العدد

154 :

الثلاثاء, يناير 6, 2009 - 4:31 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

المرجعية: لا تفرد ولا انفراد ولا صمت بل فعل تصد

العراق في ظل مرجعيتي النجف ونيويورك
يفتش عن طريق ا لسلامة والسيادة

انتصار الاعتدال على التطرف بخروج المحتل  ويحقق العدالة للجميع

كتب: عبد الحسن الأمين
العراق منذ 11 شهرا يمر في حالات معقدة تضيع فيها بعض الأحيان معالم الطريق قبل أن تعود للبروز ليهتدي بها جميع العراقيين وفي كلا الحالين بدت مرجعية النجف ممثلة بالإمام السيستاني والمراجع الآخرين المساندين له كأنها المصباح الذي يؤشر الى طريق السلامة كلما ادلهمت الخطوب، لذلك تركزت الأضواء على هذه المرجعية وتعرضت الى أخذ ورد ورسمت له صور أخرجتها عن المعقول أحياناً أو فسرتها بعكس ما تتوخى حركتها. عن هذه المرجعية وعن مسارات الشأن العراقي تتحدث هذه المقالة
.

السيستاني يقول والشعب يطيع. هل هذه هي حقيقة الصورة في العراق؟ ام ان المعادلة كالتالي: الشعب يريد والسيستاني يعبر.

العارفون يقولون لا هذه ولا تلك اذ ان العلاقة ليست علاقة آلية بين المرجع الديني الاعلى وبين الجمهور العريض من مقلديه (لدى شيعة العالم وليس شيعة العراق فقط) كما انها ليست علاقة تابع ومتبوع. فلا السيد يتبع اهواء الجمهور ويلبي رغباته، ولا الشعب العرقي تابع على عماه «لفرد ديني له موقع مقدس وتعلو كلمته فوق كل كلمة».

ولكن قبل محاولة تحديد طبيعة هذه العلاقة ووسائل تحققها وحدود فعالياتها وتأثيراتها لا بد من الاشارة الى نقاط اهمها:

ـ كثيرون في الشهور القليلة الماضية نظروا الى مرجعية السيد السيستاني على أنها إرادة الفرد التي تحرك الجماعة وتملي عليها مواقفها، وبناء على ذلك رأى بعضهم ان هناك تناقضاً بين دعوة السيد الى الانتخابات العامة في العراق وبين المبدأ الذي تقوم عليه الانتخابات عادة. فالانتخابات آلية للديمقراطية والحرية، والفتوى آلية للتفرد بالرأي وفقدان الحرية للافراد.

ـ أن السيد في دعوته يراعي مصلحة جماعة الشيعة فقط على اعتبار انها الاكثرية وأنها، بناء على ذلك، الاقدر على تقرير مصير الانتخابات ومثل ذلك يهدد مصالح الجماعات الاتنية والدينية الأخرى في العراق.

ـ ان السيد انما اتخذ هذا الموقف ليتجنب واحداً من امرين: التعاون الايجابي مع المحتل الاميركي او المقاومة الايجابية لهذا المحتل. وأن قوى وأطرافاً داخلية وخارجية، اقليمية ودولية سعت لأن تحصره بين هذين الخيارين.

ـ وتبعاً لذلك رأى البعض في مواقفه امتداداً لقوة اقليمية والبعض الآخر تعبيراً عن رضى ضمني بالاحتلال لغياب الدعوة الى المقاومة المسلحة في المواقف التي صدرت عن مرجعية السيد وعن الدوائر القريبة منها.

بعد ذلك علينا ان نعيد للذاكرة انه، منذ بداية الوضع العراقي الجديد، جرى خلل كبير في التعابير المستعملة بخاصة تعبير الحوزة والحوزة العلمية الذي شاع في وسائل الاعلام من دون معرفة حقيقية بمدلوله ومعناه ما اضفى عليه معاني ودلالات ليست فيه او منه.

