العدد

152 :

الثلاثاء, يناير 6, 2009 - 10:52 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

أول بابا يدخل مسجداً ويزور أثينا بعد الانشقاق ويصافح حاخاماً يهودياً...

يوحنا بولس الثاني في مواجهة المرض والشائعات

على خطى القديس بولس، مشى البابا يوحنا بولس الثاني ولا زال، حاملاً مهام الكرسي البابوي الثقيلة في يد وآلامه ومرضه ووهنه في يد أخرى... بإيمان وارادة فولاذية تمكن ان يقوى على الآلام... ومرض الباركينسون ذاك عجز عن الحد من نشاط ذاك الرجل الخارق وتحركاته المكوكية...

مسيرته سلسلة تحديات وخروقات اثارت دهشة مؤيديه كما منتقديه وتكاد تكون سلسلة فتوحات في تاريخ الكنيسة المسيحية.

أول بابا غير ايطالي منذ 054 سنة هو نفسه اول بابا يزور اثينا منذ الانشقاق الكبير بين الكنيستين الكاثوليكية والارثوذكسية. وأول بابا يدخل مسجداً ويصلي امام ضريح يوحنا المعمدان في الجامع الأموي الكبير في دمشق، كما انه اول بابا يزور كنيس يهود في روما وأول بابا يصافح حاخاماً يهودياً وأول بابا يزور معسكراً نازياً...

واليوم، وفيما تتوجه الانظار بقلق الى ذاك الرجل الكبير الذي طبع العالم بجاذبية شخصيته وكارزميته الخارقة وخطاباته الرنانة وجولاته وقبلاته لكل ارض وطأتها اقدامه، وفيما يقاوم هو مرضه وشائعات موته او تنحيه عن مهامه بالصلوات وبمزيد من الجولات وترؤس احتفالات التقديس والتطويب رافضاً الاستسلام، ينطلق صوت من الفاتيكان ليؤكد ان البابا مستمر على رأس الكرسي الرسولي في الفاتيكان متمماً عمله الى ما شا ءالله... فيما يحتفل هو بمرور 25 سنة على تبوئه السدة البابوية.

اسمه ونشأته

اسمه الحقيقي كارلو فوتييلا،  ولد في 18 أيار - مايو - من العام 1920 في فادوفيس قرب كراكوفيا في جنوب بولندا وفقد والدته في سن التاسعة، وتلقى لوليك كما كان يلقب وهو صغير وشقيقه البكر ادموند (1906- 1932) تربية صارمة شبه عسكر ية على يد والده الذي كان ضابط صف في كتيبة المشاة السادسة والخمسين في جيش امبراطورية النمسا والمجر.

 منذ نشأته، اظهر كارلو حباً وولعاً للمسرح والشعر، لكن بدء الحرب العالمية الثانية فرض عليه العمل في مقلع للحجارة في معمل كيميائى.

وفي خريف العام 1942 قرر الدخول سراً الى المدرسة الاكليريكية، وبدأ بمتابعة الدروس في كلية اللاهوت في جامعة جاجلون، دون ان يتخلى عن عمله كعامل في مقلع الحجارة، الى ان تأكد من دعوته، فاختار طريق الكهنوت، وسيم كاهناً في كراكوفيا في الاول من تشرين الثاني - نوفمبر - 1946 وهو في سن السادسة والعشرين. وبعد اثني عشرة عاماً (1958) سيم اسقفاً ثم رئيس اساقفة كراكوفيا في العام 1964. وفي 26 حزيران  - يونيو - 1967، رفعه البابا بولس السادس الى رتبة كاردينال.

واثر وفاة البابا بولس السادس، انتخب خلفاً له يوحنا بولس الاول، لكن ولايته لم تدم سوى ثلاث وثلاثين يوماً، وكانت المفاجأة بانتخاب الكاردينال كارلو فويتيلا رئيس اساقفة وارسو، باسم البابا يوحنا بولس الثاني، ليصبح بذلك رأس الكنيسة الكاثوليكية وهو في سن الثامنة والخمسين وليبدأ معه العهد الاكثر سياسة في تاريخ الفاتيكان منذ انهيار السلطة الزمنية لبابوات روما.

