|
أين مقتل أميركا؟!
أكثر من خمسة قرون على اكتشاف «العالم
الجديد» ونحو أربعمائة سنة على إنشاء أول مستعمرة بريطانية على
الشاطئ الشرقي للقارة الأميركية (جيمستون 1607) وأول جمعية تمثيلية
للسكان (1619) مهدت للتعاون ومن ثم للاتحاد، وحوالي 360 سنة على
تشييد أهم صرح جامعي في العالم (هارفرد 1636)، ونحو 220 سنة على
الاستقلال (1783) ومن ثم اعلان الدستور (1789) وانبثاق مجلسي
الشيوخ والنواب عنه واجتياز الحرب الأهلية (1865) وتعزيز سلطة
الدولة الاتحادية وفرض الأنظمة على كل الولايات.
كل هذا وما نراه اليوم من قوة وجبروت وهذه
الدولة وتفوقها العلمي والتقني والصناعي والعسكري والاقتصادي
والفكري والسياسي، بحيث جعلت كل أقطار وحكومات الأرض تحت سيطرتها
الكاملة أو شبه الكاملة، يؤكد أن الرواد الأوائل من العالم
الأوروبي القديم الى هذا العالم الجديد لم يكونوا فقط من المغامرين
والرعاة والباحثين عن الثروة، بل كان الكثيرون منهم، أفراداً
وجماعات ممن يتمتعون بالعبقرية ودقة التخطيط وحسن التفكير، مع
العزم والتصميم على الوصول الى ما وصلوا إليه في مطلع القرن الواحد
والعشرين والذي بشرت مع بداياته، الادارة «البوشية» العتيدة بأسوإ
الحروب وأشدها قسوة ورعباً ودماراً وصلافة وإطالة أمد...
ومنذ البداية جعلوا الانكليزية لغتهم الأساسية،
مع أمركتها، بحيث جمعت كل اللهجات، ولم يشغل بالهم صرف ولا نحو ولا
قواعد، وإنما صرفوا كل اهتمامهم نحو مصالحهم الحياتية وعملوا على
إنشاء قواعد فكرية (جامعات) وصحية (مستشفيات) وعسكرية، في أنحاء
العالم المختلفة بتأن وروية.
وجعلت هذه البلاد المترامية الأطراف بكل
الموارد الطبيعية: من الغابات الشاسعة الى الجبال والأنهار والسهول
وما تختزنه من المعادن المختلفة: ذهباً وفضة وحديداً وبترولاً،
الوافدين إليها ينعمون بهذه الثروات بهدوء وسكينة،
مع العمل الدائب للتطبيق الدقيق لكل ما
يفكرون به ويسعون إليه، فعرفوا كيف يستفيدون من نظرياتهم التي جنوا
ثمارها، كما نراها ويراها العالم، إذ كان العمل مقدساً عندهم، ما
أدى الى تمتعهم بالثروات الطائلة ما ساعدهم على التفرغ للتخطيط
بطريقة دقيقة ومتقنة. لكن كل هذا لم يكن بالطرق الشريفة أو
الأخلاقية السليمة وهذا يبينه المؤرخ الأميركي الجريء والبحاثة
الاجتماعي المدقق كافين رايلي في كتابه «الغرب والعالم» وهو من أهم
المصادر العلمية الموثوقة التي تكشف خفايا السياسة الأميركية
ودوافعها وتواجهاتها الحقيقية. فعن تشكيلة السكان يقول في القسم
الأول ص 571: «إن أكثر الأميركيين البيض ينحدر من القبائل البربرية
التي اجتاحت روما وأوروبا من سهوب آسيا»، ويتابع في الصفحة 771
«كانوا همجاً وعنيفين وبدائيين» أما عن المستوطنات فيقول في القسم
الثاني من الكتاب ص 501: «ان هذه المستوطنات ازدهرت بفضل إبادة
السكان الأصليين من الهنود الحمر»، أما حقيقة تحرير العبيد وحرب
الشمال على الجنوب فيفسرها في القسم الثاني ص 252 بالقول: «لقد شن
الشمال الحرب، لا لأن العبودية عنصرية، بل لأن الرق كان جزءاً من
نظام اقطاعي أبوي (في الجنوب) يتعارض مع تقدم اقتصاد الأعمال
التنافسي الجديد، ولقد دافع لنكولن عن الاحتياجات المادية للاقتصاد
الجديد بلغة اخلاقية، اذ كانت الشركات الصناعية الجديدة تتطلب
عمالة حرة ووفيرة وبلداً موحداً وحكومة اتحادية مركزية». أما
الرئيس ويلسون صاحب المبادئ الأربعة عشر الشهيرة بعد الحرب
العالمية الأولى والذي تنسب إليه صفات إنسانية نبيلة فقال عنه في
الصفحة 442: «إنه أصدر أمراً تنفيذياً بعزل البيض عن السود في
مرافق دورات المياه العامة المخصصة للعاملين في مجال الوظائف
الحكومية الفدرالية».