والامر هنا يستدعي وقفة امام ملاحظات من الضرورة ابصارها قبل السير في طريق تحليل موقف السيستاني الى عناصره الحقيقية.

هل تكون المرجعية صامتة؟

بداية عبارة الحوزة لا تعني في الاصل شيئاً سوى المكان مثل المدرسة والجامعة. ولأنها كذلك فقد يتعدى التعبير مدلوله المكاني الى مدلول النهج والطريقة. فكما كان يقال مدرسة الكوفة ومدرسة البصرة للتمييز بين اصحاب الرأي والقياس وأصحاب الرواية والنقل، ومثل ما يقال المدرسة الأوروبية والمدرسة الأميركية للتمييز بين العراقة والأسس الراسخة وبين المستجد الذي يميل الى السهولة والتحلل من قيود الماضي في اللغة والتصرف  كما في الدروس وطرق الامتحانات.

وهنا يجري الحديث عن حوزة النجف وحوزة قم، يجري التفريق بين حوزة اشتهرت بتفلسفها الى جانب فقهها وأخرى وسعت دائرة التفقه والتأصيل من دون ان تكبت نزعات التلفسف. واليوم يذهب التمييز الى تمييز بين حوزة سياسية وأخرى غير سياسية.

وأياً يكن المعنى الذي يذهب اليه مستعملو التعبير فإنه لا يمكن ان يذهب الى شخص بعينه أو مجموعة أشخاص أو الى مبنى بعينه او مجموعة ابنية، فالحوزة في الاصل وهي دائماً مكان التدريس وهي تمتد من البيت الى المسجد الى الحسينية الى مكان العمل وقوافل الحج والتجارة... الخ فأين اجتمع فقيه (أو حتى مجرد مدرس في أي علم وفن) الى تلاميذه، وأين قصد طلاب علم الى عالم، كانت الحوزة وكان الحوزيون.

ومثلها كلمة المرجعية والمرجع بعدما ألحقت بالكلمتين صفات ومضامين ليست فيهما فقيل مرجعية صامتة واخرى ناطقة وثالثة سياسية أو غير سياسية، والخلط في مثل هذه التصنيفات كبير وخطير، تماماً مثل القول بالمرجع العربي والمرجع الإيراني أو الافغاني أو الباكستاني أو الآذري أو التركي (وكل هذه التسميات ليست فرضية وخيالية بل هي متداولة بخاصة في الفترة الحالية).

فكيف تكون المرجعية صامتة وهي بدايةً، فعل تصدٍ. وكم من فقيه عالم لا يعد مرجعاً لأنه لم يتصد للعمل المرجعي وظل عاملاً في جهاز مرجعية أخرى أو منصرفاً لشأن التدريس مكتفياً بذلك دون ممارسة الفتوى وتظهير الأحكام إلا في إطار البحث العلمي الصرف.

وكيف تكون صامتة وهي التي تبدأ باصدار الرسالة العملية التي تتناول احكام المرجعية في دائرة واسعة من المعاملات والعبادات، وتقوم على اجراء ثان يتمثل في تعيين وكلاء يمثلون المرجع في أنحاء العالم الاسلامي. وتستكمل المرجعية تجهيزها لنفسها عندما يختار المرجع عدداً من فضلاء الحوزة يشكلون مجلس فقه وافتاء لمرجعيته. والنتيجة العملية لكل ذلك فتح مجال واسع للاستفتاء لا يحده زمان ولا مكان، ويمتد على الافق الايماني كله، بل هو مفتوح على مدى انساني غير محدود. فمن حق أياً كان أن يطرح السؤال ويستفتي رأي الاسلام من خلال رأي العلماء فيه: سنة وكتاباً، وفقهاً وأصولاً، عبادات ومعاملات، أركاناً وفروع، ولكل فقه مجاله. فهناك فقه الصلاة والصوم والحج والزكاة كما فقه المكاسب والمواريث وفقه النوازل والمستجدات (مصارف وتأمين وبطاقات ائتمان واستدواء واستشفاء واستعلام وتخابر...)، واخيراً ازدهرت ابواب جديدة ألا وهي فقه المغتربين وفقه الشباب وفقه المرأة.

