العدد

152 :

الثلاثاء, اغسطس 19, 2008 - 23:30 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

المفكرون الإسلاميون الجدد
إشكاليات تجديد الفكر الاسلامي

باريس- النور

لعل مفهوم" الثورة "، أو الثورا ت العلمية، هو ما  يتأكد كأهم المفاهيم التي تطبع وتواكب وتؤسس للقرن الحادي والعشرين،كما لم يحدث من قبل  عبر أي من مراحل التاريخ الإنساني بأسرها، وذلك وفق تتابعية من الثورات الخلاقة التي ما فتئت تهز مجالات المعلوماتية والعلوم البحتة، وعلوم الفضاء، أو معرفة الإنسان بيولوجيا أو سيكولوجيا، وعلاقة الإنسان بالكون ومكانته في هذا الكون. على أن هذه الثورات قد طالت علوم أخرى كان يصعب تصور نقلتها النوعية  عبر جدل المعرفة، ومنها العلوم الإنسانية نفسها.  في هذا الحوار سنتتطرق مع الباحث المغربي الأصل رشيد بن الزين، لإشكاليات جدلية التجديد المنهجي  في المباحث الإسلامية المعاصرة، وحجم مواكبتها للثورة التي تعيشها  العلوم الإنسانية في الغرب، وذلك بمناسبة صدور كتابه "المجددون الإسلاميون الجدد" الصادر عن دار البان ميشل الباريسية. ورشيد هو أستاذ علم الاقتصاد بجامعة باريس العاشرة، ومدير أبحاث  حول الفكر الإسلامي، في دار النشر المذكورة، وهو عضو مؤسس لمجلة اللوموند دى رلجيون والمسؤول عن قسم الدراسات الإسلامية فيها.

التعتيم واقصاء المجددين

 > ينصب  اهتمامك البحثي بشكل خاص على إشكالية التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، كما احتفل كتابك الأخير بهؤلاء الذين تسميهم" المجددين" في هذا الفكر. ماذا يعني لك هذا المفهوم ؟ وما الذي دفعك للاهتمام به؟

  - ما دفعني للاهتمام بالتجديد في الفكر الإسلامي المعاص، في سياق بحثي الأكاديمي في الفضاء الأوروبي نفسه، هو ما لاحظته من غياب أو تغييب كلي لنماذج التجديد والتطور التي تتم في بنية هذا الفكر ومناهجه،  عن الجدل المعرفي القائم في أووربا بخاصة والغرب بعامة. حيث استمر الحديث عن الإسلام والمسلمين، أو الفكر الإسلامي وكأن كل ذلك يمثل معطى جامد لا يتحرك ولا يتطور ، بل إن الفكر الإسلامي يقدم بالأحرى بوصفه  ينتمي إلى أصولية متعصبة ورجعية. بحيث تم تجاهل كل المنتوج الفكري المعاصر، والمجدد الذي يسعى لمناقشة الإسلام من الداخل والبعث بعنفوانه الخلاق.  بالمقابل كان السؤال عن وجود هذا النوع من المحاولات في الفضاء العربي الإسلامي كثيرا ما يطرح أمامي دون أن يكون عندي إجابة كافية أو قادرة للتأكيد على وجود محاولات فكرية عربية إسلامية تناقش الثورات العلمية الحديثة وتواكبها. لذلك أخذت بالاهتمام بهذا المبحث، وتقصي احتمالات وجود أو عدم وجود تجدد أو تطور في الفكر الاسلامي؟ وإذا ما وجد أين وكيف هو؟ ومن هم رموزه؟، و محاولات ذات قيمة بحثية عالية: ليس فقط في العالم العربي، بل على امتداد رقعة العالم الإسلامي، من تركيا إلى إيران إلى الهند  ....، وتأكد لي إن هناك نماذج من الفكر الإسلامي المجدد تضاهي بإطروحاتها مستوى المحاولات الفكرية العالمية التي عرفتها المؤسسات الغربية. وهو ما جعلني أطرح السؤال : لماذا إذن يتم التعتيم على هؤلاء ؟وهل يأتي هذا الإقصاء من الداخل؟أي بالقياس إلى سياسة تهميش مقصودة من داخل الفضاء الإسلامي نفسه، سواء السياسي الرسمي أم الديني الأصولي؟ أم أن ذلك ناتج عن إرادة غربية لإقصاء المحاولات الفكرية التقدمية في الفكر الإسلامي، بهدف الاستمرار في النظر إلى هذه الفضاءات وفق أحكام مقصودة وموظفة لأهداف مدروسة؟.

