العدد

153 :

الثلاثاء, يناير 6, 2009 - 7:1 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

 

اياك والعشق فتهلك نفسك وينخرب ملكك

اول نص نثري مكتوب
حكاية العشاق للأمير مصطفى
 سبقت زينب هيكل بـ 66 عاماً

عبد القادر شرشا*  

لا شك في أن الرواية الجزائرية بلغت اليوم شأوا بعيدا من حيث نضجها وثرائها وتنوعها، لتسجل حضورها وتتبوأ مكانتها بجدارة على خارطة الإنتاج الروائي العربي المعاصر.

وقد انعكس هذا الثراء والحضور على مجال الدراسات النقدية، فتوالت البحوث التي وجدت في هذا الإبداع الروائي حقلا خصبا، ومجالا رحبا للقراءة والتحليل والتنظير. إلا أن المتتبع لهذه الدراسات والأبحاث يجد أنها انكبت على دراسة المنظومة السردية للرواية الجزائرية بدءا بفترة السبعينيات من القرن الماضي، لتمتد إلى يوم الناس هذا، بينما لم تتناول تلك الدراسات-باستثناء القليل منها- ما كتب من أدب قصصي عربي جزائري قبل تلك الفترة، وربما علل البعض ذلك الغياب بضعف إنتاجنا السردي في مراحله الأولى، وعدم استيفائه مقومات الفن الروائي. غير أن التساؤل الذي يطرح اليوم، ونحن نتحدث عن منظومة سردية متميزة للرواية العربية الجزائرية هو:  هل يمكن الاستغناء عن دراسة مرجعياتها التأسيسية؟ ألا تفرض أبجديات البحث العلمي الجاد التنقيب في جذور هذه الرواية؟

يمكن البدء بالتعرف الى موقع"حكاية العشاق في الحب والاشتياق. " لمحمد بن ابراهيم (الأمير مصطفى) من المنظومة السردية في الجزائر، فهذا النص الفريد، يفرض نفسه اليوم في حقل الدراسة لأسباب كثيرة، لعل من أبرزها كونه أول نص سردي عربي جزائري ظهر للوجود في مطلع العصر الحديث (1849)، ثم إنه ظل مخطوطا مهملا حبيس رفوف المكتبات لأكثر من قرن من الزمان، إلى أن عثر عليه الدكتور أبو القاسم سعد الله، فقام بتحقيقه ونشره في مطلع الثمانينيات من القرن العشرين (1). فإذا أخذنا تاريخ النشر بعين الاعتبار، نلفي خطاب "حكاية العشاق. " نصا مغريا بالدراسة النقدية الحداثية التي أصبح يستهويها البحث في مدونة إبداعية كهذه، تمتاز بظاهرة التعدد اللغوي، الذي أصبح اليوم أكثر شيوعاً، وإن كان النقد اللغوي لدى بعض المتتبعين يعتبر من الظواهر الصحية التي ينبغي الأخذ بها ورعايتها، ذلك أن ظاهرة التعدد اللغوي في أي إبداع، ينبغي أن تخضع لجملة من المقاييس الفعالة التي يجب تسخيرها في خدمة الأهداف. وبشكل عام فإن المعيار المطلوب في دراسة الظاهرة والحكم عليها هو معيار البراغماتية العامة والخاصة للمجتمع والإبداع السردي سواء بسواء. في حين يتخذ فريق آخر موقفاً سلبياً من هذا النوع من الإنتاج الأدبي الإبداعي، ويدعو صراحة إلى تصنيفه ضمن الظواهر المرضية التي أصابت الإبداع العربي بشكل عام في الفترة التي ظهر فيها نص "حكاية العشاق. " وهي فترة عصر الضعف والاضمحلال الفكري والفني، غير أن الذين تصدوا لدراسة هذه الفترة الحرجة من تاريخ الثقافة العربية في الجزائر ينظرون إليها باعتبارها مرحلة تكونت فيها مجموعة من الطباع في ذاتية المبدع الجزائري نظرا لتوالي الغزوات إبان العهد العثماني والاحتلال الفرنسي فيما بعد، فانقسمت إلى قسمين:  قسم تمسك بالحياة الدينية وانغلق على نفسه وانهمك في نقل النصوص التراثية الدينية وكتب التفاسير والفقه، وقسم آخر امتزج بحياة القصور وعاش ظروفها، وأنتج أدبا متأثراً تارة بالأدب العربي وطورا بالأدب الغربي، ما ولد عن طريق التأثير والتأثر عقلية جديدة تحمل نزعات معينة، فتركت لدى هذا الجيل من المبدعين مزيجاً من طباع الثورة والإصرار، الحب والصراع، اللين والغضب، وقد فشت ظاهرة الرجوع إلى الذات والحديث عن الحياة بما تحمله من صراعات وتناقضات ومواقف مختلفة. وقد كتب هذا النص فيما يبدو في هذه الفترة بعد ذهاب ملك الأمراء والحكام العثمانيين، وتبدل الأحوال، وقد كان الأمير مصطفى مؤلف هذا النص من ضمن المتضررين، ما جعله يخوض مع الخائضين، يروي حياته الشخصية تحت غطاء وقناع راوٍ يطلق عليه "صاحب الحديث".