«... حول انتاهب»

ملابسات وتحليلات كثيرة احيطت بانتخاب بولس الثاني خلفاً ليوحنا بولس الاول. فذاك الكاردينال البولندي غدا بانتخابه على رأس الكنيسة الكاثوليكية اول بابا من أصل سلافي عرفته الديانة المسيحية عبر تاريخها، وبالتالي اول بابا غير ايطالي منذ 450 عاماً ما اثار تساؤلات حول خلفيات انتخاب البابا الاول غير الايطالي و سبب اختياره من بولندا.الأمر الذي دفع ببعض المحللين الى الحديث عن وجود ترتيب اميركي - أوروبي غربي في اختيار يوحنا بولس الثاني، وعززت هذه الفرضية الوثيقة التي نشرتها المجلة الكاثوليكية (ترنتيا جورني) بتاريخ 21/12/1993 وتفيد بأن اجهزة الاستخبارات الايطالية لعبت دوراً في عملية انتخاب البابا بولس السادس عام 1936، فعرقلة ترشيح كاردينال ارمني، اتهمت شقيقته في العام نفسه بالتعاطف مع النظام السوفياتي السابق، وترافق ذلك مع حديث عن وفاة غامضة ليوحنا بولس الاول الذي عرف عنه التزامه بقضايا العمال والفلاحين والفقراء مصاباً الشعوب المقهورة لكنه توفي بعد اسابيع قليلة من تسلمه كرسي البابوية في ظروف غامضة ولم يكن قضايا بأي مرض.

 ورأى مشككون ان تنصيب بولس الثاني خلفاً ليوحنا بولس الأول يرجع لكونه يهوديا من اصل تشيكي ولأنه لم يكن كاثوليكيا بل تنصر بعد دخوله ديراً داخل الحدود البولندية منذ اوائل الحرب العالمية الثانية الى ان اصبح كاهناً ، لكن الفاتيكان والكنيسة سفها هذه الآراء والتحليلات.

منذ تنصيبه على سدة الكرسي الرسولي، وضع البابا يوحنا بولس الثاني بابويته تحت شعار مريم العذراء، وتفرد بأنه رجل تأمل ونشاط في آن، فيلسوف وشاعر يتقن لغات عدة، كما انه رياضي ويهوى السفر وقد قام حتى الآن بمئة وثلاث رحلات الى الخارج وزار 128 بلداً، وتميز بشخصية جذابة وقوية تمتع بكاريزما خارقة زادها سحراً ارادته القوية وتصميمه وعزيمته الثابتة حيث عجز المرض والألم عن خلخلتها.

بشخصيته الفريدة تلك، تمكن البابا من احاطة مهامه ورحلاته الى مختلف انحاء العالم باصداء اعلامية قوية، وتمكن من اجتذاب حشود غفيرة اليه في كل تنقلاته، كما خلال الصلوات والتجمعات الدينية التي يقيمها في ساحة القدس بطرس في الاعياد كما في مناسبات اعلان طوباوي او قديس، وهي المناسبات المفضلة لديه، وقد تمكن يوحنا بولس الثاني حتى اليوم من اعلان 476 قديساً و1315 طوباوياً، كان آخرها ترأسه مراسم تطويب الأم تيريزا في 19 تشرين الاول - اكتوبر - الفائت، حيث ادهش العالم بعزيمته التي لا تقهر وقدرته على التغلب على المرض.

«... والسياسي»

مسيرة يوحنا بولس الثاني كرسته ليس فقط زعيماً روحياً، بل ايضاً زعيماً سياسياً لعب دوراً كبيراً واساسياً في تقويض انظمة كبيرة وتقويمها.

