات ليقول إن الجزائر متمسكة برأيها وموقفها في قضية
الصحراء. في حين أن المغرب ـ بحسب وزير الإعلام المغربي السابق ـ
يدعو الجزائر لحل المشكلة الجيوستراتيجية الموجودة بين البلدين.
الجزائر تقول: نحن لا دخل لنا في هذا الموضوع. ولكن البوليساريو
موجود في أرض جزائرية، والجهة الوحيدة التي تقوم في الأمم المتحدة
وفي كل المحافل الدولية لترويج أطروحة البوليساريو هي الجزائر.
الولايات المتحدة الأمريكية تقول في الجزائر نفسها ـ على لسان وزير
الخارجية كولن باول ـ وفي تونس وفي مراكش: يجب التفاهم في شأن
مشكلة الصحراء بين المغرب والجزائر. كما أن فرنسا تقول إن المغرب
والجزائر يجب أن يتفاهما على مشكلة الصحراء. إذن، هناك اقتناع في
المجتمع الدولي بضرورة فك العقدة بين المغرب والجزائر. وعقدة العقد
في المواقف هي تخلي الجزائر عن موقفها المتصلب إزاء هذا الملف.
وبالتالي، بقيت الأمور بين البلدين على حالها،
واستمرت اللجان في عقد الاجتماعات، والفكرة التي تروج الآن ـ أواسط
الشهر المنصرم ـ هي التحضير لقمة مغاربية في 23 كانون الأول ـ
ديسمبر ـ. ونتمنى أن تتمخض عنها نتائج إيجابية، بخاصة وأن هناك
رغبة عالمية أوروبية وأمريكية في أن يستتب الاستقرار في منطقة
المغرب العربي، لأنها مؤهلة لهذا الاستقرار. الأوضاع في الجزائر
تشهد تحسنا، وفي تونس هناك استقرار، كما أن في المغرب استقرارا.
ليبيا بدأ الحوار بينها وبين أوروبا. وبالتالي، فالأوروبيون راغبون
في مجموعة المغرب العربي لكي تتحدث كمجموعة مع الاتحاد الأوربي،
وظهر هذا جليا في مؤتمر "خمسة خمسة" الذي انعقد بتونس. وترى
الولايات المتحدة الأميركية، من جهتها، أن الأوضاع في المغرب
العربي أسهل مما هي في المشرق، وأن البلدان المغاربية أقرب إلى
الاندماج في العولمة من الناحية الاقتصادية والثقافية والسياسية.
والمشاكل تتقلص وظروف إيجابية تنشأ: تونس مرتبطة باتفاقية شراكة مع
أوربا، والمغرب تربطه اتفاقية مماثلة. والجزائر التحقت بالركب،
وحصل لديها الشيء نفسه مع أوربا. ومن ثم، فالأوضاع في المغرب
العربي مؤهلة لإقامة ترتيبات جديدة منسجمة مع أفكار العولمة، نظرا
لحرص هذه البلدان على الاندماج في الاقتصاد العالمي. ولذا، يجب
تصفية المشاكل التي تحول دون هذا الترتيب.
ويلاحظ المساري أنه تجدد عند القادة
الجزائريين هاجس بأن يكون لهم الاعتبار الأول في هذا المسلسل، بحجة
أن لديهم الغاز والنفط. لكن ورقة الغاز والنفط ليست هي الوحيدة،
المغرب وتونس ليس لديهما الغاز والنفط (تونس لديها شيء ما)، ومع
ذلك، فاقتصادهما مهيأ للاندماج في الاقتصاد العالمي. وبالتالي،
فالرغبة الأمريكية تتمثل في جعل هذه المنطقة كلها منطقة صديقة
للولايات المتحدة، وهذا موجود منذ القديم بالنسبة لكل من المغرب
وتونس، والجزائر تتسابق حاليا للاحتلال موقع في هذا المسار.
