|
قداسة البابا
شنودة الثالث بطريرك الكرازة المرقسية في مصر لـ «النور»
-أنا قبطي ومصري
وعربي وأحن إلى القدس
حاوره: محمد السخاوى
قداسة البابا شنودة الثالث، بطريرك الكرازة
المرقسية ليس فقط رجل دين بالمعنى الكهنوتي بل هو الذي يمثل طائفة
الأقباط الارثوذكس في مصر، وهو الرمز القبطي الذي له اسهامات كبيرة
في تكريس مفاهيم الوحدة الوطنية في اوقات عصيبة مرت على البلاد،
لكنه مع ذلك مثقف وصحافي (له عضوية في نقابة الصحافيين في القاهرة)
له آراء مثيرة للجدل في خصوص العلاقة مع إسرائيل، فهو صاحب الفتوى
الشهيرة بعدم قيام أقباط مصر بالحج إلى الاماكن المقدسة في القدس
الا بعد تحريرها، ومن دون مقدمة طويلة ندخل إلى هذا الحوار الصريح
الذي يكشف عن سعة صدره، وقبوله لكل الاسئلة مهما كانت حرجة من وجهة
نظري.
هل هناك أسباب نفسية تحول دون مشاركة
الأقباط بفعالية فى الحياة الثقافية والسياسية، ولماذا لا نجد الا
اعدادا قليلة من الأقباط تمارس العمل العام، ما هو السبب؟
- لا استطيع ان اقول ان
هناك قاعدة عامة بأن جميع الأقباط أو المثقفين الأقباط لا يتعاطون
العمل السياسي أو العمل العام، فالواقع ان نسبة كبيرة من المثقفين
بعامة، سواءً كانوا مسلمين أو أقباط لا يعملون أو ينشطون في العمل
العام، ربما لأن ما تطرحه الأحزاب المؤيدة والمعارضة على حد سواء
لا يجذب هولاء إلى العمل أو ربما هناك قيود أخرى شخصية أو عامة،
نحن من طرفنا - في الكنيسة -نشجع الناس على أن ينشطوا في العمل
العام، وفي خدمة بلدهم بكل الطرق والأساليب المتاحة لهم، ونحن نحبذ
ونشجع على ان يقيد الأقباط اسماءهم في جداول الانتخابات، ولا نعتقد
ان هناك أسبابا نفسية تحول دون المشاركة العامة في الحياة السياسية.
لكن هناك أسباباً تتعلق بعدم توفر الفرص
الكاملة لكي يشارك المثقفون من كل الطوائف، ومن كل التيارات، ولاشك
أن هناك تقدماً أو انفتاحاً كبيراً قد حدث في مصر على صعيد حرية
العمل الحزبي، وحرية العمل الصحافي، لكن المرء دائماً يطمع في
المزيد.
دولة أسيوط القبطية
يتردد بين الحين والآخر سيناريوهات ربما هي
حقيقية، وربما من وحي الخيال عن تقسيم مصر، واقامة دولة قبطية في
الجنوب، كيف تنظرون إلى هذه السيناريوهات؟
- انا اقرأ احياناً مثل
هذا الكلام وأضحك، فالذين يكتبون أو يخترعون مثل هذه السيناريوهات
لا يعرفون شيئا عن المجتمع المصري، فهذا المجتمع متماسك للغاية،
هناك بلد واحد، وجيش واحد، وعلم واحد، وقيادة واحدة، ولا مجال
للنزاعات الطائفية، ففي بعض الدول تجد مناطق معينة يسكنها ابناء
طائفة معينة، وربما تجد عند هذه الطائفة جيشاً أو ميليشيا اما في
مصر فإن هناك حالة اندماج اجتماعي، ففى "العمارة" الواحدة تجد
سكاناً مسلمين وآخرين أقباطاً، لذلك كنت اندهش من عبارات اسمعها عن
دولة للأقباط في اسيوط، وأقول ان هذه نكتة، فلو عرض على الأقباط
دولة في اسيوط لرفضوها فوراً، لأن القبطي يريد ان يكون مصرياً وان
يظل مصرياً، وهو لا يريد ان ينتسب إلى احدى المحافظات، لا يمكن ان
يستبدل الكل بجزء، ولا يمكن أن يترك الأقباط جميع مقدساتهم
واديرتهم التي هي أقدم اديرة في العالم، المنتشرة في كل بقاع مصر
لكي يتقوقعوا في أسيوط. اذ ليس معقولاً ان يترك القبطي أمنه الكامل
في الاختلاط مع أخيه المسلم، بحيث يتجمع الأقباط في مدينة واحدة،
فإذا اراد احد ان يفتك بهم، تمكن منهم بسهولة، وقضى عليهم بيسر،
هذا لا يمكن أن يحدث، لأن كل شارع وكل بيت وكل مدرسة وكل مستشفى
فيه المسلم وفيه القبطي، وهذا هو الأمن بعينه.
