|
حنان عشراوي:
للنور
نحتاج إلى خريطة طريق جديدة
رام الله- أبو الحسن عبد الله
أين هو الضوء الذي في نهاية النفق؟
سؤال يقفز إلى ذهن كل متابع للشأن
الفلسطيني، حيث القتل هو عنوان المشهد اليومي في الحياة
الفلسطينية، وحيث وفود وزيارات ومباحثات دولية وإقليمية تبدو كلها
وكأنها «جولات كلام» فيما الاقتحامات والاغتيالات والاعتقالات تتم
كل ساعة في مدن الضفة وقرى غزة، أين «خريطة الطريق» وهل صحيح أنها
ضلت الطريق أم اصطدمت بطريق آخر رسمه الإسرائيليون لجدار عنصري
عازل، يحاول فرض حقائق جديدة على أرض الواقع رغم المعارضة الدولية؟
ماذا عن وثيقة جنيف، واجنحة السلام في
المجتمع الإسرائيلي وبخاصة في حزب العمل، وهل يمكن أن يظهر تيار
جديد في تل أبيب يقود العملية السلمية بدلا من شارون الذي لا يجيد
سوى لغة العنف؟
أسئلة لـ «النور» واجابات للدكتورة حنان
عشراوي عضو المجلس التشريعي الفلسطيني والوزيرة سابقاً في هذا
الحوار.
< وافق الكنيست
بأغلبية 51 عضوا
مقابل 39 عضواً
من أصل 90 نائبا
على خطة فك الارتباط التي طرحها شارون، ألا يمثل ذلك تحديا صارخا
لما جاء في خطة خريطة الطريق، والدول والمؤسسات التي ترعاها؟
- خطة خريطة الطريق هي
من انتاج اللجنة الرباعية التي تضم هيئتين دوليتين كبيرتين هما
الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي فضلا عن قوتين كبيرتين هما أميركا
وروسيا، وبالتالي هناك مسؤولية دولية في رعاية هذه الخريطة أو
مشروع السلام، والواقع هو أن شارون يسير في اتجاه معاكس لكل
القرارات الدولية وللاتفاقات التي تمت، يدعمه في ذلك الكنيست بل
والرأي العام الإسرائيلي الذي انتخب هذا البرلمان، ولعل مصادقة
الكنيست على خطة شارون تمثل ردا واقعيا على ما يسمى الاتجاهات
السلمية في إسرائيل، فشارون ومن ورائه الكنيست قررا تنفيذ خطة طريق
العدوان على الشعب الفلسطيني وليس للسلام معه أو اقامة دولتين،
فالاجراءات الإسرائيلية من طرف واحد هي اجهاض واضح وصريح لخطة
خريطة الطريق، وما لم يحدث تدخل دولي عاجل وسريع، وارسال مراقبين
دوليين فإن إسرائيل سوف تنفذ خطتها، وتنفذ اجراءاتها على ستين
بالمئة من أراضي الضفة و ثلاثين بالمئة من أراضي غزة، ولن تكون
هناك أراض تقام عليها الدولة الفلسطينية، ومن الواضح أن اجراءات
شارون الجديدة لها هدف واحد هو كسر إرادة المقاومة والصمود واخضاع
الشعب الفلسطيني عبر سياسة القوة، وما لم يهدم الجدار العنصري
الفاصل، وما لم تتوقف الاجراءات من طرف واحد فإن العنف سوف يسود
مجددا، وقد تتراجع المصداقية الدولية، وبخاصة الأميركية لأنها عجزت
عن حماية الشعب الفلسطيني من العدوان الإسرائيلي.
< هل انتهت خريطة
الطريق نهائيا أم اصطدمت بمشروع شارون الذي يعتمد اجراءات من طرف
واحد؟
- طرحت خطة شارون
الإجراءات التالية:
1- اعادة انتشار قوات
الجيش الإسرائيلي في خطوط أمنية جديدة.
2- تغيير انتشار
التجمعات السكانية، بحيث يقلص قدر الإمكان عدد الإسرائيليين
المتواجدين في قلب السكان الفلسطينيين.
وحدد شارون هذه التجمعات التي قال إنها ستنسخ،
بأنها تلك التي لن تكون في أية صيغة محتملة للحل النهائي مع
الفلسطينيين ضمن أراضي دولة إسرائيل.
3- العمل على تعزيز
السيطرة في أي جزء يحتمل أن يكون ضمن دولة إسرائيل في أية تسوية في
المستقبل.
4- فك ارتباط اقتصادي
للفلسطينيين مع إسرائيل والسماح بالتنسيق مع الأردن ومصر بعبور
أكثر حرية للأشخاص والبضائع عبر المعابر الدولية.
5- الاستمرار في بناء
جدار وعوائق مادية أخرى.
6- الخط الأمني لن يكون
حدودا دائمة لإسرائيل.
7- فك الارتباط من طرف
واحد خطوة أمنية وليست سياسية.
8- فك الارتباط لن يحبط
إمكان العودة لخريطة الطريق.
ولم يخل خطاب شارون بالطبع من اشارات خاصة
للإدارة الأميركية فعاد إلى اعلانه وتأكيده على التمسك بخريطة
الطريق، قال شارون «إن فك الارتباط سيكون بالتنسيق الاقصى مع
الولايات المتحدة، ومحظور علينا أن نمس بالتنسيق الاستراتيجي معها».
وربما كان ذلك لتفسير الموقف الأميركي الذي رحب
بما جاء في خطة شارون منتظرا تحويلها من أقوال إلى أفعال.
وقد يكون من الضروري هنا تقديم بعض الايضاحات
حول خطة شارون التي تعتد بالأساس على إجراءات سوف تنفذها إسرائيل
من طرف واحد بصرف النظر عما يجري في الجانب الفلسطيني.
لقد تحدث شارون عما أسماه بإعادة نسخ
المستوطنات، وترشح المصادر الإسرائيلية اخلاء المستوطنات التالية:
1- في الضفة الغربية،
مستوطنتا كديم، وغنيم بالقرب من مدينة جنين ويسكنهما معا
58 عائلة.