ولعل أول مفاجأتي بالقياس لهذا المنتوج، هو تكاملية البنيان المنهجي الذي يربط بين  جملة هذه المحاولات الفكرية، على اختلاف لغاتها أو انتماءاتها الجغرافية أو الثقافية.

فهم يفكرون جميعا، داخل بنية الفكر الإسلامي، وليس من خارجه. وهم يعتمدون على جملة الموروث الإسلامي ومصادره، أي ليس فقط على بعض من معطياته، بل الأخذ به في تكاملية أيديولوجية وفكرية وتاريخية واحدة، سواء من ناحية التيارات الفكرية، أو المعارف الأساسية، من فقه وفلسفة وعلم كلام أو التصوف والعلوم البحثة.... وهم من ناحية أخرى على علم ومتابعة وتوظيف للعلوم والعلوم الإنسانية في تطوراتها وثوراتها في الغرب المعاصر.

وفي حقيقة الأمر نجد أن  واقع الخلق والتجديد في قلب هذه المحاولات الفكرية الإسلامية  إنما جاء بالقياس إلى هذين المعنيين، إي الانتماء العارفوالمخلص للفكر الإسلامي في تكامليته الخلاقة، والانفتاح على التيارات الفكرية الغربية في تطورها العام. حيث استطاع هؤلاء الأخذ من التراث الإسلامي بأروع ما فيه، وأن يوظفوا من المعرفة الغربية وأدواتها العلمية الحديثة أروع ما فيها كذلك. وهو ما أدى إلى ولادة تيار أو تيارات إسلامية مجددة على مستوى عالمي من الأصالة الفكرية والمنهجية والطروحات الفكرية.

هؤلاء من ناحية أخرى يفكرون في فضاء وطني إسلامي مستقل، أي خارج ضغوطات الهيمنة الاستعمارية التي عرفتها محاولات الإصلاحيين الإسلاميين السابقة، مثل محاولات محمد عبده أو جمال الدين الأفغاني.

تجديد ام اصلاح

>يفرق خطابك التحليلي للمحاولات الفكرية الإسلامية المعاصرة بين مفهوم التجديد الذي تستخدمه بحق المحاولات القائمة ومفهوم الإصلاح الذي أطلق على المحاولات التي عرفها الفكر الإسلامي خلال القرن الماضي. ما الفرق بين المفهومين بالنسبة لك؟

- الفرق يكمن في مفهوم الإصلاح نفسه، الذي يعتمد ما هو قائم ويحاول إصلاحه، فإن المفكرين الجدد تجاوزوا مفهوم الإصلاح لصالح مفهوم التطوير والتجديد. أي أن المحاولات الفكرية المعاصرة لا تبحث في كيفية تحقيق الإصلاح، باعتباره هدفا مباشرا لطموحها، بل نجدها تنصب على محاولة فهم الإسلام بهدف صياغة أو إعادة صياغة مشروعه الحضاري بلغة عالمية معاصرة وبمفاهيم علمية معاصرة.