ويتابع في الصفحة 652: «والأميركيون البيض
كانوا وما زالوا عنصريين». ومراجعة بعض الأحداث في تلك البلاد تعطي
فكرة واضحة عن تطورها وتقدمها المذهل في المجالات المختلفة،
والوسائل المستعملة في الوصول الى ما رموا اليه.
شراء المستعمرات والاستيلاء عليها
لقد قدروا وعرفوا واهتموا بعملتهم الجديدة
«الدولار» وزاحموا به النقدين «الذهب والفضة وكل العملات العالمية
وأضحى العملة العالمية الأولى في عصرنا، وقد أحسنوا استعمال هذه
العملة. فبينما كان نابليون مزهواً بانتصاراته وثيابه وأوسمته
العسكرية، ومتحفزاً لقتال الإنكليز، باع موفدي الرئيس جفرسون
مستعمرة لويزيانا التي كان قد أجبر ملك أسبانيا على إعادتها
لفرنسا قبل ثلاث سنوات بخمسة عشر مليون دولار. ثم اشتروا من
المكسيك أراضي تكساس وكاليفورنيا ونيومكسيكو بخمسة ملايين دولار
فقط، وبعد ذلك «ألاسكا» من قياصرة روسيا بسبعة ملايين ومائة ألف
دولار. واشترى اليهود من الرفيق العزيز بريجنيف كنيسة أورثوذكسية
في فلسطين بصفقة من البرتقال.
الاهتمام بالاختراعات
وتجلت عبقريتهم في التوجه نحو الاعتماد على
الاختراعات فوضعوا لها القواعد والقوانين التي تساعد على الإفادة
منها، وما زالوا كذلك، فعلى رغم وصولهم لأعلى مراتبها، أعلنوا في
ربيع العام 2000 أنهم مستعدون لشراء الأدمغة، أي لبذل المال بسخاء
لأصحاب الأفكار النافعة والمفيدة، لأن أي كلمة قد تفيدهم من أي
إنسان في الوصول مع التجارب إلى ما يحلمون به أو لا يتصورونه عملاً
بالمثل الشعبي عندنا «مجنون يحكي وعاقل يفهم» فهم لا يهزؤون.
والتجارب والأبحاث هي التي توصل الى النتائج المرجوة أو الاخفاق،
لذلك اهتموا بإنشاء المصانع في أنحاء البلاد حتى لا تبقى الأفكار
خيالية من دون تطبيق. وكان التنسيق والتعاون رديفي كل خطوة تخطوها
هذه الادارات بواسطة الشركات وفي شكل دقيق ومنظم ومدهش، فسجل ما
بين 1860 1890 أربعمائة وأربعين ألف براءة
اختراع لحفظ الحقوق والتشجيع على متابعة
البحث والابتكار. واتخذوا من نيويورك عاصمة للمال وبترسبرغ عاصمة
للصلب.
الاهتمام بالعالم الخارجي
كان تفكيرهم يمتد الى أبعد من حدود هذه
الولايات الشاسعة الأطراف ما بين المحيطين الهادئ في الشرق
والأطلسي في الغرب اللذين يحيطان بها. وهذا لم يمنعهم من العبور
الى أبعد من ذلك بكثير. فاجتازوا المحيط الأطلسي والقارة الأوروبية
والمتوسط وحطوا رحالهم في بيروت وأنشؤوا الجامعة الأميركية فيها
وبعد ذلك جامعتي اسطنبول والقاهرة، ما جعل لهم صلة وثيقة بالعالم
الخارجي بالاضافة الى المستشفيات والإرساليات الدينية، والتي تمهد
للسيطرة على العالم. وجعلتهم الأموال الطائلة التي جنوها يفكرون
بهدوء وبراعة في ما يخططون ويرمون إلى تحقيقه معتمدين على مؤسسات
واسعة الصلاحيات مع دعم مادي لامحدود.
سبب الاشتراك في الحرب العالمية الأولى
والثانية
كان السبب الحقيقي للتردد الذي أبداه الرئيس
الأميركي ويلسون للاشتراك في الحرب العالمية الأولى وقوله: «إنه
لمن الخطر الشديد اخضاع السياسة الخارجية لدولة ما للمصالح
المادية»، هو المصالح المادية وليس غيرها كما ادعى. فمصانع السلاح
كانت تزود المتحاربين، وبخاصة البريطانيين، بالسلاح الذي يريدونه.
لذلك رد الألمان والنمساويون بإرسال العملاء أو الفدائيين أو
الإرهابيين، لنشر الرعب في طول البلاد الأميركية وعرضها من العام
1915، ينسفون مصانع السلاح ويثيرون الحرائق ويضعون القنابل
الموقوتة في السفن التجارية لعرقلة المجهود الحربي لأعدائهم. وعلى
الرغم من كل ما حصل لم يستفز ويلسون وإدارته، ولم يعلن الحرب على
الألمان إلا عندما شعر في نهاية الحرب أنها ستطال الأميركيين في
بلادهم وتدمر اقتصادهم، وذلك اثر اتصال الألمان بحكومة المكسيك
طالبين التحالف معها مؤملين إياها بإعادة المستعمرات التي تنازلت
عنها للولايات المتحدة سنة 1848 بثمن
بخس مع حثها على الاتصال باليابان والتفاهم معها حول موضوع الحرب.