والأمريكيون يرون أن أقرب نقطة لتمرير الغاز والنفط عبر المحيط
الأطلسي ليست هي وهران، بل ميناء بشواطئ هذا المحيط يقع في المغرب
أو موريتانيا. وبالتالي، فالشريان الطاقي الذي يتجمع من نيجيريا
والجزائر يمكن أن يصب في المحيط الأطلسي، ما يوفر على شركات
التأمين الكثير من النفقات، ويسهل المرور بسرعة وبوقت أقل من
اجتياز جبل طارق.
ويرى أن الظروف الجغرافية تعد ـ من جديد ـ
لصالح المغرب. ومع ذلك ـ كما يقول ـ فالمغرب لا يطرح نفسه كبديل
لأي كان، كما أنه لا يعتبر أن التقارب الإسباني ـ الجزائري هو ضده،
ولا يعتبر أن التقارب الأمريكي ـ الجزائري هو ضده. بالعكس، يعتبر
أن العلاقات مع المحيط هي علاقات تداخل في المصالح. وصداقة المغرب
مع الدول المكونة لمحيطه هي من أسس اختياراته الاستراتيجية.
وبالتالي، فالمغرب يطرح مطالبه ومقترحاته في سياق صيانة الشرعية
الدولية وتكثيف التعاون بين الدول وليس المواجهة. المغرب يؤمن أنه
لا سبيل للمواجهة بينه وبين الجزائر، ولا بينه وبين إسبانيا.
ولذلك، لا بد بدلا من المواجهة، التداخل في المصالح والإقدام على
مقاربة جديدة. بالنسبة للمغرب، ليس هناك أي انقلاب في الأفكار،
وليست هناك تضحيات يقوم بها. فنظرته للأمور نظرة واقعية تضمن
مصالحه ومصالح جيرانه وكل الفرقاء سواء الأوربيين أو الأمريكيين.
ويتمنى المساري أن تكون القمة المغاربية مساعدة
للتجاوب مع هذا الطرح، لكي يتسنى تفكيك هذه "العقدة" القائمة بين
المغرب والجزائر ـ على حد تعبيره ـ؛ بخاصة وأن الجزائر مقبلة على
صفحة مهمة بمناسبة انتخابات الرئاسة، لفترة خمس سنوات قادمة تكون
في صالح جميع بلدان المنطقة.
نسبة نمو ضعيفة
عزوز التونسي
الأستاذ عزوز التونسي (عضو المكتب التنفيذي
لجبهة القوى الديمقراطية) جاء إلى السياسة من علم النفس وطروحاته
وتأملاته وتفكيكاته الكلينيكية، ولذلك، فإنه يطبخ أفكاره على نار
هادئة وغير متعجلة، وبنوع من الحصافة والترتيب المحكم. فهو حين
يقرأ المشهد السياسي العام بالمغرب، يقرأه من ذلك الموقع التفكيكي
والتقطيعي الذي يحافظ على الارتباطات ويجمع الأسباب والمسببات في
"صحن" العمل الحكومي، والتي تقود إلى نتيجة مفادها أن الجهاز
الحكومي الآن يتغذى بعشاء البارحة، أو "يأكل من ظهره" كما يقول
المغاربة. في هذه الشهادة ، يجيب عزوز التونسي عن سؤال: ما حصيلة
سنة من العمل الحكومي بالمغرب؟
يقول: أكملت الحكومة سنتها الأولى. وقد اعتاد
المتتبعون في مناسبة كهذه أن يتساءلوا حول إنتاج الجهاز التنفيذي
ومدى وفائها بتصريحها الذي يقدمه وزيرها الأول.
وإذا كان البعض يعتبر أن مدة سنة من عمر جهاز
في مستوى جهاز الحكومة تبقى غير كافية، لإصدار حكم موضوعي على مدى
قدرتها على الاستجابة لمتطلبات مواطنيها وانتظاراتهم وللوفاء
بالتزاماتها، فإن الراجح في الآراء يعتقد أن الحكومة الفاعلة
والفعالة تستطيع أن تمنح منذ الأشهر الأولى مؤشرات قوية عن
فعالياتها.
