|
مسرح الطفل في
سوريا
مشاريع طموحة على الورق وهموم كثيرة على أرض
الواقع
دمشق ـ ابراهيم حاج
عبدي
لا يمكن الحديث عن واقع مسرح الطفل في سوريا
بمعزل عن الحركة المسرحية بصورة عامة، ذلك ان العناوين العريضة
والخطوط العامة لمسرح الكبار ومسرح الصغار ـ إذا جاز هذا التصنيف -
متداخلة ومتشابكة الى حد بعيد في مسائل البنية التحتية وصالات
العرض وتجهيزاتها ومستلزماتها وكذلك الممثلين والمخرجين والفنيين،
كما ان الصعوبات والعوائق التي يعاني منها المسرح مشتركة، وسط غياب
الدعم الرسمي الذي ركز عليه المشاركون في هذا التحقيق الذي يلقي
الضوء على هموم مسرح الطفل في سوريا والعقبات التي تحول دون
الارتقاء به.
و لئن كانت الهموم مشتركة في مسرح الكبار ومسرح
الصغار فإن لمسرح الطفل خصوصية نابعة في كونه يتوجه للأطفال مع ما
يعني ذلك من مراعاة للكثير من الجوانب الفنية والجمالية وهذه
بدورها تفرض مجموعة من الفوارق والتمايزات التي لا تدرس غالباً
بعناية، وليس هذا فحسب بل إن ثمة نظرة تبسيطية خاطئة سائدة لدى
مديرية المسارح والموسيقى، تقوم على إعطاء فرص لمخرجين جدد للعمل
في مسرح الطفل كبداية تخولهم بعد ذلك العمل في مسرح الكبار وهذا
أحد الأخطاء القاتلة التي تحد من تطوير نوعية العروض المقدمة للطفل
والتي تنظر الى مسرح الطفل على انه « حقل تجارب
« .
فعالم الطفولة اكثر تعقيدا وغموضا مما نتصور،
فهو عالم غريب ينطوي على كثير من المفارقات فالطفل طيع ونزق، مشاكس
وودود ومزاجي معظم الوقت، ورغم انه غير متطلب لكنه فضولي الى ابعد
الحدود في طرح أسئلة تربك الآباء والمربين غالبا، وهي أسئلة تنبع
من رغبة الطفل في معرفة ما يدور حوله ومحاولته فهم مغاليق الحياة
فقد تجد طفلا يفاجئك بسؤال: لماذا لا يسقط القمر على الأرض؟ أو
لماذا تحرق النار الأصابع؟و عشرات الأسئلة الأخرى التي تتعلق
بالجوانب الروحية ومسألة الخلق وهو لا يكتفي بإجابة واحدة مختصرة
بل سرعان ما يبني أسئلة أخرى مستعينا بالإجابات التي تقدم له!!
تحديات التسلية الفارغة
وثمة نقطة مهمة يغفل عنها الكثير من الآباء
والمربين وهو سطوة التلفزيون الذي يستغرق وقت الطفل اكثر من أي
نشاط آخر ما أدى ـ كما يشير المهتمون بثقافة الطفل ـ الى تقليل
اللعب واللهو وهبوط المستوى اللغوي، والتحصيل الدراسي وزيادة
السلوكيات العدوانية لدى الأطفال فضلا عن الانغلاق وإضعاف الوشائج
الأسرية، وزاد الأمر تعقيدا مع وجود الكمبيوتر الذي يستخدمه الطفل
بسهولة للألعاب التي تتمحور حول القتل والانتقام، ومثل هذا الأمر
يقود الى القول بأن المسرح لا بد ان يكون ملاذا هادئا يرتاده الطفل
لاجل المتعة والتسلية وكذلك لاكتساب المعلومة ولتهذيب السلوك عبر
عروض تحض على القيم والمثل السامية.