حيث كرست هذه المحاولات جهدها على دراسة الموروث الإسلامي، وتتبع صيرورة الرسالة المحمدية خلال التاريخ، لمعرفة كيف وصل إلينا الإسلام اليوم على ما هو عليه؟ أي أن مشروعهم يقوم بالأساس على إعادة قراءة أو إعادة فهم كامل الموروث الإسلامي على ضوء المعطيات العلمية المعاصرة.

على أن هدف هذه المحاولة ليس تقديم " أرثوذكسية " جديدة بل السعي لتسليط الضوء وبالدرجة الأولى، على التفسيرات المختلفة التي تمت في الماضي، ووضعها، كما هي،  في إطارها التاريخي، بما يمهد لإمكانية فهمها، ثم تحليلها. لأن الإسلام بالنسبة لهؤلاء المجددين، وكما يعبر المفكر الإيراني سوروش "هو بنفسه تاريخ محاولة فهم الإسلام ".

شرك الاستغراب

>توظيف المجددون الإسلاميون لأدوات البحث العلمي الغربي لقراءة الموروث الحضاري الإسلامي بهدف وضعه في  سياق ديناميكية العصر القائم، ألا يحمل ذلك خطر الانزلاق بهذا الفكر نحو الاستغراب؟

-كثيرا ما يوجه مثل هذا النقد لهذه المحاولات من طرف الأصوليون خصوصا، مع ذلك قد يمكن الرد على هذا النقد  ببساطة، وذلك  بالعودة للتقاليد الإسلامية العريقة في التفكير والبحث. حيث لم يتحرج علماء الإسلام الكبار وفي قلب العصر الذهبي للحضارة الإسلامية وبحضور الصحابة الأتقياء والفقهاء الورعين، من توظيف الأدوات والمعارف العلمية المتطورة بالقياس لذلك العصر، لفهم وقراءة النصوص القرآنية أو البرهنة على المعطيات الفقهية أو العقائدية. حيث وظف علماء الإسلام حينذاك ما توفر لهم من أدوات المعرفة العلمية، للبحث في المعارف القرآنية المباشرة مثل إشكاليات أسباب النزول أو الناسخ والمنسوخ أو الآيات المكية والآيات التي نزلت بالمدينة .....  وعندما يذهب علامة كابن عباس للقول : «إذا لم تفهموا معنى في القران فاذهبوا و ابحثوا عنه في الشعر الجاهلي »، إنما يؤكد هنا على ضرورة  توظيف معايير العلم الأدبي لفهم النص القرآني نفسه وذلك منذ القرن الأول للإسلام.

ونحن نعرف أن معجزة الرسالة المحمدية  كانت بلاغة النص القرآني، بما أسس لتطور خلاق ومذهل لعلوم البلاغة منذ ذلك العصر والذي كان قد قام على قواعد بلاغية وأدبية استعار المسلمين الكثير منها مما كان متوفر في ذلك الوقت، ليتم تطويره من خلالهم بشكل يفوق الوصف، والذي أسس لعلم البلاغة بكل عنفوانه التاريخي والأدبي والإنساني الذي ما زال يؤثر ويتفاعل مع بنية الفكر الإنساني بأسره. فعلم البلاغة مازال يترك بصماته على العلوم الإنسانية الحديثة  كافة، ويتفاعل مع مختلف المدارس والتيارات الفكرية المعاصرة، ليس فقط العلوم الأدبية بل كذلك علوم اللسانيات والنقد الأدبي والنقد التاريخي و"الأرمونوتيك" أو علم تأويل القران أو الأنتربولوجيا والأنتربولوجيا الثقافية أو الاجتماعية،  بل علم الاجتماع نفسه... .، فإن  الفكر الإسلامي اليوم، بقدر ما يأخذ من الفكر الغربي من أدوات أو مناهج فإنه قادر على التأثير فيه والتفاعل معه في نفس الوقت، بل أن أحد أهم مردودات هذه المحاولات التجددية الإسلامية هي إعادة الإسلام إلى بعده الكوني بإطلاق.

