|
من أجل مدرسة للجميع
إصلاح التعليم في
المغرب
جهود الحكومة وحدها لا تكفي
الرباط ـ الطاهر الطويل
مع إطلالة الألفية الجديدة، انطلق في المغرب
مشروع متكامل لإصلاح التعليم، يمتد على عشر سنوات، ويهدف إلى تعميم
التعليم الابتدائي، وتعزيز المجهودات الرامية إلى نشر التعليم
الثانوي ـ الإعدادي لتعميمه في أفق 2008، وتوسيع دائرة التعليم
الثانوي ـ التأهيلي المتعلق بتدريب التلاميذ لمهن تقنية.
وفي السياق نفسه، تولي الحكومة المغربية
عناية خاصة لقطاع التعليم الخصوصي كي يساهم في جهود تعميم التعليم،
وقد حددت نسبة 02 بالمئة لهذا التعليم حتى العام 2010، وكذا
الاهتمام بتعليم الأطفال ذوي الحاجات الخاصة، وإيجاد الظروف
المساعدة لإدماجهم في المنظومة التربوية، وتعزيز الجهود المبذولة
لتمكين أطفال الجالية المغربية المقيمة في الخارج من تعلم اللغة
العربية والتشبع بالقيم الدينية والخلقية والوطنية.
تعمل الحكومة على تنفيذ برنامج التربية غير
النظامية بالنسبة للأطفال غير المتعلمين، أو المنقطعين مبكرا عن
الدراسة والمتراوحة أعمارهم ما بين تسع سنوات وخمس عشرة سنة، وذلك
قصد إدماجهم في التعليم النظامي أو في النسيج الإنتاجي، عبر مراكز
التأهيل والتدريب المهني. بالاضافة الى تكثيف برامج محو الأمية
لفائدة الكبار، مع إعطاء الأولوية للفئة العمرية من 15 إلى 45 سنة.
وتعمل وزارة التربية الوطنية والشباب على تحقيق
هذه الأهداف بمساهمة كل القطاعات المعنية وبشراكة مع أطراف المجتمع
المدني، من جمعيات ومقاولات ومنظمات غير حكومية. وتقوم الوزارة
بإصلاح وتطوير البرامج على مستوى المحتوى والمنهجية والأسلوب،
وتنفيذ خطة نشر تكنولوجيا الإعلام والتواصل في المنظومة التربوية،
وتوسيع المسالك التعليمية والتكوينية، وتعزيز الشعب العلمية
والتقنية وتكييفها مع متطلبات عالم المقاولات والشركات.
تطور كمي ونوعي
تشير أدبيات وزارة التربية الوطنية والشباب إلى
حدوث تطور كمي ونوعي في التعليم، ففيما يخص الابتدائي، بلغت النسبة
95.5 بالمئة في العام الدراسي الحالي، حيث تجاوز عدد المسجلين 630
ألف طالب بالنسبة للسنة الأولى ابتدائي، من بينهم اكثر من 300 ألف
طفلة. كما أن نسبة الاستفادة من الدراسة بالتعليم الأولي قد تطورت
من 52 بالمئة خلال السنة الماضية إلى 56.5 بالمئة في السنة الحالية
4002. وقد اتخذت جميع التدابير لإحداث 1500 قسم في هذا المجال،
بتعاون مع عدد كبير من الجمعيات غير الحكومية وكذلك مع المجالس
المنتخبة الريفية، ما سيساعد على استقبال 45 ألف طفل سنهم لا
يتجاوز خمس سنوات داخل الأرياف. أما بخصوص للتعليم الإعدادي،
فوصلت نسبة التعليم هذه السنة إلى 73 بالمئة مقارنة مع 68 بالمئة
للسنة الماضية.
أما في ما يتعلق ببرنامج التربية غير النظامية،
فإنه سيشمل تدريجيا الأطفال المنتمين للفئة العمرية من 12 إلى 16
سنة. ومن جهة أخرى، تهدف الوزارة إلى استقطاب 1.150.000 من الأطفال
الذين تتراوح أعمارهم ما بين 4 و 5 سنوات في أفق العام 2005 إلى
هذا النوع من التعليم، مع تعميم تدريجي لفائدة الأطفال البالغين
ثلاث سنوات. ويندرج هذا البرنامج في إطار الاستراتيجية المعتمدة من
لدن الحكومة للنهوض بالأرياف، ويشكل أيضا جزءا من مجموعة برامج
تسهر على إنجازها لجنة وزارية دائمة.
