|
من دولاكروا ... إلى
رينوار
ألوان الشرق بعيون
أوروبية

باريس ـ مي الحسيني
توالت المدارس الفنية الغربية على مدار قرون
واستلهمت من حضاراتها الماضية لتعيد تجديد نفسها وبنائها وسعت تبحث عن
المزيد لتواكب التطور الفني والعلمي. وجاء احتلال فرنسا للجزائر العام
1830 ليفتح أبواباً جديدة للفن الغربي، وقد رافقت الجيوش الاستعمارية
الفرنسية مجموعة من العلماء والفنانين وغيرهم من الباحثين في ميدان
الاستشراق الى جانب المؤرخين. وبرزت لأول مرة علاقة مباشرة مع ثراء
الحضارة الإسلامية الأندلسية والعربية والبربرية، ونُقل الفن الأوروبي
شكلا ومضمونا الى عالم جديد ومدارس فنية حديثة مغايرة تماما لما هو
متعارف عليه في عالم الفن آنذاك، متأثرة ليس فقط بتلك الحضارة بل
وبتضاريس البلاد الغنية الخلابة. هذا ما دفع الرسام المشهور دولاكروا
في طريق عودته من المغرب الى كتابة رسالة الى صديقه بيريه يذكر فيها:
«إنني في هذه اللحظة مثل رجل يحلم ويرى أشياء يخشى أن يفقدها».
القرن التاسع عشر هو عصر
الاستشراق وانجذاب الغرب نحو الشرق. بعيدا عن حكم الصليبيين وبعيدا عن
سحر الاشياء التركية أو الصينية المخصصة للديكور وجاذبيتها يمكن القول
إن هذا خلق نظرة جديدة لرؤية الشرق. وفي نهاية القرن الثامن عشر اندفعت
عجلة التاريخ مسرعة مع حملة نابليون بونابرت في العام 1798 على مصر،
وتمرد الاغريق العام 1821، واحتلال الجزائر في العام 1830، ومقاومة
الامير عبد القادر الجزائري للمحتل الفرنسي، بهذا دخل الشرق تاريخ
فرنسا وبشكل أدق أصبح الشرق يمثل الحلم والحقيقة في آن واحد، الاستقرار
والثورة. انه النبع الذي لا ينضب وما يزال إلى يومنا هذا حيث يتسارع
الغرب لفتح أسرار هذا العالم وينكبون على دراسته.
لقد ساهمت مجموعة من الفنانين في تعميق دراسة
الشرقيات ومن أهمهم دولاكروا، وشاسريو، وفرومنتان، ونصر الدين ديينه
وآنج تيسيير، وغوستاف غيلومه، وأوراس فيرنه، ورينوار، كل واحد من هؤلاء
الفنانين ساهم بتقديم هذا العالم الشرقي إلى الجمهور الفرنسي والأوروبي.
وتجدر الإشارة الى أن معهد العالم العربي في باريس
افتتح مؤخراً معرضاً شاملاً تحت عنوان من ـ دولاكروا الى رينوار
بمناسبة سنة الجزائر يجمع أعمالاً لأكبر فناني فرنسا في القرن التاسع
عشر حيث تعرض فيه أكثر من مئة لوحة فنية، على سبيل المثال تعرض فية
لوحة (نساء من الجزائر) للفنان دولاكروا وبعض اللوحات للفنان رينوار
التي لم تعرض للجمهور الفرنسي منذ مدة طويلة.
مشاهد فنية ـ سياسية
يستطيع المشاهد في هذا المعرض أن يتبين موقف كل
واحد من هؤلاء الفنانين تجاه الشرق والقضية الجزائرية وموقفه من
الهيمنة الاستعمارية. ويلاحظ المرء أن الجانب السياسي كان حاضرا في
لوحات بعض الفنانين وبخاصة في تصويرهم لمشاهد المعارك ومقاومة الامير
عبد القادر الجزائري للغزاة الفرنسيين، لقد عكست هذه اللوحات تجسيداً
لشخصية الامير عبد القادر الجزائري، رغم أن طابعها الفني كان أكاديميا
كلاسيكيا ولكن تكمن اهميتها في تدوين الاحداث التاريخية في هذه المرحلة.