حكاية العشاق في الحب والاشتياق

ظهر هذا النص في فترة الاحتلال الفرنسي بعد سقوط الدولة العثمانية، وهو أثر مهم من آثارنا الأدبية المتميزة في القرن التاسع عشر. وكان للفترة التي كتب فيها النص آثار لغوية بارزة، فقد كانت فترة قاسية حوربت فيها اللغة العربية كظاهرة اتصال وتواصل بين الناس في ظل سياسة عثمانية كانت تهتم بجمع الضرائب وتحصيل الأموال، ونتوقع أن يتأثر الإنتاج الأدبي بهذه الظروف إلى حد ما، ويكفي أن تكون هذه الحكاية محاولة في إيجاد نمط معين من النصوص المتبقية، وحيز لغوي يصلنا بماضي الجزائر في تلك الفترة، يؤسس لدراسة أنثروبولوجية نقدية نتوخى من خلالها استكشاف ما كان الأدب الجزائري يمتاز به في تلك الفترة، من حيث البناء اللغوي والطروحات الفكرية، بالإضافة إلى كون هذا النص وثيقة تشهد على ما كانت عليه حال الأدب من لغة ضعيفة مترهلة، وشيوع العامية سواء في الشعر أم في النثر، وانتشار اللغة المتفاصحة وهي نوع من الكتابة التي تجمع بين الفصيح والعامي وتجيز التهجين وتتعالى على تطبيق القاعدة النحوية والصرفية في إجراء الكلام المكتوب على غير عادة العرب. وهذه السمة اللغوية لا تنكر على نص مقروء في منظور النقد الحداثي لأنه أول نص نثري قصصي جزائري مكتوب، بالإضافة إلى كونه لم يصنف تحت أي جنس أدبي معين، ولم يحظ بأي اهتمام من طرف النقاد طيلة قرن أو يزيد. وربما كان هذا الإهمال والرفض لنص «حكاية العشاق». يدخل ضمن طائلة المواقف التي تحمل إدانة للمستوى الثقافي الذي كانت عليه الجزائر في تلك الفترة حسب ما ذهب إليه عمر بن قينة في دراسته للقصة الجزائرية.

المؤلف: ابن الداي

حكاية العشاق في الحب والاشتياق وما جرى لابن الملك مع زهرة الأنس بنت التاجر" نص يجمع بين السمات الفنية للرواية والقصص الشعبي، وقد يشبه إلى حد ما أسلوب المقامة العربية، من تأليف محمد بن براهيم (الأمير مصطفى)، وهو من أعيان مدينة الجزائر وأمرائها، جده مصطفى باشا كان دايا على الجزائر من سنة 1795 إلى 1805، ترك كثيرا من الأراضي والعقارات وثروة كبيرة، عرف عهده بتوتر العلاقات بين الجزائر وفرنسا من جهة وبين الجزائر والدولة العثمانية من جهة أخرى. أما أبوه فكان من أعيان الحضر أو البرجوازية الجزائرية التي لعبت دورا كبيرا أثناء المرحلة الأولى للاحتلال، وكان يعد من العلماء، وقد زج به في السجن، توفي في العام 1262هجري ، كما جاء في كتاب "حكاية العشاق". أما المؤلف (الأمير مصطفى) فقد ولد سنة 1806 في مدينة الجزائر، ويبدو من خلال نص الحكاية أن له إلماما بالثقافة الفقهية والأدبية، عاصر الاحتلال عيانا، وعرف عن أبيه قضايا كثيرة تتعلق بالوضع السياسي والعسكري والاجتماعي في الجزائر، ومن سوء حظه أنه فقد ثلاثة من أفراد أسرته في عام واحد وهو 1262هـ: زوجته فاطمة، ابنه أحمد، ووالده. ويعتقد أنه ألف هذه الحكاية في العام 1266 وعمره فوق الأربعين، ولا ندري إن كانت له أعمال أخرى.

زهرة الأنس

خلاصة القصة أن ابن الملك مات أبوه وهو في الأربعين من عمره، فالتزم العزلة وقد استبد به حزن شديد. وأما زهرة الأنس فقد ماتت أمها، وتدثرت حياتها بالسواد، فجلب لها أبوها الجواري لتعليمها الغناء والشعر لتنسى حزنها، لكن زاد في همها أن أباها لم يعد من تجارته#0236في سفرة. واقترح (حسن) النديم على ابن الملك (الأمير مصطفى) الخروج للترويح عن النفس، حيث انتهى إلى سمعه من دار زهرة الأنس غناء وطرب وشعر ولهو ومجون. فأعجب بما سمع، وطرب له، وسأل شيخا عطارا هناك فباح له بحقيقة زهرة الأنس التي تشبه "ياقوتة تُخْجِل الشمس والقمر"، فدغدغ حبها شغاف قلب ابن الملك، وباح بأمره لنديمه حسن الذي نصحه بالإقامة في دار مجاورة لدار زهرة الأنس، ووعده بالسعي للوصال بينهما. وبينما كان ابن الملك عائدا من الصيد ذات يوم رأته زهرة الأنس التي كانت تتنزه مع جواريها، فأخذها حبه حتى أغشي عليها، وعندما عادت إلى وعيها والتحقت بمقصورتها، كلفت جاريتها خريفة الصيف بالسؤال عنه لدى العطار المجاور، ولم يلبث أمر كليهما حتى غرقا في "بحر المحبة والغرام، والعشق والهيام"وكان يجري اللقاء بينهما تارة في قصرها، وتارة في قصره. لكن ظهور البربري الذي سبق تمكنه من زهرة الأنس في حياة أمها نغّص سعادتهما، فاستاءت زهرة الأنس لظهوره ورفضته. ثم انتهى من حياتها، فسعدت لذلك، وغضب ابن الملك، ثم غفر لها، وعادت أيام الوصل بدفئها، بل بحرارتها واندفاعها. وهكذا تنتهي القصة نهاية سعيدة بصفاء الجو بين الحبيبين، وكلاهما يهتف بحمد الله وشكره على جمع الشمل، ونيل المنى.