والثابت أن المرجع يستفتى بشؤون الدين والدنيا، فله رأي مرة وحكم مرة أخرى في وجوب الجهاد وشروط اعلانه ودور المرأة فيه. وله أحكام وفتاوى تتصل بالتعامل مع سلطات البلد الذي يقيم فيه المؤمنون وكيفية تطبيق المؤمن قوانين البلد الذي يسافر اليه  للدراسة او السياحة او لمجرد الاستشفاء، أو الذي يهاجر اليه للإقامة والعمل. وعدا ذلك ينهمك المرجع في إيفاد المبلغين والدعاة الى حيث لا يوجد دعاة ومبلغون من أبناء البلد نفسه. وحتى في حال أبناء البلد فإن للمرجع ترتيباً وتنسيقاً مع بعضهم أو معهم كلهم. هذا عدا عن رعايته لمشاريع ومؤسسات من المدارس والمكتبات العامة الى المساجد والجامعات والمستشفيات... الخ.

والسؤال الذي لا يحتاج الى جواب: كيف يكون مرجع له كل هذه الحركة وكل تلك الامتدادات ذا مرجعية صامتة، وكيف لا يكون السياسي والاجتماعي والاقتصادي وكل شؤون المؤمنين من الناس وفي المجتمع من صلب مرجعيته.

قلادة الفتوى والمسؤولية

يبقى لنا ان نتكلم عن ماهية التقليد وما معنى أن يكون هناك مرجع ومرجع أعلى في التقليد. يمكن القول ان المُقلَّد، كمن وضعت قلادة المسؤولية في عنقه، هو متحمل لمسؤولية الفتوى والحكم وشرح الدين، أما المُقلَّد فهو الذي وضع قلادة المسؤولية في عنق غيره فقلده، وهو بذلك يعلن التزامه بآرائه الفقهية وفتاويه واحكامه. وهكذا تصبح تصرفات المُقلِّد أمانة في عنق المُقلّد. ويلخص الحس الشعبي هذه الحالة بقول شائع في العراق بخاصة: ضعها في عنق العالم وانت سالم (أي مبرأ الذمة ما دمت أديت عبادتك وقمت بتصرفاتك على أساس من تقليد هذا المرجع).

وهكذا فالتقليد طوعي اذ يختار المؤمنون مقلَّدهم من فقهاء الحوزة ومجتهديها بعد ان يعلن تصديه للمرجعية. وربما تم الأمرين: التصدي والتقليد بانسيابية وتفاعل فكلما حضر هذا توطد ذاك والعكس صحيح.

ولكن لماذا هذا مرجع أعلى وذاك مرجع فقط.

بداية من الوهم تصور منظومة معينة تضبطها وتقدم توزيعاً مسبقاً للأدوار، فالمرجع الأعلى هو المرجع الذي تكون فيه مرجعيته الأكثر شيوعاً بين أهل العلم أولاً، ثم بين عامة المؤمنين ثانياً.

واللافت انه طوال التاريخ المعروف للمرجعية عند الشيعة لم يتفرد في أي فترة فرد واحد بالمرجعية، بل غالباً ما كانت محكومة بقانون شبه ثابت يعبر عنه في الادبيات المرجعية انه بعد فترة من ثني الوسادة لفلان (تعبيراً عن اشتهار مرجعيته) أجتمعت لديه المرجعية العليا. فترة من حياته كما حصل في مرجعية السيد ابو الحسن الاصفهاني في اواخر الاربعينيات والسيد محسن الحكيم حتى أواخر الستينيات والسيد ابو القاسم الخوئي في اوائل سبعينيات القرن الماضي. وبعد رحيل مثل هؤلاء المراجع الكبار تتفرق المرجعية سنوات تطول او تقصر قبل ان تعود وتجتمع في مرجع أعلى جديد.