> وبأي معنى؟

- يجب ألا ننسى بأنه، رغم إن كلام الله وقرآنه قد نزل بالفعل بلغة محددة، ألا وهي اللغة العربية التي شرفها الله بهذا التكريم، لكن الرسالة الإلهية هي رسالة عالمية ولكافة أبناء البشر.  لذلك فرغم إن الإسلام قد نشأ في إطار ثقافة محددة، إلا إن رسالته تتجاوز حدود هذه الثقافة، وتذهب باتجاه البشرية بأسرها، وهو ما يتطلب ضرورة فهم وتقديم النص القرآني،  وجملة الموروث المحمدي من الحديث والسنة، وفق معايير وأدوات وحاجات عالمية وإنسانية كونية كلية. على أن  أي محاولة  لفهم النص الأصلي  بهذا المعنى، تحتاج  بالضرورة البدء بفهم العقلية التي كانت تطبع الثقافة التي احتضنت الرسالة الإلهية،  وفهم الجغرافيا والثقافة والتاريخ العام وتاريخ القبائل وتاريخ الأفكار... والتي هي المقدمات الضرورية لفهم حذافير وجوهر  الرسالة المحمدية. ومن ثم التأسيس لإطار معرفي إنساني كوني يكون فيه بمقدور المتأمل في النص القرآني، وأي كان مكانه في الأرض، أن يعيش ذلك التفاعل الخلاق مع كلام الله.

واستخدام مفهوم الزمانية هنا للحديث إمكانية فهم النص القرآني وفق لغة وإمكانيات فكرية عصرية، أو بلغة معاصرة، لن ينقص من الإسلام في شيء ولن يمس القيمة العظمى لهذه الرسالة الخالدة. وفق قدسية كلام الله نفسه وقدرته بذاته على التعالي فوق كل نقص، وهو المنزه عن كل نقص. وكما وعد تعالى هو محفوظ بإطلاق < إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون >.

المعرفة العلمية والموروث الاسلامي

> ولكن ألا  يبدو هنا المنحى الذي يدعو  لتوظيف أدوات المعرفة العلمية للبحث في الموروث الإسلامي، خاصة الأدوات  التي تطورت في مناخات الغرب، وكأنه يقدم لها باعتبارها  لا شبهة فيها، أو أنها لا تتطلب إي نقد منهجي ؟

- على العكس يقوم منهج المجددين الإسلاميين بالأساس على منهج نقدي سواء بالقياس  إلى مراجعة الذات والتراث والموروث الحضاري والعلمي الإسلامي، أو بالقياس إلى أدوات ومناهج البحث الموظفة لهذه المهمة، وهم في هذا السياق، على وعي بأن الأدوات والمفاهيم العلمية والمنهجية في صيرورة مستمرة، ولهذا نجدهم يؤكدون على ضرورة الأخذ في الاعتبار عدم إعطاءها معنى أو سلطة نهائية. وأن على المسلمين أن يكونوا على حذر فيما يتعلق وتوظيف هذه المفاهيم والمناهج أو فرضياتها المختلفة للتفكير على النص الديني.

حيث ترتبط مختلف مفاهيم المناهج العلمية المتاحة، بدورها " بباراديجم" مستند إلى فلسفات وأطر ثقافية متعددة بحيث يتطلب توظيف هذه الأدوات، ليس فقط نظرة نقدية على مضامينها، ولكن أيضا التأكد من التوازن الضروري، في سياق هذا البحث المعرفي الخلاق، بين النص والمتلقي والأدوات الموظفة لهذه المحاولة. وهذا التكامل نفسه بين هذه المعطيات هو ما يؤسس ويؤكد للنهضة الفكرية التجددية الإسلامية الممكنة.  فالخطاب الإسلامي نفسه، بالأخذ  بكل ذلك ،  سيشهد تغيرا جذريا في سياقاته وديناميكيته. بحيث لن تستمر مقولة «إن الإسلام قال هذا » ما يحكم منطق الحوار في داخل الفكر الإسلامي، بل بالأحرى وجهة نظر كل مسلم وطريقة فهمه الخاصة للنص القرآني هي ما سيأخذ محل المحرك الفعال للصيرورة النهضوية داخل بنية الفكر العربي أو العقل العربي.