ان هذا التوصيف يضاعف من مهمة العاملين في مجال
مسرح الطفل، لان الأطفال كثيرا ما يقلدون الشخصيات التي يرونها في
المسرح او التلفزيون ولديهم صفاء ذهن يلتقط كل شاردة وواردة في
المشهد الذي يحدث أمامهم، ويقال بان الخبرات والتجارب التي يمر بها
الطفل في سني عمره الأولى تضاهي سنوات عمره التالية بأكملها ومن
هنا وجب الحذر في التعاطي مع الطفل والحرص على ما يقدم له سواء كان
ذلك في المنزل او المدرسة او التلفزيون او المسرح الذي يحتاج الى
لجان متخصصة في اختيار النصوص وشكل العرض وطريقة التقديم ومضمون
الحوار والمقولات التي يحملها العمل كما يرى عدنان سلوم مدير مسرح
الطفل في مديرية المسارح والموسيقى الذي لا يخفي استياءه من ان «
التفكير في الطفولة يأتي في الدرجة الثانية في سلم الأولويات لدى
المؤسسات التي تعنى بالطفل كوزارة الثقافة ووزارة الإعلام « وهو
يجد تبريرا لهذا الكلام عبر ما يخصص ماديا للأنشطة الموجهة للطفل
في المجالات المختلفة والمسرح جزء هام منها.
بعد تخرجه من معهد الفن المسرحي في تونس 1996
حيث قدم أطروحة التخرج حول (مسرح المتفرج الصغير في سوريا) حاول
سلوم ان يؤسس لبداية ثانية في مسرح الطفل على اعتبار ان البداية
الأولى التي تلكأت في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي بدأت مع
عدنان جودة الذي قدم في الثمانينيات من القرن الماضي عروضا متميزة
يعتبرها الممثل تاج الدين ضيف الله «العقد الذهبي» لمسرح الطفل في
سوريا إذ قدم جودة أعمالا مهمة مستوحاة من التراث مثل (علي بابا
والاربعين حرامي) و(علاء الدين والمصباح السحري) و(بدور والأقزام
السبعة). . وغيرها ،ثم جاء بعده ومع مطلع التسعينيات من القرن
الماضي الفنان مانويل جيجي ليقدم «الصياد والملك» و»الأمير
الفقير»، وكادت ان تختفي عروض الأطفال حتى العام 1997 حين قدم
سلوم عمله الأول «حكاية الأحلام» التي شكلت فاتحة لعروض كثيرة مثل
«حكاية العرائس» و»الفتاة ذات الشعر الطويل» و»الأمير الكسول»
و»مملكة الأحلام المزعجة» و»رحلة المحبة» و»الرحلة العجيبة» وغيرها.
أهمية النص
و بعد ان كان مسرح العرائس يقدم عرضا واحدا
خلال اكثر من عشرين عاما بلغ عدد عروضه في السنة الفائتة 2003 خمسة
عروض وهو ما يشكل رقما قياسيا في تاريخ هذا المسرح الذي يهتم بعروض
الأطفال ويعود الفضل في ذلك الى عدنان سلوم وآخرين مثل نضال سيجري
وسامر الزرقا وزكي كورديللو الذي يشكو من ندرة النصوص المسرحية
المهتمة بالطفل لذلك يطالب الجهات المعنية بتشجيع كتاب هذه النصوص
عبر المسابقات وتقديم الجوائز للنصوص الفائزة مشددا على مسالة
تقييم هذه النصوص لان لذلك أهمية قصوى ففي رأي كورديللو الذي قدم
مسرحيات مهمة للطفل ان النصوص الرديئة تقود الى مسرح رديء لأن النص
هو الأساس وإذا كان هذا الأساس هشا فإن جميع المسائل الأخرى ومهما
أوليتها العناية فستبدو ضعيفة أيضا لانها مبنية على أساس غير سليم
أي «النص الرديء».
و يتفق الجميع على ان التعاطي مع الطفل ينبغي
ان يكون مبنيا على الخبرة الواسعة في التعامل، سواء كان ذلك
بالقراءة او بالمعايشة اليومية فالبعض يستسهل عمل الأطفال، ففي
الثقافة السائدة عندما نرى سلوكا تافها نعلق «هذا عمل أطفال»
والمشكلة ان هذه الذهنية امتدت الى المسرح والحال كما يرى الجميع
ان اكثر الأعمال صعوبة هي تلك الموجهة الى الطفل لكن الواقع العملي
يقول غير ذلك إذ تجد نصوصا كثيرة لا تراعي الأصول التربوية
والنفسية كما يقول كورديللو الذي يشير الى ناحية مهمة تتمثل في ان
الأسرة حتى وان حرصت على اصطحاب أطفالها الى المسرح إلا انها ترى
في ذلك نوعا من «السيران» لاجل المتعة ولا تجد فرقا بين ان تصحب
الطفل الى مدينة ملاهي او حديقة او الى مسرح وهذا يعود الى غياب
الثقافة المسرحية التي تخول الأهالي التمييز بين مسرحية رديئة
وأخرى جيدة وتبين لهم ان المسرح ضرورة وليس ترفا او تسلية، ومثل
هذا الأمر يشجع اللامبالاة لدى العاملين في مسرح الطفل طالما لا
يوجد رأي نقدي حقيقي يمدح هذا ويذم ذاك. كما ان الموضة السائدة
الآن هي العطلة الانتصافية التي تقدم فيها عروض كثيرة مثلما هو
الحال في شهر رمضان بالنسبة للدراما.