البنية المعمارية لحكاية العشاق

تندرج فاتحة الحكاية ضمن ما يسمى بالتعاليات النصية التي تحدث عنها جيرار جينيت في كتابه: مدخل لجامع النص (2)، والمهم في هذا المقام هو كل ما يجعل هذا النص في علاقة خفية أو جلية مع غيره من النصوص التراثية العربية حيث "إن النص الأدبي-بصفة عامة- يكشف عن نواح اجتماعية متعددة، فهو لغة ناجمة عن المجتمع، وكل نص فيه آثار سابقة لغيره، سواء أكانت مكتوبة أم في شكل كلام يصب سالفه وحاضره في النص، ولكن ليس وفق طريق متدرجة معلومة، ولا بمحاكاة إرادية، وإنما وفق طريق متشعبة، صورة تمنح النص وضع الإنتاجية وليس إعادة الإنتاج"(3).

والانتماء النصي لأثر ما يكون عن طريق المناص، إذ يُصرَّح به إمّا في النص المحيط Péritexte أو النص الفوقي Epitexte، فيتبين القارئ نوعه أو جنسه عن طريق تصريح المؤلّف نفسه أو عن طريق الناشر أو عن طريق النقّاد.

أما علاقة هذا النص بالموروث الشعبي والنصوص التراثية العالمية الذي يتخذ طابع جامع النص، فتكمن في تضمين أشعار وأمثال وآيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة وحكم استشهادا أو إيحاء في النص اللاحق، وهو الطرح الذي سيرد لاحقا من خلال تساؤل الباحثين والنقاد عن تداخل الأجناس الأدبية، وإشكالات تصنيف هذه المدونة التراثية الفريدة من نوعها.

يتأكد هذا الطابع الخصوصي لكتابات القرن التاسع عشر عبر المخطوطات سواء أكانت دينية أم أدبية أم علمية، حيث تبدو الفاتحة مستقلة عن النص، فهي من الناحية الزمنية ملحقة به، يختلف نظامها عن نظام النص، يدور فحواها-غالبا- حول الاستعداد الفكري والنفسي للمؤلف الذي يستعين بالله عالم الغيب ومفرج الكروب، يحمده ويستغفره من جميع الذنوب، ويصلي ويسلم على الحبيب المصطفى وعلى آله وصحبه. ويقطع القول بـ: وبعد. غير أن نص الحكاية تؤطره فاتحة أخرى تبدو أكثر تلاحما بمحتوى النص، وتتمثل في وصية جامعة للمثل العليا التي يتحلى بها الأخيار من العلماء والأفاضل من الناس، وهي في عمومها تكشف مقصدية المؤلف، وكيفية اشتغال الخطاب السردي داخل النص، الذي يشير إلى ظاهرة الانفصال والضدية بين المثل العليا في المجتمع: بين الخطاب الديني التوجيهي، المقدم على شكل وصية تكاد تنفصل عن سياق الأحداث، والممارسة الفعلية لشخصيات الحكاية، وما يشملها من استباحة المحرمات، وشرب الخمر، واجتماع النساء بالرجال في مواطن اللهو والغناء .

تحتوي الفاتحة الثانية على جملة من الوصايا، يتوجه بها والد الشخصية المركزية في النص إلى ابنه (ابن الملك) المفترض في الحكاية بعد أن ألم به مرض عضال، علم أنه مفارق الدنيا إثره لا محالة، جمع فيها النّاص القيم الأخلاقية العالية التي يدعو إليها الإسلام، من تقوى الله، وعدم الاشتغال بعيوب الناس، والابتعاد عن المسؤوليات والقناعة بالقليل والابتعاد عن المحارم كلها ما ظهر منها وما بطن. وقد جاء في نهاية الوصية:  "إياك والعشق فتهلك نفسك، وينخرب ملكك". (4)

وتكشف أحداث الحكاية ومساراتها السردية المختلفة أنها تتجه نحو مخالفة ما جاء في نص الوصية، غير أن البنية الختامية للنص تأتي لتبرر ما وقع فيه ابن الملك من محرمات، وتجاوزات شرعية، وتعدّ ذلك من باب القدر لا اختيار للبشر فيه، وأن الله يغفر الذنوب جميعا.

يقدم لنا النص من خلال هذه الحكاية الكيفية التي يحيا بها الأرستقراطيون في مدينة غير محددة جغرافيا، وفي زمن مطلق (فيما مضى)، ولكن يعرف المكان من السياق، وهي مدينة الجزائر، "فيما مضى وتقدم، كان بالجزائر ملك شاع جوده وكرمه، ذو سطوة عظيمة وكرم جزيل. تهابه الملوك وتخشاه. وكان له ولد قد علّمه من الأدب والعلم ما يناسب ويليق. وكان يحبه حبا شديدا"(5).  يعود الناص فيها إلى الواقع الذي يعيشه أبطال هذه الحكاية، ويدفع بالقارئ إلى أن يقيم علاقة صدق بين ما ورد في نص الوصية، وما يجري من حياة لهو ومجون، حيث يخولنا إخضاع النص إلى امتحان الحقيقة التي تقودنا في النهاية إلى أن مطابقة أو لا مطابقة النص مع الواقع عملية مقصودة وموجّهة، ولا يعني التطابق هنا الصلة الرابطة بين التاريخ والواقع، فالتاريخ كواقع مضى يجد امتداده في واقع ما يزال حيا ومعيشا.

وتنتهي الحكاية بإمضاء الكاتب الذي يفتح النص على نهايات تأملية صوفية بدعاء يقدمه في صيغة شعر يرتله ابن الملك على ندمائه، وعلى حد تعبير تقي الدين أحمد علي المقريزي"من يتأمل هذه الأحداث من بدايتها إلى نهايتها يعلم أن ما بالناس سوى تدبير الأقدار وتوجيه الأعمار نحو غايات يجهلونها"(6).