ولدى دراستنا لحياة دولاكروا وأعماله الفنية
وانجازاته نتعرف على شخصيته الثورية الرومانسية حيث عبر عنها في لوحته
الشهيرة، الحرية تقود الشعب، التي انجزها بين العامين 1830و 1831 والتي
أصبحت ايقونة للجمهوريين الفرنسيين وهذا دليل واضح على روح المغامرة
التي تميز بها وشغفه للبحث عن افكار وقيم فنية جديدة واهتمامه وتأثره
بالأدب التاريخي للحضارات القديمة حيث دفعه كل ذلك لإنجاز لوحته
الشهيرة، موت ساردينابال، المستوحاة من إحدى قصائد الشاعر بايرون حيث
صور شخصية الملك الآشوري المهزوم ساردينابال وهو يحتضر، وعكست اللوحة
مواقف مسرحية درامية للملك وحوله نساؤه وجواريه وعبيده وجياده في حركات
انسيابية تلف المشهد من كل جانب، هنا تظهر العلاقة الحميمية بين الموت
والحب في هذه اللوحة.
أما في لوحته الشهيرة،
نساء من الجزائر، التي عرضت في صالون 1834، اختلف الموقف حيث نلاحظ أن
الجانب الكلاسيكي الواقعي كان حاضرا.
عاش الفنان دولاكروا بشكل جديد حيث العودة الى
الكلاسيكية ولكن بشكلها الجديد الحي بالضد من الكلاسيكية الجديدة
المرسومة من قبل دافيد ومدرسته الباحثة بين اطلال الحضارة الرومانية.
تعتبر اللوحة الفنية الرائعة للرسام دولاكروا، نساء من الجزائر، من
اجمل اللوحات في العالم، كما وصفها الفنان رينوار حيث قال: «ان المرء
عند وقوفه أمامها تغمره السعادة وكأنه في الجزائر، بكل أجوائها الشرقية
الساحرة». لقد أثارت هذه اللوحة الاعجاب والدهشة ودفعت بالكثيرين
لدراستها وتحليلها ونقدها، حيث وصفها غوستاف بلانش بأنها اشبه بقصيدة
شعر صغيرة. لقد دون الفنان دولاكروا بريشته ادق التفاصيل ونقل صورة
صادقة لتقاليد البلاد حيث عبرت وجوه النسوة عن الوقار والرزانة وعكست
الانتماء الطبقي البرجوازي بملابسهن وحليهن الفخمة والخادم الماثل
امامهن، وحاول دولاكروا التركيزعلى الإضاءة لنقل ذلك الجو الحقيقي
الهادىء.

لم يكن الاستعمار الكامل للجزائر الذي بدأته فرنسا
بغزوها لمدينة الجزائر العام 1830 بالأمر السهل كما كان يتصورّه الغزاة
فقد كان عليهم مواجهة حرب شعواء خاضها الشعب الجزائري بقيادة الأمير
عبد القادر الجزائري لمدة سبعة عشر عاما انتهت بنفيه العام 1848.
لقد كانت هذه المقاومة الباسلة مصدر إلهام للعديد
من الفنانين الكبار حيث ركزّ بعضهم على رسم صورة الأمير عبد القادر
مثل: آنج تيسييه وفرنييه، وكذلك أنجز الفنان الشهير جان أنطوان سيمون
فور لوحات عدة تصوّر المعارك التي خاضها الأمير عبد القادر بجيوشه، وله
لوحة أخرى تمثل المدينةالمتنقلة التي أسسها الأمير والمسماة «السمالة»،
أما لوحات الفنان فرنيه التي صوّرت معارك الامبراطورية الاولى مثل «ينا
وفريدلاند» التي كانت تهدف الى ابراز قوة الغزاة، لكنها لم تستطع ان
تخفي الشجاعة والبسالة الخارقة التي أظهرها الشعب الجزائري في مقاومته
للغزاة والتي يعتبرها الكثير من المؤرخين العالميين بأنها أسطورية.
شاسيرو يعبر عن نفسه
قام الفنان تيودور شاسيريو بالتعبير عن نفسه حيث
جعل منها صدى لذلك التناقض الوجداني لعالم وحشي من جهة، وعالم حضاري
باهر خلاب، حيث صوّر شاسيريو العرب واليهود كما عاشوا في قسنطينة
الشامخة في الشرق الجزائري سابقا. وللفنان أيضاً لوحات عدة تصوّر
الحياة الداخلية الخاصة للمجتمع الجزائري مثل لوحة مخدع الحريم التي
رسمها العام 1856، تختلف هذه اللوحة عن لوحة الفنان دولاكروا، نساء من
الجزائر، بأسلوبها ولمسات الفرشاة التي لم تهتم بالتفاصيل الصغيرة
للمكان بل اخذت الفرشاة مسرعة للتعبير بألوان مشعّة تعكس الاسلوب
الانطباعي اكثر من الاسلوب الواقعي الكلاسيكي. اما اسلوبه في لوحة فتاة
صغيرة مغاربية، التي مثّل فيها حياة الترف والغنى بإظهاره التفاصيل
الدقيقة للحياة اليومية ولم يضعها في عالم مغلق بل جعل اللوحة مقسّمة
الى جزئين لتعطيها البعد الثالث ونقطة اللانهاية في رسم خلفية اللوحة
للمسجد حيث يظهر فيها جمال العمارة المغاربية، وتذكرنا هذه اللوحة
بالعصر القوطي بمراحله المتأخرة وما جسده الرسام الشهير فان إيك.