ميزانية متدنية
هشام كفارنة مدير المسرح القومي في مديرية
المسارح والموسيقى يرى بدوره ان مسرح الطفل بحاجة الى كفاءات
متميزة بحيث لا يكون الأمر أشبه بالتجريب بمعنى يمكن ان أتيح
للمجرب الهاوي ليقوم بتجربته الأولى في مسرح الطفل فهو يرى الأمر
على عكس ما هو سائد فمسرح الطفل يحتاج الى كفاءات تستطيع مقاربة
هذا العالم الغني والمتنوع والنفاذ الى أعماق الطفل ومشكلاته والى
خبرات ترسم له باللون الزمان والمكان ليرى هذا الطفل انه أمام فن
يعنيه وليكون جزءا من عناصر تشكيل العرض المسرحي.
و لتحقيق هذا الهدف يطالب كفارنة بإيفاد بعثات
ممن حققوا تجارب ناجحة ليتعرفوا على تجارب مسرح الطفل في العالم،
ما يؤدي الى تحسين مستوى الأعمال التي تقدم للطفل.
و المسألة التي لا يختلف بشأنها أحد هي مسالة
الأجور الضئيلة التي يحصل عليها المسرحيون ولذلك يطالبون بوجوب
إعادة النظر في الأجور فما يجري في العالم ـ كما يرى كفارنة ـ يؤكد
بان الثقافة هي السلاح الوحيد المتبقي فنحن بحاجة اليها للدفاع عن
الهوية وهذا يتطلب وضع ميزانيات تتناسب مع سمو رسالة الثقافة ويضيف
كفارنة «في الوقت الذي يجب فيه تخصيص ميزانيات مضاعفة لوزارة
الثقافة والإعلام نجد ان هناك تخفيضا لهذه الميزانية تصل الى 25 في
المئة وهذا ينعكس سلبا على نشاط المديرية وبالتالي على مسرح الطفل».
هل يوجد مسرح للطفل؟
إزاء هذا الواقع هل ثمة مسرح حقيقي للطفل في
سوريا؟ الإجابات تتفق على النفي، يقول سلوم الذي اختار مسرحية
«العصفور الأحدب» لمحمد الماغوط ليكون عرض التخرج قبل ان يتفرغ
لمسرح الأطفال «لا توجد لجان استشارية وتربوية واجتماعية نفسية
تراقب وتوجه ولا يوجد كاتب متخصص ولا ممثل يعطي أهمية للمسرح ولا
توجد صالات ملائمة وعليه ليس هناك مسرح حقيقي للطفل في سوريا لان
هذا المسرح يحتاج الى كادر مختص ومتفرغ وهذا صعب في ظل الدعم
المادي القليل.
التخصص والحوافز المادية
ومثل هذا الكلام يؤكده كفارنة الذي يتساءل كيف
لمخرج ان يفكر بشكل صحيح في إيجاد حل بصري لمشهد ما وهو يعلم بأنه
لا يملك ثمن دواء لابنه المريض؟و تتفاقم مرارة السؤال حين يدرك هذا
المخرج او الممثل بان المردود المادي لعمل يوم واحد في التلفزيون
ربما يضاهي المردود المادي لعمل سنة كاملة في المسرح؟ ماذا يخصص
لمسرح الأطفال؟ ويضيف سلوم: «لدي على الورق كثير من المشاريع وظهرت
مؤشرات تبشر بالخير فقد بدأت عقيلة السيد الرئيس ترعى بعض
الاحتفالات الخاصة بالطفولة ولكن نحن كعاملين في مجال مسرح الطفل
نشعر الى الآن بالإحباط وبان الأفق مسدود.