وبعد أن أغرق الألمان الباخرة «فيجلانسيا» في اذار ـ مارس ـ 1917
أعلن ويلسون «أن حرب الغواصات الألمانية ضد التجارة هي حرب ضد
الأمم». لذا لم تدخل الولايات المتحدة الحرب لأسباب إنسانية ولا
أخلاقية ولا دينية فالعبارة واضحة «للتجارة» أي المصلحة
الاقتصادية. وبعد نهاية الحرب انكفأت على نفسها في عزلة تأمل
وتفكير ومراجعة حسابات وإعادة تخطيط.
أما في الحرب الكونية الثانية فقد طلب الرئيس
فرانكلين روزفلت من مجلس الشيوخ في سنة 1939 تعديل «قانون الحياد»
لبيع السلاح للدول المتحاربة شرط أن تدفع ثمنه نقداً وأن تتولى
نقله. فالحصول على المال والمصلحة الاقتصادية المادية هما الدافع
لتعديل قانون الحياد. ثم دخلت الحرب العام 1941 الى جانب الحلفاء
بعد الهجوم الياباني الصاعق على «بيرل
هاربر» وحصدت نتيجة الحرب واحتضنت هيئة
الأمم ومجلس أمنها والهيئات التابعة لها ووجدت أوروبا نفسها تحت
سيطرة اقتصادية مع «مشروع مارشال» وعسكرية أميركية مع الحلف
الأطلسي، ونتيجة الحروب الهوجاء التي أشعلتها. لكن أميركا وجدت
نفسها أمام عدو جديد عنيد متسلح بعقيدة شيوعية اشتراكية له أتباع
ومؤيدون في مختلف أرجاء العالم المختلفة، مما جعلها تستنفر كل
أجهزتها لمواجهة هذا الخطر الجدي، إلى أن تفكك الاتحاد السوفياتي
في أوائل العقد الأخير من القرن الماضي. ومع نهايته أصبحت أميركا
سيدة العالم عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، مستعملة كل امكاناتها في
المجالات المختلفة وكما تراه مناسباً لها.
- مقتل أميركا
الأول: التخوف الدائم من عمليات إرهابية:
قامت الإدارة الأميركية بالتحذير الدائم من
حصول عمليات إرهابية في الولايات المتحدة ومن خطر الجمرة الخبيثة،
التي بقيت سراً مبهماً لم يكشف عنه،
أو استعمال الأسلحة الجرثومية، ما جعل
أكثرية الأميركيين في حالة عصبية وتوتر متواصل خوفاً على المستقبل،
وهذا ما جعلهم يفكرون بغير الهدوء الذي كانوا ينعمون به، ومن ذلك
أن رئيس وكالة المخابرات الأميركية حذر في 7/2/2002 من عمليات
إرهابية لتنظيم القاعدة رغم اعتقال أكثر من ألف من عناصرها في
أنحاء العالم المختلفة. وكانت هذه الادارة باشرت بتفكيك الشبكات
المالية التابعة لهذه المنظمات والتي قدرت بثمانين مليون دولار.
وفي 20/3/2002 طلب الرئيس بوش التحقيق في ملابسات إعطاء تأشيرة
دخول لبعض الإرهابيين وعزا ذلك الى «البيروقراطية الغبية»، لأن
إدارة الهجرة تلزم الطلبات الى شركة خاصة. وجدد هذا التحذير في
25/5/2002 28/5/2002 وطلب بوش من مكتب التحقيق الفدرالي الانتقال
من الاهتمام بمكافحة الجريمة في الداخل الى مكافحة الارهاب، وبذلك
يبقى الإرهاب الداخلي حراً. وفي 9/6/2002 استمر
الرئيس بوش بالتحذير من عمليات ارهابية
وساد جو من الفوضى والارتباك الادارة الأميركية بسبب اعتبار بعض
الأميركيين من أصول غير أميركية، أعداء خارجيين. وفي 15/6/2002
تحدثت «نيويورك تايمز» عن «الكابوس النووي» الذي تسببه «القاعدة»
واستمر التحذير في عيد الاستقلال في 4/7/2002 وكذلك أوائل شباط
2003.
المقتل الثاني: هو الحرب التي فرضتها
على أفغانستان، بعد أحداث 11/9/2001 لمجرد الشك بأن «تنظيم
القاعدة» هو الذي قام بها، فلا التحقيق أكد ذلك بحزم وجزم، ولا
المتهم تبنى ما حصل بشكل واضح وملموس. وبعدها قامت هذه الادارة
باستنفار كل دول العالم وتنظيماته وتهديدها بوضعها على لائحة
الإرهاب والعداء، وقد أحسنت هذه الدول بالتعامل معها بالحنكة
والروية وإن بشيء من الخضوع والذل.
وبدأت هذه الحملة على
الإرهاب مع الحملة الدعائية لها، بالقصف الجوي على أفغانستان، مع
استعمالها التحالف الشمالي المعارض «للطالبان» و«القاعدة» مطية،
لها ومع ذلك لم تستطع النزول الى البر بسهولة.