حيادية النص القرآني

>هل هي دعوة لفهم فردي للنص الديني ؟

- هي بالأحرى دعوة لتفعيل القلق الفردي بشأن فهم النص الديني أو النص القرآني نفسه، وفق معايير ذاتية بالدرجة الأولى. وهو القلق الذي سيقود المؤمن للاجتهاد والخلق والإبداع بنفس المعنى الذي نتصور فيه هذا القلق يقود المؤمن نحو الجهاد ومحاولة تغيير الأشياء.

فالنص القرآني بذاته هو نص محايد ولا يدخل في ديناميكية التأثير إلا عند دخول المؤمن في علاقة حميمة مع تفاصيله. وهو محدود كنص: «مكون من مائة وأربعين صورة وعدد محدود من الآيات الكريمة»، لكنه لا متناه المعني ولا متناه التأثير، وهو ما تنحو للتأكيد عليه المحاولات التجددية الحديثة في الفكر الإسلامي. والتي ترى في استمرارية التفسير والتأويل للنص القرآني حق وواجب على كل مسلم بهدف إحياء هذا الدين الحنيف وضمان فعاليته التاريخية. مع العلم إن هذا الإشكال ليس جديد على تاريخ الفكر الإسلامي كما يؤكد قول الإمام علي رضى الله عنه :«حاربناهم على تنزيله واليوم نحاربهم على تأويله».

تعددية الفهم

وهل لا نخشى من تعددية لا متناهية في فهم وتفسير القرآن بتعدد هؤلاء الذين سيسعون للتفكير على النص القرآني؟

- لا يجب أن تكون التعددية موضوع خشية بحال، بل إن عظمة وعنفوان الأمة الإسلامية كان وسيكون من خلال هذه التعددية الخلاقة، في مدارس التفكير في أساليب التفسير في لغات هذا التفسي. ولا يجب أن تفهم هذه التعددية كتهديد لوحدة الصف الإسلامي أو الأمة الإسلامية، على العكس إن أي محاولة لقمع الاجتهاد في بنية الفكر الإسلامي ومحاولة احتكار حق البث في شؤون هذا الدين ، الذي هو للمسلمين كافة ن هو ما يشكل خطر إمكانية  انفصام عرى الأمة.

رموزالتجديد الاسلامي

> ينحو مشروعك الفكري شخصيا لتقديم رموز التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر،  باعتبارهم رواد لحركة تجديد ضرورية في الفكر العربي /الإسلامي. من هم هؤلاء الرموز؟

- يصعب التعرض خلال مقال واحد أو كتاب واحد لكافة هؤلاء المجددين الذين كان لهم الفضل في مباشرة التفكير والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، لذلك كنت قد اقتصرت في كتابي الذي خصصته لتسليط الضوء على هذا المنتوج الفكري التقدمي في الإسلام المعاصر على بعض النماذج المهمة، بالقياس إلى انتماءات جغرافية أو لغوية أو ثقافية عدة، من السنة والشيعة من العرب أو الأتراك أو الهنود أو من بلدان غير إسلامية،  كان منهم على سبيل المثال عبد الكريم سوروش من إيران وفضل الرحمن من باكستان ومحمد أركون من الجزائر وفريد إسحاق من  أفريقيا الجنوبية وعبد المجيد شرف من تونس وأمين الخولي ومحمد خلف ونصر حامد أبو زيد من مصر. ولكن هناك كثيرين غيرهم ، لم يتسع لي الوقت للتعرض لهم خلال الكتاب،  منهم أشقر علي الخير من الهند أو إبراهيم موسى من الولايات المتحدة أو محمد شحرور من سوريا. بالإضافة إلى أنني لم أتعرض للنساء المجددات في الفكر العربي المعاصر لأن ذلك يحتاج لعمل قائم بنفسه من جهة ولأنني أود لو أن سيدة باحثة هي من تقوم بهذه المهمة التي تتعلق مباشرة بالثيولوجي النسائي الإسلامي.