2- وفي غزة، مستوطنات
نتساريم وكفاردروم وموراج وتسكنها حوالي
146 عائلة وبموجب اصلاح النسخ هذا فإن
المستوطنين سيتم نقلهم منها لتعزيز المستوطنات المحيطة بالقدس مثل
معالية أدوميم وبيتار وارئييل، كما تضمنت خطة شارون الإشارة إلى
مواصلة استكمال بناء الجدار الأمني وفي هذه الحالة فإن طوله سيصل
إلي 786كيلو
مترا بالإضافة إلي 123
كيلو متراً أخرى على امتداد الأردن. وهذا يعني أن الجدار سيقتطع
خلفه مساحة تصل إلى 975
كم، أي أكثر من ثلاثة أضعاف مساحة كل قطاع غزة، وأنه سيحجز خلفه
حوالي 346000
مواطن فلسطيني سيحرمون من التواصل مع ذويهم، وهذا الجدار سيقضم
43 بالمئة من
مساحة الضفة الغربية ولا يبقي للفلسطينيين سوى كانتونين منفصلين،
واحد في الشمال والآخر في الجنوب على مساحة لا تتجاوز
57 بالمئة من أراضي
الضفة، وباختصار إن كل هذه الإجراءات تعني أن خريطة الطريق تواجه
أزمة شديدة، لم تمت ولكنها متعثرة بسبب سياسة شارون، علما بأن
حكومة شارون أيضا تعاني من أزمة غياب الأفق الاستراتيجي أو مستقبل
دولة إسرائيل.
أميركا والجدار
< لكن قصة الاجراءات
من طرف واحد، التي ابتدعها شارون لم تثر ردود أفعال قوية في
أميركا، وهي الراعي الأساسي لعملية السلام، كيف نفهم ذلك؟
- الموقف الاميركي غير
واضح، ربما بسبب انشغال إدارة الرئيس بوش في موضوع العراق، وفي
شؤون محلية أميركية، فاتفاق خريطة الطريق ينص بوضوح على تجميد بناء
أي مستوطنات جديدة، مع إزالة جميع المستوطنات العشوائية، لكن-
وللأمانة- فإن واشنطن اعلنت رفضها فكرة أن يقوم طرف واحد باتخاذ
تدابير واجراءات معنية، وهي كانت اعترضت على مسار (أو خريطة)
الجدار العنصري، وإن لم تعترض عليه من حيث المبدأ، لكن جاء
اعتراضها على أن هذا الجدار سيتدخل في أراض مازالت محل تفاوض طبقا
لخريطة الطريق، ومن الواضح أن شارون يتلاعب، فهو يقول كلاما يرضي
الاميركيين من نوع أنه ينوي إزالة بعض المستوطنات، في الوقت نفسه
يقوم باستكمال الجدار العنصري، واستمرار البناء في المستوطنات
القديمة. ما يعني مصادرة 58
بالمئة من أراضي الضفة الغربية وعشرين بالمئة من أراضي قطاع غزة،
بالاضافة إلى أن المستوطنات القائمة مخالفة أصلا لقرارات الشرعية
الدولية، وهذه المسرحيات التي يمثلها شارون لكي يخدع بها الإدارة
الأميركية هي دليل قاطع على وجود مخطط إسرائيلي لفرض وقائع جديدة
علي الأرض، لكن مع ذلك فإن شارون قام بحملة علاقات عامة عندما
اعترف في خطاب عام «بأن كثيراً من قادة العالم وحتى أفضل أصدقائنا
احتجوا على هذه المستوطنات»، وقال أيضا «إن إسرائيل دولة قانون
وسوف تزيل المستوطنات التي تمت بدون سند قانوني» وكأن المستوطنات
الاخرى لها سند قانوني، والطريف أن شارون قرر إزالة ثماني مستوطنات
عشوائية ليس بينها سوى واحدة فقط هي المأهولة، وبموازاة ذلك أسس
المستوطنون تسع مستوطنات جديدة، وارتفع بذلك عددها الى ستين
مستوطنة عشوائية عدا المستوطنات الكبيرة الرهيبة.
أوروبا ضد التطرف الصهيوني
< ولكن أين الاتحاد
الأوروبي، أليس هو قوة مؤثرة في الخريطة العالمية، لماذا لم يحدث
تحرك لوقف الجدار العازل؟
- هناك دعم أوروبي
للموقف الفلسطيني، وبخاصة أمام محكمة العدل الدولية التي قررت
النظر بقضية الجدار العازل يوم 32 شباط - فبراير- الجاري، وما عدا
بريطانيا وألمانيا، هناك موقف أوروبي داعم لنا، وبدا ذلك من خلال
اعداد ملفات لتدعيم موقفنا الذي عبر عنه فريق عربي يقوده عمرو موسى
أمين عام جامعة الدول العربية، اضافة إلى فريق عمل فلسطيني برئاسة
ناصر القدوة مندوب فلسطين في الأمم المتحدة، وهناك تحركات يقوم بها
الدكتور نبيل شعث وزير الخارجية بين الدول الأوروبية. وعلمت أنه
حقق نجاحا في كشف الابعاد الخطيرة للجدار العازل العنصري على قضية
انشاء دولة فلسطينية، كما حصل على دعم مالي في زيارته الأخيرة لسد
عجز الخزينة، وذلك خارج الدعم المخصص للميزانية، وقد اعلنت دول
أوروبا أنها سوف تشارك في اعادة بناء مدينة رفح التي تعرضت للتدمير
بسبب ممارسات الاحتلال، وأريد أن أوضح هنا أنه من الضروري أن يكون
هناك تحرك عربي مكثف عن طريق الدول العربية ذات الصلة الوثيقة
بالإدارة الأميركية، فهناك جهود مصرية كبيرة- نحن نحترمها ونقدرها-
للضغط على إدارة بوش واقناعه بأن الأمن في المنطقة لا يعني فقط أمن
الشعب الإسرائيلي، وأن سياسة شارون الحالية، وبخاصة استمرار بناء
الجدار العازل وفرض أمر واقع باستعمال القوة على الأرض وتكريس
الاحتلال وهدم المنازل، وتهجير الفلسطينيين عن أراضيهم ومنازلهم
بالقوة العسكرية، ولابد للجهود العربية أن تتواصل، لأن قيام الدولة
الفلسطينية سيؤدي إلى حالة استقرار في المنطقة، بينما استمرار
الأزمة الحالية يؤدي إلى استنزاف للموازنات العربية، وألفت هنا إلى
أن الدعم العربي ينبغي أن يستمر وألا يتأثر بالهوجة الأميركية حول
ما يسمى بدعم الارهاب، فالشعب الفلسطيني ليس ارهابيا، وإنما يدافع
عن نفسه ضد من يحتل أرضه، ويرفض التجاوب مع المشروعات السلمية بما
في ذلك المشروعات الأميركية.