ويبدو أن بعض الأفغان شعروا بأنهم مطية وضحية
الأميركيون، لذلك رفض هؤلاء في 15/1/2002 التعاون مع القوات
الأميركية الخاصة للمشاركة في البحث عن مقاتلي «القاعدة»
و«الطالبان» في الكهوف، وادعى الأميركيون ان عملية البحث ستستغرق
وقتاً طويلاً.
-المقتل الرابع:
محاولة فرض الأنظمة التي تريدها على الشعوب الاسلامية وغيرها:
في 5/1/2002 أجرى «بيت الحرية» الأميركي دراسة
شاملة عن الدول الاسلامية وجد ان احدى وأربعين دولة اسلامية لا
يوجد بينها سوى واحدة ديمقراطية. كما تبين للادارة الأميركية ان
الذين قاموا بعمليات ارهابية لم يكونوا من الفقراء كما هي العادة
بل من الميسورين - مثل بن لادن واتباعه وغيرهم - وبسبب عدم وجود
الحرية في بلادهم، لذلك يقتضي العمل على تحويل هذه الأنظمة في هذه
البلاد الى دول
ديمقراطية، أما ما يحدث في فلسطين فلا علم لها
به بل هي صماء وخرساء عمياء. وفي 18/4/2002 هاجم التعليق اليومي
الذي يعبّر عن رأى الحكومة الأميركية السفير السعودي في لندن غازي
القصيبي بسبب قصيدة نشرتها له جريدة «الحياة» يثني فيها على
استشهادية فلسطينية، كما كان الرئيس بوش يطالب الأردن ومصر
والسعودية بمحاربة الإرهاب، هذه التهمة العصرية الفظيعة التي تجر
الويلات على ما تقع عليه أي شبهة منها.
- المقتل الخامس:
الغرور بالقوة والتعامل بصلف مع الناس وكأن أميركا فوق كل الشعوب
والحكومات وكل القوانين.
إن التحقير الأميركي للعالم والسخرية منهم
واللعب بعقولهم يتضح مع كل تصرفات رجال هذه الادارة الأميركية
قديما وحديثا ومن الجديد ما قاله وزير الدفاع الأميركي رامسفيلد
في تاريخ 22/12/2001 عن صحة ما عزاه إليه وزير الدفاع الألماني من
أن الهدف المقبل للحرب هو الصومال فأجاب: «سمعت جرمانياً يقول هذا
الكلام وهذا هذر». فهو يتحدث بلغة المغرور بقوته والمتعالي حتى على
وزير دفاع دولة صديقة. وباتت أميركا من الصلف بحيث تلغي من جانب
واحد معاهدة مع الاتحاد السوفياتي السابق تقضي بالحد من التسلح
لإقامة الدرع الصاروخي وترفض التوقيع على معاهدة «كيوتو» للعام
1972 للحد من ارتفاع حرارة الأرض. ورفضت التوقيع على إنشاء محكمة
الجزاء الدولية إلا شرط عدم ملاحقة الجنود الأميركيين من قبل هذه
المحكمة. وباتت الولايات المتحدة تتصرف على هواها يميناً ويساراً،
ووفق رغبتها، فهي المجتمع الدولي وهي الشرعية الدولية وهي الآمر
الناهي والمفسر لكل شيء كما تحب وتشتهي. وبدأت بفرض الأمركة
الاقتصادية على العالم عبر فرض الرسوم على كيفها وبحسب مصالحها
الاقتصادية، كما فعلت في صيف العام 2001 بالنسبة للخشب المستورد من
كندا دون مراعاة لحق الجيرة، وفي 76/3/2002 فرضت رسوماً على الصلب
المستورد من دول الاتحاد الأوروبي بنسبة 30% لحماية صناعة الصلب
الأميركي
- المقتل السادس:
الاهتزاز الاقتصادي
أدى الركود والاهتزاز الاقتصادي الذي اعقب
حوادث 11 أيلول ـ سبتمبر ـ 1002 والتشدد في دخول الأفراد خوفاً من
عمليات ارهابية والاضطراب المالي الذي بدأ يتوقف الطيران ومن ثم
انهيار الشركات، عماد الاقتصاد الأميركي الأول، وفي مقدمها شركة
«إنرون» العملاقة في تاريخ 21/1/2002 جعل شبح البطالة يخيم على
المجتمع الأميركي بخسارة 008 مليون دولار. وأفادت «واشنطن بوست» في
81/1/2002 أن الخسارة بلغت ألف مليون دولار قيمة الأسهم المودعة في
هذه الشركات للموظفين لتكون عوناً لهم في تقاعدهم ونتيجة تقاسم
اصحاب الشركة لهذه الأموال ونهبها وسرقتها، ومن ثم اعلان افلاسها.