التطبيع وزيارة القدس
هناك لغط كثير حول حدود الدور السياسي
للكنيسة، وعن دوركم تحديداً في توجيه أقباط مصر تجاه خيارات سياسية
محددة؟
- اسمح لي أن اقول لك
اننا احترنا مع الصحافيين (وأنا منهم)، ماذا تريدون بالضبط؟نحن اذا
تدخلنا في ابداء الرأي السياسي قلتم ان الكنيسة تتدخل، واذا ابتعدت
الكنيسة عن الجو السياسي قلتم ان الكنيسة منعزلة عن الحياة العامة،
وهي تقف موقفاً سلبياً، انا اريد ان اضع النقاط على الحروف، فرجال
الكنيسة مواطنون لهم رأيهم في شؤون بلادهم، فهم ليسوا معزولين
سياسياً، وكل رجل دين له تذكرة انتخاب يستخدمها وفق افكاره وميوله،
والكنيسة لا ترغم احداً على اتباع فكر أو رأي سياسي، ولا تحجر على
افكار الناس، ولا تدفعهم في اتجاه بعينه، ولكن اذا ابدت الكنيسة
رأياً في احدى القضايا فإنها تبديه كهيئة لها صفة المواطنة لا اكثر
ولا أقل.
ألم تصدر توجيهاً للأقباط بعدم زيارة القدس
إلا بعد تحريرها أو تحقيق سلام شامل؟
- في الواقع إن مسألة
الصراع العربي - الإسرائيلي لها ابعاد كثيرة، بعضها ديني وبعضها
قومي، وبعضها سياسي بحت، انا اعتبر إسرائيل كياناً عنصرياً
ودخيلاً. وعندما التقيت مرة مع الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر،
وجاء الحديث عن إسرائيل فقلت له: كيف نقبل يا سيادة الرئيس المقولة
الإسرائيلية بأن اليهود هم شعب الله المختار، هذه مقولة عنصرية
تنفي وجودي ووجودك ووجود ملايين البشر من كل الطوائف غير اليهودية،
فالمشكلة هي أن إسرائيل تطبق هذه المقولة تماماً حيث تصف كل من ليس
يهودياً بـ «الأغيار»، ومعنى ذلك ان الفلسطينيين يمكن ذبحهم أو
اغتصابهم لأنهم بلا قيمة، فهم بالنسبة لليهودي «الأغيار»، لهذا انا
قلت لأقباط مصر لا تذهبوا إلى القدس قبل ان يكون هناك حل شامل
وعادل لكي نطمئن عليكم وعلى اخوانكم الفلسطينيين.
ومعنى ذلك انك ترفض التطبيع؟
- تطبيع أو غير تطبيع،
انا اتخذت القرار بناء على ما يجري يومياً في فلسطين، وبناء على
ضمير لا يقبل ان يذبح شعب أو يجتث من أرضه بينما يقوم اليهود بجلب
آلاف اليهود من اصقاع العالم، وآخرهم يهود الفلاشا من اثيوبيا،
وعلى فكرة فالمسيحيون في القدس تراجع عددهم بشكل كبير بسبب
الاضطهاد الديني الصهيوني، وتم تهجير أو اجبار المسيحيين على
الهجرة من فلسطين، وبدون رحمة، لذلك أريد ان يدخل القبطي ارض
فلسطين مع أخيه المسلم بعد أن يكون هناك حل شامل. وهذا ما قلته
للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، عندما تفضل بزيارتي في مقر الكنيسة،
وهذا هو أقل ما يمكن أن نفعله من أجل التضامن مع الشعب الفلسطيني.
هل ترى في الأفق أي ملامح لسلام قادم من
إسرائيل؟
- السلام حلمنا جميعاً،
المسلمون والأقباط، ولكن القضية هي أي سلام نريد، وأي سلام يريدون،
ان السلام الحقيقي هو الذي يحقق العدالة حتى يدوم، أما السلام
المبني على القوة فلا يصمد، لأن القوة تتغير، وهي اذا كانت في يد
إسرائيل اليوم، فلن تكون معها غداً. لذلك فالعدل هو اساس السلام.