دولة ثنائية القومية
< لماذا الضجة
الأميركية الإسرائيلية على ما قاله رئيس الحكومة أحمد قريع (أبو
علاء) بشأن «العودة إلى فكرة ثنائية القومية إذا لم تلتزم إسرائيل
بخطة الطريق، وأن توقف بناء الجدار الفاصل»؟
- الفكرة الجوهرية هنا
هي أن السلطة الفلسطينية وإسرائيل وافقتا على خطة خريطة الطريق،
لكن هنا كطرف التزم بها، وهناك طرف يقوضها، فإذا جاء الطرف الأول
وقال إنني لن التزم طالما أن الآخر لم يلتزم، فإن ذلك يكون منطقيا
وواقعيا ورد فعل طبيعيا، أليس كذلك؟
إن هذا هو ما فعله رئيس الحكومة أحمد قريع،
فالاجراءات الإسرائيلية الحالية مثل بناء المستوطنات الجديدة أو
توسيع القديمة، واستمرار بناء الجدار العنصري، والاقتحام اليومي
لأراضي الحكم الذاتي سيحول دون اقامة دولة فلسطينية، وحكومة شارون
تريد بوضوح اقامة دولة يهودية تقتصر على اليهود فقط، وهذه الحكومة
تفرض وقائع على الأرض، وتسعى لوضع الفلسطينيين في الضفة والقطاع في
كانتونات أو معازل يستحيل لها أن تتيح لهم اقامة الدولة الفلسطينية.
ومن الطبيعي أن تثير إسرائيل ضجة حول تصريحات
رئيس الحكومة وان تتضامن معها واشنطن، لكن يبقى أن حق الشعب
الفلسطيني في اعلان دولته يستند إلى الشرعية الدولية والاتفاقات
المبرمة مع الجانب الإسرائيلي، بما في ذلك «أوسلو»، في حين أن
التوجهات الإسرائيلية لفرض واقع من طرف واحد مخالفة لكل ما هو شرعي
أو حتى لكل ما اتفق عليه، بما في ذلك خطة خريطة الطريق، التي أصبحت
مرجعية لمسيرة التسوية، ولست اعرف عن أي دولة فلسطينية يتحدثون إذا
كان العام المقبل هو العام الافتراضي لاعلان الدولة، بينما
الدبابات الإسرائيلية موجودة في جميع مدن الضفة وفي بعض احياء غزة،
كما أن الجرافات الزراعية الإسرائيلية تقتلع الأشجار وتدمر التربة،
أين هي الدولة الفلسطينية التي ستعلن العام
2005 هل ستعلن على خراب
ودمار وأطلال؟!
مستقبل الانتفاضة
< قال رئيس أركان
الجيش الإسرائيلي الجنرال موشيه يعالون إن المرحلة الأشد من
الانتفاضة انقضت، وقد صفينا عشرات من كوادر المقاومة، ما هو تصورك
لمستقبل الانتفاضة؟
- اعتقد أن يعالون يعبر
عن أمنياته أكثر مما يرصد حقائق ملموسة في أرض الواقع، صحيح أن
التوغلات العسكرية اليومية في كل مدن الضفة وغزة أسفرت عن اعتقال
عشرات من كوادر المقاومة، فضلا عن سياسة الاغتيالات لكن الحقيقة
أيضا أن المقاومة الفلسطينية ولاّدة، ففي كل فترة يولد جيل جديد من
رحم المأساة، ماذا يفعل الطفل الفلسطيني إذا شاهد جيش الاحتلال
يقتل أبيه أمام عينيه؟! في هذه اللحظة يتولد وعي جديد، وشعور جديد
بأنه لا يمكن التعامل مع هذا الاحتلال إلا من خلال القوة، واعتقد
أن العاصفة سوف تأتي، لأن كل مقومات ميلادها موجودة، (جرى هذا
الحوار بعد ساعات من الاعلان عن عملية فدائية قامت بها احدى
العناصر النسائية في حركة فتح اسفرت عن مصرع أربعة جنود إسرائيليين
واصابة عشرة آخرين في غزة) فالاستفزاز الإسرائيلي يوميا ضد الشعب
الفلسطيني لن ينتج حقول ريحان وياسمين، بل سوف ينتج الشهداء في
صفوفنا والقتلى في صفوفهم، ومنذ قام شارون باقتحام حرم المسجد
الاقصي في 28/9/2000
وحتى اليوم خسر المجتمع الإسرائيلي أكثر من ألف قتيل وحوالي عشرة
آلاف جريح وهذا رقم ضخم إذا نظرنا إلى اجمالي عدد اليهود في
إسرائيل، فهم شعب ليس لديه احتياطي استراتيجي، أما الشعب الفلسطيني
فلديه احتياطي بشري كبير، ولذلك فإن الانتفاضة مستمرة لكن بأشكال
مختلفة، ليس بالضرورة العمليات الاستشهادية داخل الخط الأخضر أو
(إسرائيل) فهناك ابداعات عند الشعب الفلسطيني، خذ مثلا حماس التي
كان لها رأي في مشاركة المرأة في عمليات المقاومة، هي التي دفعت
مؤخرا إحدى نسائها لكي تنفذ عملية استشهادية، وهذا تطور فكري وحركي
مهم للغاية، لماذا؟
أقول إن هناك سببين هما: أن إسرائيل رفضت جميع
المبادرات الرامية إلى تهدئة الأوضاع، ووقف قتل المدنيين، وكان
الشيخ أحمد ياسين زعيم حماس اعلن استعداد الحركة وقف العمليات ضد
المدنيين، لكنه لم يجد استجابة منذ حوارات الهدنة الأولى في آيار -
مايو 2003 وحتى
اليوم، بل إن الحاصل هو أن السلطة الإسرائيلية اعادت احتلال جميع
مناطق الحكم الذاتي، وفي حين أن خريطة الطريق تنص على اقامة دولة
فلسطينية قابلة للاستمرار فإن شارون لم يفكر أبدا في امتداد هذه
الدولة على أكثر من 24 بالمئة من الضفة الغربية التي نصت عليها
اتفاقات الحكم الذاتي بموجب اتفاقات أوسلو، والتي اعاد الجيش
الإسرائيلي احتلالها بالكامل، هنا نعود إلى النقطة المهمة، هي أن
شارون دفع حكومته إلى اعتماد خريطة الطريق لأسباب محض تكتيكية،
لأنه لا يمكن أن يقول لا لجورج بوش لكنه يعمل بطريقته على نسفها من
جذورها.