 فإلى القائه عشرة آلاف خطاب وتوجيه 14 رسالة بابوية، حمل الكنيسة على معالجة كل انواع المواضيع والمسائل، من ايديولوجيا وانماط اقتصادية ومسائل اجتماعية وعنصرية وبيئية وثورات وحركات تمرد وحروب شوارع وسوء تنمية وديون العالم الثالث وأمن نزع سلاح

«صراع مع الشيوعية»

رغم مسيرته الروحية، فالتاريخ ومآسيه لم يغب عن ذهنه فهو عاش الحرب العالمية الثانية وقاوم النازية والستالينية وساهم لاحقاً في سقوط جدار برلين... وقد انطلق في تنفيذ سياسته ضد الشيوعية من بلده بولندا التي زارها في 2 حزيران - يونيو - عام 8791 والقى خطاباً هاجم فيه النظام الشيوعي، وبعد نحو عام عمت اضرابات في هذا البلد وكانت بداية لانطلاق نقابة التضامن المناهضة للحكم الشيوعي التي اعلن البابا تأييده لها في زياراته الاخرى لبولندا. والشيء نفسه حفله في اتجاه موسكو ورومانيا وايد تفكك يوغوسلافيا مرحباً بانهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية معتبرا ذلك احياء للآمال في عالم جديد اكثر عدلاً تكون الكنيسة فيه مصدر وحدة. وان كان البعض اخذ عليه سعيه لتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة الاميركية، فان الاحداث اثبتت لاحقاً افتراق سياسة بولس الثاني منذ العام 5991 عن الولايات المتحدة في موضوعات  كثيرة بدأت باعطاء الطابع الرسمي لعلاقته مع العالم الاسلامي ورفضه الحصار على ليبيا واقامة العلاقات معها وادانته للغزو العراقي للكويت. وكان يدعو الى وجوب ان تكون العقوبات وسيلة ضغط مؤقتة لا ان تصبح عقاباً مفروضاً على الشعب.

 وانتقد شرور الاستغلال الرأسمالي والفساد وتجارة المخدرات والقتل وتحدث عن الحقوق المشروعة لهنود المكسيك السكان الاصليين.

واخيراً وليس آخراً، كانت معارضته العنيفة للتدخل العسكري الاميركي ضد العراق في آذار - مار س- 3002. فبالرغم من وضعه الصحفي الضعيف واوجاعه، اظهر البابا العجوز في الازمة العراقية تشدداً وتصميماً مدهشين، يدفعه في ذلك خوفه الكبير من وقوع «مواجهة كبرى بين الثقافات ولا سيما بين الأديان».

 وان اظهر بولس الثاني، تمسكاً بخط محافظ في ما يتعلق بمسائل الاسرة والاخلاقيات، ففي المقابل، اظهر انفتاحاً لا مثيل له في معالجة مشكلات العالم وفتح حواراً مع الاسلام وسائر الديانات غير المسيحية. فهو حاول ان ينتصر على الصراعات التاريخية التي تتحكم بالعلاقات المسيحية - المسيحية والاسلامية - المسيحية فكان أول بابا يزور العاصمة اليونانية، اثينا، منذ الانشقاق الكبير في العام 4591 بين الكنيستين الكاثوليكية والارثوذكسية، ساعياً الى اعادة اللحمة بين المسيحيين علي الرغم من اعتراض عدد من رجال الدين الارثوذكسيين على زيارته، غير ان زيارته الى اثينا شكلت خطوة مهمة على طريق المصالحة بين الكاثوليك والارثوذكس سعياً الى توحيد الكنسية. وهو ايضاً اول بابا في التاريخ يدخل مسجداً وجاء ذلك اثناء زيارته الى سوريا، حيث دخل الجامع الأموي الكبير في دمشق وصلى امام ضريح يوحنا المعمدان، معرباً بذلك عن تمسكه بحوار الاديان وسعيه الى التقارب المسيحي - الاسلامي في العالم.