عندما بذلت أميركا مجهوداً لتحقيق السلام بين مصر وإسرائيل نجحت
لأنها لم تكن منحازة، أما اليوم فإن اميركا بجلالة قدرها لا تستطيع
اجبار إسرائيل على تنفيذ خريطة الطريق ولا حتى على قبول هدنة مع
الفلسطينيين، انني ادعو إلى تضامن عربي شامل لكي نكون قوة، ولكي
نفرض العدل.
المعارضة في الكنيسة
قداسة البابا دعنا نعود إلى الاوضاع المحلية
توجد معارضة ضدك من بعض القساوسة والمثقفين الأقباط الذين نشروا
اطروحاتهم المعارضة في الصحف المصرية، في حين انها لم تكن موجودة
من قبل في السبعينيات عندما كان هناك خلاف بينك وبين النظام في عهد
الرئيس الراحل أنور السادات؟
- أولا عبارة المثقفين
الأقباط لي عليها تحفظ، فالمثقفون الأقباط بالآلاف من الذين حصلوا
على درجات علمية كبيرة جدا، ومن الذين لهم اهتمام في الثقافة
ولكنهم لم يشتغلوا في العمل الصحافي، ولم يتراسلوا مع الصحف وقليل
جدا افسحت لهم الصحف مجالات، وهذا لا يعني ان هؤلاء هم المثقفون
الأقباطإنما يمكن القول إن بعض المثقفين أو قلة منهم، والا لو
اعتبرت هؤلاء الافراد يمثلون المثقفين الأقباط، لكان معنى هذا ان
باقي الأقباط غير مثقفين وهم عشرات أو مئات الآلاف، هذه اول نقطة.
اما النقطة الثانية فهي ان هؤلاء استغلوا جو الديمقراطية في البلد
وفي الكنيسة واصبحت الديمقراطية في مصر تعطي الفرصة للصحافيين لكي
يهاجموا حتى رئيس الجمهورية وكل القيادات السياسية في البلد
وبطريقة عنيفة جدا، فلماذا اذا لا يهاجم رئيس الكنيسة، مادام رئيس
الدولة كلها والحكومة وسائر القيادات تهاجم؟ فلماذا هذا الاستثناء؟
وربما البعض من هؤلاء نشأ أولا في ظل حياة شيوعية لاحقته فيما بعد
والشيوعية في أساسها لا تقيم وزنا لاحترام رجال الدين، أما القبطي
الذي يحترم كنيسته ويحترم رئاسته الدينية ويحترم الفضائل التي
تنشرها الكنيسة، فلا يمكن أبداً ان يسلك هذا الطريق إطلاقا،إنما
يطلب التوبة من دافعه القلبي والفكري من الداخل، وكذلك استغلال ما
يقوله المجتمع عن حرية الصحافة فباسم هذه الحرية يمكن أن يهاجم
الانسان ثم يكون على المتضرر ان يرد، فإذا رد يكون قد نزل إلى هذا
المستوى، ويكون للرد رد وقصة لا تنتهي، ولذلك فنحن لا نرد على مثل
هذه الترهات، إنما نرد على الشخص الذي يجب ان يعرف الحقيقة ويتوب
عن خطئه، اما الذي لا يريد الحقيقة وانما يريد الهجوم من أجل
الهجوم فليهاجم كما يشاء وهذا لا يمكن أبداً ان يغير مسلكنا لأن
سلوكنا يحكمه ضميرنا وتحكمه مبادىء الدين والمثالية التي لا تنزل
إلى هذا المستوى.
كذلك بعض الذين يعارضون ربما لا يجدون في
مجالات أخرى فرصة للهجوم القاسي، اذ ترفع عليهم قضايا ويتعرضون
لأحكام، ولكن الكنيسة لا ترفع عليهم قضايا وان رفعت سيقولون هل من
صفات رجل الدين ان يهاجم ابناءه ويرفع عليهم قضايا؟ وتصبح القضايا
مجال هجوم جديد، فهم يستغلون سماحة الكنيسة وترفعها عن التقاضي، مع
العلم بأن كثيراً من الاقوال التي تنشر يمكن ان يحاسب عليها
القانون لو كنا ممن يلجأون إلى التقاضي، فإن لم يحكم القانون لاشك
ان يحكم الضمير فإن لم يحكم الضمير فإن الرأي العام يحكم، ان هذا
الاسلوب ان لم يكن خاطئا فعلى الاقل غير لائق.