رسم شاسيريو لوحات باهرة
للفرسان العرب ومشاهد ما بعد المعارك حيث يظهر فيها الفرسان وهم يرفعون
موتاهم وكان متعمدا اظهار وحشية المستعمر وكان هدفه رسم الجزائر على
ارض الواقع واظهار حقيقة الاستعمار الذي لم يكن منتصرا باستمرار وخصوصا
المعارك الضارية مع الأمير عبد القادر في منطقة وهران في الغرب
الجزائري
الغوص في الواقع الجزائري
وذهب البعض من الفنانين الى التوغل في أعماق البلاد
وقاموا بدراسة معمّقة لمنطقة القبائل وتقاليدها والحياة اليومية
والبيئية للبربر، وكذلك ذهبوا الى جنوب الجزائر على أبواب الصحراء
الممتدة الى العمق الافريقي. واندفع البعض الى إعتناق الدين الاسلامي
والاستقرار في البلاد مثل نصر الدين ديينه، حيث اتسمت رؤيته الفنية
المأخوذة من واقع الحياة اليومية الدقيقة لسكان المنطقة ولمحيطهم
الجغرافي والبيئي، التي جسدها الفنان بلوحات عدة عكست مدى احترامهم
لتقاليد الناس وعاداتهم، مثال على ذلك لوحاته عن مدينة ولد نايل. عشق
الكاتب والرسام فرومانتان للشرق دفعه إلى زيارة الجزائر مرات عدة حيث
اقام هناك لفترات متفاوتة كان خلالها منشغلا بتأمل الالوان وانعكاسات
الضوء وبساطة الحياة ومنكبا على دراسة انثروبولوجية للمنطقة، حيث انعكس
كل ذلك في لوحاته التي عبر فيها بصفاء الالوان كالابيض والاخضر والازرق
محاطا بخطوط انسيابية لحركة اجساد القرويين في المناطق الجبلية
القبائلية، اما عن اقامته في المناطق الساحلية فقد دفعته لتأليف كتاب
يصف فيه الطبيعة الهادئة والساكنة لهذه المنطقه ويعكس من خلاله أحاسيسه
وتجربته الغنية.
الألوان والاجناس
كان للدراسات التحليلية والانثروبولوجية التي قام
بها الفنان غوستاف غيلومه أثر بالغ على اسلوبه الذي تميز بالتقنية
العالية في استعمال الالوان لخدمة علم الاجناس، حيث كرس هذا الفنان
اكثر من خمسة وعشرين عاما لمحاولة فهم هذا العالم «الغامض الخلاب»
ودراسته. واتخذ من الصحراء ومن الحقول مواد اساسية لمواضيع لوحاته عن
الجزائر واصبحت المثالية القريبة من اسلوب مييله عنصرا مهما في اعماله.
وكانت ابواب الصحراء منبع إلهام لفنانيين عدة منهم فرومنتان، ونصر
الدين دينيه، وغوستاف غولوميه، وداغانان بوفريه حيث كان للشمس الحارقة
وتباين الالوان وصفاء الطبيعة والصمت والسكينة حضور مهم في اعمالهم
الفنية.
وخُلّدت مدن الجنوب الجزائري بلوحات فنية رائعة مثل
مدن: الاغواط وبسكرة وولد نايل والقنطرة وبوسعادة. لقد وجد هؤلاء
الفنانين في اقاسي الجنوب والعمق الصحراوي النقاء والمثالية المطلقة
للبشر والمحيط. ولعبت المرأة الجزائرية دورا ملهما في الاعمال الفنية
المختلفة لهؤلاء الفنانين حيث عبّرت لوحاتهم عن الزي الجزائري للمرأة
بالوانه البراقة والمتضاده، وصورت الكثير من اللوحات الفنية والصور
الفوتوغرافية ممارسة المرأة للصناعات الحرفية التقليدية كالغزل والنسبج
وصناعة الفخار وكثير من التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية خوفا من ان
يقوم المستعمر بإزالتها كما قام بذلك في مدن الشمال الجزائري.