تصنيف المجددين

> ووفق إي معيار تصنف كل هؤلاء باعتبارهم مجددين؟

- للإجابة على هذا السؤال يجب أن نأخذ في اعتبارنا أولا معنى التجديد  في الفكر الإسلامي، والذي يؤسس لمشروعية محاولة "الخلق"  من طرف الأمة  في سياق   موروثها الثيولوجي نفسه ، مع  استمرارها وفية  للقيم الأساسية للإسلام، والذي أنتج بالقياس لهذا المعنى تيارات فكرية عدة مهمة منها: الثيولوجي الإسلامي للتحرير الثيولوجي النسائي الإسلامي أو التيار المجدد باتجاه إيكولوجي إسلامي . وهي المحاولات التي تطمح إلى الدخول بالأمة إلى عصر التحديث الإسلامي، والذي يعنى قدرة الإسلام على بلور"ة فكر"  إنساني تقدمي ومقروء، باعتباره كذلك، من هؤلاء الذين يؤمنون بهذا الدين، أو من هؤلاء الذين لا يؤمنون به. أي على النحو الذي يجعل النص قادرا على دفع الناس، أي كان انتمائهم ، للتفكير بموضوعية حول الإسلام . وهو ما نجح هؤلاء المجددون في تحقيقه.

 

الاسلام كمنهج لمقاومة العولمة

وفق هذه النماذج المجددة التي يطرحها كتابك كيف يتبلور هذا الفكر الإسلامي الإنساني العالمي المفتوح على أفق الإنسانية،  رغم استمرارية ارتكازه المطلق للإسلام؟

- إذا أخذنا مشروع فريد إسحاق المسلم الأسمر الجنوب أفريقي ، كنموذج لهذا الفكر، نجد إن محاولته الفكرية  تدور حول إشكاليتين أساسيتينالأولى هي تقديم الإسلام في سياق تعددية فكرية خلاقة، والثانية التبشير بالإسلام كمنهج لمقاومة العولمة، والظلم الاقتصادي تحديدا. على إن جذور كلتا الإشكاليتين نجدها منغرسة في أعماق تاريخه الشخصي وتاريخه الاجتماعي والذي دفعه للبحث عن الحل داخل الإسلام نفسه

حيث ترعرع فريد إسحاق بضاحية كادحة من ضواحي مدينة كاب تاون التي يسكنها  السود في أفريقيا الجنوبية، تحت قمع ووجع التفرقة العنصرية وغياب العدالة الاجتماعية. وكأن هذا القدر لا يكفي بل سيحرم فريد من الحضور الأبوي حيث سيغادر والده الدار وهو لم يتعد شهر من عمره. وقد عرف فريد إسحاق وفق هذا المناخ ضراوة التفرقة العنصرية والحرمان الاقتصادي مبكرا، لكنه سيدرك بالإضافة إلى ذلك،  أن مأساة الأسود تكون مضاعفة، لو كان بالإضافة إلى سواد بشرته ، على دين الإسلام.