ولدى الحديث عن فعالية الحكومة، فإن الأمر
يتجاوز ما تحققه من مشاريع وما تنجزه من ورش تنموية، وإلى ما
تبلوره من مناخ سياسي يدفع في اتجاه انخراط المواطنين في الشأن
السياسي للبلاد وتمثل المواطنة الفاعلة.
لذلك إن تقييم سنة من عمر الحكومة هو في الواقع
تساؤل حول ما أنجزته خلال اثني عشر شهرا من تسييرها لدواليب الشأن
العام وفي نفس الوقت تقويم لما خلفته من مناخ سياسي عام.
أكيد أن الحكومة ليست وحدها المشكّل لهذا
المشهد العام المركب، لكنها من المفروض أن تكون محركه الاساسي من
خلال ما تحركه من ملفات وما تقدمه من اجتهادات ومن مبادرات في
مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
إن سنة من عمر حكومة هي جزء من عمر بلد ومجتمع
يمكن أن يقدم الكثير أو ينكس بالكثير من الأشياء. وإن الاستخفاف
بهذه المدة الزمانية بمبرر أنها مدة للاطلاع على الملفات لا يمكن
إلا أن يتغافل، بنية التماطل عن كون البلاد لم تعد قادرة على
استساغة بدء كل حكومة جديدة من الصفر لأن مبدأ استمرارية المرفق
العمومي لا نقاش فيه ولأن الوزراء من المفروض أن يرتكز اختيارهم
على معيار درايتهم المسبقة بملفات وزارتهم وعلى كفاءتهم في اتخاذ
القرارات الملائمة والسرعة في إيجاد الحلول استباقا مع الزمن خاصة
في عهد جديد وضع ضمن معالم أسسه الإسراع بتحديث المجتمع وتقوية
دمقرطته.
والأحزاب المشكلة للحكومة لها سوابق في التعامل
مع الملفات الحكومية ومن المفروض أن تكون عارفة بها ملمة بجوانبها
والوزراء غير المنتمين من المفروض أن يكون اختيارهم قد تم على أساس
دراستهم التقنية وتجربتهم العالية وتمرسهم في مجال تخصص قطاعهم.
لذلك، يكون من المفروض في مثل هذا الحال أن تبدأ الورش مباشرة بعد
تعيينهم وأن يجتمعوا مع مديريهم ونوابهم الإقليميين ورؤساء أقسامهم
ليحددوا بسرعة مشاريع من دون شك كانت تراودهم وهم كوادر تعايش
مباشرة الملفات والقضايا.
ويضيف بقوله: إن حكومة بهذا الشكل كان، أيضا،
من الضروري أن تخلق حركية دائبة، ومن ثم متابعة حثيثة من طرف
الصحافة ومن طرف المواطنين الذين سيجدون في هذه الحكومة رجع الصدى
لطموحاتهم أو لبعضها على الأقل. وستحرك هذه الفعالية ممثلي الأمة
أو على الأقل ممن يحضرون منهم وستضغط على الجماعات المحلية من أجل
أن تنفض عنها غبار الاقتصار على التدبير اليومي البسيط لتصبح
جماعات دينامية مشاركة في التنمية الشاملة والمستدامة، وسينتج عن
كل ذا وذاك حركية اقتصادية ولكن أيضا اجتماعية وسياسية.
إلا أن هذا لم تعرفه سنتنا المحتفى بمرورها هذه
الأيام. فمنذ تعيين الحكومة الجديدة لم تحظ باهتمام المواطنين الذي
كان بالإمكان أن يشكل دعما وسندا لمواقفها.
كما أن ظروف وملابسات اختيار أعضائها طرح
إشكاليات كبرى للأحزاب المشكلة لها، إن على المستوى التنظيمي أو
على مستوى قدرة أغلبها على اقتراح كوادرها لا على المصادقة على أطر
كانت موضع احتجاج قواعدها حول عضويتها الحزبية.