واذا كان الوضع هكذا في دمشق ـ يتابع سلوم ـ
فما بالك في المدن الأخرى التي لا يوجد فيها شيء رغم وجود تجارب
خاصة لا أهمية لها لأنها تعتمد الربح، وعروض الأطفال تحتاج الى
نفقات باهظة ويجب ان يعلم مدير المسارح ووزير الثقافة ورئيس مجلس
الوزراء بأن عروض الأطفال الحقيقية تبلغ تكلفتها أضعاف ما نصرفه
نحن ومن هنا فهو يشبه نفسه وزملاؤه بمن ينحت في الصخر.
ان ما يخصص من أموال
لمسرح الطفل لا يكفي بالمعايير المسرحية الحقيقية لتغطية سوريا
لمدة خمسة أيام ويوضح سلوم «أنا الآن متشوق لان اقدم عروضا في
المحافظات، لكن ليس هناك إمكانيات فصالات العرض في المراكز
الثقافية المنتشرة في المحافظات غير مجهزة لتقديم مسرح للطفل بل هي
تصلح للخطابات فحسب فليس هناك تجهيزات إضاءة ولا تقنيات وهي من
الناحية الفنية غير سليمة، لافتا الانتباه الى ضرورة التحرر من
القيود، مشددا على ضرورة التمييز بين التهريج والمسرح الحقيقي
الذي يؤسس لجيل سوف يكون مستقبلا جمهورا للمسرح الذي نطمح إليه.
ان إيجاد مسرح حقيقي ليس بالأمر السهل لكنه ليس
صعبا بالقدر الذي نخشاه فالمسالة ـ كما يقول المسرحيون ـ تتمثل
في تحقيق المتعة والفائدة من خلال عمل فني غير متشابك او مشوش
وهذا يكون من خلال كتاب وممثلين ومخرجين يؤمنون بأهمية مسرح الطفل
وتتبلور التجربة عبر النقاشات المستفيضة ومحاولة إجراء استبيان بعد
كل عرض مسرحي واخذ الإجابات بعين الاعتبار بحيث تكون العروض
التالية اكثر نضجا واهتماما بما يتمناه ويريده الطفل، لكن العقبة
الرئيسة هي في الإمكانات المادية.
و لان العمل في مسرح الطفل لا يحقق المردود
المادي المطلوب لذلك تجد ان الفنان مرة يعمل في التلفزيون ومرة
أخرى في إعداد نص وفي مرة ثالثة في الدوبلاج ورابعة في كتابة مقال
وهكذا تتشعب المهمات والسبب هو الحصول على مستوى معيشي لائق، وثمة
مسالة أخرى، أشار اليها كورديللو وهي ان الشركات التي ترعى الأعمال
الفنية في أوروبا مثلا، تعفى او تخفض ضرائبها وهذا التقليد غير
موجود لدينا ولو وجد ربما أدى الى تحسين الوضع المعيشي للعاملين في
مجال مسرح الطفل. فالفن خاسر ماديا لكنه ضروري للحياة لان غايته
ليس الربح بل تنشئة الإنسان ونحن هنا نتحدث عن الطفل الذي كثيرا ما
نتغنى به في ثقافتنا، لكننا عمليا نهمله ونتركه نهبا للتلفزيون
وللتسلية الفارغة.
الممثل كميل أبو صعب الذي قدم أول دور لمسرح
الطفل مع مانويل جيجي في مسرحية «الصياد والملك» وبلغ رصيده حوالي
أربعة عشر عملا للأطفال يؤكد ان مسرح الصغار أهم واعقد بكثير من
مسرح الكبار لانه الأساس الذي يصنع جيلا يملك ذائقة فنية معتبرا ان
المخرج لا يمكنه العمل في مسرح الطفل إلا بعد تجربة طويلة في مسرح
الكبار فالمسرح تربية وليس علما والمهم هو ان نعلم الطفل على كيفية
رؤية المسرح بعين صحيحة.
الممثل تاج الدين ضيف الله الذي شارك في أعمال
عديدة لمسرح الأطفال يصف عمله بانه ممتع رغم اعترافه بوجود متاعب
ومشاكل كثيرة مطالبا بان تكون المكافأة جيدة، وقد حصل مع الفنانة
رغدة الخطيب على جائزة احسن تمثيل في مسرحية « نصفا جزيرة» من
إعداد الدكتور عجاج سليم وإخراج سامر زرقا والذي عرض في مهرجان
الطفل العربي الذي أقيم مؤخرا في الأردن. |