البحث عن مدارس الشرقيات
كان لانتقال وتجوال الكثير من الفنانين بين المدن
الساحلية، والقرى الواقعة على ابواب الصحراء، وكذلك الى سفوح وقمم جبال
الاوراس وجرجرة أثر بالغ لفهم هذا «العالم الغامض والساحر»، ومحاولة
للبحث عن اضاءة جديدة بعيدة عن مدارس الشرقيات التقليدية محاولين بذلك
ايجاد الحداثة في تلك المدن الواقعة تحت نير الاستعمار الفرنسي. وهكذا
اصبحت مدينة الجزائر العاصمة في ذلك الحين منبعا جديدا لجيل من
الفنانين امثال الفنان لوبورج وسين مارتان، ومادة غنية للبحث والدراسة
فهي تجمع ما بين الماضي القديم للحضارة الرومانية والفن الاسلامي
الاندلسي لهذا قدموا لنا لوحات عنها برداء جديد باستعمالهم تقنية جديدة
مخالفة للتقنيات المستخدمة سابقا وبتصويرها من زوايا عدة مركزين على
الضوء وانعكاساته على مدار اليوم، حيث كان الاسلوب الانطباعي الجديد هو
السائد في اعمالهم متأثرين بأسلوبي الفنانين مونيه ورينوار في اواخر
ستينيات القرن التاسع عشر.
أحياء متميزة
لقد ركزوا في اعمالهم على حي القصبة بأزقته الضيقة
وسلالمه العالية وطراز عمارته الفريد والرائع مصورين بذلك الحياة
اليومية للناس والمقاهي والازقة الخاصة بدكاكين الحرفيين وورشاتهم، ومن
المثير للانتباه ان كل زقاق يحمل اسم الحرفة السائدة فيه. وتعامل
الفنان الانطباعي رينوار مع المستشرقيات بشكل مغاير لأسلوب الفنانين
الذين سبقوه الى شمال افريقيا، حيث كان يبحث عن مخرج وبعد للانطباعية
وعناصر جمالية جديدة للوحاته فإعجابه الشديد بدولاكروا وبخاصة لوحته
نساء من الجزائر ألهمته رسم لوحات شخصية لنساء بملابس محلية مثل لوحته
لمدام كليمانتين فالنسي ستورا وهي يهودية جزائرية متزوجة من صاحب مخزن
للشرقيات.
وتجدر الاشارة إلى ان رينوار كان قد زار الجزائر
على مرحلتين المرة الاولى في العام 1881 والمرة الثانية في العام 1882
واقتصرت اقامته على الجزائر العاصمة وضواحيها باحثا عن الضوء الابيض
المشع والألوان الصافية. وكتب في احدى رسائله قائلا: «انني اكتشفت
اللون الابيض الناصع فكل شيء هنا ابيض لون الجوامع والابنيه والشوارع
وعباءات النسوة».
أضواء رينوار
واعتبر النقاد مرحلة الشرقيات عند رينوار مرحلة
عابرة جسدها في لوحاته للعاصمة الحديثة ذات الطابع الاوروبي. لم تكن
المواضيع تهم رينوار بقدر اهتمامه بالضوء، فحتى في لوحته لجامع سيدي
عبد الرحمن لم يرسم التفاصيل بل ركز على اللون الساخن وانعكاسات الضوء
وحلل اللون للوصول الى نقطة اقرب الى التجريدية ولكنه ابقى على عنصر
الواقعية لدرجة يمكن بفضلها التعرف على مناظر الحدائق الموجودة في
العاصمة. لقد واجهت رينوار مشكلة في الجزائر بسبب شغفه برسم النسوة فلم
يكن بالامر السهل على المرأة الجزائرية التقليدية ان تقف امام الغريب
ليرسمها. ولهذا السبب عمد الى نساء اوروبيات من جنسيات مختلفة فرنسيات
وروسيات واسبانيات سمراوات أو يهوديات جزائريات بملابس شرقية. وكان من
الصعب التعرف على الشخصيات المرسومة داخل ورشة عمله في باريس فكل
النسوة بوجوه مستديرة بيضاء ووجنات وردية واجساد ممتلئة وعيون ملونة
وإن اختلف لون البشرة قليلا بسبب لمسات الفرشاة ولهذا يصعب التأكد من
هوية الشخصيات وانتمائهم العرقي. بعد عودته من الجزائر تخلى رينوار عن
مواضيعه المغاربية وعن الاستشراقيات ولم تتأثر اعماله بتلك المواضيع
سوى كونها زادته ثراءً ثقافيا وانسانيا، وتفتح اكثر على الحضارات
الاخرى وتعرض الآن في معهد العالم العربي لأول مرة مجموعة من اعماله
المهتمة بالشرقيات للجمهور الفرنسي.
وهكذا نرى ان الفن يشكل ميدانا لالتقاء حضارات
وشعوب كانت التناقضات بينها بليغة، ليصبح الفن مرتعاً لحلول السلم
والتفاهم والتآخي بين الشعوب. |