ويمكن أن نتساءل بعد هذا العرض عن الكيفية التي تشتغل بها الملفوظات داخل نص الفاتحة والخاتمة، وكيف أنها لم تفقد دلالتها بفقدانها لسياق الأحداث الذي اندرجت ضمنه أحداث الحكاية، حيث حافظت على رابطة سياقية تردُّ الفاتحة والخاتمة إلى إطار مستنبط من الثقافة السائدة. وضمن هذا السياق يتطابق هذا الإجراء السردي بشكل قصدي ومبرر مع نص الفاتحة وتأطير الخاتمة. والأهم في قراءة بنية "حكاية العشاق. " هو أن تتكون لدى القارئ الناقد أدواته وآلياته ومعارفه التي تتيح له أن يلتمس ويتساجل، يستعين بالتراث ويراهن ويجادل انطلاقا من المدونة النقدية الحداثية، فيختار وينتقي، يرفض ويراهن. هكذا ينبغي أن تنبني علاقتنا بهذا النص التراثي. عند ذلك يمكننا أن نتساءل بجدية عن مجموعة من المشكلات التي تخص السرديات العربية الإسلامية: لماذا تغيب الوحدة التي تتجمع عندها (المتواليات) السردية في عقدة واحدة؟ولماذا يعنى العرب دون غيرهم بالمقدمات؟وما سر الإصرار على أخبار الصفوة من المجتمع؟ولماذا عثر على هذا النص دون غيره من النصوص الأخرى، ونحن نعلم أنه جرى التدوين في هذه الفترة بالسعة التي نستغرب معها وجود نص فريد في المكتبة الوطنية؟

تصنيف حكاية العشاق

لقد أثار هذا النص العديد من التساؤلات حول إشكالات تصنيفه ضمن أنواع الخطابات السردية، حيث تأرجحت الآراء بين اعتبار "حكاية العشاق. " رواية فنية أو قصة شعبية أو هي في منزلة بينهما. ولن تكون محاولتنا إزاء نص "حكاية العشاق. " سوى جزئية، نرمي من خلالها إلى تقديم هذا النص بعد أن عرّف به أبو القاسم سعد الله، وبعثه من جديد، بعد ركود في رفوف المكتبة الوطنية دام قرابة قرن أو يزيد، فنتوقف عند تخوم هذا النص لنستقرئ محاولات نقدية قليلة جدا تعرضت له، دار أغلبها حول إشكالية التصنيف، والخلاف الذي جرى بين الباحثين في الجزائر حول إمكانية رفع هذا النص إلى درجة رواية فنية، تمتلك الصفات المؤهلة لذلك. لنقف بعد ذلك عند المنطلقات التي انطلقت منها هذه الدراسات، وكيف حاورت النصوص الأخرى، بخاصة منها السردية والكيفية التي يتصور بها العالم الروائي في تقاطعه مع نص السيرة الهلالية، ونص ألف ليلة وليلة. بعد ذلك مباشرة، نعالج النصية التي تساعدنا على الدخول إلى النص عبر بنياته العميقة المتبدية من خلال الثنائيات الضدية. وتقودنا هذه الوقفة إلى المستوى السطحي، فننظر في ترتيب الملفوظات القصصية في علاقاتها بالمسارات التي تخترق النص وتمنحه التحامه الدلالي. وننتهي إلى خلاصة من شأنها إبراز قيمة الأثر باعتباره من بواكير الرواية العربية.

والسؤال المركزي الذي نتوقف عنده في هذا المجال هو:  هل يحتوي نص حكاية العشاق الحكائي على الحد الأدنى أو الأوفى من الخصائص الروائية في النصوص السردية الحديثة؟

لقد تعرض الدكتور عمر بن قينة في كتابه "دراسات في القصة الجزائرية" إلى إشكالية تصنيف نص حكاية العشاق في الحب والاشتياق، ورأى أن موقعها يتراوح بين المقامة والرواية والقصة الشعبية (7). والحقيقة أن النص لا يحتمل تداخل هذه الأنواع الأدبية كلها، ذلك أنه يحمل من فنيات القص الروائي ما يبعده عن المقامة في شكلها اللغوي الرصين، ورونق عباراتها الفخمة التي تحمل كثيرا من الجمالية الفنية والإبداعية، كما أن نص الحكاية يحمل من السمات الفنية ما يميزه عن الحكاية الشعبية، لأن القصة الشعبية تنفصل عن راويها، وتتعرض للتطور زيادة وحذفا وتحريفا حسب الرؤى والأغراض التي يستهدفها الرواة الشعبيون الذين يتداولون على عرض النص، بالإضافة إلى أن النص الشعبي يعتمد الخوارق والقص العفوي والعشوائي الذي لا يخضع عادة إلى أي منطق أو ضابط عقلي، وكثيرا ما يستعين النص الشعبي بإطار النسيج الأسطوري لمخيال المبدع الشعبي، وهذه السمات لا تتوفر في هذا النص على الرغم من أنه يأخذ من الشعبية ذلك الإطلاق والعموم على المستوى اللغوي للنص السردي، وكذا في نسج الظلال الداخلية وفي استمداده لروح القص الشعبي من ليالي ألف ليلة وليلة التاريخية.