النساء الاستشهاديات
> لكن إذا كان شارون
قال إنه يوافق على خريطة الطريق على مضض، باعتبارها أهون الشرين،
فإنه قال أيضا «إنه من غير المبرر ومن غير المنصف الاستمرار في
السيطرة على أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون فلسطيني» فكيف هذا
التناقض؟
- في الواقع إن شارون
درج على عادة اصدار مواقف متناقضة حيث يدلي يوما ما بتصريحات تدفع
على الاعتقاد بأنه مستعد لـ «لتنازلات مؤلمة» للتوصل إلى السلام
قبل أن يصرح بالعكس بعد ذلك، فهوا ذات مرة (نيسان- أبريل
2003) قال ودون لبس أن
المستوطنات يجب أن تفكك في اطار اتفاق سلام، حتى أنه عدد بعضها
بالأسماء، لكن بعد شهر اعلن أن ذلك غير وارد، وأنه أسيء فهمه، لذلك
تصعب الثقة بهذا الرجل، الذي اتفق الناس جميعا - إلا الرئيس
الاميركي جورج بوش- على أنه لا يريد السلام ولا يريد دولة
فلسطينية، فهو يصاب بنوع من الصرع إذا سمع كلمة دولة فلسطينية فهي
كلمة كريهة علي اذنيه ونفسيته، ونحن من جانبنا نقول إنه ما لم يعط
الشعب الفلسطيني حقوقه ودولته لن يكون هناك أمن ولا استقرار للشعب
الفلسطيني.
> قلتِ أن هناك سببين
لقيام حماس باختيار امرأة لتنفيذ عملية استشهادية، وقلتِ السبب
الأول وهو تعثر كل المشروعات السلمية وكذلك الهدنة العسكرية، فما
هو السبب الثاني؟
- ارادت حماس أن تقول
لشارون إنك إذا قمت باغتيال الكوادر الرجال، فإن هذا لا يعني تصفية
القضية الفلسطينية، فهناك النساء جاهزات لعمليات استشهادية
ولعمليات المقاومة، وهذا تطور مهم في فكر حركة حماس من جهة، حيث
نظر بشكل متساٍو بين المرأة والرجل، وادرك أن الحياة والنضال
يمضيان بالتساوي والتكافؤ وتوزيع الاعباء بين الرجل والمرأة، فالكل
شركاء في الوطن، والأمر المؤكد هو أن جهاز «الشين بيت» أو الأمن
الداخلي الإسرائيلي قدم تقريرا جديدا لرئيس الحكومة الإسرائيلية عن
حالة المقاومة في صفوف النساء الفلسطينيات، وكيف أن هناك حشدا من
المناضلات في انتظار الفرصة، والمهم هنا هو أن المقاومة والانتفاضة
لن تهزم طالما أن الحق معها، ومازلت أقول إن أي تسوية سياسة غير
عادلة هي تسوية غير ناجحة، وستفشل لأن التاريخ يعلم الشعوب مثل هذا
المنطق، وأن توفير العدالة شرط أساسي لنجاح أي اتفاق وإلا فإن
التسوية غير العادلة تمهد الطريق لحرب أخرى ولانفجار آخر.
مباحثات الهدنة في القاهرة
< مفاوضات الهدنة في
القاهرة التي جرت في كانون أول -ديسمبر-
2003 لم تنجح، بل فشل قادة الفصائل في
الوصول إلى اتفاق لوقف اطلاق النار لفترة محددة، ما هو تفسيرك؟
- دعني احتلف معك، لأن
حوار الفصائل الفلسطينية الذي ضم ممثلي 21 فصيلا في القاهرة لم
يفشل، نظرا لأن جمع هذا العدد من التنظيمات في هذه الظروف أمر صعب
للغاية، لكنه مهم جدا، فغياب الحوار الفلسطيني- الفلسطيني أدى في
السابق إلى كوارث تحملها الشعب الفلسطيني، لذلك فإن اللقاء في حد
ذاته أمر مهم ومفيد، ثم إن عرض وجهات النظر، واستماع كل طرف للآخر،
هو أيضا أمر مفيد، يبقى أن النتائج نفسها التي توصل إليها الحوار
هي أيضا محل نظر، فإذا كان المجتمعون لم يوافقوا على وقف اطلاق
النار، واختلفوا حول تفويض السلطة الفلسطينية، ولم يتفقوا على
مسألة تحييد المدنيين الفلسطينيين والإسرائيليين من الصراع، ولكنهم
تقاربوا حول نقاط مصيرية عدة كانت مثار خلافات ولا سيما حول اهداف
النضال الفلسطيني، فقد نجح الفلسطينيون في ارسال رسالة مهمة إلى من
يعنيه الأمر وهي أن الفلسطينيين يعتمدون الحوار كوسيلة لحل
خلافاتهم وتقريب وجهات نظرهم.