ويلاحظ أن ما أسماه بالبرود الذي تم به استقبال
تشكيل الحكومة من قبل المواطنين من جهة، والتذمر الذي عبرت عنه
قواعد العديد من الأحزاب إزاء بعض المستوزرين، سيتصاعد مع مر
الأيام، وقد كان على الحكومة أن تستنفر همها من أجل تكسير ذلك
البرود الذي قوبلت به، فتنطلق في أوراش تنموية حقيقية. غير أنه
للأسف لم تشهد إلا حركات معزولة ولم تنجز سوى مشاريع كانت وراءها
"مؤسسة محمد الخامس للتضامن" بمبادرة من الملك أو قرارات ذات وزن
من طرفه (مدونة الأسرة، محاربة الهجرة السرية ) أو مشاريع كان قد
تم التخطيط لها في حكومة عبد الرحمن اليوسفي (ميناء طنجة الأطلسي،
مدونة الشغل، قانون تحرير المجال السمعي البصري)
ويستعرض عزوز التونسي أحوال المغرب عامة خلال
2003 فيقول: بالرغم من أن البلاد شهدت سنة ماطرة حسنة، فإن غياب
استرتيجية واضحة للحكومة في ظل المجال الزراعي لم يسمح سوى
بإنتاجية هزيلة لم تتجاوز 70 مليون طن من الحبوب.
كما أن قرار إنهاء اتفاقية الصيد البحري مع
الاتحاد الأوربي وروسيا الذي كان يتوخى جعل هذا القطاع قاطرة
للتنمية المستدامة لم يستثمر إيجابيا حيث سجل تراجعا ملحوظا في
الإنتاجية وتراجع عن مشاريع تنموية طموحة سطرت خلال سنة 1998 والتي
كانت ترمي إلى ترشيد استغلال الثورة البحرية وإنجاز قرى للصيادين
وتهيئة نقط تفريغ كان يمكن أن تشكل قضايا اقتصادية واجتماعية.
ونفس الأمر يمكن تسجيله في قطاعات أخرى
كالتجارة والسياحة والصحة، وتم التراجع أيضا في مجال توفير مناصب
الشغل التي كن من المفروض أن تقدم بصددها الحكومة الجديدة اجتهادات
لامتصاص تصاعد نسبة البطالة التي أصبحت أمرا مقلقا بدرجة خطيرة عمق
اليأس لدى المواطن وخاصة الشباب وكرس النفور من كل شيء إلا من
البحث عن مسالك المغامرة بمختلف أشكالها.
وغابت قطاعات بأكملها تتوفر على وزارات أو
كتابات دولة مسؤولة من مثل قطاع الماء والغابات والشباب والتربية
غير النظامية التي لمحت الوزيرة المسؤولة عنها في إحدى جلسات مجلس
النواب أن الحكومة قد فشلت في هذا المجال.
ولم يتحقق من النمو سوى نسبة 3% التي كانت
معقولة في الدول المتقدمة، فإنها بالنسبة لبلد متخلف كبلادنا تبقى
ضعيفة بالمقارنة مع الرهانات المطروحة عليها، ولا يمكنها أن تحقق
الإقلاع الاقتصادي المنشود.
وفي المجال السياسي شهدت السنة الأولى من عمر
الحكومة إجراء "ماراثون" انتخابي لم يستقطب سوى اهتمام ضعيف من لدن
المواطنين، جسدته النسبة الضعيفة للمشاركة في الاقتراع. وإذا كان
جزء من علة قلة الاهتمام يرجع إلى عدم قدرة الأحزاب السياسية على
التأطير (تكوين المناضلين) بحكم مشاكلها الداخلية وأيضا بحكم عدم
امتلاكها للإمكانيات الضرورية لهذا التأطير، وبحكم إصدار البعض على
تقليم دورها، فإن جزءا آخر من هذه العلة يرتبط بنمط الاقتراع
وبطغيان توظيف المال وشراء الذمم وتجربة الجماعات المحلية التي في
أغلب الأحوال افتقرت للإبداعية والمبادرة وبضعف أداء العمل
البرلماني.