كما أن البيئة العامة والظرف الزماني معروفان في هذه القصة عكس القصص الشعبي المفتوح على المطلق. وتأسيسا على هذه المعطيات، هل يمكن تصنيف هذا النص القصصي ضمن الرواية الفنية، لارتباطها بالمسار القصصي زمنيا ونفسيا وتطور الأحداث وخضوعها للمنطق السردي، فتكون إرهاصا مبكرا لميلاد الجنس الروائي العربي ، وبذلك يحدث تفنيد للمقولة النقدية التي تؤرخ لظهور هذا الجنس الإبداعي برواية " زينب لمحمد حسين هيكل" (1914) وهي فترة متأخرة عن ظهور "حكاية العشاق. " بنحو (66 سنة)، وإن كنا نقر مبدئيا أننا لا ندعي رقي هذا النص فنيا إلى درجة معمارية الشكل الذي ظهرت عليه الرواية العربية الحديثة.

تقييم الحكاية

حول الخوض في تحليل هذا الإشكال وتفكيكه خصص الدكتور محمد بشير بويجرة دراسة مركزة حول الموضوع وسمها بـ: " الرواية الجزائرية بين التأسيس والتأصيل، مقاربة ابستيمولوجية لخطاب حكاية العشاق في الحب والاشتياق" رأى فيها من خلال اختيار عنوان الأثر دخولا إلى عالم المشاعر الإنسانية التي تفرضها الطبيعة البشرية في تلاحم الأرواح المتحابة ضمن نطاق عجيب التصديق، وإن كانت الحكاية تدور أحداثها في مجالات كثيرة، ولكن المجال الأكثر هيمنة هو مجال العشق وأحواله وظروفه. يقول عن ذلك:

"إن رغبة الحكي في هذه الحكاية لم تكن مجرد إرسال خطاب بسيط يقوم على التسلسل والترتيب لنقل قصة من ذات المبدع إلى ذات متلقية، بل إن مقصدية الإثارة كانت واردة، والبنائية الفنية كانت جلية ومهيمنة، فجل الأحداث تتصف بالتصادم والالتواء والتعقيد. الشيء الذي يفرض على القارئ التساؤل والحوار مع المابعد"(8).

ويصل الباحث محمد بشير بويجرة إلى استخلاص حقيقة نقدية مفادها أن نص حكاية العشاق نال قسطا وفيرا من فنيات الحكي، وبنيات القص، ما جعله يتبوأ الصدارة الفنية في ميلاد الرواية العربية الحديثة، وقد عزز هذه النتائج بتحليل البنى السردية الواردة في النص لإثبات روائيته.

وعلى الرغم من أن "حكاية العشاق في الحب والاشتياق. "تشتمل على توال سردي متوتر ضاج بالفعل، فإن حكايات ألف ليلة وليلة الآخذة عن أصول تراثية أخرى، وقد تكون الأصل المباشر لهذا النص"حكاية العشاق. " تسرف هي الأخرى في الاستعانة بشروط الظرف ومواصفاته "على خلاف ما يعتقده كتّاب السرد الذين يجهلون طاقة هذا التراث في توليد محمولاته وقرائنه الكثيرة لجمهور يتوقع مثل هذا السلوك، في ضوء نظريات الحب والعشق السائدة منذ ذلك الحين، والتي جرى ذكرها في مجتمع ألف ليلة وليلة"(9). وإن كان الفرق جلياً واضحاً بين النصين:  فالحكاية عند شهرزاد تبالغ في العامل الجنسي داخل القصور، وتهمل حياة المهمشين من خارج فئات الصفوة الأرستقراطية، كما أنها أكثر أثراً وتعقيداً عندما تتداخل بغيرها. فالأصل كما هو واضح يتباعد عن النص اللاحق، غير أن ما يُبقي "حكاية العشاق. "أكثر ارتباطاً بألف ليلة وليلة هو هذا التداخل في عرض الشخصيات المنشغلة داخل فعل السرد، ما بين صبية، وجواري، وقهرمنات، وندماء، وتجار، ومحتالين، وكلها شخصيات شهوانية في محيط منغلق: بين حبيبة مخلصة تؤثر الحب على النفس، ورجل متحير أوجده القدر في محنة يعجز عن حلها وهو دون حيل النساء. ولا يعني هذا أن نص محمد بن ابراهيم يخلو من قوة العامل الجنسي، لكنه يبدو فعلاً يؤتى به لا بدافع المتعة بل بدافع الإفصاح والتعبير عن الألم والمكبوتات السلبية لدى بطلي القصة ابن الملك وزهرة الأنس.

إن البحث عن تسمية للجنس الأدبي الجديد الذي لا نظير له ولا مثيل في التراث الجزائري إبّان العهد العثماني يمكن أن يؤدي بنا إلى تلك المساحة المتسعة التي تنشغل بالاحتياجات المستجدة للسرد والحكي، والتي كانت ألف ليلة وليلة تستجيب لها من خلال تبلورها حول إطار يتيح لها الأخذ والاقتباس والمصادرة عن هذه المرويات والمنقولات والمسموعات الكثيرة التي سبقت هذا النص، وهكذا يسعى التراث السردي الإسلامي بين مد وجزر، مضيفا ومعدلا لما وصله، مازجا لبعضه، مكثرا من الاستفادة مما ينقاد للتأطير بسهولة ويسر. لذلك ألفينا الكثير من المروي والمنقول يتمظهر مدونا بعدما حظي بالشهرة والاعتراف فاشتد السعي لاحتوائه داخل الخطاب المهيمن، وهو نوع من المحاصرة التي أضحت تفرض على المشافهة، بحثا عن احتوائها وتدجين احتمال توالدها نظرا للتهديد الذي أصبح يتوعدها بالضياع والزوال.