مبادئ ثلاث

وتحضر هنا ثلاثة مبادئ يجدر التذكير بها لأنها تظهر على عكس ما توحي به كلمة التقليد من تقيد بالسلف او جمود على احكام الماضي، اذ ان فكرة المرجعية تحتوي على حوافز مهمة  تشجع على التجديد من جهة والتنوع من جهة ثانية.

المبدأ الأول: ان لا تقليد في اركان العقيدة ولا في كل ما هو عقيدة وهذا يعني ان التقليد لا يطال ساحة الايمان والاعتقاد، بل يدور حول قضايا من ادراكات العقل البشري تستند الى المعقول والمنقول في استنباط الاحكام وصياغة الفتاوى وملاحظة الوقائع التاريخية والمستجدة.

المبدأ الثاني: انه لا يجوز تقليد الميت أي أن المُقلَّد ابن عصره وزمانه وفي بعض الاحيان مكانه، ما يمنع الجمود والركون الى احكام تتكرر جيلاً بعد جيل من دون الأخذ في الاعتبار المستجدات. وهذا المبدأ بعموميته لا يمنع بعض الاستثناءات بخصوصيتها كأن يواصل المُقلَّد أخذه بأحكام المرجع المتوفى الذي سبق له ان التزم بها. فالوفاة هنا لا تلغي الحكم ولكن ذلك نفسه يتطلب اجازة المرجع الحي. أي ان الأمر يعود الى الحكم الأولي عدم تقليد المرجع الميت إلا في ما قد يجيزه المرجع الحي.

 المبدأ الثالث: أنه لا يحق لمن بلغ درجة الاجتهاد في الدراسات الفقهية والاصولية ان يقلد شخصاً غير نفسه حتى ولو انه لم يتصد للتقليد والمرجعية. وفي هذا المجال قد لا يؤخذ في الاعتبار فقط الاجتهاد الشامل والكامل بل ان هناك مجتهدين في مجالات محددة، فلا يحق للمجتهد التجزيئي، كما يعبر عنه، ان يقلد غيره في هذا الجزء الذي هو فيه مجتهد، وان كان يحافظ على شرط التقليد في الموضوعات الاخرى.

العراق بين مسارين

والآن إذا انتقلنا الى المسار التطبيقي نجد أهمه بداية ان العراق بقف منذ سقوط النظام السابق بين مسارين: مسار التحرير والاستقلال واخراج المحتل بالوسائل السلمية ومسار الذهاب الى المجهول الذي قد لا يخرج عن ثلاث: الفتنة بين المسلمين، تآكل الأوضاع واستكمال مسيرة التعفن والانهيار أو في أحسن الأحوال فرض التقسيم كأمر واقع لا بديل له.

وعلى المسار الثاني وضعت الشهور الاحدى عشر الماضية علامات كان أخطرها ذلك الذي يتم تحت شعار مقاومة الاحتلال من ارتكاب أعمال عنف مشبوه يصنف في خانة الارهاب والاجرام المحض من الاغتيال المروع الذي ذهب ضحيته رجل الاصلاح والاعتدال والتقريب السيد عبد المجيد الخوئي الى التفجيرات التي استهدفت مقر الصليب الأحمر الدولي والسفارة الأردنية ومقر الأمم المتحدة الذي ذهب ضحيته دي ميليو ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق الذي نال بحق لقب صديق العراق والعراقيين بشرائحهم وفئاتهم المختلفة. ثم التفجير الذي استهدف حياة السيد محمد باقر الحكيم الوجه الذي كان يعتد بدوره لتفعيل وضع عراقي داخلي مؤهل لاستلام السطة فور خروج الاحتلال  من العراق. والتفجيرات المتنقلة التي طالت مراكز الشرطة العراقية المكونة حديثاً وما تبعها من تفجيرات طالت مراكز الاحزاب الكردية في أربيل. هذه التفجيرات التي بلغت ذروتها باستهداف احتفالات عاشوراء في بغداد وكربلاء. وكان قوس انحدار العمليات ضد القوات الأميركية يتناظر مع قوس صعود العمليات ضد تجمعات المدنيين العراقيين ما جعل أشد المتحمسين لشعارات المقاومة يسقط بأيديهم ويصبحون أكثر حذراً في وصف ما يجري في العراق بأنه مقاومة.