وأمام هذا الظلم المزدوج الذي يتعرض له المسلمون  السود في جنوب أفريقيا، شعر إسحاق بالحاجة لمساعدة إخوانه في الإسلام بالبحث عن مخارج روحانية أو طرائق للولوج لعالم الحق والعدل والإحسان، الذي يعد الله به عباده الصالحين، وذلك داخل النص القرآني نفسه. وهو سيوظف مفاهيم الإحسان والتكافل والرحمة أو العدل لخدمة ونجدة المظلومين والمسحوقين. وكان نضاله الفكري في هذا الاتجاه مفتوحا على أفق الإنسانية بالمعنى الكلي للكلمة، حتى إنه كان يناضل يدا في يد مع إخوانه الرهبان ورجال الدين المسيحي أو رموز الأديان الأخرى أو دعاة الخير والإحسان من العاملين في الحركات الإنسانية، من أجل إخراج السود المعذبين من مأزق اليأس الإنساني. وقد كان يوظف "الكلم " القرآني كخطاب محرر ودافع للإرادة الإنسانية نحو مراتب من العلو والعنفوان،  بما يجعلها قادرة على مواجهة أي سحق أو اضطهاد. والقيم القرآنية العالية لكتاب الله الكريم قادرة بالنسبة له على خلق المكان المناسب والضروري للحوار والتفاعل مع الحدث ومع الآخر، أو التقاطع مع ثقافات روحانية أخرى.

وهو يوظف هنا مفاهيم الثيولوجي الإسلامي للتحرير، للتأسيس لطريق ثالث بين الموقف الأصولي الذي يخلط بين السياسة والدين والموقف الاستغرابي الذي يحاول أن يفصل بينهما بشكل قاطع. وفي الوقت الذي تحترم فيه نظرية فريد إسحاق استقلالية كل من الدين والسياسة، إلا أنه يحاول أن يقاطع بينهما، خاصة بالقياس إلى مباحث العدالة الاجتماعية  أو حوار الحضارات  أو التعايش بين الأديان ... وهي المفاهيم التي نجدها معروضة بوضوح في كتابه (القرآن ، التحرير ،  التعددية .تصور إسلامي للتضامن بين الأديان ومقاومة الاضطهاد).

سطوة الفقه!!

سوروش وجه آخر من المجددين الذين ركز عليهم كتابك باعتباره أهم رموز المشهد الثقافي الإيراني المجدد.  ونحن نعرف أن نظريته الفلسفية تقوم على فكرة إن أي تطور نوعي قد تعرفه الساحة الفكرية الإسلامية، لن يقوم إلا على "إصلاح كلي " خلاق قائم على الوعي الحر للمسلمين وهو ما يدفع التحليلات الأوروبية المختلفة لجعله أول مفكر إصلاحي "في إيران . ما رأيك في ذلك؟

-الذي أسس له مشروع سوروش بشكل جوهري هو البحث عن تحرير القرآن من سطوة الفقه أو أن مشروعه يقاوم القراءة الفقهية الصارمة والمتعصبة للنص القرآني. وبالنسبة له لا يمثل  الفقه قلب الإسلام، بل هذا القلب وهذا الجوهر إنما يمثله الإيمان، أو العلاقة الحرة بين الوعي الفردي والحضرة الإلهية.

وليس لأي جماعة أي كان ثقلها ، داخل الأمة، أن تزعم بأنها تملك الحق في التدخل بين العبد وربه أو بين الإنسان والخالق أو بين الوعي الإنساني ووصاله مع الله، لأن في ذلك انتهاك للوعي ذاته ولتلك العلاقة الضرورية بين الإنسان وخالقه.

سوروش يقترب هنا ،بالقياس لهذه القضية،  من المفكر التونسي عبد المجيد شرفي الذي يتأسف بدوره على «أن الفكر الإسلامي قد أستغرق كليا في التفكير في الفقه». و قد أعاد سوروش بصورة خاصة الفلسفة إلى قلب المشروع الفكري الإسلامي، بحيث صار تفكيره على النص الديني أقرب منه لفلسفة الدين من التفكير الثيولوجي. علما بأن الثيولوجي مرتبط بعلوم الدين بينما ترتبط الفلسفة مباشرة بالوعي الإنساني. وهو قد نجح في المزاوجة هذه المناهج للتأسيس لوعي شمولي بحقيقة العلاقة بين الوعي والوحي.