وهناك رسالة إلى الشعوب العربية هي أن الاختلاف
في الرأي لا يفسد للنضال قضية، فقد اختلفت السلطة مع الفصائل، ورفض
قادة الفصائل اعطاء تفويض مطلق للسلطة لكي تتفاوض مع إسرائيل،
وقالوا علينا أن نبحث معا كل قضية على حدة قبل أن نتخذ القرار
سويا، وهذا منهج محترم في الحياة بشكل عام، وفي أوقات الازمات على
وجه الخصوص.
حركات سلام إسرائيلية
< في هذا الاطار، هل
هناك فعلا حركات سلام في إسرائيل، وهل لها تأثير، وكيف تنظرين إلى
قرار بعض الطيارين، وبعدهم جنود النخبة، رفض الخدمة العسكرية ضد
الشعب الفلسطيني الأعزل؟
- جزء من الحقيقة التي
لا تحظى بضوء هي أن إسرائيل ليست كلها أشرار كارهين للعرب، فهناك
أصوات معتدلة عادلة تنبذ العنصرية، وترفض سياسات الدولة، وتدافع
أحيانا عن حق الفلسطينيين في اقامة دولتهم المستقلة، وبغض النظر عن
ما هو معروف في العالم العربي عن حركة السلام الآن وعن بعض الأجنحة
في حزب العمل أو في اليسار الإسرائيلي، فالواقع أن هناك أصواتاً في
الاعلام الإسرائيلي مهمة للغاية ينبغي أن نركز عليها، ويجب أن
يسمعها العالم كله، لأنها ربما تكون بالنسبة للعالم الخارجي أكثر
مصداقية واقناعا مني ومنك، باعتبارها أصواتاً إسرائيلية تنتقد
حكومة إسرائيل وسياساتها، من بين هذه الأصوات الكاتبة باتيه جور
التي ترفض السياسة الشارونية الرامية إلى اذلال الفلسطينيين
وقمعهم، والروائي جوشوا سوبول الذي ساند حركة الطيارين الرافضين
للقيام بمهام قتالية المناطق الفلسطينية، وصحيفة هآرتس التي شبهت
أحد السجون السرية الإسرائيلية بـ «جوانتانامو الأميركية» وانتقدت
ما يجري في هذه السجون من تعذيب وحشي للشباب الفلسطيني وللفتيات
الفلسطينيات، وهناك رأي تتبناه أحيانا صحيفة «يديعوت احرونوت»،
يستحق الوقوف عنده، وهو أن الهجمات الاستشهادية (الانتحارية)
الفلسطينية نجحت في القضاء على قيمنا الأخلاقية، وجعلتنا نقبل
السياسة العدوانية عديمة الجدوي للجيش الإسرائيلي، وهذا يؤدي إلى
مزيد من الكراهية.. هذه الأراء تؤكد على وجود انصار للسلام في
إسرائيل مقابل اغلبية ساحقة تتبنى الفكر الصهيوني العنصري المشحون
بالكراهية للعرب، ولا تجد في القاموس اللغوي سوى الشتائم لتحقير
العرب والتحريض ضدهم.
حماس ووثيقة جنيف
< لماذا- في رأيك-
رفضت السلطة الفلسطينية (تصريحات صائب عريقات) عن وجود حوار بين
أميركا وحركة حماس بينما غضت الطرف عن اتفاق وثيقة جنيف؟
- معروف أن الإدارة
الأميركية تفتح خطوط اتصال مع كل الأطراف في كل مكان، حتى في الدول
الموالية لها، ومن الطبيعي أن تكون هناك اتصالات بين دوائر أميركية
والحركات الفلسطينية، لكن المهم هنا هو عدم قيام سلطة موازية
للسلطة الفلسطينية لأن من شأن ذلك حدوث انقسام في الرأي، وهذا ما
فهمته من تصريحات صائب عريقات، وتابعت ما قاله عبد العزيز الرنتيسي
من أن أميركا تسعى إلى دق أسفين بين الفصائل الفلسطينية، وعلينا أن
نكون حذرين، وألا نعطي الفرصة لأحد لكي يوقع بين فعاليات الشعب
الفلسطيني ومنظماته، لأن هدفنا جميعا هو تحرير فلسطين وإقامة
الدولة المستقلة والخلاف في الأساليب.
ومن مصلحتننا أن ندعم
الاتجاه الراغب في السلام، المؤمن في حق الشعب الفلسطيني في اقامة
دولته المستقلة، فإذا كان المستوطنون الصهاينة نظموا سلسلة تظاهرات
لمجرد أن شارون قال شيئا عن المستوطنات العشوائية، وضرورة ازالتها،
فإن قادة حركة رفض الخدمة العسكرية في الأراضي المحتلة بما فيهم
قوات النخبة نظموا تظاهرة رافضة للعمل كحماة لمستوطنات غير شرعية
واختاروا تنظيم التظاهرة عند معبر كيسوفيم في قطاع غزة شارك فيها
طيارون من سلاح الجو الإسرائيلي وضباط وجنود من هيئة الأركان
واعضاء في الكنيست ومواطنون فقدوا أبناءهم، ورسالة هذه التظاهرة هي
أن الشعب الإسرائيلي يدفعه أولاده للذهاب إلى المستوطنات لكي يلقوا
حتفهم هناك، بدون أي معنى سوى تطبيق خطط الليكود المتطرف.