إن ما شهدته الانتخابات الأخيرة من تلاعب
وترحال ومن إفراز خرائط سياسية متباينة بين استحقاق وآخر في ظرف
وجيز، جعل المواطن أكثر امتعاضا من العمل الانتخابي، الأمر الذي
يدفع إلى التخوف من تفاقم ظاهرة العزوف السياسي في المستقبل وتعثر
المسار الديمقراطي بحكم ألا ديمقراطية بدون ديمقراطيين.
ويمكن القول أيضا إن ظاهرة ترحال البرلمانيين
بين الفرق البرلمانية الذي وصل حدا مروعا وما تم تناقله من اعتماد
بعض تلك الفرق إلى اللجوء إلى وسائل غير مشرفة لاستقطاب
البرلمانيين إلى صفوفها قد زاد من المس بمصداقية المؤسسات المنتخبة
ومن ثم خلق مناخ سياسي غير صحي، إضافة إلى بروز عدم احترام
الأخلاقيات السياسية في العلاقات بين الأحزاب بما فيها الأحزاب
المشكلة للحكومة، وهذا الوضع يمكن أن يؤدي من دون شك، إلى تعميق
هشاشة التلاحم الحكومي الذي لا يتأسس على ركائز متينة بفعل تباين
الخلفيات الفكرية لمكونات الجهاز التنفيذي ولعل ما عرفته
الانتخابات الأخيرة في مختلف محطاتها قد عكس هذه الهشاشة خاصة فيما
يتعلق بالتحالفات.
ويخلص في الأخير إلى اعتبار أن البلاد تجتاز
أزمة عامة حقيقية تطال مختلف الجوانب، فبالإضافة إلى تضخم التحديات
الاقتصادية خاصة مع اقتراب تطبيق تحرير التجارة والمبادلات
العالمية وتفاقم المشاكل الاجتماعية مع ارتفاع وتيرة البطالة
والارتباك الذي تشهده مجموعة من القطاعات، بالإضافة إلى ذلك هناك
أزمة سياسية تطال الأحزاب والحكومة والمؤسسات المنتخبة وتلك كلها
مظاهر إن لم يتم تداركها بسرعة، فإنها لا يمكن إلا أن تفرز نتائج
غير محمودة، لا يمكن لمحب لهذا الوطن سوى أن يتوجس خيفة من
مرتباتها.
الشأن السياسي
لحسن الداودي
البرلماني لحسن الداودي عن حزب العدالة
والتنمية (ذي التوجهات الإسلامية) يقدم وجهة نظره حول العمل
السياسي في المغرب خلال العام 2003:
المشهد السياسي قبل 16 أيار ـ مايو ـ ليس هو
المشهد السياسي قبل هذا التاريخ. لأن التفجيرات التي وقعت في هذا
التاريخ أثرت شيئا ما على الخريطة السياسية وعلى إبراز الواقع
السياسي المغربي، لأنه حدث ضخم ولا يمكن أن يمر دون تأثير. وحاليا،
يسود تخوف كبير في عدة مجالات بخصوص أثر تلك الأحداث على مستقبل
المغرب، لأن الهاجس الأمني لا بد أن يوجد في مثل هذه الظروف. وكلما
كان الهاجس الأمني قويا كلما ضعف التأثير السياسي للأحزاب وغيرها.
نسعى إلى مصالحة المواطن مع الشأن السياسي، والحال أن انخراط
المواطنين في هذا الشأن يكون في مراحل الانفراج.
ونسأل الله تعالى ألا تتكرر مثل تلك الأحداث،
حتى تنفرج الساحة السياسية من جديد، وحتى تعود الأمور إلى نصابها
وحتى نستطيع تأطير المواطنين (تكوينهم سياسيا) بكل حرية وشفافية.