وفي 5/2/2002 استقال «كيت لي» مؤسس شركة «انرون» من الشركة ورفض
الكلام أمام المحكمة متذرعاً بالمادة الخامسة من الدستور التي تبيح
له الامتناع عن الكلام. وتبع ذلك انخفاض قيمة مدخرات التقاعد
وانخفاض أسعار الأسهم على رغم الإجراءات التي وعد الرئيس بوش
بإجرائها. وفي 7/2/2002 هرب محتال أميركي بعدما قام بعملية نصب
بمبلغ 057 مليون دولار من بنك ايرلندي في كاليفورنيا. وفي
22/2/2002 كاد الرئيس بوش يحدث أزمة عالمية مالية بسبب خطأ في
تصريح له أثناء زيارته طوكيو عن الفائدة المصرفية. وفي 01/3/2002
اتضح أن شركة «آرثر أندرسون» متورطة في عملية افلاس شركة «انرون»،
فقامت بإتلاف المستندات، وقد استغرقت هذه العملية وقتاً طويلاً
وذلك لعرقلة سير العدالة مع ان الغرامة لا يمكن ان تتجاوز خمسمائة
ألف دولار، ولكن أهم من هذا هو ما يؤثر في سمعتها ويؤدي الى
الافلاس. وفي 01/6/2002 حكمت محكمة «هيوستن» على هذه الشركة
بالاغلاق وسحب رخصتها بسبب إتلاف المستندات، على الرغم من أن
الشركة ادعت أن إتلاف المستندات لم يكن لإعاقة التحقيق. وفي
82/6/2002 أعلنت شركة «والت كوم» بضربة قاسية أنها ستستغني عن 71
ألف موظف يمثلون أكثر من عشرين في المئة من قوتها العاملة نتيجة
خسارة أربعة مليارات من الدولارات ونفقات سجلت على أنها أرباح،
ونتج عن هذه الفضيحة، أن عصفت أزمة بالبورصات العالمية وعقبت صحيفة
«الاندبندت» اللندنية أن سبب كل هذا هو الطمع والاحتيال. وتبع هذه
الفضيحة انهيار شركة «زيروكس» المتخصصة في ماكينات النسخ وذلك
بتزوير الأرباح، وعقب الرئيس بوش على ذلك قائلاً: إن هذا من أسباب
الجشع، وعلى الشركات الالتزام بالصدق والنزاهة، كما توعد الشركات
بالمحاسبة. لكن هذا لم يمنع اهتزاز البورصات العالمية، وكرر بوش في
9/7/2002 طلبه من الشركات تحمل مسؤولياتها تجاه المساهمين ضمن
حملته على الفساد المالي الذي أصاب الشركات. وفي 51/7/2002 استمر
انخفاض الأسهم في نيويورك وبدأ سحب بعض رؤوس الأموال من أميركا الى
الخارج، مما حدا بمجلس الشيوخ الى اصدار قانون يفرض الرقابة
والعقوبات على الشركات. وفي 52/7/2002 طالبت الادارة الأميركية
بالتدقيق في سجلات شركة «أميركا أون لاين» للاشتباه بأنها ساهمت
بإفلاس شركة الطيران «أميركان اير لاينز».
وكانت الادارة الأميركية أعلنت بعد مائة يوم من
حربها في أفغانستان ان المصاريف بلغت 061 مليون دولار أوعزت في
15/1/2002 بالإفراج عن مائة مليون دولار، كانت مودعة لـ«طالبان»
لاعطائها للحكومة الجديدة في كابول وفي 25/7/2002 أقر مجلس الشيوخ
ميزانية طائرة بثمانية وعشرين مليار دولار لمكافحة الإرهاب.
وفي 28/1/2003 أعلن حاكم واشنطن الديمقراطي أن
الحالة الاقتصادية في الولايات المتحدة لم تكن بمثل هذا السوء منذ
نهاية الحرب الثانية. كما لاحظت بعض الصحف الإسرائيلية فيتاريخ
91/9/2002 أن جميع أعضاء إدارة بوش هم من الأثرياء.
- المقتل السابع:
سوء الحالة الأمنية والاجتماعية الداخلية:
وصفت إذاعة «صوت أميركا» في 15/1/2002 مدينة
«ديترويت» بمناسبة انتخاب رئيس بلدية جديد بأن تلامذتها لا يعرفون
القراءة ولا الكتابة، وأن الجرائم بلغت فيها خلال العام السابق
(2001) 120 ألف قتيل منهم 600 من العراقيين وأكثرهم من أصحاب محطات
البنزين والمحلات التجارية.