وتلازم مسار تصعيد العنف مع خطوات مهمة كانت تتم على المسار الآخر وبدءاً بتشكيل مجلس الحكم الانتقالي ثم تشكيل الحكومة العراقية الأولى بعد اسقاط نظام الرئيس السابق صدام حسين. وهنا يفوت البعض حقيقة أن المجلس والحكومة انما شكلا في اطار من المجهودات المكثفة التي بذلتها القوى السياسية العراقية برعاية من بعثة الأمم المتحدة التي كان لها الدور المرجح والمذلل للعقبات التي تطرأ في التطبيق.

واستطاع اعضاء مجلس الحكم ومعهم الوزراء أن يستعيدوا مكانة بلادهم في المحافل الدولية والاقليمية كان آخرها حضور العراق حضوراً فاعلاً لأول مرة في اجتماع دول الجوار الذي عقد في الكويت في الشهر الماضي. وكان العراق الجديد قد حقق حضوراً اقليمياً ودوليا ًوجذب الاهتمام العالمي من خلال زيارة وفدي جامعة الدول العربية والأمم المتحدة ومن خلال اجتماعات الدول المانحة، بل إن دولاً جديدة انضمت الى التحالف وشاركت بإرسال جنود الى العراق.

في المحصلة تمت منجزات ملموسة ومباشرة وأخرى غير مباشرة. من الانجازات المباشرة:

- الاتفاق على برنامج بين قوات التحالف ومجلس الحكم الانتقالي تضمن خطوات وتواريخ تحدد عملية نقل السلطة الى العراقيين في موعد اقصاه الثلاثين من حزيران - يونيو - المقبل.

- اصدار قانون ادارة الدولة الموقت الذي تمتد صلاحياته بين نقل السيادة الى سلطة موقتة، وبين موعد الانتخابات التي ستأتي بدستور وحكومة دائمين للعراق والتي من المفترض ألا تتجاوز نهاية العام 2004 أو بداية العام المقبل 2005.

التدرج في مواقف المرجعية

أخذ البعض على مرجعية السيستاني حذرها وسيرها بتؤدة في بلورة مواقفها من التطورات التي تحصل في العراق. في حين كان هاجس المرجعية الأول أن ترتب البيت الداخلي للمرجعية نفسها. ذلك أن سقوط النظام لم يترافق مع انقشاع مباشر للرؤية في العراق إذ اختلط مع حادث انزياح النظام غيوم وتشابكات ولدها مقتل السيد عبد المجيد الخوئي في الحضرة العلوية. وما تبعها ورافقها من كلام تصعيدي ضد المرجعية في النجف. وهي انبعاثات ما لبثت ان هدأت وتراجعت درجة غليانها وعادت الى أحجامها الطبيعية. والفضل في ذلك يعود الى الموقف الذي لجأت إليه مرجعية السيستاني بأن كانت الكاظمة للغيظ والعافة عن الآخرين لذلك تميزت بياناتها ومواقفها الأولى بالتركيز على أمور عدة:

الأول وأد الفتنة في البيت الشيعي، اذا صح التعبير، وكانت، وما زالت، عوامل ذلك حاضرة وأصحاب المصلحة فيه كثيرون. وليس من نافل القول أن يرى البعض ان الأفق العراقي قد لا يكون مفتوحاً على حرب طائفية سنية - شيعية لأسباب موضوعية وذاتية كثيرة، بل ان هناك احتمالات لانفجار نوعين من الاقتتال الداخلي الأول: شيعي - شيعي والثاني كرد ي- كردي.