وماذا عن وثيقة جنيف؟
< بعيدا عن مواقف الرفض
المسبقة فقد يكون من الصعوبة بمكان عرض محتويات اتفاق بحجم وثيقة
جنيف هذه وخرائطها التفصيلية ورغم اعتراضنا وتحفظاتنا المفهومة
والمشروعة على العديد من بنوده فإن ما يميز هذا الاتفاق على نحو
خاص أنه الأول منذ صدور قرار التقسيم الدولي رقم 181 في
29 تشرين الثاني-
نوفمبر - 1974
الذي يختلف من الأساس عن كل المبادرات والاتفاقات والخطط التي قدمت
من قبل لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي بدءا من القرار 242 الشهير
الذي صدر العام 1967
ومرورا باتفاقيات كامب ديفيد الأولى لسنة
1978 ومبادرة بريجنيف
1981 ومبادرة ريجان
1982 واتفاقية
أوسلو 1993
وصولا إلى خريطة الطريق 2003.
لأن اتفاق جنيف، على عكس كل هذه المبادرات «جابها من الآخر» على حد
التعبير المصري الدارج بينما كانت المبادرات التي سبقته تقف مقلوبة
على رأسها فتتفق أولا على تفاصيل المراحل، ولكن من دون أن تحدد
بوضوح وبدقة طبيعة الحل النهائي نفسه وتفاصيله، ففي أوسلو مثلا تم
الاتفاق على مرحلة انتقالية من خمس سنوات وفي السنة الثالثة منها
يبدأ التفاوض حول الحل النهائي بقضاياه الخمس الأساسية (الدولة
المستقلة، القدس، اللاجئين، المستوطنات، الحدود، المياه) وفي خطة
خريطة الطريق تكرر الخطأ نفسه مع بعض التعديلات فقد أعلن أن الهدف
النهائي هو اقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل ولكن يجب أن تمر
بمرحلة انتقالية هي «الدولة المؤقتة» من دون أن تحدد مساحتها ثم
يعود الطرفان للتفاوض حول القضايا الخمس الأساسية نفسها، وكانت
النتيجة الوحيدة التي حصلنا عليها دائما من هذا الوضع المقلوب هي
فقط تحقيق نبوءة اسحاق شامير الذي قال في مؤتمر مدريد العام 1991
إن إسرائيل مستعدة للتفاوض لعشرين سنة قادمة، وبعدها قال اسحاق
رابين إنه لا توجد بالنسبة لإسرائيل مواعيد مقدسة، وهكذا اعطت هذه
المشاريع لإسرائيل الذرائع التي تعوزها للمماطلة والتسويف حتى
أزهقت روح أوسلو وانقضت السنوات الخمس ولم نكن قد انتقلنا بعد مما
نصت عليه الاتفاقية في سنواتها الأولى الثلاث ولم يكن من الممكن أن
نتوقع في أحسن الاحوال ما هو أكثر من «الدولة المؤقتة» إذا ما اضطر
شارون تحت ضغط دولي لتنفيذ خريطة الطريق وبعدها نعود إلى التفاوض
مرة أخرى وإلى ما لا نهاية حول القضايا الخمس الأساسية نفسها محل
الصراع.والنزاع.
أين الرأي العام العالمي؟
< المعروف عنكِ هو
احترامكِ «الرأي العام الدولي» لكن عندما اظهر استطلاع للرأي اجرته
المفوضية الاوروبية أن 95 بالمئة من الأوروبيين يعتبرون إسرائيل هي
الخطر الأكبر على السلام في العالم شنت إسرائيل في اليوم نفسه
هجوما على الضفة، وعندما صدر قرار الأمم المتحدة بأغلبية 241 صوتا
بعدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية، قامت إسرائيل
باقتحام غزة.. هل لديك تعليق؟
- نعم، أريد أن افرق
هنا بين أمرين، الأول هو أن هناك رأياً عاماً عالمياً قوياً
ومؤثراً في القرار الدولي ولو بدرجة بسيطة، وعلى مدى طويل إلا أن
الأمر الثاني هو أن إسرائيل كيان لا يعترف بالشرعية الدولية، ولا
الرأي العام ولا حتى بكتل دولية عظمى مثل الاتحاد الأوروبي، ولا
يعني ذلك أن تهمل الرأي العام الأوروبي والأميركي ولا أي رأي عام
في العالم حتى في المكسيك، لماذا؟
أقول لك، عندما صدر استطلاع المفوضية الأوروبية
لم تنم القيادات الإسرائيلية، واكاد أقول إنه كان من الأيام السود
في تاريخ إسرائيل، وهم تحركوا على الاصعدة كافة، واستعملوا جميع
الأساليب للتشويش على نتائج هذا الاستطلاع، واعتباره «مكيدة
عربية»، ومعنى ذلك أن إسرائيل بكل غطرستها وقوتها لا تستطيع أن
تتجاهل الرأي العام الأوروبي، ولا قرارات الأمم المتحدة، ومن بينها
القرار الذي اشرت اليه والذي اعتمدته اللجنة الاقتصادية في الأمم
المتحدة، بأغلبية 241 صوتا ومعارضة ثلاث دول فقط والذي نص على
سيادة دائمة للشعب الفلسطيني على أراضيه المحتلة، وموارده الطبيعية
بما فيها القدس الشرقية، وكذلك بالنسبة للسكان العرب في الجولان
السوري، فقد أكد المجتمع الدولي من خلال اعتماده القرار ضرورة توقف
إسرائيل عن سياستها الاستعمارية والسياسات التي تلحق الضرر
بالأراضي الزراعية وموارد المياه الفلسطينية، مشيراً لإيجابية
ابراز المجتمع الدولي للآثار الخطيرة التي يلحقها الجدار العازل
بالمجتمع الفلسطيني علي جميع الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية،
وطالب القرار إسرائيل بصفتها- سلطة احتلال- بعدم استغلال الموارد
الطبيعية في الاراضي المحتلة أو التسبب في ضياعها أو نفاذها أو
تعريضها للخطر، بل هناك بعد مهم جدا في قرار الأمم المتحدة هو
ضرورة أن تدفع إسرائيل تعويضات للشعب الفلسطيني نتيجة استغلال
موارده الطبيعية.