وفي 19/1/2002 ذكر الرئيس بوش في خطابه
الاسبوعي أمام الكونغرس ان ولايتي «كاليفورنيا» و«أريغون» بدأتا
تعانيان من الفقر ولذلك لا بد من تخفيض الضرائب، واشتعلت على إثر
هذا التصريح الحرب بين الحزبين، فالديمقراطيون يتهمون بوش بأن طلبه
تخفيض الضرائب هو لمصلحة الطبقة المتوسطة الحال فرد عليهم بقوله:
«إنهم لن يزيدوا الضرائب إلا على جثتي» وكان ذكر هذا القول في
6/1/2002، وهذه نماذج عن الحالة الأمنية المتردية في الولايات
المتحدة. وفي 30/1/2002 حذر الرئيس بوش في خطابه السنوي الأميركيين
من خطر عمليات إرهابية وأن مجلس الأمن القومي يعتمد على سلامة
الاقتصاد الأميركي. وأظهر استطلاع أن 06 بالمئة من الأميركيين
يؤيدون خطط الرئيس الأميركي. وكان أحد الأميركيين قتل امرأة منذ
سنوات وتباهى في 01/6/2002 بأن العدالة لن تطاله لأنه يمت لآل كندي
بصلة قرابة من جهة أمه وكانت إذاعة صوت أميركا أعلنت أن حوالى
أربعين كنيسة للسود أحرقت العام 1999 وفي 28/5/2002 طلب الرئيس بوش
الى مكتب التحقيق الفدرالي الانتقال من الاهتمام بمكافحة الجريمة
في الداخل الى مكافحة الارهاب العالمي مع توظيف عملاء جدد، وفي
ندوة نظمتها اذاعة «صوت أميركا» بتاريخ 22/1/2002 ذكّر خالد صفوري
أحد العرب البارزين المقيمين في أميركا بأن الحكومة الأميركية كانت
تلاحق الأميركيين الذين كانوا يعارضون الحرب في فيتنام وتطالبهم
بصورة مستمرة ومزعجة بدفع الضرائب وبخاصة بعد عيد الميلاد وفي آخر
السنة، وأما عن الاضرابات فإنها ممنوعة ومحرّمة في بلاد
الديمقراطية والاضراب الوحيد الذي حصل صيف 2002 في أحد مرافئ
الولايات الغربية كلف الخزينة نحو عشرة مليارات دولار. وأما عن
الأجهزة الأمنية الداخلية، فقد كتبت صحافية تعمل في «الواشنطن
بوست» في تاريخ 19/1/2003 تحت عنوان خاطرة: «انها أصبحت مراقبة من
الأجهزة الامنية، مع كل حركاتها واتصالاتها، حتى أرقام الهواتف
التي تتحدث معها. وعقبت على ذلك ساخرة: هل هذا هو الأمن الداخلي؟».
وأين منه الأنظمة العسكرية والدكتاتورية في البلاد المتخلفة أم أن
الادارية الأميركية تستفيد من خبرة هؤلاء؟!»
وأما عن الشعب الأميركي وطريقة حياته فإننا
نورد بعضاً من مشاهدات للمفكر اللبناني العربي الراحل أمين
الريحاني من محاضرة ألقاها سنة 1908: «تألمت كثيراً لما رأيتني في
الغربة بين شعب لا يعرف معنى السكينة ولا الراحة ولا الجمال...
وجدت نفسي بين قوم يأكلون ماشين، ويقرأون آكلين، ويعدون النقود
راكضين. ويعبدون الأوثان قائمين قاعدين، بل يقدمون أرواحهم
وأجسادهم ضحية لآلة الآلهة، إله الأمة، إله المال، من هيكل الى
هيكل ساجدين».
وهذا هو نتيجة تقديس
العمل الذي جعلوه شعارهم منذ البداية: فمن العمل الى العمل في
سبيل المال. وما دامت السلطة، هذه الآلهة الجديدة الممسوخة تؤمن
المال وسلامة المال، فلا قيمة للأخلاق ولذلك انتشرت هذه الإباحية
في هذا المجتمع، كما تم تصديرها لمختلف شعوب الأرض، مع قتل الأخلاق
الحقيقية الفاضلة الشريفة، وهذه الأمور لا تثير أي احتجاج أو
اعتراض على تصرفاتهم وحياتهم المستهزئة باسم الحرية الشخصية
والحقوق المدنية التي يكفلها الدستور وحتى لا تثار أى ضجة حول هذه
الأمور. أما مصلح الأرض من مئات كبار رجال الدين الفاسدين،
بالفضائح الجنسية التي شاعت وانتشرت في أوائل 2002، وعن تعديهم على
الأطفال وإقامة الدعاوى
ضدهم، مما جعل البابا يستدعيهم إلى روما
في 19/4/2002 ووضعهم تحت المراقبة ولكثرة انغماسهم في أوحال وأوساخ
الأخلاق الفاسدة، فهل من خير يؤمل من هؤلاء؟ وهل فيهم من الملاحقة
من شيء؟
- المقتل الثامن:
عمل المخابرات المركزية:
والتي هي من أهم المؤسسات الأميركية، إن لم تكن
أهمها على الإطلاق، ومن الثابت أنها أفادت من خبرة «الانتجلنس
سرفيس» البريطانية ومكرها ودهائها وبراعة أساليبها في فن تفكيك
الشعوب وبث الفتن بين الدول والجماعات والأفراد لتكون سيدة عليها.