الثاني الوقوف بوجه دعوات الثأر والانتقام ضد رموز النظام السابق واعوانهم والمتعاونين لذلك تم التركيز منذ البداية على ضرورة اعمال القانون والقضاء في فض نزاعات المرحلة الماضية ومعاقبة من تدينه المحاكم في ظل قضاء عادل.

الثالث عدم القبول بأي دور لسلطة الاحتلال في رسم مستقبل العراق سواء من حيث وضع الدستور  الدائم للبلاد أم من حيث الاشراف على الانتخابات العامة ورأت مرجعية السيستاني ضرورة أن تلعب الأمم المتحدة دوراً فاعلاً في هذا المجال كبديل للدور الأميركي وكعامل مساعد على شرعنة اجراءات المرحلة الانتقالية.

عقدة الانتخابات ودرء الفتنة

تمكنت المرجعية، على حذرها، أن تفرض على الادارة المدنية الأميركية أن تتراجع عن خططها في أكثر من مجال:

 أول هذه التراجعات كان في الأيام الأولى  التي سبقت تشكيل مجلس الحكم. اذا كانت الادارة الأميركية تخطط لتشكيل مجلس استشاري عراقي يساعد الحاكم المدني برايمر دون صلاحيات تشريعية أو تنفيذية. وأمام معارضة المرجعية جرى تعيين مجلس الحكم الانتقالي بصلاحيات كاملة.

- وتحت ضغط مواقف المرجعية تم التراجع عن تشكيل لجنة غير منتخبة لصياغة الدستور وتقرر أن الدستور تضعه هيئة منتخبة انتخاباً عاماً حراً ومباشراً. وهذا ما كانت دعت اليه المرجعية.

- ولتلبية رغبة المرجعية تم ارسال بعثة الأمم المتحدة لتدرس امكان اجراء انتخابات عامة قبل الثلاثين من حزيران - يونيو - من عدم امكان ذلك. وفي هذا السياق شكل مجيء، بعثة الابراهيمي انتصاراً لرأي المرجع السيد السيستاني، وقد اقترحت آلية وجدولاً لإجراء الانتخابات قبل نهاية العام 4002 أو بداية العام 5002.

- لم تترك المرجعية الموقف عائماً بل طالبت بما يلي:

أ - بأن تتعهد الأمم المتحدة بقرار صادر عن مجلس الأمن أنه لن يتم، لأي سبب، تأجيل الانتخابات عن الموعد المحدد.

ب - أن لا يكون للحكومة الانتقالية سوى صلاحية محدودة تكون من خلالها قادرة على تصريف الأعمال الروتينية وتلبية شؤون الناس المعتادة مؤجلة كل قرارات أخرى الى الحكومة المنتخبة كي تتخذ الموقف المناسب منها.

- رفضت المرجعية الصراعات و«معارك» هامشية من  مثل تلك المتصلة بالقانون 731 المتعلق بإدارة الأحوال الشخصية أمام محاكم مدنية أم أمام محاكم شرعية تخص كل دين ومذهب معتبرة أن تعديل القوانين وإلغائها في صلب صلاحيات الحكومة المنتخبة وليس أي أحد غيرها.

بين موقف المرجعية وتقرير بعثة الأمم المتحدة صدر قانون إدارة الدولة عن مجلس الحكم الانتقالي ما اعتبره المراقبون الاقليميون والدوليون خطوة مهمة في اتجاه استعادة العراق لسيادته وتشكيل حكومته المنتخبة.

المساران عادا الى التداخل مع التفجيرات التي أدت الى وقوع مجزرة في الجموع المدينة المحتشدة (سواء على امتداد شوارع مدينة كربلاء أم في احياء منطقة الكاظمية في العاصمة بغداد) لإحياء ذكرى العاشر من المحرم لأول مرة منذ أكثر من عقدين.

من النتائج المباشرة لهذا الحدث:

- التأكيد على وجود سعي متواصل لاحداث فتنة بين المسلمين ولكن ردود الفعل الأولية على هذه الجريمة تشير الى ان الحرب الطائفية ليست من خيارات الشعب العراقي وأن هناك وعي وحساسية عاليين في هذا المجال.