تحالف الصهيونية مع اليمين الأميركي
< يا دكتورة، كل هذه
القرارات لا نستفيد منها شيئا؟!
- بالعكس، بدون هذه
القرارات، وبدون الرأي العام الأوروبي والأميركي والعالمي لن نستطع
محاصرة إسرائيل، والضغط على أميركا، وإذا كنت تبحث عن الحلول
الواقعية، فإن هذه الحلول لن تأت صدفة، ولن تهبط من السماء،
فالواقع هو أن هناك تحالفاً أميركياً إسرائيلياً كبيراً، وهناك سعي
لجذب دول أوروبية مثل ايطاليا وأسبانيا ودول أخرى إلى هذا التحالف
الذي له خلفيات ايديولوجية وأخرى نفعية، ومهمتنا هي خلخلة هذا
التحالف واضعافه وتفكيكه من خلال الضغط العالمي. ضغط الضمير الدولي
على طرف يمتلك كل مقومات القوة، وكما نلاحظ فإن أميركا تفرض قرارها
على العالم كله من خلال قوتها الاقتصادية، لقد استطاعت أميركا أن
تخترق الاتحاد الأوروبي من خلال عشر دول جديدة، ومن خلال اعادة
صياغة مواقف بريطانيا والبرتغال واسبانيا وايطاليا لمحاصرة ألمانيا
وفرنسا. وبناء على ذلك، ووفق الاغراءات المالية والاستثمارات
والعطاءات والمنح والمعونات، تمكنت اميركا من تقسيم أوروبا إلى
أوروبا قديمة وأخرى جديدة، من يملك مثل هذه القدرات لا تستطيع أن
تناطحه، ولكن تستطيع الضغط عليه من خلال آليات الضمير الدولي، ومن
خلال الرأي العام ، والاعلام ومؤسسات المجتمع المدني، نحن نتعامل
مع استبداد دولي، وديكتاتورية اليمين المحافظ المتحالف مع
الصهيونية، وعلينا أن نتعامل بذكاء، وعن طريق تشجيع الضمير العالمي
على التصدي لمسلسل الغطرسة، وفرض الواقع بقوة السلاح، انظر مثلا
إلى ما كان يطرحه اليمين المحافظ في اميركا، انظر إلى افكار
ريتشارد بيرل، الذي كان يريد إنهاء صيغة اوسلو، وطرد الرئيس عرفات
والسلطة والمجلس التشريعي خارج الضفة، وحصر الفلسطينيين كلهم في
غزة وترحيل الباقي إلى دول أخرى كالعراق والأردن وسيناء في مصر، لم
يكن سهلا ايقاف هذا الفكر العنصري إلا من خلال فضحه في وسائل
الاعلام الدولية، ومن خلال الأحزاب الأوروبية وكذلك الأحزاب
الاميركية الرافضة لهذا المنهج العنصري، من هنا مازلت أرى أهمية أن
يتواصل الجهد العربي لإقناع الضمير العالمي بخطورة استمرار
الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، فالظاهرة الاستعمارية انتهت من
العالم كله إلا فلسطين، ومن العار علي انسان الالفية الثالثة
والقرن الواحد والعشرين أن يعيش في عالم مازالت فيه دولة تحتل
أخرى، وشعب يقهر شعبا اخر، ويفرض عليه متى يأكل ومتى ينام، ومتى
يحيا ومتى يموت، هذا عار على الانسانية، ونحن نريد أن نطهر العالم
منه من خلال حصولنا على حقوقنا.
دولة في سوريا ونهر الأردن
< اللجنة المركزية
لحزب الليكود تبنت اقتراحات لرئيس بلدية رعنانا عوزي كوهين بترحيل
طوعي للفلسطينيين، وانشاء دولة فلسطينية بين نهر الأردن وسوريا
بدعم دولي وأميركي، كيف تنظرون إلى هذا السيناريو؟
- الفكر الصهيوني لم
يتوقف عن طرح أفكار وسيناريوهات لطرد الفلسطينيين، وهم يريدون دولة
فلسطينية على المريخ وليس على أرض فلسطين، وهم على استعداد لتمويل
عمليات ترحيل جماعية للشعب الفلسطيني إلى المريخ وللعلم فإن كوهين
رعنانا يتمتع بنفوذ كبير في أوساط منتسبي حزب الليكود، حتى أن جميع
وزراء الحزب الأكبر في الدولة ونوابه يقصدونه من أجل مساعدتهم على
تجنيد الأصوات لانتخابهم لقائمة الحزب البرلمانية، وقد سبق لكوهين
أن وصف العرب والمسلمين بأوصاف عنصرية، وخطته الجديدة في سيناريو
«مشبوه» لن تحصل على أي قبول دولي، لأن العالم كله ارتضى وقبل
بفكرة اقامة دولتين، أما الافكار الصهيونية فهي كثيرة، وكل أسبوع
تطالعنا الصحف الصهيونية بمشروعات سياسية، وكأننا في مزاد لأرض بلا
شعب كما يزعمون، أريد ان اقول ان الشعب الفلسطيني صار اليوم اكبر
عددا من الشعب الإسرائيلي، ونحن نمثل خطرا استراتيجيا عليهم، وفي
العام 2020
سيكون الشعب الفلسطيني في الضفة وفي تل أبيب وفي كل فلسطين
التاريخية قد تجاوز عدد السكان اليهود، لذلك فإن فكرة اقامة دولة
ثنائية القومية اثارت الرعب في قادة الكيان الصهيوني، لانهم يعرفون
ان المستقبل هو للشعب الفلسطيني، ومهما طال الزمن فإن الدولة
الفلسطينية ستقام، وربما تبدأ ضعيفة، وهذا امر معروف، لكن هل من
احد يعلم ما سوف تأتي به الايام، نحن شعب تعلم الصبر حتى صار
طعامنا اليومي، ولا بد أن بعد الصبر امرا، ونحن مصممون على استكمال
مسيرتنا لتحقيق الهدف الاساسي وهو إعلان الدولة الفلسطينية بموجب
«خريطة الطريق» التي دعمها مجلس الامن بموجب القرار
1515 وقبله القرار
1497 الذي ينص
على اقامة دولة فلسطينية ذات سيادة في الضفة والقطاع.