ولكنها اليوم في منتهى السوء، ولعل في هذا عبرة لمن يعتبر، كما
أفادت من خبرة اليهود وخدماتهم المتواصلة ووفير معلوماتهم في هذه
المهمة الشائنة. لكن الأميركيين كونوا لهم خليطاً جديداً أكثر
براعة ومكراً ودهاء وخبثاً مع استعمال كل الأساليب التي تؤدي
للوصول الى غاياتهم: لياقة دبلوماسية مخادعة وبشاشة وترغيب وصداقة
مزيفة وتلويح
بالمساعدات وترهيب وترغيب واغتيال وكشف عورات
عند اللزوم... وبوسعها اليوم، وهي تفعل، أن تراقب كل شيء بواسطة
الأقمار الاصطناعية والكاميرا الخفية ومعرفة كل ما يحصل في أرجاء
هذه العمورة. وهي تنتقي موظيفيها والعاملين والعملاء لها من
المحتاجين قبل كل شيء الى المال، وكل من يعمل هو مراقب أيضاً وليس
حراً في أن يتصرف كيفما شاء، ولا يجرؤ ولا يستطيع أن يبوح بما لديه
وإلا... ولكن على رغم هذه الدقة والبراعة حصلت أحداث 11 أيلول ـ
سبتمبر ـ 2001 مما دعا الادارة الأميركية في 17/5/2002 الى العمل
على تغيير موظفين وإعادة «تأهيل» و«تفعيل» وتنشيط وتهيئة جيل جديد
من العملاء والجواسيس وإيجاد «آلية» مستحدثة لتطبيق هذه التصورات.
وكانت هذه المخابرات، قد تحولت بعد الحرب الباردة للتجسس
الاقتصادي، لأن الاقتصاد هو لب محور الفكر الغربي المزخرف بالمبادئ
الأخلاقية والأهداف النبيلة.
وبما أن الأميركيين ليسوا بأهل كرم وسخاء
وضيافة وعطاء، بل أن كل شيء عندهم محسوب بمنتهى الدقة، فلا تبذير
ولا إسراف ولا موائد ولا طاولات طعام أو شراب، ولذلك فإن
المتعاملين معهم ليسوا كلهم من الغباء في الإخلاص، فمن ذلك أنه في
23/12/2001 كشفت مصادر في المخابرات المركزية أن 15 عميلاً
أفغانياً جندوا العام 1998 لمراقبة اسامة بن لادن لكنهم لم يقدموا
أية معلومات تفيد هذه المخابرات.
- المقتل الثامن:
تعطيل القضاء المدني وتفعيل القضاء العسكري:
في 10/1/2002 اقتيد الأسرى الأفغان الى قاعدة
عسكرية في «غوانتانامو» مقيدين بالسلاسل ومحلوقي اللحى بعد حقنهم
بإبر مخدرة ومربوطين ببعضهم بعضاً وبحراسة مشددة لمحاكمتهم أمام
المحاكم العسكرية.
ورفض وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد
اعتبار الأسرى من «القاعدة» و«الطالبان» أسرى حرب رغم مراجعة وزير
الخارجية الأميركية له بهذا الأمر وقال إنه يعتبرهم
قتلة خارجين عن القانون ولن ينصاع
للانتقادات العالمية على الرغم من أنه قال في 22/1/2002 إن الأسرى
يعاملون معاملة حسنة لكن أحدهم هدد أحد الجنود بالقتل واعتدى على
آخر بالعض، فالعضة والتهديد بالقتل أخطر من القنابل الأميركية التي
تخترق باطن الأرض وتحرق وهذا نموذج مشع من الديمقراطية الأميركية.
ومع ذلك وفي ذات التاريخ تجرأ أحد القساوسة ورفع دعوى أمام محكمة
«لوس أنجلوس» بسبب سوء معاملة الأسرى وأن هذا مخالف للدستور وقال
خالد سفوري في ندوة بتاريخ 22/1/2002 إن القضاة يتواطؤون مع رجال
الأمن لمعاقبة العرب الحاصلين على الجنسية الأميركية.
- المقتل
التاسع: الانتقاد العالمي ولو ضعيفاً للسياسة الأميركية:
في 19/1/2002 أعلن رئيس بلدية ويلز الأميركية
مساواة القنابل الأميركية التي تضرب في أفغانستان بالعمليات
الارهابية. وفي 20/1/2002 أصدر كبير أساقفة بريطانيا كتاباً عنوانه
«الكتابة في الغبار» انتقد فيه الحرب على الأفغان وقال إن استعمال
الأسلحة المضادة للأشخاص غير اخلاقي، كما انتقد الدول الأوروبية
التي توافق على توسيع الحرب ضد الإرهاب وفي تموز - يوليو - 2002
بدأت القوات البريطانية والكندية بالانسحاب من أفغانستان... ثم ان
تحقير العالم وتجاهله ورفض المعاهدات من قبل ادارته جعلت بعض
الأميركيين يرفضون هذه السياسة الحمقاء كما حصل في التظاهرات في
مدينة سياتل الأميركية لمجاهبة العولمة وكذلك التظاهرات في مدينة
البندقية ثم في كندا.