- تأجيل، ولو لأيام قليلة، التوقيع والاعلان الرسميين على القانون الانتقالي لإدارة البلاد.

الأهم من هذا وذاك أن تفجيرات كربلاء وبغداد تؤكد أن هناك جهة أو جهات، ذات قدرات كبيرة على ممارسة الارهاب بتقنيات متطورة. وان هذه الجهة تلعب في الوقت الضائع علّها تتمكن من حرف القطار العراقي عن المسار  الذي اسمه الخط بين المرجعية والأمم المتحدة. هذا الخط الذي ليس فقط تقدمت عليه الاحداث الايجابية بل كان الحصن الذي لجأ اليه العراقيون بفئاتهم السياسية والاثنية والدينية المختلفة لتجاوز الشدائد والمحن التي مروا بها منذ سقوط النظام السابق. وهذا الخط هو الوحيد المرشح لحمل العملية الانتخابية الى مرساها الصحيح.

وهذا لا يمنعنا من القول أن أحد طرفي هذا الخط يتعرض أكثر فأكثر لضغوط كي يبدل من اسلوبه وينخرط على الرد على التحديات بمثلها. لقد نجحت المرجعية - حتى الآن - برد مثل هذه الضغوطات متحصنة بأسلوب فقهي متجدد يفكك القضية الى عناصرها الأولى ويحكم على ولـ(كل) منها على حدة قبل أن يعيد تركيبها ليقدم الحكم العام.

فالأمن مسؤولية قوات الاحتلال وكل تفجير واعتداء على الأمن هي المسؤولة عنه بالمعنى الشرعي والعملي والقانوني وليس بالمعنى الايديولوجي الذي يركز عليه الخطاب السياسي لبعض القوى في العالم العربي.

الانتخابات العامة المباشرة هي  المصدر الوحيد لشرعية أي حكومة مقبلة في العراق. وهنا يحضر المعنى العملي الاجرائي الذي يلزم جميع فئات الشعب العراقي وليس معناها وأبعادها الايمانية التي تحدد موقفاً مترامي الاتجاهات حول مسألة شرعية الحكم والحاكم وهو ما تأخذ به كل فئة وفق معاييرها الفقهية والفكرية. وهذا ينطبق على الدينيين واللادينيين وعلى المذهبيين وغير المذهبيين داخل الطرف الواحد.

إن المتأمل  في فقه ادارة الأزمة عند المرجعية في النجف يجد أنها تتصرف مرة من موقعها القيادي العام فهي مسؤولة عن الجميع دون تمييز كتلك المقولة التي كانت ترددها الخلافة الراشدة في عهد عمر بن الخطاب لو أن ماعزاً سقطت في أرض السواد (العراق) فإن عمر سيسأل عن ذلك وتتصرف مرة أخرى وفق مقولة لخليفة راشد آخر هو الامام علي بن ابي طالب الذي كان يقول انه سيسلم بالأمر ما سلمت أمور المسلمين حتى لو كان حقه بالذات لم يسلم. فهذا الذرى التي عرفتها العدالة الاسلامية بعض وجوهها أيام عمر بن عبد العزيز الأموي وفي العهد العباسي هي التي تقدم عناصر الحكم الأولى للمرجعية النجفية التي تستلهم أيضاً تراث أئمة الزمان في التعامل مع سلاطينه. من هنا يمكن القول ان خروج العراق سالماً من محنته مرتبط ببقائه على الخط الواحد بين المرجعية الاسلامية في النجف والمرجعية الاممية في نيويورك. وجوهر الموقف أن حكمة الاعتدال وحدها التي تحقق للشعب العراقي اهدافه في اخراج المحتل وبناء دولة العدالة بين ابنائها بغض النظر عن العرق واللون والدين والمذهب.





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2009 م -  اتفاقية استخدام الموقع