كما اتخذت تدابير عدة ذات طابع نوعي بكيفية
مباشرة، تتعلق بالكتاب المدرسي وبالمناهج الجديدة. فبمناسبة الدخول
المدرسي الحالي، جرى تغيير كل الكتب المدرسية والمناهج المتبعة في
السنوات الابتدائية الأولى والثانية والرابعة وكذلك السنة الأولى
إعدادي. بمعنى أن الكتب المدرسية الجديدة والمناهج الجديدة استفاد
منها هذه السنة أكثر من ثلاثة ملايين طفل وطفلة، علما بأن عدد
المسجلين بجميع أقسام التعليم وصل إلى ستة ملايين تلميذ.
مشروع الحياة المدرسية
مع إسناد مسؤولية تسيير قطاع التعليم إلى
الوزير حبيب المالكي (قيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات
الشعبية)، برز مشروع مهم لتطوير المجال المدرسي وتنميته أطلق عليه
«الحياة المدرسية». يستلهم هذا المشروع روحه من التوجهات الإصلاحية
الكبرى، كما يستقي مادته الأساسية من التراكم الذي أثمرته جهود
الأساتذة والمفتشين والباحثين وكوادر الإدارة التربوية، بهدف
الاقتراب من الواقع الحي للمتعلم، وإتاحة الفرصة للفاعلين والشركاء
لتبيين أدوارهم.
والحياة المدرسية باعتبارها مناخا وظيفيا
مندمجا في مكونات العمل المدرسي، تستوجب عناية خاصة ضمانا لتوفير
مناخ سليم وإيجابي، يساعد المتعلمين على التعلم، واكتساب قيم
وسلوكات بناءة، وهي كذلك حياة اعتيادية يومية للمتعلمين يعيشونها
أفرادا وجماعات داخل نسق عام منظم، يتمثل جوهرها داخل المجالات
المدرسية في الكيفية التي يحيون بها تجاربهم المدرسية، وإحساسهم
الذاتي بواقع أجوائها النفسية والعاطفية.
ومن أهم العناصر التي يمكن أن تساعد على تحقيق
النجاعة في تنظيم الحياة المدرسية وتوجيهها إلى تحقيق الجودة، ما
يلي: المكان المدرسي، الزمن المدرسي، قواعد ومبادئ تنظيم حياة
الجماعة داخل المؤسسة التعليمية، العلاقات الاجتماعية والعاطفية
بين أعضاء المجتمع التربوي، المرجعيات التربوية لتنشيط المؤسسات
التعليمية، المناخ المدرسي وأشكال التواصل الثقافي والمهني، الصحة
المدرسية، العلاقات مع المحيطين الداخلي والخارجي.
الحياة المدرسية، إذنْ، فلسفة تربوية تهدف إلى
أن تكون سيرورة متجددة قادرة على مواكبة الحياة العامة في سياقها
مع مستجدات العصر، وتتطلب تنمية المعارف الأساسية وتطوير المستوى
الثقافي، من أجل تحقيق الاندماج الاجتماعي للتلميذ وتجنب كل أنواع
الإقصاء والتهميش، وتشجيع القدرة على التحليل والتفكير والنقد لدى
المتعلم، اعتمادا على أسس وقواعد ديموقراطية حقيقية، والعمل على أن
تكون حظوظ المتعلمين متساوية.
بالاضافة الى ذلك تثبيت ودعم القيم المشتركة
وإنماء درجات الوعي بالحقوق الشخصية والواجبات القائمة على
المقومات الدينية والوطنية والأخلاقية.
ومن المهم العناية بالتنوع الثقافي باعتباره
مؤشرا للتربية على القيم والتشبع بروح الحوار وقبول الاختلاف،
وتبني الممارسة الديموقراطية، واحترام حقوق الانسان، وتنمية قدرته
على الابتكار من توفير وتطوير معنى المسؤوليات الاجتماعية في سياق
التعاون والتآزر واحترام الرأي الآخر، ولابد من إعطاء أهمية خاصة
لتطوير البرامج التعليمية ومحتويات الكتب المدرسية وباقي الأدوات
المادية والتعليمية، بما فيها التكنولوجيات الجديدة، بغية تكوين
مواطن مندمج مع محيطه الاجتماعي والثقافي.
