|
أبو القاسم سعد
الله محققا وناقدا
مهجوساً بالتراث القومي والوطني
عبد القادر شرشار
لا يقل حقل التحقيق أهمية عن باقي الحقول
العلمية والبحثية التي اشتغل عليها الدكتور ابو القاسم سـعد
الله(1)، حتى وإن بدا مقلا في هذا المجال، اذ تميز إسهامه في تحقيق
النصوص التراثية الجزائرية بميزات بارزة سنحاول من خلال هذا المقال
الكشف عن بعضها.
كانت العناية بالتراث القومي والوطني إحدى
الخصائص البارزة للمشروع الذي اشتغل عليه الدكتور سعد الله ولا
يزال، وهو من المؤمنين بالرأي القائل: إن الأمم تكتشف نفسها من
خلال تراثها الذي ساهمت فيه أجيالها الغابرة في الحضارة الإنسانية.
وتعززا هذا المنحى لديه الآثار السلبية الناتجة عن محاولة
الاستعمار طمس ما أنتجه شعبنا من آثار ومعالم.
يُعد التراث المخطوط دعامة من دعائم التراث
البشري، فهو يؤدي دورا خطيرا في نقل العلوم والمعرفة والحضارة، وهو
«عامل ثورة وبناء إذا ما أحسن استعماله ودراسته في هدي النظرة
الصائبة والنهج الموضوعي الملتزم»(2).
وإذا كان التراث العربي والإسلامي لقي الاهتمام
في كثير من الدول العربية والإسلامية، ولا سيما المخطوطات التي
تشكل دعامته الأساسية، فإنه في الجزائر ما زال لم يلق العناية
اللازمة، إذ إن المحاولات التي قام بها بعض الأفراد ومنهم الدكتور
سعد الله لم تشمل كنوز التراث التي تحتفظ بها المراكز. ومن أجل ذلك
ترتفع صيحات من بعض الباحثين بين الحين والآخر تعبر عن خيبة الأمل
والدهشة والعجب من المواقف السلبية إزاء هذا التراث المخطوط على
الرغم من كثرته وتنوعه وعلو قيمته الفكرية، إلا أنه محاط بجملة من
الظروف التاريخية والثقافية والبشرية حجبته عن أعين الناس داخل
الرفوف والصناديق الخشبية والأكياس البلاستيكية يتعرض للتلف
والضياع، بل الموت البطيء مع مرور الوقت. والمعلوم أن بقاء المخطوط
مدة طويلة دون صيانة وحفظ وعناية يعجل باندثاره، ويسلمه لعاديات
الزمن.
وبمناسبة تكريم رمز من رموز الثقافة في الجزائر
وهب نفسه للدفاع عن التراث وبعثه إلى الحياة نطرح السؤال الآتي:
ماذا ينبغي أن نفعل كأفراد أو هيئات علمية (مخابر بصورة خاصة)
وهيئات رسمية (جامعات ومراكز بحث جهوية ووطنية) لننقذ ما بقي من
هذا التراث الذي يكاد يستحيل إلى تراب؟
إن إنقاذ ما بقي وبعث الحياة فيه مهمة الجميع،
ونعتقد أن أفضل تكريم للدكتور سعد الله هو مواصلة أعماله في هذا
المجال الحيوي لأن فيه خلاصة الفكر العربي والإنساني، وفيه ما لم
ير النور منذ أنتجه صاحبه.
ومن المؤكد اليوم أن الأستاذ الدكتور سعد الله
قد أخذ البادرة وأقدم على عمل ضخم لا تقوم به عادة في الأمم
المتقدمة سوى الهيئات العلمية والمؤسسات البحثية التي تمتلك
الوسائل المالية والبشرية الكفيلة بتحقيق أهداف علمية بهذا الحجم.
«تحقيق مخطوط قديم عمل
فني وهادف في الوقت نفسه، فهو عمل فني لأنه يقوم على قواعد أساسية،
ويتطلب مهارة وإخلاصا وتجردا، وقليل من الناس فقط في كل أمة وكل
جيل يستطيعون القيام بهذه المهمة الثقافية الدقيقة.
أما كونه عملا هادفا فلأن بعث المخطوط يخدم
فكرة، وبالتالي مصلحة وطنية وإنسانية. ولعل هذه من الحالات النادرة
التي يجمع فيها المرء بين إخلاصه لفنه وإخلاصه لهدفه الإنساني»(3).