يشاع أن الخلاف بين الكنيسة وبعض المثقفين يعود
إلى الصراع على تمثيل الأقباط أمام الدولة؟
- للأسف الشديد نلاحظ
ان الذين يسعون إلى تمثيل الأقباط لم يدافعوا عن الأقباط في اي
موقع من المواقع، وكم من الاحداث التي مرت كانت تتطلب منهم ان
يدافعوا لكنهم لم يفعلوا، لانهم لايريدون إلا السلطة، وليس تبني
قضايا الأقباط والدفاع عنها، وبعض هؤلاء لا يدافع عن مشاكل الأقباط
أو احتياجاتهم بحجة انهم مصريون فقط ولا يتدخل في مسألة طائفية
قبطية، لا مانع اذاً ان يبحثوا عن الزعامة في جو مصري ولا دخل لهم
بالزعامة في جو قبطي، كذلك غالبية هؤلاء لا تعرفهم الكنائس اطلاقا
ويندر ان يدخل مثل هؤلاء كنيسة ليصلوا فيها، فهم غرباء عن الشارع
القبطي وغرباء عن دور الكنيسة، لكنهم يريدون رئاسة باسم الكنيسة
والأقباط، دون ان يكونوا اعضاء حقيقيين يمارسون العبادة فيها،
والبعض أحيانا يبحث عن دور رسمي فلا يجد، فليكن دوره مهاجمة البابا
لكي يعطيه شهرةً واسماً ولكن في محيط الأقباط حيث تكون شهرته ضاربة.
خلافات حول الطلاق
هناك أزمة بين الكنائس بسبب الموقف من
الطلاق، وإلى الآن لم يتم الاتفاق على شيء، هل سيأتي الوقت الذي
يتم فيه الاتفاق حول هذا الامر؟
- هي أحد الاسباب التي
هوجمت لأجلها الكنيسة هجوماً عنيفاً منذ العشرينيات، لدرجة ان
البابا مكاريوس الثالث عقد مجمعاً مقدساً سنة 1943 وكان من قرارات
هذا المجمع التمسك بعدم الطلاق الا لعلة الزنا.
وظلت هذه اللائحة مرفوضة من الكنيسة لأن الذين
اصدروها هم اعضاء المجلس الملي من العلمانيين الذين ربما لم تكن
لهم دراسة كافية للكتاب المقدس، ولكن للأسف هذه هي اللائحة التي
يعمل بها في المحاكم حاليا وفي العام 1980 اتفقت جميع الكنائس على
مشروع قانون موحد لكل الكنائس في القطر بمذاهبها المتعددة، ومن ضمن
الذي قالته في هذا المشروع انه يجوز الطلاق لعلة الزنا وتغيير
الدين ونحن غير مقيدين بلائحة تخالف تعاليم ديننا المسيحي لذلك
فمشروع القانون الموحد للأحوال الشخصية في هذه النقطة بالتحديد وضع
استثناء من جانب الكنيسة الكاثوليكية.
إن الكنيسة الكاثوليكية لا تسمح بالطلاق مهما
كان السبب فيكون الموقف الأرثوذكسي اكثر تساهلاً لانه يسمح بالطلاق
لسببين حسب تعاليم الإنجيل، بينما الكنيسة الكاثوليكية تعتبر ان
الزواج رابطة أبدية لا يمكن الفكاك منها إطلاقا ولا حتى للزنا،
وبالتالي يكون حكم المحكمة بالطلاق هو حكم مدني وليس حكماً كنسياً
وحكم المحكمة ينفذ فعلاً لأن الزوجين ينفصلان عن بعضهما البعض
كمطلقين وتأخذ كل الاجراءات القانونية التي تنتج عن هذا، اما
التزويج غير ذلك، فالمحكمة حكمت بالتطليق ولم تحكم بالتزويج ونحن
عندما نسمح بالتزويج لا نكون قد خالفنا حكماً من أحكام المحكمة
فالطلاق قد تم وانتهى الامر. ولكنه تزويج تحكمه الشريعة المسيحية
التي ترفض أن يحكم فيها بالطلاق لأي سبب من الأسباب.