اللاجئون لا يشترون بالدولار
< وماذا عن حق العودة،
والى أي أرض سوف يعودون، وماذا يمكن أن يحدث إذا رفضت إسرائيل،
وبشكل قاطع عودتهم، ما هو البديل الممكن؟
- إن نزوح الفلسطينيين
في العام 1948
لم يكن عملا تلقائيا أو اختياريا من جانبهم، لكن بموجب برنامج
صهيوني تم التفكير فيه، والاعداد له من قبل القيادة الصهيونية، وتم
تنفيذه بالقوة والقسوة المفرطة، وقد اعترف العالم كله بأن تهجير
الفلسطينيين تم بالقهر، لذلك صدر قرار الجمعية العامة للأمم
المتحدة رقم 194
القاضي بعودة اللاجئين إلى ديارهم وهو قرار ملزم ويجب احترامه، لكن
إسرائيل تعمدت تدمير كل قرى النازحين الفلسطينيين وأسكنت
الإسرائيليين مكان من طرد من المدن الفلسطينية مثل القدس ويافا
واللد والرملة وطبريا وعكا وصفد ومدن اخرى كثيرة، وهذه
الاستراتيجية لا تلغي ابدا حق العودة.
لقد ذهب سيلفان شالوم وزير الخارجية الإسرائيلي
الى أديس أبابا مؤخرا من أجل وضع برنامج لهجرة
18 ألفا من يهود
الفلاشا، بدعوى تجميع اليهود في أرض فلسطين، ومع ذلك فإن السلطات
الإسرائيلية ترفض عودة الفلسطيني إلى أرضه، لأنها تدرك أن هناك
مليون فلسطيني داخل إسرائيل حاليا، وهناك ملايين في الشتات ينتظرون
فرصة العودة الى ديارهم، وهم لم ييأسوا، ويخطئ من يعتقد أن
الفلسطينيين في المنافي نسوا قضيتهم، فقد برهن الشعب الفلسطيني في
المنافي على أنه شعب حي، شعب لم يمت سياسيا، ولم يمت اجتماعيا
وثقافيا، حافظ على وجوده كشعب رغم الشتات فأنتج قادة سياسيين،
وأنتج علماء ومؤرخين واكاديميين، وأنتج رجال أعمال وإداريين وشعراء
وروائيين وفنانين، وسجلت النخبة لنفسها موقعا في خريطة الانتاج
العربي المتنوع.
ولا ننسى حقيقة مهمة هي ان الشتات الفلسطيني هو
الذي نظم واطلق ثورة 1965،
وهو بالتالي يستطيع، حين يعامل بعدل، ان يطلق ثورة مسلحة اخرى حين
تتبلور ظروف مناسبة لذلك، فسكان المخيمات ليسوا من المعدمين
الفقراء، فهؤلاء جزء من اللاجئين، أما الجزء الاكبر فهم شرائح
كبيرة من اللاجئين المتعلمين الذين استطاعوا مواجهة الشتات القاسي
بكفاءاتهم الشخصية وبكفاءات تضامنهم العائلي ونجحوا، وهذا النوع
من اللاجئين لا تعالج مشكلته بالتعويض المادي ولا بحفنة دولارات
هذا النوع من اللاجئين يبحث عن هويته، وعن أرضه وعن انتمائه، وهو
يعرف ما يبحث عنه، أين هو موجود ويعرف كيفية الوصول اليه، ولعلي
أؤكد هنا أن الذين يرفضون حق العودة يبشرون بحلول تفشل ويبشرون
بثورات تتجدد، ويبشرون بحروب تعصف بالمنطقة العربية كلها، والذين
يدعون الى الإقرار بحق العودة لا يفعلون ذلك من اجل إنصاف اللاجئين
الفلسطينيين فقط، بل يفعلون ذلك من اجل الوصول الى حلول واتفاقات
تستطيع ان تعيش وتنجح، والاهم من ذلك حلول تفتح الباب امام
المستقبل، مع التأكيد على انه لا يجوز تحت اي ظرف كان ان يتنازل
المفاوض الفلسطيني عن حق العودة، فهذا حق شخصي لا يجوز لسلطة أو
شخص ان ينوب عن اللاجئ الفلسطيني في تحديد حقه، وهو حق لا يسقط
بالتقادم، ولا يتأثر بإقامة دولة فلسطينية على اي جزء من ارض
فلسطين.
< من خلال نظرة
استشرافية للمستقبل، كيف تتوقعين نهاية الصراع الفلسطيني
الإسرائيلي؟
- قناعتي بأن الشعوب لا
تخسر القضايا، ولكن قضايا الشعوب تحتاج الى اوقات غير اوقات
الافراد، وعلينا نحن الذين نمتلك تلك العيون الرائية الحساسة،
والتي ترى الآفاق البعيدة الا تيأس كما ييأس ابن الشارع العادي،
وان نبقي هذا الحلم بين ايدينا، انني اعتقد انه لا يمكن نفي اليهود
بالمطلق لانهم يهود او نفي الفلسطينيين بالمطلق لانهم فلسطينيون،
ولذلك فإن التعايش هو الحل الوحيد الممكن، واقامة دولتين هو حل
مقبول حتى وان كان كثيرون في فلسطين يطالبون بدولة على كل فلسطين،
وكما هناك إسرائيليون لا يريدون أبدا دولة فلسطينية لكن الحل الوسط
هو وجود دولتين بينهما تعايش وسلام وليس قتل وعداء. |