أما بخصوص علاقة المغرب مع محيطه الإقليمي (لا
سيما على المستوى المغاربي) فالمغرب متقدم سياسيا ويشهد توسعا
كبيرا في الحريات العامة. ونريد المزيد في هذا المجال. وإذا أردنا
المقارنة، فعلينا أن نقارن أنفسنا دائما بمن هم في المقدمة لا بمن
يوجدون في المؤخرة. نريد مزيدا من الانفراج ومزيدا من مشاركة
المجتمع في الحقل السياسي. ولكن الظروف الاقتصادية ـ مع كامل الأسف
ـ لا تساعد على هذا، لأنه عندما يكون الفرد منشغلا بقوته ومشاكله
اليومية، فإنه لا يجد متسعا من الوقت لممارسة السياسة. وبالتالي،
فمعالجة الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية هي السبيل لمصالحة
المواطن مع الشأن السياسي.
الإنتاج الفكري والثقافي
عبد الكبير العلوي الاسماعيلي
يدير عبد الكبير العلوي الاسماعيلي دار نشر
تحمل اسم "الزمن" تقوم بنشر سلسلة كتب شهرية من حجم كتاب الجيب،
إضافة إلى دراسات وأبحاث مختلفة. كما أنه صاحب صحيفة تحمل الاسم
نفسه "الزمن" وله تجربة طويلة في الإعلام بمختلف أصنافه. ومن هذا
المنطلق، تأتي أهمية شهادته "للنور" حول حصيلة الإنتاج الثقافي
والفكري المغربي خلال العام 2003.
يقول: المشهد الثقافي المغربي جزء من مشهد عام،
هو المشهد الثقافي العربي الإسلامي؛ وجزء من مشهد أعم، هو المشهد
الثقافي العالمي، باعتبار أن الأحداث تساهم في إنتاج الفكر وفي
حركيته. المشهد الثقافي العربي الإسلامي، ومنه المغربي، متأثر بكل
إسقاطات أحداث الحادي عشر من أيلول ـ سبتمبر ـ. بمعنى أن النقاش
الدائر في المغرب خلال هاته الفترة هو جزء من النقاش العام، وهو
يتناول أسئلة مطروحة في قطر كما هي مطروحة في الجزائر كما هي
مطروحة في المغرب: ما العمل؟ كيف نواجه مشاكلنا؟ كيف نحدد موقعنا
في هذه المعطيات الجديدة للعالم؟
كما تأثر المشهد الثقافي المغربي بحدثين يمكن
اعتبارهما هامين: أولهما تفجيرات الدار البيضاء في 16 أيار (مايو)
وهو حدث وطني ودولي يندرج ضمن ما يشهده العالم وتشهده بلدان عربية
وإسلامية وغيرها. وثانيهما حدث مدونة الأسرة. وكل النقاشات التي
جرت خلال هذه الفترة خضعت لهذه المعطيات.
وقد حصل نوع من التراكم على مستوى الإنتاج
الفكري، من خلال المقالات التي صدرت في العديد من المجلات والصحف
المحلية والعربية والدولية. وتصادف ذلك مع حدث اختيار الرباط عاصمة
للثقافة العربية للعام 2003، ما أدى إلى تراكم التظاهرات والندوات،
ومن بينها الندوة الدولية الكبرى حول حوار الحضارات والثقافات.
وهذا موضوع هام وكثير التداول حاليا، فلا يكاد يمر شهر حتى يتم
تناوله في عاصمة من عواصم العوالم.
أما بخصوص استهلاك الكتاب، فيلاحظ العلوي
الإسماعيلي أن الكتاب يزداد تألقا في الغرب. وتشهد مبيعاته ارتفاعا
في أوربا وفي الولايات المتحدة الأمريكية، حسب الإحصاءات الرسمية
الواردة من دور النشر الأجنبية. أما بالنسبة للعالم العربي، فيمكن
التأكيد على أن أكبر استهلاك للكتاب يتم في المغرب الأقصى. وإن كان
حصل نوع من التراجع في هذا الاستهلاك محليا منذ كانون ثان ـ يناير
ـ 2003 نتيجة انعكاسات الفترة الإعدادية للحرب على العراق، ثم فترة
الحرب والأحداث التي تلتها.