هل معنى هذا أن الكنيسة القبطية لاتسمح بالطلاق
بسبب العجز الجنسي مثلاً؟
- العجز الجنسي السابق
للزواج هو سبب لبطلان الزواج، وليس سبباً للتطليق، بحيث انه
احياناً يتزوج الرجل امرأة، ويعيش معها فترة من الزمن، ومع ذلك
تبقى عذراء، كما هي، مع الشرط الذي يؤيده القانون أنها مكنته من
نفسها، فلهذا السبب تحكم المحكمة ببطلان الزواج وليس بالتطليق، لان
التطليق معناه ان زواجاً قانونياً قد تم وفصمت عراه بالتطليق، أما
بطلان الزواج فمعناه انه ليس هناك زواج قد تم على الاطلاق وهناك
فرق بين بطلان الزواج وبين التطليق.
المحاكمات الكنسية
قداسة البابا نريد إلقاء الضوء على
المحاكمات الكنسية، وما رأيكم في الهجوم الذي وجه ضد هذه
المحاكمات؟
ـ المحاكمات الكنسية تتم عن طريق محكمة كنسية
هي المجلس الابتدائي، وهو مجلس يتم اختيار أعضائه من مجموعة من
أفضل الكهنة في الكنيسة، والعجيب ان الناس يحترسون كثيراً حينما
يهاجمون أحكام القضاء ولكنهم يمكن ان يهاجموا القضاء الكنسي حتى
بغير معرفة للأسباب.
بداية نقول إن الكاهن يمكن ان يخطئ كأي إنسان
في الوجود، فهل يحاكم أم لا؟ فإن كان لا يحاكم، يتهمون الكنيسة
بالتسيب وعدم الاهتمام بحقوق البعض الذي يضار من أخطاء الكهنة، وإن
كانت هناك محاكمة، فلماذا يعارض الناس هذا، ولماذا يثيرون الضجيج
حول المحاكمات الكنسية بينما لا يعرفون أسباب الحكم وحيثياته؟! لأن
المحاكمات الكنسية تتصف بالسرية حفاظا على سمعة الكهنوت. والغريب
هو كيف يهاجم إنسان حكماً وهو لا يعرف أسبابه، ألا يكون هذا ظلماً
للقضاء الكنسي؟ هذه واحدة، النقطة الثانية في هذا الامر هي أن
الشخص الذي يقدم للمحاكمة تعطى له كل الحرية ليدافع عن نفسه وإن
كان هناك شهود يستمع إلى الشهود ايضا، وتعطى للكاهن فرصة ايضا لكي
يتقرب، إلى جانب ان المحاكم الكنسية تبدأ اولا بالنصيحة وبالتوعية
وربما بأحكام خفيفة جدا، فاذا استمر الكاهن في الاصرار على الخطيئة
يحكم عليه طبقا للقوانين الكنسية أو أخف مما يستحقه بكثير وفقا
لاحكام القوانين الكنسية التي تمتاز بالشدة باعتبار ان الكاهن ليس
مؤمنا عاديا وانما هو انسان تفترض فيه القدوة للآخرين ويفترض فيه
ان يدعو الناس للتوبة لا ان يكون هو نفسه في حاجة إلى التوبة.
أقباط المهجر
ما هى اسباب الخلاف مع أقباط المهجر؟
- عبارة أقباط المهجر
في السؤال تحتاج إلى توضيح كبير، فهذه العبارة تطلق بأسلوب عام كما
لو كان جميع الأقباط مجتمعين على رأي واحد، أما ان كانت هناك
مجموعة معينة من الأقباط في المهجر لها رأي تنشره فليس معنى هذا ان
جميع الأقباط في المهجر لهم الرأي نفسه، كل ما حدث هو وقوع خلاف مع
مجلس كنيسة ماري مرقص في شيكاغو الذي اقام ضجة كبيرة بسبب نقل احد
كهنته من شيكاغو إلى بلد آخر ثم رفع هذا المجلس قضية في المحكمة
وهذه القضية كانت لها خطورتها من جهة الكنيسة القبطية حول إدارة
الكنيسة وهل يديرها مجموعة من المؤمنين ام تديرها رئاسة الكنيسة.
وقدمت القضية للمحكمة وصدر الحكم ضد المجموعة
المذكورة، لكنها استأنفت وصدر الحكم ضدها مجدداً لأن الكنيسة
تحكمها الرئاسة الدينية، وقد اصبح الحكم نهائياً وألزم كل كنيسة
بأن تخضع للرئاسة ولا تدير نفسها كما تشاء وتصبح السلطة العامة
الدينية لا وجود لها، ولكن هذه المجموعة بدأت تثير المشكلات، وترسل
منشورات ولم يعتد أحد بهذه المنشورات في مصر إلى ان تلقفتها احدى
المجلات واحتضنتها واصبحت مصدر الإثارة ونحن لم نرد على هؤلاء.