التشكيل اللغوي ونحو الخطاب في حكاية العشاق

لا يمكننا في الواقع بناء خطاب نحوي لهذه الحكاية وذلك لغياب لغة خاصة لخطاب معين، ولكن هنالك ملفوظات نحوية (تركيبية) خاضعة لصعوبات نوعية هي التي تشكل ملفوظات مستمدة من هذا أو ذاك من الخطابات السردية. إن نظام المكونات الدلالية التي تنتظم في خطاب سردي معين من شأنها أن تحدد موضوعه، وبالتالي تميزه عن باقي الخطابات الأخرى، وفي هذا الإطار نعتبر البنيات اللغوية كمظهر سابق يفرض على الخطاب سننا معينة، وفي حالة خطاب "حكاية العشاق. " فإن ما يحدده هو:

- فضاء تداخل النصوص الشفوية الشعبية، من حكاية ألف ليلة وليلة، ونصوص القرآن والسنة النبوية الشريفة، بالإضافة إلى الحكم والأمثال الشعبية، والمقطوعات الشعرية المستمدة من القصائد العربية الفصيحة، وباقي النصوص التراثية العالمية التي يزخر بها تراثنا العربي الأصيل، وهو ما يسمح بإقامة فضاء لغوي متحرك متنامي العوامل والعلاقات التي تشكل النص اللاحق وتربطه بالنص السابق.

- الحالات والتوقعات البلاغية المناسبة للملفوظ المتعلق بالحكاية التراثية قبل أدلجة الأجناس الأدبية، وطرق الإقناع في الخطاب النثري المتفاصح(الذي يجمع بين اللغة العامية والفصحي).

إن مضمون كل خطاب يختلف باختلاف الجنس الأدبي الذي يندرج تحته، ومقصدنا هو البحث عن المواصفات المتميزة والتقنيات المختلفة التي يتبناها الخطاب الحكائي كلما تعرض لموضوع العشق والعلاقات العاطفية بين شخصيات القصة. ونفترض أن الصعوبات نفسها تعترض كل خطاب روائي تبنى هذه الموضوعة. كما أن وجود هذه العوائق يفترض وجود كفاءة خطابية تحول دون اعتراض هذه العوائق مسار الخطاب السردي، وهي عوائق لغوية تتصل بتقنيات الأسلوب وبناء السرد الحكائي. وغالبا ما يلجأ التحليل الأدبي للجنس الروائي إلى دراسة البنيات السردية المختلفة، وعلاقتها بالتاريخ انطلاقا من خلفية منهجية يبدو من خلالها أن تحليل الرواية يتعارض ولسانيات "شومسكي" التي تفترض بالإضافة إلى الكفاءة المكتسبة للغة الأصلية للمتلقي كفاءة لغوية (نحوية وصرفية وبلاغية) تمكنه من تأويل سلسلة من الجمل المتتالية التي لم يسبق أن تعامل معها من قبل.

إن السؤال الذي تطرحه مناهج تحليل اللغة كلما تعلق الأمر ببناء الخطاب السردي هو كيف تم بناؤه، وما هي القواعد التي تحكم بناء خطابات أخرى مماثلة له؟

نعتقد أن نص "حكاية العشاق. "قد نحا بلغته الروائية نحوا يباين سائر النتاج القصصي السردي اللاحق، بل إنه فارق مألوف الخطاب الروائي المألوف اليوم، إذ فيه منعرجات بلاغية لم تكن ذات حضور حقيقي في المنجز السردي العربي قبل ذلك، وإن كان ما يشبهها في خطاب ألف ليلة وليلة ولكن ليس بالكيفية نفسها. ولعل سلوك ذلك المسلك في بناء لغة روائية لا يعني بالضرورة أن تستوي سطور النص وجمله بالسوية البلاغية ذاتها، وإنما تتوافر وحدات كلامية يعبر عنها بمستوى بلاغي بسيط، أو مباشر بعيدا عن الانزياحات، والنحو الشعري في الصياغة، حيث تتجلى تركيبات كلامية باللهجة العامية، بل وتتبدل المترافقات اللغوية، وتتباعد القرائن المفرداتية مشكلة في النهاية مستوى لغويا وأداء كلاميا يتمايز بنوعية صياغته البلاغية والتواصلية في إنتاج سرد سيكشف البحث النقدي لا محالة عن خصوصيته الشعرية، حيث تشتبك في النص القصصي لحكاية العشاق لغات السارد (صاحب الحديث) والشخصيات، والمتناصات، ويتعزز الاشتباك اللغوي بما يتخلل الحكاية من لهجات عامية ورطانات.

 تعدد اللغات في النص

وتأتي من حين لآخر لغات النص الغريب في هيئة مقتبسات تفتح النص على أجزاء أو أقسام أو فقرات، سواء أكانت هذه المقتبسات تاريخية أم شعرية أم دينية، ولكن أحسنها هو الذي ورد مستبطنا في النص كعلامة روائية بارزة، وشاهدا على إمكانية المبدع في ربط نصه بنصوص غريبة وهو دليل على وجود تعدد اللغات المتجلية عبر لغة السارد ولغة النص الغريب التي تحدث عنها لاحقا باختين في مؤلفه "الكلمة في الرواية" وعن فعلها في الرواية الغربية الحديثة (10).