«تبرئة اليهود من دم المسيح»

وفي العام 5891، اصدر البابا يوحنا الثاني وثيقة «لجنة الفاتيكان للعلاقات الدينية» التي تضمنت تبرئة سائر اجيال اليهود من المسؤولية الجماعية عن جريمة صلب السيد المسيح وكان قد سبقه الى هذه الخطوة البابا بولس السادس (7981 - 8791) الذي قام باسم الكنيسة الكاثوليكية في العام 5691 بتبرئة اليهود من دم المسيح. وبعد 02 عاماً خطا بولس الثاني الخطوة التالية في الاتجاه نفسه فألغى عملياً التعديلات التي سبق ان ادخلت على الوثيقة الأصلية بتأثير اعتراضات الكنائس المسيحية في البلدان العربية في حينه.

وفي 31 - 4 - 6891 قام بولس الثاني بزيارة كنيس يهودي في روما لأول مرة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، وخاطب مستقبليه بقوله: «الاحباء الأعزاء والأخوة الكبار» وكان بينهم الحاخام الأكبر في الكنيس اليهودي وجرت بينهما مصافحة اعتبرت تاريخية اذ كانت الأولى من نوعها بين بابا كاثوليكي وحاخام يهودي.

 وبالرغم من سنه المتقدمة ومشكلاته الصحية الصعبة الناتجة عن اصابته اولاً بمرض الباركينسون وأثار الجروح التي اصيب بها من جراء محاولة اغتيال تعرض لها في العام 1891 قام بها التركي علي اتجا  واصابه حينها برصاصات عدة أثناء عبوره ساحة القديس بطرس في روما، بالاضافة الى اصابته بسرطان في الامعاء وكسرين في الكتف وعظم الفخذ، يظهر بولس الثاني عزيمة لا تقهر، في مقاومة ضعفه ووهنه، ناسياً ومتناسياً مرضه وسنه سعياً للمهمة التي حددها لنفسه وهي ادخال الكنيسة الالفية الثالثة بموجب وعد قطعه عام 8791 لوالده الروحي الكاردينال البولندي ستيفان فيجينسكي وقد عمل بجد ونشاط نادرين خلال بابويته على ترتيب الأمور داخل الكنيسة، فأعاد بحزم أصحاب النظريات اللاهوتية المعارضة لخط الكنيسة الى الصراط المستقيم ومنح ثقته للحركات والجمعيات الروحية المتصوفة التي شكل بعضها مجموعات ضغط حقيقية داخل الكنيسة، مثل مجموعة الكاريزماتيك واوبوس داي.

البابا الشاعر

ورغم صحته المتدهورة ومشاغل ومهام منصبه الثقيلة والضاغطة، لم يتخل بابا الفاتيكان عن هوايته القديمة، فبعد توقف استمر نحو ربع قرن، نشر البابا اشعاراً في ديوان اطلق عليه «الثلاثية الرومانية» وهو مكوّن من ثلاثة اجزاء تضم تأملات في جوانب مختلفة من الحياة تتناول بعض العلامات البارزة في حياة الباب وتلمح الى موته شخصياً. ومنها ما يتحدث عن اعجابه بروعة الطبيعة: «دعوني أبلل شفتاي بمياه الجدول

ان اشعر بنضارتها

نضارتها النابضة بالحياة»...

وكان البابا قد كتب اشعاره تلك باللغة البولندية في مقره الصيفي في جنوب روما، معيداً بذلك فصلاً من حياته قال يوماً لأحد الصحفيين انه طواه نهائياً.

والى جانب نشر النسخة البولندية، صدر الديوان ايضاً بترجمات باللغة الانكليزية الايطالية، الفرنسية، الالمانية والاسبانية.

 وكان البابا من الشعراد الغزيري الانتاج قبل اعتلائه الكرسي البابوي العام 8791، وقد اعتبر  البعض ان تقدمه بالسن والمرض الذي يعانيه واقتراب شبح الموت منه عوامل اوحت اليه فيما يبدو بأشعار جديدة...

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2009 م -  اتفاقية استخدام الموقع