هيئة الأقباط في كندا واميركا واستراليا تتهم
قداستكم بعدم مواجهة الدولة خوفاً على كرسي البابوية كما حدث في
فترة الرئيس السادات؟
- اولاً كرسي البابوية
لا خوف عليه، فالبابا هو البابا مهما كانت هناك اجراءات سياسية
ضده، ثانيا لست أنا الذي يحرص على هذا الامر فقد نشأت راهباً أحب
حياة الوحدة والسكون والهدوء ورسمت اسقفاً على غير إرادتي ومازلت
احب حياة الوحدة والهدوء والفترة التي قضيتها في الدير ايام الرئيس
السادات كانت من اجمل الايام في حياتي، أو كان انتاجها ايضاً
بالنسبة للدير الذي عشت فيه، وانا لست من النوع الذي يخاف على
الاطلاق ولو كنت من هذا النوع الذي يخاف لما كنت كما أنا الآن. أما
موقفي من جهة الدولة فالامر تغير من ناحية الدولة وليس من ناحيتي.
في أيام السادات كان السادات يحتضن الجماعات المتطرفة وهو السبب في
تقويتها وفي انتشارها والاعتداء على الأقباط إلى ان انتهى هذا
الامر بأنها قامت بقتله اما الموقف الحالي فالحكومة هي التي غيرت
موقفها فأصبحت في صراع مع الجماعات المتطرفة وأصبح تدخلي انا يعكس
الجو ويقلب الأمر من موقف الحكومة تجاه جماعات ضد القانون ترتكب
أحداثا يعاقب عليها القانون وتصبح بتدخل البابا إلى صراع بين
مسلمين ومسيحيين وهذا ما لا نريده فما دام الامر سائراً في ناحية
قانونية ما الداعي للتدخل فتغير الموقف وتغيرت الاحداث وتغير موقف
الحكومة هو الذي حدث وليس التغير في موقف البابا.
هل وصلت تكاليف مقراتك في المهجر إلى تسعة
ملايين دولار؟
- اولا، لا يوجد لي
مقرات في المهجر كل ما في الامر انه يوجد مقر واحد في نيوجيرسي
يسمى مقر الرئاسة الدينية، ولا يتكلف تسعة ملايين ولا حتى مليون
واحد، بل ان كلفته اقل من ثلاثة ارباع المليون وانا لا اطلق عليه
حتى الآن المقر البابوي اطلاقا، واسميه مقر الرئاسة الدينية، ويمكن
أن يكون مقر اي مطران يرسل إلى هذه المنطقة. ومن غير المعقول ان
نسميه مقراً لي وانا لا أزور هذا المكان الا بضعة ايام في السنة
واقيم بصفة دائمة في القاهرة، حتى عندما أزور أميركا ازور كثيراً
من الولايات وكثيراً من الكنائس وربما لا أقضي في هذا المقر اكثر
من ثلاثة ايام أو يومين وهذا لون من المبالغة والهجوم يشنه اشخاص
اعتادوا المهاجمة ويبحثون عن مادة للهجوم بغير عدل ولم اتعود ان
احاسب هؤلاء.
فساد في الذمة المالية
بعض الكهنة في المهجر متهم في ذمته المالية..
ما رأيكم؟
- أولا، لا يوجد رهبان
في المهجر تقريباً، انتهى هذا الوضع ما عدا شخصا واحدا لا شكاوى
ضده على الاطلاق. ثانيا لم يحدث ان قدمت لي شكوى وانا تجاهلتها.
ثالثا الامر الذي أسلك فيه الآن هو في جعل ضابط مباشر على رعاية
الكنائس في المهجر من أسقف مقيم مع هذه الكنائس، وقد بدأنا باثنين
من الأساقفة في أميركا وسنتبع في هذا باقي الكنائس.
ما رأيك في عمل رجل الدين بالسياسة؟
- هناك فرق بين
الاشتغال بالسياسة وابداء الرأي في السياسة فالاشتغال بالسياسة
معناه التفرغ للعمل السياسي ولا يوجد قسيس أبداً يتفرغ للعمل
السياسي وإنما وجوده في البرلمان يعطيه فرصة من الممكن ان تفيد
الكنيسة وفي الوقت نفسه لا يمكن ان تشغله أبداً عن العمل الرهباني. |