إن وصف أحداث الحكاية تطرح إشكالا آخر، وهو: كيف استطاع هذا الخطاب بعينه الظهور دون سواه من الخطابات الأخرى؟وهو الإشكال الثاني الذي طرحه ميشال فوكو عندما تعرض لموضوع الخطاب وأشكاله في الأدب الفرنسي، وقدمه على الشكل الآتي:  "كيف استطاعت كفاءة خطاب معين الظهور دون سواها من الكفاءات الخطابية الأخرى؟"(11)

ولعل الزاوية التي تشغلنا في هذه المرحلة من التحليل هي:  كيف استطاع الناص (Annonciateur) إدخال طريقة اشتغال خطاب معين في صورة تعقيداته المركبة، فهل يعني هذا أنه فرض عليه بهذا الشكل من قبل موقف أو وضعية اجتماعية معينة، أم أن هناك رابطا غامضا، ولكنه ضروري بين طبيعة الخطاب وانتمائه إلى طبقة أو فئة معينة من المثقفين الجزائريين في تلك الحقبة الزمنية المتميزة من تاريخ الجزائر؟

لقد أصبح معلوما اليوم أن التحليل البنيوي للخطاب يلغي من بحثه الظروف الاجتماعية المحيطة بإنتاج الملفوظات الأدبية، وأن التحليل يتقيد فقط ببنائية النص وهندسته دون البحث عن علائق خارجة عن هذا البناء الداخلي والنظام الذي يخضع له. ويرى ميشال فوكو "أن قوانين التكوين لخطاب معين لها مكان لا داخل عقليات الأفرادوضمائرهم ، ولكن داخل الخطاب نفسه، وهي تفرض التعبير بالمقابل بواسطة قوة غير محددة لكنها موجودة وبشكل متشابه لدى كل الأفراد الذين يتكلمون داخل هذا الحقل الخطابي"(12).

نقتنع -بدون شك- بما قاله فوكو، لكننا نتساءل عن الكيفية التي تفرض بها هذه القواعد، وإذا استثنينا القيود التاريخية تبقى القيود ذات الطابع النظامي التي تقول إن مبدأ الكفاءة الخطابية بإمكانه تنوير تمفصل الخطاب وقدرة المؤلفين على تأويل ملفوظات معينةوإنتاجها . لذلك يرى شومسكي أنه بإمكان الكاتب التعلم بشكل سريع انطلاقا من لقاءات محددة، وهي حالة-بالطبع- نادرة لا يمكن القياس عليها.

ودون الدخول في متاهات حول إشكالية كفاءة الكاتب وقدرته على إنتاج خطاب معين، يصب في حقل محدد كالرواية الفنية، فإن هناك علاقات حميمية بين النظام الذي يخضع له الخطاب والقيود التي تضبطه.

إن هذا التوضيح من شأنه إزالة الغموض والشك المتعلق بالكفاءة اللازمة لإنتاج خطاب ذي توجه فني معين، لأن هناك هامشا معتبرا يتيح التحكم في ربط القدرة على الصياغة والحياة المعيشة لمنتج خطاب بهذا القدر من الفنية تجعلنا لا نشك في إمكانية إنتاج نص سردي في هذا المستوى الفني من قبل محمد بن براهيم (الأمير مصطفى) وهي مقولة توقف عندها باحثون عدة من الذين حاوروا نص "حكاية العشاق. "لا سيما الدكتور أبو القاسم سعد الله الذي يعتقد أن "النص حافل بتصوير الجو النفسي والتمهيد لأحداث القصة، فهو إذا تحدث عن الجنس جاء بالعبارات المثيرة والألفاظ الحساسة. وعندما يصف مجلس أنس يأتي إليه بكل العبارات المناسبة كالخمر والندماء والجواري والغناء والشعر الرقيق والموسيقى العذبة"(13). ولذلك فهو لا يتوانى في إدراجه ضمن التراث الجزائري الشعبي، وإن كان في بداية مقدمته يتحدث عن " رواية أدبية تاريخية» (14).  ولا ندري إن كان الدكتور أبو القاسم سعد الله يقيم وزنا للفروقات الفنية الدقيقة بين الأجناس السردية المختلفة.

البعد السياسي

ولعلنا لا نكون مبالغين إذا زعمنا أن في النص إشارة إلى الحياة السياسية، أو بالأحرى رموزها"فانغماس ابن الملك في اللهو وعزوفه عن الحياة العامة قد يكون نوعا من التكفير عما فقده من ملك آبائه بعد استيلاء الأجنبي على البلاد أو التعبير عن موقف طبقة الحضر التي انصرفت إلى العزلة والتأسي بعد أن خسرت كل شيء بسبب الاحتلال"(15).

وبالإضافة إلى العناصر الفنية المذكورة فقد تم توظيف الفضاء المكاني والزماني توظيفا فنيا راقيا، وإذا قسنا هذا الجانب بمدى الاهتمام الذي توليه السرديات للفضاء المكاني والزماني باعتبارهما من أهم العناصر في كل عمل فني، حيث لم يعد ينظر إلى المكان باعتباره مجرد عنصر في بناء أي عمل فني وإنما يقدم على أنه عامل يعتمد عليه في تشكيل النص سرديا، فكلما تعددت الأمكنة كلما كانت حركة السرد أعقد وأمثل، وقد توزعت تقنيات السرد في "حكاية العشاق. "على الفضاء المكاني والزماني بين الحيز الجغرافي الواقعي والحيز المتخيل، فكان التنويع في الأمكنة والتنويع في توظيف الأزمنة عاملا إيجابيا في دفع حركية السرد عبر وتيرتين متناقضتين، يتجلى فيهما الصراع بين الشخصيات في تطبيق البرامج السردية المنوطة بالفاعلين المنفذين.