ويضيق بقوله: هناك جيل من الشباب من الكتاب
المغاربة يتميزون برؤية شمولية يحاول تناولون قضايا العالم، سواء
منها السياسية أو الاقتصادية أو الفكرية أو الاستراتيجية بإسقاط كل
ذلك على انتمائهم العربي والإسلامي. ولكنهم لا يتوفرون على
الإمكانات، سواء من حيث النشر أو من حيث التوزيع، بسبب ارتفاع
تكلفة طبع الكتاب وتوزيعه. ودور النشر المغربية لا يمكن أن تدخل في
مغامرة توزيع الكتاب عربيا، لأنها مكلفة، ولغياب تعاون عربي في
مجال ترويج الكتاب. كل بلد عربي يهتم بما لديه فقط بوسائله
وأساليبه. في المغرب المجال النشيط هو مجال القطاع الخاص الذي
بالرغم من إنتاجه الوفير خلال السنوات الأخيرة، فإن إمكاناته من
حيث التوزيع ومن حيث الانفتاح على العالم العربي الإسلامي ضعيفة
جدا.
وبالنسبة لدار "الزمن" التي يديرها، يؤكد أن كل
الكتب التي صدرت عنها تناولت قضايا ذات علاقة بما شهده العالم من
أحداث منذ الحادي عشر من أيلول ـ سبتمبر ـ. ويستشهد بهذا الخصوص
بكتاب: الديانات السماوية وموقفها من العنف، وهو من تأليف مجموعة
من المفكرين العرب، من بينهم الأستاذ برهان غليون والأستاذ عبد
الهادي بوطالب، وعدد من المفكرين الغربيين، أمريكيين تحديدا؛ وكتاب
آخر يتعلق بالعولمة وإسقاطاتها على العالم العربي والإسلامي؛ وكتاب
آخر حول آراء المثقفين المغاربة من تفجيرات 16 أيار ـ مايو ـ
بالدار البيضاء...
ويوضح أن كل الكتب التي يقبل عليها القارئ
وينتظرها هي تلك التي تتعلق بتفسير ما يحدث في العالم. ويشرح:
قارؤنا يريد أن يفهم ما يحدث حوله؛ إنه يريد أن يفكك ما يجري داخل
بلده وفي العالم العربي والإسلامي وما يحدث في العالم ككل. فهل
نفتح له كل النوافذ أم نغلقها؟
أما بخصوص موقع الكتاب في ضوء ثورة المعلوميات
وانتشار الإنترنت، فيقول: حسب آخر دراسة لإحدى دور النشر الأمريكية
ازداد استهلاك الكتاب بما قيمته مليار دولار بالنسبة للعام 2003،
مقارنة بالعام الذي قبله. ونحن لا يمكن أن نقترب من رقم استهلاك
الإنترنت أو التكنولوجيا الرقمية في الولايات المتحدة الأمريكية.
أنا لا أعتقد أن استهلاك الكتاب أو تراجعه
عندنا في المغرب له علاقة بالإنترنت أو بالتطور التكنولوجي الذي
يشهده العالم. وإنما يرتبط بالحالة النفسية وبالقدرة الشرائية
وبمدى قدرة الكتاب على التجاوب مع ما ينتظره القارئ. فالقارئ لدينا
يريد أن تتجاوب مع أفق انتظاره.
ويتابع: شيء آخر لاحظته خلال الآونة الأخيرة هو
تراجع الكتاب المتعلق بـ"الإسلام الحركي" [أو السياسي] لفائدة
الكتاب التلقيني العقيدي في الديانة الإسلامية، وذلك حسب ما أفادني
به بعض موزعي الكتاب في المغرب وكذا حسب ما أكدته لي العديد من
المكتبات. هناك إذن، عودة للكتاب التلقيني لممارسة الشعائر الدينية
وكذا لكتب التراث وتفاسير القرآن الكريم.