زي التلاميذ
من أهم عناصر الحياة المدرسية توحيد لباس
التلاميذ، وقد شرعت بعض المؤسسات التعليمية في تنفيذه انطلاقا من
الموسم الدراسي الحالي، حيث اختير زي موحد للمتعلمين. إن توحيد
الزي هو إشارة لضرورة التقليص من الفوارق الاجتماعية، فدور المدرسة
هو مساعدة الناشئة كيفما كان مصدرها الاجتماعي وكيفما كان ارتباطها
الاجتماعي، وأن تجعل الطفل المغربي يشعر بأن هناك تكافؤا للفرص.
وبذلك تحاول المدرسة التقليل من تأثير المصدر الاجتماعي على
مسار الطفل المغربي.
وعلى مستوى توفير الوسائل التعليمية المساعدة،
نصت قرارات وزارة التربية الوطنية والشباب على أهمية إحداث مراكز
للإعلام والتوثيـق في المدارس، إذ أكدت أنه من حق المتعلم
الاستفادة والمساهمة في أنشطة المكتبة المدرسية، ومركز التوثيق
والإعلام، وقاعة الإعلاميات ومن واجبه كذلك المحافظة عليها وصيانة
محتوياتها. وأن المتعلم يستفيد من استعارة الكتب الترفيهية بالمجان
مع دفع اشتراك سنوي يحدد من قبل المؤسسة فيما يخص الكتب المدرسية
المقررة، وتعطى الأسبقية للمعوزين.
التعاونيات والجمعيات المدرسية
تقوم التعاونيات والجمعيات التربوية المرتبطة
بالحياة المدرسية بدور أساسي في بث روح التعاون والاندماج
والمؤازرة بين تلاميذ المؤسسة عن طريق تحقيق أنشطة ومشاريع ثقافية
واجتماعية بالمؤسسة، وأبرز هذه الجمعيات: جمعية تنمية التعاون
المدرسي في المدارس الابتدائية، جمعية الأنشطة الاجتماعية
والتربوية والثقافية في المؤسسات الثانوية الإعدادية والتأهيلية،
جمعية الرياضة المدرسية.
وتعتبر الجمعيات المهنية بالقطاع ، وجمعيات
قدماء تلاميذ المؤسسات كذلك من الفعاليات التي يمكن أن تقوم بدور
ملحوظ في الحياة المدرسية بالمساهمة في مجال التنشيط الثقافي
والاجتماعي بالمؤسسة والعمل على تشجيع روح المبادرة لدى المتعلمين.
شركاء المؤسسة التعليمية
بما أن المؤسسة التعليمية غير معزولة عن محيطها
الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، فإن لها شركاء أساسيين مطالبين
بمساعدتها في أداء رسالتها، يتمثلون في:
أ- الأسرة وجمعية آباء وأولياء التلاميذ: تتدخل
الأسرة في الحياة المدرسية بصفتها معنية بتتبع المسار الدراسي
لأولادها، ويتم ذلك بكيفية مباشرة وفي تكامل وانسجام مع المدرسة،
ويكون هذا التتبع مفيدا في تشخيص التعثرات في حينها واتخاذ
التدابير المناسبة لتجاوزها، ومن جهة أخرى تساهم الأسرة في توضيح
اختيارات التلميذ وتوجهاته الدراسية والمساهمة في بلورتها انطلاقا
من ميوله ومؤهلاته لإعداد مشروعه الشخصي. أما جمعية آباء وأولياء
التلاميذ فتعتبر هيئة مساهمة في تنظيم الحياة المدرسية وتنشيطها،
وطرفا مساهما في تدبيرها، كما أن دورها أساسي في ربط الأسرة
بالمدرسة وضمان مساهمتها في متابعة الحياة المدرسية والمشاركة في
أنشطتها ومشاريعها .
ب - الجماعة المحلية (المجالس البلدية
والريفية): وهي تمثل السكان، وبحكم أن المؤسسة التعليمية تقع ضمن
نفوذها الإداري. فهي حاضرة وممثلة في مجلس تدبير المؤسسة، وتعمل في
خدمة مشاريع المؤسسة وأنشطتها المختلفة وتوفير الظروف المناسبة
لإشعاعها.
ج - الفاعلون الاقتصاديون والاجتماعيون: يعتبر
دورهم أساسيا في تحقيق التنمية الاجتماعية وربط المؤسسة التعليمية
بمحيطها. لذا فإن المؤسسات التعليمية مدعوة إلى السعي الدائم
لإقامة شراكات مع الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية، وذلك
لتوفير شروط انفتاحها على محيطها وتمكين المتعلم من التعرف الى
بيئته والاندماج فيها. |