|
مفاوضات السلام في جنوب السودان
شهد العام 2003 تطورا هاما في مسيرة السلام فى السودان ففي منتجع
نيفاشا السياحي بكينيا وقعت كل من الحكومة السودانية وحركة «غارانج»
بالأحرف الأولى اتفاقا بشأن الترتيبات العسكرية خلال المرحلة
الانتقالية التي ظلت محل خلاف بين الجانبين خلال الفترة الماضية،
بعدما كانت الحركة تطرح فكرة وجود جيشين، في حين تمسكت الحكومة
بفكرة جيش وطني واحد.
وقد اتفق الطرفان على مناقشة قضيتي تقاسم السلطة والثروة، في جولة
مقبلة من المفاوضات
و بالتوقيع على اتفاق الترتيبات الأمنية والعسكرية بين الحكومة
السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان في نيفاشا بكينيا،
تجاوزت مفاوضات السلام السودانية أهم العقبات التي واجهتها حتى
الآن وبدأت انطلاقة جديدة نحو الاتفاق النهائي المنتظر إنجازه في
العام 2004 بعد الانتهاء من الموضوعات المتعلقة بقسمة السلطة
والثروة والمناطق المهمشة التي كانت المفاوضات قد قطعت فيها من قبل
شوطا لا بأس به الأمر الذي دفع الرئيس عمر البشير الى الإعلان بأن
اتفاق نيفاشا أنهى 90 بالمئة من القضايا محل الخلاف، وقد استغرقت
هذه الجولة وقتا طويلا امتد الى 22 يوما متصلاً، الأمر الذي أوضح
مدى ما واجهته المفاوضات من صعوبات إلا أنها اتسمت بارتفاع مستوى
التمثيل في وفدي التفاوض خلافا لكل الجولات السابقة حيث كان كل من
علي عثمان طه النائب الأول لرئيس الجمهورية وجون غارانج قائد
الحركة الشعبية على رأس وفدي التفاوض، الأمر الذي أوضح توافر
الإرادة السياسية لدى الطرفين والعزم على إنجاح المفاوضات بالاضافة
الى ان الأطراف الراعية للمباحثات حرصت على اتمام الاتفاق بخاصة
«إيجاد» والولايات المتحدة؛ حيث كادت المحادثات أن تنهار قبل توقيع
الاتفاق بيوم واحد، بسبب الخلاف على بعض القضايا، مثل إصرار حركة «غارانج»
على بقاء قواتها شرق البلاد بالقرب من منطقة الحدود مع إريتريا،
لولا تدخل الولايات المتحدة من خلال مبعوثها الخاص الذي قام بإجراء
محادثات منفصلة مع الجانبين استمرت أكثر من 7 ساعات، كما قام وزير
الخارجية الأميركي كولن باول بالاتصال برئيسي الوفدين لإقناعهما
بالاستمرار في عملية التفاوض. وقد استجاب الطرفان للضغوط الأمريكية
- بخاصة الحكومة - بسبب قرب انتهاء المهلة الممنوحة لتطبيق عقوبات
قانون سلام السودان والتي تقضي بفرض عقوبات على الحكومة، وفي
المقابل تقديم دعم لجارانج بمقدار 300 مليون دولار خلال 3
سنوات.وقد تضمنت بنود الاتفاق نقاط عدة خاصة ببعض القضايا الحساسة،
مثل وضع القوات المسلحة الحكومية في الجنوب، ومصير جيش جارانج،
ومن أهم هذه البنود:
- الاتفاق على تشكيل جيش السودان في المستقبل الذي سيكون مؤلفًا من
القوات المسلحة السودانية (SAF)
والجيش الشعبي لتحرير السودان (SPLA)
مع اعتبار كلا الجيشين متساويين، ويعامَلان على أساس أنهما القوات
الوطنية المسلحة للسودان خلال الفترة الانتقالية.
- يتفق الطرفان على مبدأ التخفيض النسبي لحجم القوات المسلحة لدى
الطرفين، خلال توقيت مناسب، عقب إتمام ترتيبات وقف إطلاق النار
الشامل.
- يتفق الطرفان على إقامة مجلس دفاع مشترك يخضع لرئاسة الدولة،
يتألف من رئيسي الأركان في الجانبين ونوابهما وأي عدد من كبار
الضباط يتم الاتفاق عليه. ويتخذ المجلس القرارات بالإجماع، ويتولى
رئاسته رئيسا الأركان بالتناوب.
وقد عقد عقب توقيع الاتفاق اجتماعات اخرى في ذات المنتجع لبحث عدد
من القضايا العالقة مثل تقاسم السلطة والموارد، ووضع ما يسمى
بالمناطق المهمشة (النيل الأزرق وجبال النوبة وأبيي)
في المقابل كلف مجلس الأمن الدولي الأمين العام للأمم المتحدة
كوفي أنان بالبحث في الطريقة التي تمكن الأمم المتحدة من المساعدة
على تطبيق اتفاق السلام بالسودان.ويشكل هذا التكليف المرحلة الأولى
من احتمال تشكيل بعثة للأمم المتحدة لحفظ السلام في السودان وجاء
في نص الإعلان -الذي اتخذ صفة رسمية بإعلان أصدره مجلس الأمن وأقره
بالإجماع أن "مجلس الأمن يطلب من الأمين العام مباشرة العمل
التحضيري حول الطريقة التي تستطيع الأمم المتحدة من خلالها دعم
التطبيق الكامل لاتفاق سلام شامل". وشهدت الساحة السودانية ايضاً
انفراجة سياسية مهمة تمثلت في الافراج عن زعيم حزب المؤتمر الشعبي
المعارض الدكتور حسن الترابي وعن كل المعتقلين السياسيين وقد جاء
هذا القرار على ما يبدو في إطار محاولات الرئيس السوداني عمر
البشير لفتح صفحة جديدة مع المعارضة لتحقيق إجماع وطني حول قضايا
البلاد المصيرية، وبخاصة مفاوضات السلام مع متمردي الجنوب وكان
البشير قد قام باعتقال الترابي في شباط (فبراير) 2001 بعدما أبرم
المؤتمر الوطني الشعبي الذي يتزعمه الترابي اتفاقا مع الحركة
الشعبية لتحرير السودان وعقب الافراج عنه قال الترابي إنه يرد
عملية إطلاق سراحه لما وصفه بالضغوط العالمية والداخلية على
الحكومة السودانية، موكداً أنه سيواصل سعيه لاستكمال ما سماه
باطلاق الحريات في ظل توازن القوى الذي بدأ يسود على الساحة
السودانية على حد قوله.وكانت السلطات السودانية قد أفرجت عن
الترابي وكل المعتقلين السياسيين من حزبه تنفيذا لقرار أصدره
الرئيس عمر البشير. وتضمن المرسوم الرئاسي أيضا إعادة فتح المقر
العام للحزب وصدور صحيفته مجددا.
ولكن يرى المراقبون ان الوضع ما زال ملتهبا بين البشير والترابي،
بخاصة بعد ان اتهم علي عثمان محمد طه النائب الأول للرئيس
السوداني حزب المؤتمر الشعبي الإسلامي المعارض الذي يقوده حسن
الترابي بتقويض محادثات السلام مع متمردي دارفور، التي تجرى بوساطة
تشادية وهدد طه بحل الحزب إن لم يعد النظر في سياسته ونشاط
عناصره في دارفور موكداً ان الترابي وحزبة يشجعان متمردى دارفور
بما يضر بمصلحة وسلامة السودان
|