وبخصوص تفسيره لهذه المسألة، يقول: قد يعزى
جانب من الجواب إلى ما شهدته الساحة المغربية بعد أحداث 16 أيار ـ
مايو ـ، وهناك سبب متصل بدور النشر التي كانت معروفة بهذا النوع من
الكتب بخاصة في المشرق العربي، إذ تراجعت عن إنتاجها. ولكن، عموما
هناك إعادة التفكير في ما كان الناس يقرأونه، والتساؤل حول الفائدة
من قراءته. العقلية المغربية عقلية تحسسية لما حولها. وبالتالي،
تتحرك حسب "باروميترات" حساسة ودقيقة جدا، تجاه السياسة العامة
وتجاه ما يجري في الساحة وتجاه ما يروج.
أما عن رأيه في الإعلام الثقافي، فيقول: للأسف،
ما زال هناك طغيان للظاهرة الحزبية حتى في تناول الأشياء الثقافية.
نحن نخضع للحزبية سواء على المستوى السياسي أو الثقافي. صحيح أننا
نحن المغاربة نقبل الرأي والرأي الآخر، ولكن ليس إلى الحد المرغوب
فيه. ما زال تقييم المثقف يخضع لانتمائه السياسي. ما زال دعم
المثقف ودعم إنتاجه يخضع لتموقعه السياسي. لا ننظر للثقافة بشكل
مجرد، وإنما بارتباطها بما هو سياسي. وهذه نقطة ضعف أساسية في
الثقافة العربية عموما. فما زال فكر الشلة أو المجموعة سائدا.
عندما يُطلب مني اقتراح اسم ما للمشاركة في عمل ثقافي معين، أقترح
مثقفا جاري أو صديقي أو متنم لحزبي. ولا أفكر أن هناك مثقفين آخرين
ربما أكفأ. ما زال هذا التمييز مسيطرا على الساحة الإعلامية
بالمغرب. ولذا، فالإعلام يتبع هذا التوجه الذي يعد مضرا بالثقافة
المغربية. مغرب اليوم ليس هو مغرب 1956. مغرب اليوم شهد تطورا
كبيرا في مجال الثقافة. نفتخر أن لدينا مثقفين لهم مكانتهم في
الساحة المغربية والعربية عموما بفكرهم وإنتاجهم. ويطرحونه بكل
تواضع أمام الآخرين. فيجب أن نعرف نحن كمغاربة كيف نتعامل مع هذا
المنتوج الثقافي الذي هو كل ما نملك في النهاية.
ويثير عاملا آخر تتأثر به الحياة الثقافية في
المغرب، يتمثل ـ باعتقاده ـ في غياب الدولة عن دعم الثقافة
وترويجها. والحال أنه ليس هناك تقدم سياسي واقتصادي بدون تقدم
ثقافي. وليس هناك سمعة دائمة لبلد ما بدون سمعة الثقافة والمثقف.
المستهلك الأجنبي الذي يشتري الطماطم المغربية لا يعرف ـ في الغالب
ـ من أي بلد تأتي. ولكنه عندما يقتني كتابا لمحمد عابد الجابري
ولمحمد سبيلا أو لعبد السلام بن عبد العالي أو لحسن نجمي أو غيرهم
فهو يربط هذه الأسماء بالمغرب. هذا هو رأس المال. فالمغرب ـ للأسف
الشديد ـ لا يتوفر على سياسة ثقافية، سواء من حيث الاتجاه الذي
نريد أن نسير فيه أو من كيف يراد لهذه الثقافة أن تُرَوَّج وتتفاعل
مع المثقف الآخر في المشرق العربي والمغرب العربي، ومع الخارج
أيضا.
|