التجديد والعلم الجديد

>وهل ثمة من إمكانية لتقاطع هؤلاء المجددون والمدارس العلمية الجديدة التي ظهرت في الفضاءات الغربية؟

إذا واصلنا الحديث عن سوروش كنموذج في هذا الاتجاه، يكون في مقدورنا التأكد من إمكانية هذا التقاطع، ودون المساس كما أشرت بمصداقية انتماء مشروعه الشخصي إلى تربة التراث الإسلامي حيث يجد جذوره. فكما تشير الببلوغرافيا العلمية لسوروش،  تقاطع مشروعه أكثر من مرة، مع مناهج فلسفة العلوم وأخذ عنها، خاصة عبر أعمال فيلسوف الفيزياء توماس كون، الذي كان قد نحث مفهوم الباراديجم، لتوضيح معنى إن العلوم لا تتقدم أو تتطور في خط سير يذهب إلى الأمام بطريقة مضطردة ثابتة لا رجعة فيها كما كان يتصور البعض، وأنها تأخذ خط سير مرصود من نقطة بداية المعرفة إلى نقطة نهايتها،  بل  يمر العلم بعدة تغيرات، عبر صيرورة تطويره  مرارا لجملة البارديجم،  أي من الإطار الفلسفي الذي يستند إليه، سواء بالقياس إلى المنهج أو المفاهيم ،  وذلك بشكل دوري  ومستمر، وهو ما نطلق عليه اسم  الثورات  في العلم. فسوروش سيوظف نظرية توماس كون، ليذهب للقول إلى أن تاريخ الفلسفة والفكر الإنساني بشكل عام، وهو يطبق حديثه هنا على تاريخ الفكر الإسلامي، يمكن أن يفهم كنوع متلاحق من الباراديجم. وهو يؤكد بالقياس لهذه الفكرة، وبالنظر لإشكالية معالجة النص القرآني بالاستعانة ببارديجم متغير، إن الذي يتغير ليس النص ولكن شروحاتنا عليه أو فهمنا لتفاصيله. وبذلك، فأن أي تغيير ممكن في التصورات الثيولوجية بالنسبة له، تحتاج  إلى تغيير ضروري في الباراديجم.

البارديجم الاسلامي

>هل تعتقد أننا أمام عصر سيشهد ظهور باراديجم ثيولوجي جديد؟ وهل يكون هو البديل للأصولية أوالاستغراب؟

كل هذه الأسماء والمحاولات التي أشرنا إليها، تكشف على نحو لا شك فيه، عن ولادة هذا البارديجم الإسلامي الجديد. وهي المحاولات التي تؤسس بشكل يصعب عكسه أو عرقلته لسلطة العقل في المشهد والخطاب الإسلامي المعاصرين. وكما أكدت عليه مطولا في الفصل الأخير من كتابي، ليس هذا العقل الذي يؤسس له هؤلاء، هو  نفسه الذي يوظف للحديث عن العقلانية في الغرب، أي تلك العقلانية المادية (العلماوانية ). بل كما يرى محمد أركون «إن هذا العقل هو "عقل جماعي»، متغير، مستقبل وهو خاصة متحرر من سلطة القمع الأصولي أو الاستلاب الغربي. على أنه يأخذ مع ذلك بأروع ما في العقلانية الإسلامية التقليدية «كما يمثلها رموز عظام أمثال الغزالي أو ابن رشد أو ابن سينا والكندي والفارابي أو ابن عربي ....» كما أنه يأخذ أو أنه يظل مفتوحا على الأخذ من العقلانية الغربية كل ما هو رائع فيها، فلا أعتقد أن ثمة ما يمنع من الأخذ من بعض نماذج التفكير المتميزة عند إدغار موران  كما في نظريته عن العقل المنفتح أو ميشل بافيسولي في نظريته عن  العقل الحساس.  والله أعلم.

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع