العدد

154 :

الثلاثاء, يناير 6, 2009 - 15:41 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

التغييرات الجيوسياسية لم تقنع الاسرائيليين بالتخل يعن عقلية الغيتو والاسوار

إسرائيل اليوم: أزمات عابرة أم مستعصية؟!

دمشق: مأمون كيوان

تعددت أخيراً مطالب قوى محلية واقليمية ودولية بالتغيير والاصلاح ودمقرطة الدول الشرق أوسطية ونزع أسلحة الدمار الشامل. وبرزت الولايات المتحدة القوة الرئيسية القادرة على احداث التغيير المنشود بحسب استراتيجيتها الكونية بخاصة بعد نجاحها في إسقاط النظام العراقي واحتلالها العراق. وهذا التغيير القسري بقوة السلاح شكل مدخلاً لتسريع عملية التغيير في الشرق الأوسط الجديد أو الكبير من جهة وللعمل على حل قضاياه والصراعات المتواصلة بين القوى الرئيسية فيه من جهة أخرى.

وإذا كان التغيير الجيوبوليتيكي يأخذ مجراه بأشكال مختلفة في الدول العربية والاسلامية الشرق أوسطية، فإنه يترك تداعياته على الحليف الأساسي للولايات المتحدة في المنطقة وهو اسرائيل. ومن هنا يتجدد في الأوساط العربية طرح أسئلة قديمة سبق  حول إمكان حدوث تغييرات استراتيجية دراماتيكية أو انقلابية في طبيعة العلاقة الخاصة بين تل أبيب وواشنطن وشكلها ووظيفتها وتترافق هذه الأسئلة والتكهنات الارادوية بسجالات حول رؤية الاسرائيليين لمستقبل وجود كيانهم السياسي وجدوى المشروع الصهيوني في فلسطين وثمنه ومردوده على اليهود أنفسهم، وكيف يمكن للمشروع الصهيوني أن يتجنب المصير الذي آلت اليه الامارات الصليبية التي وجدت في المنطقة خلال مرحلة تاريخية سابقة، وكذلك مصير الاستعمار الاستيطاني في جنوب افريقيا.

 

على هذه الخلفية تعالج هذه المقالة طبيعة المشروع الصهيوني في فلسطين في تجسيده العملي اسرائيل، وسيرورته ودوره الوظيفي وعلاقاته الداخلية والخارجية ونلقي الضوء على واقع  السجالات الاسرائيلية حول قضايا استراتيجية تمس أمن اسرائيل ووجودها.

النشأة والمسار

منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر اندلع الصراع الدولي بين الامبراطوريات العظمى حول السيطرة على منطقة الشرق الأوسط بحدودها الجغرافية الممتدة بين المحيط الأطلسي غرباً وإيران شرقاً ومن الأناضول شمالاً حتى القرن الافريقي جنوباً. واتخذ الصراع اشكالاً مختلفة واستخدمت في سياقه ادوات سياسية وعسكرية واقتصادية مختلفة من أحلاف ومعاهدات وأنماط من الكولونيالية الكلاسيكية للسيطرة على شعوب المنطقة وتوزيعها على كيانات سياسية قطرية تتنازعها الخلافات وتمزقها وتعيق وحدتها خلافات ونزاعات ونعرات اثنية وعرقية وطائفية ومذهبية.

وكانت الأداة الأبرز لخوض الصراع في الشرق الأوسط وعليه متمثلة بالمشروع الصهيوني في فلسطين ولم يكن هذا المشروع في أي يوم من الأيام مشروعاً امبريالياً غربياً خالصاً أو مشروعاً يهودياً خالصاً، بل ظاهرة استيطانية، حكم دورها الوظيفي الامبريالي صياغتها اليهودية، شكلا ومضموناً. وبناء على ذلك جاءت على شكل مركز اقليمي مضاد للحركة القومية العربية، قاعدته الاستيطانية في فلسطين المحتلة، ودوره العدواني في دول المحيط الاقليمي.  وهذا المركز هو نتاج عمل مشترك بين الدول الامبريالية، وكل منها في حينها، وبين الحركة الصهيونية العالمية، حيث شكلت كتلاهما معا ما يسمى البلد الأم للمستوطن اليهودي في فلسطين. لكن هذه الشراكة لم تكن قط متكافئة بطبيعة الحال، اذ غلب الشق الأمبريالي، الأمر الذي حدد طبيعة ذلك المشروع، فقد جاء ظاهرة استيطانية امبريالية في جوهرة، وإن اتخذت شكل الدولة اليهودية وفي المقابل، وبغض النظر عغن رغبات المراكز الامبريالية في بلورة الفكرة الصهيونية وترويجها، وبالتالي صياغة الاستيطان الناجم عنها والمتمثل باسرائيل، فإنه لولا أن تهيأت أوضاع التجمعات اليهودية في أوروبا لتقبل الفكرة، وللانخراط في المشروع عبر الهجرة والاستيطان على أساس القاعدة المطروحة، لما نهض ذلك المشروع بالطريقة التي حدثت.

الشراكة الصهيونية - الامبريالية

ونظراً الى طبيعة المشروع الصهيوني وتناسب القوى غير المتكافئ بين الشريكين فيه، فإنه لم يكن قط مشروعاً اقتصادياً بحد ذاته، على الأقل من زاوية نظر الشريك الامبريالي. إذ أن هذا الجانب منه يكمن في نشاطه لتمهيد الطريق أمام استغلال ثروات البلدان العربية ومرافقها. وعلى هذه الشراكة غير المتكافئة، بين الحركة الصهيونية والمركز الامبريالي الأم بالنسبة اليها في المرحلة المعينة، بترتب عدد من النتائج البديهية حول آلية عمل المشروع وأولوياته وأبعاد نشاطه. فالشريك الأكبر هو بطبيعة الحال الأكثر إفادة من مردود عمل المشروع، وهو أيضاً، في نهاية المطاف، صاحب القرار السياسي الفصل في تحديد نشاط المشروع بعامة وكذلك في استراتيجية تنفيذ ذلك النشاط. وفي الواقع، فإن الاستيطان الصهيوني في فلسطين قدم من الخدمات للمراكز الامبريالية ما يفوق انجازاته على الصعيد اليهودي اذ حقق نجاحا اكبر في تصديه للحركة القومية العربية مما اصاب في سعيه لحل المسألة اليهوندية واقامة الدولة اليهودية وتثبيت مرتكزات أمنها الاستراتيجي. وبطبيعة الحال، كان الشريك الأكبر بخاصة في مراحل المشروع الأولى، هو الأكثر فعلاً في صياغته. ويبقى هامش حرية الحركة للرشك الأصغر، ما دام المشروع قيد الانشاء، وهو في واقع الحال يتوقف على وزنه في العمل المشترك وعلى قدرته في استغلال الأزمات التي يمر بها الشريك الأكبر، داخليا وخارجيا. وطبيعي أيضاً أن يعمل الشريك الأصغر على زيادة فعله في المشروع المشترك ووزنه في اتخاذ القرار،  وبالتالي، أكثر ا همية في تجسيد استراتيجية الشريك الأكبر، كلما حاول توظيف ذلك في صالح شقه الخاص من المشروع، وأصبح أكثر تمادياً في سعيه لفرض ارادته على الشريك الأكبر - البلد الأم - والتغلغل في مؤسسات المركز بهدف تأثيره المسبق في آلية اتخاذ القرار هناك. وعمل الشريك الأصغر ممثلاً بداية بالحركة الصهيونية العالمية واسرائيل لاحقاً، على تجسيد الشق اليهودي من المشروع الصهيوني في فلسطين، وفق أطوار ومراحل عدة، هي: الطور الأول (بدايات - 1917): من البدايات الى اكتمال ع ناصر نجاح الحركة.

المرحلة الأولى: (بدايات 1897): من البدايات الى بلورة فكرة الدولة اليهودية. ولا شك في أن ظهور اللاسامية الأوروبية العلمانية منذ أواسط القرن التاسع عشر المتزامنة مع منح اليهود الحقوق المدنية الكاملة في معظم الدول الأوروبية خلال هذا القرن بتأثير الثورة الفرنسية وتشريعات نابليون، أحدث صدمة نفسية عنيفة لدى اليهود قاطبة حتى في الأوساط الداعية الى الاندماج والتكيف في أوطانهم الأوروبية. وعبر عن هذه اللاسامية الحديثة عدد من مفكري الغرب في كتب تدل عناوينها على فحواها ومن اشهريها كتاب «التفاوت بين الاجناس» لغوبينو الافرنسي الصادر عام 1953، وكتاب مار الالماني بعنوان «انتصار اليهودية على الالمانية» عام 1869، وكتاب درومنت الافرنسي بعنوان «فرنسا اليهودة» عام 1886. ولعل محاكمة الضابط اليهودي في الجيش الفرنسي دريفوس عام 1894 من أشهر الاحداث المرتبطة بانتشار اللاسامية العلمانية في أوروبا الغربية، و حضرها ثيودور هرتزل بصفته الصحافية وكان لها الأثر الحاسم في تطور عقيدته الصهيونية. ولم تمض سنتان على حضور الصحافي الهنغاري هرتزل محاكمة دريفوس حتى وضع كتيبه بالالمانية عام 1896 (000.32. كلمة) في عنوان «دولة اليهود» اعقبه بالدعوة الى انعقاد مؤتمر يهودي عام لتنفيذ ما ورد فيه.

لم يأت هرتزل بجديد في تشخيصه لمعضلة اليهودية أو في وصفه للدولة اليهودية كعالج لها لكن الجديد كان في طرحه المنهجي الهادئ وتوكيده الواثق على الدولة كحل أكيد لما يعانيه اليهود في المجتمعات الغربية واطمئنانه التام الى امكان تحقيق الدولة عبر مقترحاته.

 واعتبر هرتزل أن فكرة الدولة وإمكان تحقيقها تحتوي على قوة كامنة قادرة على تحريك الشعب اليهودي وان اللاسامية جعلت من اليهود الذي فرقتهم تيارات التنيور والاندماج شعباً VOLK واحداً متحداً وأعظم قوة من ذي قبل وان القضية ليست قضية دينية أو اجتماعية (وان اتخذت هذه الاشكال احياناً) ولكنها في الصميم  قضية قومية وان لا بد من تحويلها الى قضية سياسية دولية لكسب التأىيد الدولي للدولة اليهودية كحل لها.

واقترح هرتزل لتحقيق الدولة قيام هيئتين الأولى «جمعية اليهود» والثانية الشركة اليهودية، واعتبر الجمعية الأداة السياسية ذات سلطة التقرير تقوم بكل الأعمال السياسية المطلوبة من توعية الرأي العام اليهودي والعالمي الى تنظيم الهجرة الجماعية الى اختيار البلد المهاجر إليه الى اجراء المفاوض       ات مع الدول الكبرى للحصول على «البراءة» التي تعترف بالسيادة اليهودية على البلد المختار.

 ويذكر ان هرتزل لم يحدد هذا البلد في كتابه بل تساء ل«هل يكون البلد فلسطين أم الأرجنتين؟ سنأخذ  ما يعرض علينا وما يختاره الرأي العام اليهودي».

 المرحلة الثانية: (1987 - 1914): من المؤتمر الصهيوني الأول الى الحرب الكونية الأولى. في هذه المرحلة وضع المؤتمر الصهيوني الأول بزعامة هرتزل برنامج الحركة الصهيونية الذي عرف «ببرنامج بازل» واستمر العمل به الى ان حل محله عام 1951 «برنامج القدس» الذي وضع في أول مؤتمر ينعقد بعد قيام دولة اسرائيل. وحدد البرنامج غاية الصهيونية بالالمانية على انها «خلق مسكن (HEIMSTATTE) للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام واقرب تعبير بالانكليزية لـ(HEIMSTATTE) هو HOMESTEAD الذي يعني مكان منزل المرء. وكان هدف هرتزل من الاصرار على هذه الصياغة، وهو الداعي جهاراً الى قيام الدولة اليهودية، التخفيف من مخاوف كل من الدولة العثمانية وحلفائها والمتدينين اليهود وكبار اثريائهم من دعاة الاندماج بالمجتمعات الأوروبة. فرأسى بذلك سابقة في التمويه على الهدف من دولن التخلي عنه أصبحت من أهم ركائز الاستراتيجية الصهيونية في ما بعد. أما الوسائل التي حددها برنامج بازل لتحقيق الغاية المعلنة فهي:

 1- الاستيطان الزراعي وغير الزراعي.

2 - تنظيم الشعب اليهودي بأسره.

3 - تعزيز الشعور بالهوية اليهودية.

4 - الاتفاقات مع الحكومات لتحقيق هدف الصهيونية وهي وسائل لا تزال تعمل الصهيونية بها الى يومنا.

المنظمة الصهيونية

وقامت خلال هذه المرحلة بعض أهم المؤسسات الصهيونية وعلى رأسها المنظمة الصهيونية ذاتهخا التي أصبح المؤتمر هيئتها التشريعية والسياسية العليا. واضافة الى المنظمة الصهيونية، تأسست مؤسستان خطيرتان رسميتان اخريان اثناء حياة هرتزل بقرار من المؤتمر الاستعماري اليهودي هما: TRUST COLONIAL JEWWISH (عام 1899) والصندوق اليهودي القومي NATIONAL JEQISH FUND (عام 1901). وكان الصندوق الاستعماري، وهو الهيئة المالية الرئيسية للمنظمة الصهيونية. التجسيد لفكرة «الشركة اليهودية» التي ذكرها هرتزل في كتابه «دولة اليهود» والصندوق، وان لم يلعب دوراً حاسماً في شراء الأراضي في هذه المرحلة بالذات، فانه لعبه في الطور المقبل وهو على كل حال جسد منذ البداية عبر المبادئ التي قام  عليها خطوط الاستراتيجية الصهيونية الاقتصادية الكبرى الهادفة الى انشاء اقتصاد مستقل منفصل عن اقتصاد عرب ف لسطين قاعدة لقيام الكيان السياسي عليها لاحقاً.

ومن أهم المؤسسات الصهيونية في هذه المرحلة، أن لم يكن أهمها ميدانياً، مكتب فلسطين POLESTIN THE OFFICE الذي تأسس عام 1908 وعكس في نشاطاته توجه الحركة الصهيونية بعد وفاة هرتزل وتجميد السعي للحصول على البراءة نحو العمل الاستيطاني المكثف، وتولى ادارته البيروقراطي البروسي الفذ ارثور روبين (1976 - 1943) الذي جعل من المكتب الهيئة المشرفة العليا على كافة النشاطات الصهيونية في فلسطين، ونسق من خلاله الهيئة المشرفة العليا على كافة النشاطات الصهيونية في فلسطين، ونسق من خلاله عمليات شراء الأراضي، ان من قبل المؤسسات الصهيونية الرسمية أو من قبل شركات خاصة أو أفراد ووضعخطة جغراسية GEOPOLITICAL لشراء الاراضي تعتمد وجوب الاستيطان المتصل على محاور ثلاثة: أولها السهل الساحلي بين يافا وحيفا، وثانيها السهل الداخلي بين حيفا وطبريا، وثالثها حوض الأردن  من طبريا الى اعالي النهر، وهي الخطة التي نفذت في الطور التالي وأرست البنية التحتية الأرضية للدولة اليهودية. وروبين هو الذي رعى في هذه المرحلة التجارب الأولى للقرية الجماعية التعاونية (الكيبوتس) التي أصبحت لاحقاً رأس حربة في أعقاب وعد بلفور المرحلة الثالثة: (1914 - 1917): من بداية الحرب الكونية الأولى  الى وعد بلفور. ما أن اندلعت الحرب حتى باشرت «المانشستر غارديان» بالدعوة بتوجيه من صاحبها سكوت الى ضم فلسطين في اي تسوية بعد الحرب الى الامبراطورية البريطانية وبالتحذير من «سقوطها» تحت الحكم الفرنسي حفاظا ًعلى مصلحة الامبراطورية البريطانية العليا وضمانا لامن قناة السويس. وفي الوقت نفسه ارتفع صوت من داخل وزارة اسكويت في شخص الوزير هربرت صموئيل اليهودي الصهيوني (1870 - 1963) أول مندوب سام بريطاني في فلسطين لاحقاً من 1920 الى 1925 الذي ذهب الى ابعد مما ذهب اليه سكوت (ولم يكن بعد قابل وايزمان) واقترح على زميله في الوزارة لويد جورج انشاء دولة يهودية  في فلسطين بعد الحرب باسم الحفاظ على أمن الامبراطورية البريطانية، وأردف ذلك بعد مقابلة وايزمان بمذكرة خطية الى الوزارة بهذا المعنى في كانون الثاني  - يناير - 1915 ولم يلبث ان تعرف سكوت الى وايزمان بواسطة هاري ساكر كاتب الافتتاحيات في المانشستر غارديان فعرفه بدوره على صديقه لويد جورج وهكذا وجد وايزمان نفسه في قلب دائرة صنع القرار البريطانية.

وفي هذه الاثناء تبلورت المطالب الصهيونية بارشاد وايزمان وقدم في تشرين الاول  - اكتوبر - «برنامجاً» الى الحكومة البريطانية «لاعادة» استيطان فلسطين من قبل اليهود عن طريق ا لهجرة الجماعية من الخارج بهدف انشا ء«مكسنهم» (HOME) فيها، وعلى أساس الاعتراف بالجنسية اليهودية المنفصلة JEWISH SEPARATE NATIONALITY على ان تمنح المنظمة الصهيونية «براءة» (CHARTER) تتولاها «شركة يهودية» JEWISH COMPANY لهذا الغرض. وفي 42 أيار - مايو - 7191 نشرت «اللجنة  المشتركة اليهودية للشؤون الخارجية» رسالة في جريدة «التايمز» رفضت فيها المطالب الصهيونية وانكرت ان الشعب اليهودي مشرد وفي حاجة الى وطن لايوائه. ففجرت الرسالة اللجنة من الداخل مما افسح المجال لوايزمان ان يطلب من بلفور بالاشراك مع اللورد ليونيل روتشيلد (1868 - 1937) عميد فرع العائلة البريطاني والرئيس الفخري للاتحاد الصهيوني الذي اصبح وايزمان رئيساً له ان تقدم الحكومة البريطانية رسمياً على الاعتراف بالمطالب الصهيونية.

وبين تموز  - يوليو - 1917 اشترك الطرفان البريطاني والصهيوني في اعداد نص لتصريح يصدر عن الحكومة البريطانية بتأييد المطالب الصهيونية، وقدمت مسودة الى وزارة الحرب في 3 أيلول - سبتمبر - تنص على ان برطانيا «تقبل مبدأ اعادة تكوين فلسطين مسكناً قوميا للشعب اليهودي» وعدلت لاحقاً الصيغة  فجاأت تنص على ان بريطانيا «تنظر بعطف الى انشاء مسكن قومي للشعب اليهودي في فلسطين» وبذلك أصبحت الظروف ملائمة لاصدار وعد بلفور في 2 تشرين الثاني - نوفمبر - 1917.

الطور الثاني (1917 - 1948): من اكتمال عناصر النجاح الى قيام الدولة اليهودية بالحرب: بحصول الحركة الصهيونية على تأييد الدولة الاستعمارية الكبرى عن طريق وعد بلفور توفرت للحركة عناصر النجاح اللازمة. وكان لوعد بلفور فعل السحر في الجاليات اليهودية الغربية اذ أزال تحفظات العديدين من اليهود على الصهيونية وعوضت عن انقطاع الاتصال بيهود روسيا بسبب الثورة البلشفية بحشد التأييد الشعبي لها في الولايات المتحدة على نطاق لم تكن لتحلم به قبلاً وذلك تمهيداً لتعرض مطالبها بالتنسيق الوثيق مع الراعي البريطاني على مؤتمر الصلح.

وكان لبريطانيا والصهيونية في هذه المرحلة بالنسبة الى فلسطين هدف واحد أساس هو إضفاء الشرعية الدولية على وعد بلفور وعلى بقاء بريطانيا في فلسطين وذلك ضمن اطار التسوية للشرق الأوسط التي يقرها مؤتمر الصلح. وعلى رغم الهدف المشترك هذا لم تكن وجهات نظر الطرفين دوماً متطابقة كما ظهرت دونها عقبات صعبة التذليل. أما العقبات فأهمها اثنتان أولاهما أن ميثاق عصبة الأمم الذي أقر نظام الانتداب في 82 حزيران - يونيو - 1919 عند التوقيع على معاهدة فرساي استند في اقراره لهذا النظام الى المادة 22 منه التي استندت بدورها الى مبدأ تقرير المصير الذي اعلنه ويلسون ضمن نقاطه الأربع عشرة. أما العقبة الثانية فكانت التطورات في الساحة العربية من انعقاد المؤتمر السوري في حزيران 1919 الى بيعة فيصل ملكاً على سوريا ولبنان وفلسطين في آذار  - مارس- 1920 الى معركة ميسلون ودخول الفرنسيين دمشق واخراجهم فيصل منها في تموز - يوليو - 1920 الى دخول عبد الله شرق الأردن. ورافق هذه الاحداث هيجان الشعب الفلسطيني ضد الأنباء عن وعد بلفور التي لم تجرؤ بريطانيا على  اعلانه في البلاد الا في شباط 1920 فأعقبت ذلك اشتباكات عربية - يهودية ع نيفة في الجليل ويافا في شباط ونيسان 1920، وتكررت هذه الاشتباكات في القدس في أيار 1921 عقب تعيين هربرت صموئيل أول مندوب سام بريطاني في فلسطين في تموز.

وشهدت هذه المرحلة أحداثاً جساماً داخل كل من المنظمة الصهيونية ذاتها وداخل الجالية اليهودية في فلسطين.  اذ انفجر الخلاف داخل المنظمة عام 1920 في القمة بين عملاقيها وايزمان وبرانديس حليفي الأمس اللذين التقيا للمرة الأولى في تموز 1919. وسبب الخلاف قضيتان جوهريتان، الأولى تقييم دور العمل السياسي الصهيوني بعد وعد بلفور ومؤتمر سان ريمو، والثانية ادارة «صندوق تأسيس فلسطين» KERREN HAYESOD برأس مال 25 مليون جنيه قرره مؤتمر لندن CONFERENCE  LONDON الصهيوني عام 1920 الذي كرس رئاسة وايزمان للمنظمة الصهيونية وانتخب برانديس رئيساً فخرياً لها والذي سبق انعقاد المؤتمر CONGRESS الصهيوني الثاني عشر في كارل سباد  وهو أول مؤتمر CONGRESS يعقد بعد انتهاء الحرب.

المرحلة الثانية: إرساء قواعد الدولة (1922 - 1947)

نمت الدولة اليهودية داخل رحم الانتداب البريطاني منطلقة من انجازات الصهيونية السابقة وارست قواعد الدولة خلال ربع القرن الفاصل بين اقرار عصبة الأمم لصكّ الانتداب عام 1922 وتوصية هيئة الأمم عام 1947 بتقسيم البلاد الى دولتين احداهما يهودية والأخرى عربية.

وفي هذه المرحلة ارتفع سكان المستعمرات من حوالى خمسة آلاف عام 1918 الى 441 الفاً عام 4491 وجاءت اعل ىنسبة من المهاجرين اليهود من بولونيا لغاية 1938 عندما زادت نسبة المهاجرين من المانيا اليها.

 وبلغ مجموع ما تملكه اليهود من اراضي فلسطين في اوائل الثمانينيات من القرن الماضي ولغاية اندلاع الحرب الكونية الأولى 1914 006،924 دوم اي 1.5 في المئة من مساحة فلسطين (27 مليون دونم) وزادت ملكية اليهود عام 1946 الى 000.624.1 دونم اي الى 6 في المئة فقط من مساحة فلسطين.  لكن خطورة ملكية الـ6 في المذة لم تكن في حجم الاراضي بل في مواقعها ونمط انتشارها وفي تنظيمها والغاية من اقتنائها.

وكان للمنظمة الصهيونية/ الوكالة اليهودية ثلاث وظائف رئيسة، أولها الضغط على مراكز صنع القرار في لندن مباشرة وفي العواصم الغربية الأخرى الكبرى كوسيلة للضغط غير المباشر على لندن، وثانيها الجباية لمؤسساتها المالية المركزية الكبرى وبخاصة «الصندوق اليهودي القوي» و«صندوق تأسيس فلسطين» وثالثها الدعاية الملحة المتصلة والمتنوعة لدعم الوظيفتين الأوليين، وبلغ ما  ارسلته المنظمة الصهيونية الى يهود فلسطين من يهود الولايات المتحدة فقط بين 1930 1948 نحو 396 مليون دولار وهو مبلغ ضخم جداً بمقاييس ذلك الزمن.

 المرحلة الثالثة 1948 قيام الدولة بالحرب

مرت الحرب الصهيونية - العربية الأولى1947 - 1948 في مرحلتين رئيسيتين: مرحلة الحرب غير النظامية بين القوات الصهيونية من جهة والقوات الفلسطينية الشعبية المدعومة لاحقاً بمتطوعين من الدول العربية الذين انتظموا في ما سمي جيش الانقاذ الذ ي اشرفت عليه الجامعة العربية وهي فترة امتدت من 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 لغاية 15 أيار (مايو) 1948 وهو تاريخ انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وانسحاب القوات البريطانية من البلاد واعلان قيام دولة اسرائيل فيها، ومرحلة الحرب النظامية بين قوات دولة اسرائيل وجيوش عربية أرسلتها سوريا ولبنان ومصر والعراق وشرق الأردن باشراف الجامعة العربية (أضيفت اليها في ما بعد قوات رمزية من السودان والسعودية) وامتدت من 15 أيار 1948 الى ان تم التوقيع على اتفاقيات الهدنة في نهاية 1948 ومطلع 1949 بين اسرائيل وكل من مصر وشرق الأردن ولبنان وسوريا.

نجاحات واخفاقات

سيرة المشروع  الصهيوني في حركته نحو تجسيد اهدافه ليست قصة نجاح فقط، وإنما تعتورها اخفاقات لا تزال تشكل أساساً للأزمات التي تعاني منها  اسرائيل وذلك على المستويين  الاستراتيجي العام المرحلي الراهن وتنبع أزمة اسرائيل بالأصل من تشبث مستوطنيها على العموم بصهيونيتهم على رغم عبثية محاولاتهم الانتقال بمنطلقاتها الاصلية من المجرد الى الملموس.

 وتوضح نظرة سريعة الى اسرائيل انها ضاعفت عدد المستوطنين  فيها سبع  مرات  وأكذ منذ الاعلان عن قيامها. وتحتل عمليا كل فلسطين التاريخية ا و الانتدابية واجزاء من دول عربية اخرى. وتسيطر على موارد طبيعية مهمة في فلسطين وخارجها. وقد طورت اقتصادا مزدهرا، الأمر الذي ينعكس في مستوى معيشة لسكانها يضاهي ما هو عليه الحال في الدول الصناعية المتقدمة، في مجال دخل الفرد، والخدمات والضمانات الاجتماعية والحكم المحلي والمؤسسات المدنية. وفي هذا السياق ذكر اخيراً ان مستوى الحياة في اسرائيل ضاعف نفسه ستّ مرات منذ عام 1950. وارتفع مستوى الحياة (نفقات الاستهلاك الشخصي للفرد) في اسرائيل بين الاعوام 1950 - 2002 بنسبة سنوية متوسطة بلغت 3.5%، حيث بلغ في عام 2002 ستة اضعاف ما كان عليه في العام 1950. ووصلت نفقات الاستهلاك ا لشخصي، التي هي عبارة عن مجموع المبالغ التي تنفقها العائلات الاسرائيلية والمؤسسات غير الربحية عن مجموع المبالغ التي تنفقها العائلات الاسرائيية والمؤسسات غير الربحية التي تقدم خدمات للعائلات، والتي لا تمول الحكومة نفقاتها الاساسية في العام 2002 الى 192.6مليار  شيكل، شكلت نسبة 85.7% من الانتاج المحلي الخام. واستناداً الى معطيات دائرة الاحصاءات المركزية ازدادت نفقات الاستهلاك الشخصي للفرد بين الاعوام 1951 - 1970 بنسبة سنوية متوسطة بلغت 4.3%. اما في الأعوام 1971 - 1980 تتباطأ الارتفاع في النفقات المذكورة، اذ بلغت نسبته  السنوية المتوسطة 2.6% وفي الثمانينيات، ارتفعت نفقات الاستهلاك الشخصي للفرد بمعدل سنوي وصلت نسبته الى 3.8% في حين بلغت نسبة الارتفاع 3.2% في التسعينيات. وفي عامي 2001 - 2002، انخفضت نفقات الاستهلاك الشخصي للفرد بنسبة سنوية متسوطة بلغت 0.6%.

وسجل ارتفاع معتدل في الانفاق على الخدمات الجماهيرية والاجتماعية والشخصية خلال الاعوام 1995 - 2000 (من 3.5% - 3.6%)، في حين طرأ انخفاض طفيف على هذه الخدمات في العايمن 2001 (3.5%) و2002 (3.3%) وتشير التطورات التي طرأت على نفقات الاستهلاك الشخصي للمنتجات الصناعية الى ارتفاع مطرد  خلال التسعينيات (من34% الى 94.3%) في نسبة الاستيراد من مجمل النفقات على المنتوجات الصناعية.

وكان تقرير لمركز «أدفا» وهو مركز لبحث المجتمع الاسرائيلي، ولدفع فكرة المساواة والعدل الاجتماعي اشار الى الفجرات الاجتماعية الصارخة في المجتمع الاسرائيلي. ويعمل المركز على بحث السياسة الاجتماعية في اسرائيل وعلى تحليلها، وهو يختبر، بنظرة ناقدة، الخطوات التي يتم اتخاذها في مجال الميزانية وفرض الضرائب والخدمات الاجتماعية، مثل: التعليم، الصحة، السكن، الرفاه، المواصلات والبيئة، وابعاد هذه الخطوات على المجتمع الاسرائيلي عامة، وعى كل مجموعة من المجموعات التي تشكل هذا المجتمع.

يرصد التقرير  الفجوات في معدلات الدخل الشهري للعائلات الاسرائيلية، وتبين المعطيات ان دخل عائلة اسرائيل من العشر الأعلى تبلغ 12 ضعف عائلة من العشر الأسفل، فالدخل الشهري المتوسط لعائلة من العشر الأعلى تصل الى 93.031 شاقل، بينما يبلغ الدخل الشهري المتوسط لعائلة من العشر الأسفل 3.522 شاقلا فقط. ويبلغ دخل الأجير اليهودي الاشكنازي ضعفي دخل  الأجير العربي ف ي نفس مجال العمل ومرة ونصف ضعف دخل الأجير اليهودي من أصول عربية وشرقية.

اما في مجال البطالة فتقف القرى العربية كفر مندا، وعيلوط وعرعر في النقب على رأس القائمة، ونسبة طالبي العمل في هذه البلدات تصل الى 52% بينما تصل النسبة في البلدات اليهودية من نفس التدريج الى 71%.

ويشير القائمون على التقرير وهم شولومو سفيرسكس (رئيس معهد ابحاث مركز ادفا) وايتي كونر - اطياس. الى ان الدولة تميز بشكل صارخ ضد مواطنها في مجال التربية والتعليم، فغالبية الطلاب الذين لم يحصلوا على شهادة البجروت في السنة الماضية هم من الطلاب العرب ويليهم الطلاب اليهود من منطاق التطوير.

 ويستمر التمييز ليشمل جميع مستويات التعليم ويصل الى  التعليم الاكاديمي اذ تم رفض 26% من طلبات المسجلين للجامعات من قرية اكسال العربية، و23% من بين سكان مدينة اللد، بينما رفضت طلبات 6.6% من المرشحين من مستوطنة «كوخاب يئير». وتبلغ نسبة الطلاب اليهود في الجامعات 2.3 اضعاف نسبة الطلاب العرب. وتصل نسبة الطلاب الجامعيين من اصل اشكنازي  حوالى 33% بينما تصل نسبة الطلاب الجامعيين من اصول عربية وشرقية 61%، أي بفارق ضعفين لصالح الاشكناز.

وفيما يلي بعض المعطيات التي يرصدها التقرير السنوي لمركز «ادفا».

1 - نسبة الاكاديميين حسب المجموعات المختلفة: 52% اليهود، 11% العرب، 33% الاشكناز، 61% الشرقيون.

2 - متوسط الدخل الشهري: 8.636 شاقل رجال، 5.561 شاقل نساء، 9.016 شاقل الاشكناز، 6.516 شاقل الشرقيون، 4.478 شاقل العرب، 6.469 شاقل متوسط الاجور العام.

 نظام الحكم

كما أقامت اسرائيل نظاما للحكم يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار والتوازن بين السلطات والشفافية. لكن عملية التعاقب السريع للحكومات الاسرائيلية في العقد الاخير دفع بأحد كتاب صحيفة «يديعوت احرونوت» الى  التنبؤ بحدوث تحول في نظام الحكم في اسرائيل من خلال قوله: ان حكومات الوحدة التي شكلت في اسرائيل منذ سنوات 48 - 88، تمثلت نجاحاتها في نجاح اول ىتلك الحكومات في اتخاذ ثلاث قرارات  حاسمة في حينه: الانسحاب من غالبية المنطاق المحتلة في لبنان، خطة الاستقرار الاقصتادي والغاء مشروع «لافي». وسر نجاح حكوة الوحدة الأولى يرجع الى عدم مطالبتها الحسم في المسألة المصيرية الحق يقية - مستقبل المناطق. ففي هذه المسألة لن تقود الوحدة الى الحل، بل ستخلد الجمود وكون الانتخابات للكنيست التي جرت في الـ52 سنة الأخيرة لم تجر في موعدها القانوني، إلا مرة واحدة، في العام 1988، فهذا الأمر الذي يعتبر مقدمة لتغيير الجهاز السياسي الاسرائيلي الذي يعاني غياب الاستقرار العميق. ولا بد من الاستفادة من التجربة الفرنسية عندما أقدمت فرنسا عندما واجهت مثل هذا الوضع في الخمسينيات، على التحول الى النظام الرئاسي.

حققت اسرائيل درجات متقدمة في حقول التعليم والصحة والثقافة والعمل والتكنولوجيا. و هي  تتمتع باعتراف دولي واسع، وتقيم علاقات دبلوماسية مع الغالبية العظمى من دول العالم. وحتى في الدول العربية والاسلامية، لم يعد الاعتراض على قيام اسرائيل ووجودها، بقدر ما هو على سياساتها وسلوكها. ومن المهم جدا ان اسرائيل تمتلك قوة عسكرية مؤهلة لتلبية متطلبات البلد الأم الاقليمية في الشرق الأوسط، الأمر الذي جعل ما يسمى التعاون الاستراتيجي بين اسرائيل والولايات المتحدة يشكل ركنا مهما في الأمن القومي الاميركي، على حد تعبير عدد من الرؤساء الاميركيين.  اضافة الى انها اي اسرائيل، كرست مركزيتها في حياة الجوالي اليهودية في العالم، لكن ما لا بد ذكره ان اسرائيل تتميز عن اترابها من الكيانات الاستيطانية التي حققت السيادة والانفصال، ولو الظاهري عن البل الأم - الولايات المتحدة واستراليا - كون الكيان الاستيطاني الاسرائيلي يقوم على رابطة الدين الذي تعتبره الصهيونية قومية ايضاً، وهذه بدعة. ولأن اسرائيل قامت علي اساس فكرة مسبقة، فقد جاءت تركيبتها متطابقة مع وظيفتها، وصيغت مؤسساتها وتبلورت بما يخدم ذلك عموما. ومع ذل فهيه الخاصية، وما ترتب عليها من فرادة، لا تضع اسرائيل فوق القوانين التي تحكم مسيرة التاريخ في هذا الجزء من العالم، أو خارج القوانين التي تحكم صيرورة مثل هذه الكيانات، وتقرر مصيرها واستمرار مبرر وجودها

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2009 م -  اتفاقية استخدام الموقع