وفي 17/5/2002 تجرأت اليابان وفرضت للمرة
الأولى في حربها الاقتصادية مع أميركا رسوماً على الصلب المستورد
من أميركا وفي 9/7/2002 رفض مؤتمر مكافحة «الايدز» المنعقد في
اشبيلية الاسبانية الاستماع الى محاضرة وزير الصحة الأميركي بسبب
عدم تقديم مساعدات كافية لمكافحة هذه الآفة. وفي 20/9/2002 شبهت
وزيرة العدل الألمانية الرئيس بوش بأنه يستعمل أساليب «فرنسوا
ديكروا» ووصفت الرئيس بوش في 20/11/2002 بأنه أبله.
وعن نتيجة الحرب الأفغانية ذكر الصحافي
الانكليزي «روبرت فيسك» في «الاندبندت» البريطانية في 5/2/2003 أن
الحكومة الأميركية تخفي عن الشعب الأميركي أخبار الهجمات الليلية
على القوات الأميركية وعدد الضحايا وأن لا سلطة لها إلا في كابول
وأن تهريب المخدرات منتعش بشكل واضح.
الخلاصة
من حق الإدارة الأميركية أن تقول اليوم إنها
ملأت البر والبحر والفضاء والقمر و المريخ سفنا وصواريخ وقاذفات
ومدرعات وجنود حتى ضاقت هذه الدنيا عنا وما علينا إلا أن نضع هذه
الكرة الأرضية على طاولتنا في البيت الأبيض ونفعل ما نشاء، أما
بقية الدول فهي معاقة ومريضة ولا تستطيع الحركة إلا بإرادتنا فنحن
نفرض ما نشاء، وهذا بداية النقصان والانحدار وبداية الهلاك
وللبرهان على هذا نقتطف بضع كلمات للدكتور «دودج» رئيس الكلية
الأميركية في النصف الأول من القرن الماضي والمنشور في مجلة الكلية
عدد آذار 1929:
«وفي أميركا اليوم من
الثروة ما لم يحلم به الفراعنة في عصورهم ولا الخلفاء في إبان
مجدهم ولكن المدنية الانجلوسكسونية يقضى عليها بالبوار ما لم يبذل
الأفراد جهدهم في المحافظة على الآداب الفردية وفي الغالب لا
يأتينا من الغرب إلا الأشياء الرديئة... لقد دب الفساد في رومية من
الداخل... أيكون تهذيبنا بركة حقيقة لنا أم ضربة علينا وعلى البلاد
التي نقيم فيها فيفسد آدابنا ويولد فينا روح العبادة للماديات
ويمتص ما في شبابنا من روح الرجولية الحقة فتتقوض دعائم مدنيتنا
كما تقوضت دعائم مدنية بغداد ورومية في العصور الخوالي بل كل هذا
يساعد على تعجيل الانحطاط والاندثار «وهذه بعض تأملات جبران خليل
جبران عن سكان نيويورك: «منهم من يشابه الأرنب بضعف قلبه ومنهم من
يماثل الثعلب باحتياله، ومنهم من يضارع الأفعى بخبثه، ولكن ليس
فيهم من له سلامة الأرنب وذكاء الثعلب وحكمة الأفعى. انظر فهذا
الخنزير قذارة أما لحمه فلا يؤكل وهذا كالجاموس خشونة أما جلده فلا
ينفع وذاك كالحمار غباوة ولكنه يمشي على الاثنتين وتلك كالطاووس
تمشي تيهاً وإعجاباً أما ريشه فمستعمار أما القصور فأوكار ضيقة،
وأما الشواع والأزقة فهي أودية خطرة المعابر يتربص اللصوص بين
منعرجاتها...».
ولعل ما قاله أمين الريحاني منذ ما يقرب من قرن
من الزمان وقد عاش مدة طويلة في تلك البلاد وعرفها حق معرفتها أصدق
صرخة ننهي بها هذه الصفحات من الريحانيات:
«أعروس العالم الجديد،
عروس من أنت اليوم وغداً عروس من تصبحين؟ أمن خدر الهنود الى خباء
اليهود الى قبضة القرود؟ أمن أكواخ الحرية إلى مخادع الفسق، إلى
روح الثروة الى هاوية الثورة والويل والهلاك؟
رحم الله أنفساً عرفتك طاهرة وويل لأنفس عشقتك
عاهرة. «نيويوركليم» حسدتها اليوم «أورشليم».
«نيويوركليم» وفيها
العبرانيون يمرحون ولا ينتحبون. ويل لـ«نيويوركليم» أفي صحافتك كما
في تجارتك، أمن على منابرك ومسارحك يعلو صوت إسرائيل أصوات أبنائك
الحقيقيين؟
أتملأ «تامار» أسواق الليل دعارة وملاهيه
فساداً: بنت اليهود والقرود أين منك اليوم فضائل الجدود؟ ماضيك من
النور والنار وحاضرك نور مستعمار ومستقبلك؟ - لا بد للمستعار من أن
يزول، وحسن الوجوه حال يحول.
وغداً تصير أبراجك في أنفاقك ويدنس مجدك الكاذب
تحت أنهارك، فتبكيك عندئذ نينوى، وتترحم عليك بابل».
وفي النهاية نقول لها: أميركا، ما عدلت فلا
أمنت ولا نمت وعلى أبنائك وعليك تجنين، كما جنيت.
شريف يحيى الأمين |