كما عمل السرد في حكاية العشاق على صياغة المادة الحدثية المتمثلة في مجموعة الوقائع الحقيقية اجتماعية كانت أم تاريخية، والوقائع الخيالية الموجودة وجودا خطيا، ومنحها قدرا من الوثوقية بإسناد أسماء إلى شخصيات مستمدة من الواقع، وإضفاء مسحة من الأصالة بتصميم المكان وتأطير الزمان. وما يلاحظ في هذا النص أنه نحا نحوا تقليديا في رواية الحدث، حيث جرى انسياب أفقي في الزمن على لسان الراوي الذي قد يكون الشخصية التي اختفى وراءها الكاتب، باعتباره شخصية فاعلة أو شاهدة أو ناقلة باستعمال ضمير الغائب (هو)، في الوقت الذي كان يفكك أحيانا المادة الحدثية ويعيد تركيبها وفق منظورات ورؤى وأصوات ترتبط بضمائر المتكلم (أنا) والمخاطب (أنت) لتعلن عن حوار الوعي وجدلية الفكر وديمقراطية الرأي. ولعل معترضا يقول: هل يمكن أن تظهر حداثة في الفن(فن الأدب) في مجتمع كان وما يزال يعيش حالة من "البدائية"، لم يتخلص آنذاك من التنظيم القبلي، وهل يمكن للجنس الروائي الذي قيل إنه لا يعيش إلا في فضاء الديمقراطية أن يظهر ويتطور في فضاء القمع والتخلف؟وللرد على هذا الاعتراض لا أجد أحسن مما قاله الروائي التشيكي ميلان كونديرا: "إن السبب الوحيد لوجود الرواية هي أنها تقول ما لا يمكن أن يقوله غيرها"(16)إذن فقد تحقق لهذا النص من الكفاءة السردية ما يجعله يتبوأ مستوى الرواية الفنية من حيث بناء الأحداث والأجواء النفسية والتعبير عن المواقف المختلفة وإن كان على الرغم من ذلك يفتقد إلى خاصية التناغم بين الأجزاء، وهي الصفة الضامنة لانسجام نص سردي حول مشروع حكاية يصاغ خطابها بشكل فني معين، لا يشترط فيه شروط معينة سوى الحفاظ على انسجام البرامج السردية وتتاليها عبر مسارات تؤدي إلى غاية جمالية فنية معينة.

وفي الختام تحضرني مقولة غربية أعتقد أنها لميشال فوكو؛تقول: إن باحثا غربيا أراد أن يدقق في تجلي ظاهرة الجنس في النص الأدبي للقرن التاسع عشر من خلال خطابات متعددة، وبعد عمل مضني وصل إلى نتيجة هي أن تلك الظاهرة لا وجود لها بالمواصفات الغربية الراهنة. فإذا سلكنا المسلك نفسه في الإحاطة بالدقائق الفردية الخاصة بجزئيات خطاب "حكاية العشاق. "فإننا سنصل حتما إلى نتيجة شبيهة بنتيجة الباحث الغربي، حيث إنه لا يمكن العثور إلا على مواقع الاختلاف والتباين بين العناصر المكونة للخطابات الروائية العربية الحديثة. وقد لا يكون خطاب كحكاية العشاق. " سوى مفارقة تاريخية لا غير. مثل هذا التفكير وارد في هذه الحالات، لأن ذلك من شأنه وضعنا ثانية أو ثالثة أمام مقابلة التاريخ ومقبولاته، والثقافة العربية وصراعاتها الداخلية الكثيرة والعميقة، وقد لا يكون هذا إلا شغبا ساذجا ، طغى على الكتابة لدى مؤرخيالقرن التاسع عشروكتابه ، والاشتغال بتحقيق هذا النص وأمثاله لا يزيد محنة الثقافة وصلتها بالآخر إلا مرضا وتعقيدا.

*باحث وناقد أدبي (الجزائر)

 

الهوامـش:

1-  حكاية العشاق في الحب والاشتياق، محمد بن براهيم (الأمير مصطفى)، تحقيق الدكتور أبو القاسم سعد الله، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1977، ص. 23

2- مدخل لجامع النص،  جيرار جينيت، ترجمة: عبد الرحمان أيوب، ط. 2، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، 1986، ص. 90. وانظر كذلك:

Gérard Genette, Palimpsestes, La littérature au second degré, Editions du Seuil, Paris, 1982, P.17

3- نظرية النص، رولان بارت، ترجمة: محمد خير البقاعي، مجلة العرب والفكر العالمي، عدد 3، مركز الإنماء القومي، لبنان، صيف 1988، ص. 96.

4- حكاية العشاق في الحب والاشتياق، محمد بن براهيم (الأمير مصطفى)، مصدر سابق.

5- المصدر السابق، ص. 23-24

 6-  إغاثة الأمة بكشف الغمة، تقي الدين أحمد علي المقريزي، دار ابن الوليد ودار الجماهير الشعبية، دمشق، 1956.

7- موقع "حكاية العشاق في الحب والاشتياق" بين المقامة والرواية والقصة الشعبية، دراسات في القصة الجزائرية القصيرة، عمر بن قينة، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986، صص: 143-148.

8- الرواية الجزائرية بين التأسيس والتأصيل مقاربة ، ابستيمولوجية لخطاب حكاية العشاق في الحب والاشتياق، د. بشير بويجرة محمد، دراسات جزائرية، العدد الأول، جوان 1997، ص. 125

9- سرديات العصر العربي الإسلامي الوسيط، محسن جاسم الموسوي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/بيروت، 1997، ص. 22

10- الكلمة في الرواية، ميخائيل باختين، ترجمة: يوسف حلاق، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1988.

11- نظام الخطاب، ميشال فوكو، ترجمة:  محمد سبيلا، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 1984، ص: 146

12- المرجع السابق، ص. 41-42

13- حكاية العشاق في الحب والاشتياق، تحقيق الدكتور أبو القاسم سعد الله، ص. 17

14- المصدر السابق ص. 6

15- المرجع السابق، ص. 17

61--Milan Kundera, L_Art du roman, NRF, Paris, 1990, P.78

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2009 م -  اتفاقية استخدام الموقع