والذين يعرفون الدكتور سعد الله المحقق والناقد
للنصوص التراثية يدركون ما نعني، فهو يبدي كثيرا من الاهتمام
بالمخطوطات، ولا سيما تلك التي تتصل بحياة الجزائر والمغرب العربي
عبر القرون الأربعة الماضية. ويشهد سجله الحافل على عدد من الأعمال
التي قام بتحقيقها في إطار المشروع الحضاري والثقافي الذي اشتغل
ضمنه والذي بعث الحياة من خلاله لعدد من المخطوطات(××).
وتقتضي الأمانة العلمية التنويه بالجهود الشاقة
والمضنية التي كان يتكبدها المحقق أبو القاسم سعد الله، ويكفي أن
تستمع إليه وهو يشكو ثقل المهمة ومشاق التحقيق في إخراج نص وبعثه
للحياة: «لو قيل لي عن التعب الذي سيصادفني من جراء تحقيق هذه
المخطوطة ـ رحلة ابن حمادوش-قبل الإقدام عليه لما صدقته أو لما
أقدمت أصلا.وعلى كل حال فقد أصبحت الآن لا أغبط المحققين للنصوص
القديمة تحقيقا علميا، لأنهم بدون شك يعانون الكثير ويربحون
القليل. وكل جزائهم في ما يبدو هو رضى النفس والوفاء لصاحب النص
وراحة الأجيال»(4).
وأعتقد أن التعرض اليوم لجهد فرد في مجال تحقيق
المخطوطات، وعرض منهجه العلمي في تحقيق التراث ودراسته ونشره
واستفادته من خبرات السابقين من العلماء المسلمين وغيرهم في هذا
المجال هو ترغيب للباحثين في الاشتغال في هذا الحقل الحيوي
الهام،وهي دعوة لتزويد المخابر العلمية بالمخطوطات لتمكينها من
توجيه الباحثين للاشتغال بالتحقيق ونقد النصوص التراثية.كما أنها
دعوة للاستفادة من خبرة الجيل الأول من الباحثين الجزائريين،
والعمل على التنسيق مع الهيئات العلمية ومراكز البحث في الجزائر
وخارج الجزائر.
ولا يزال الاهتمام بالمخطوط حقلا بكرا على
الرغم من المحاولات الفردية، وإن النظرة الفاحصة في هذا المجال
تكشف عن الإحساس بالقطيعة بين الباحثين في هذا الحقل الحيوي، كما
أن تقاليد البحث في جامعاتنا الوطنية والعربية تقوم أساسا على
العمل الفردي، وهي ظاهرة أصبحت اليوم غير مثمرة نظرا للمعطيات
البحثية الكثيرة، ولوفرة وسرعة إنجاز البحث التي لا يمكن القيام
بها إلا إذا أسندت لفرق بحثية تنشطها جماعات بحثية منسجمة تتبادل
الخبرات والمعلومات وتتقاسم المهام.
إننا نعتقد أن العمل الرائد الذي قام به
الدكتور سعد الله في مجال تحقيق النصوص التراثية ساعد كثيرا على
إبراز الدور الحضاري والثقافي للمجتمع الجزائري. وقد مكن هذا
الإنجاز العلمي على قلته مقارنة بضخامة التراث المخطوط وأهميته من
إنقاذ بعض المخطوطات التي كاد أن يطويها النسيان. كما أن الكشف
عنها أتاح تفعيل وظيفتها الفكرية والعلمية والأدبية مما أعطى صورة
حية وفكرة صادقة عن إسهام العلماء الجزائريين في ترقية وتطوير
الفكر الإنساني.
إن العودة إلى التراث في مفهوم سعد الله لم تكن
بنية الرجوع إلى الكتب الصفراء والتشبث بمضامينها كما يزعم البعض
بل كانت العودة إلى كتب التراث بهاجس علمي وحضاري باعتبار المخطوط
وثيقة تاريخية صبت عليها الدراسات النقدية والتاريخية والعلمية في
ضوء المعطيات الفكرية والحضارية المعاصرة،مع العمل على تحقيق
التواصل والتزاوج بين أسس الأصالة والمعاصرة.
ويشعرنا الدكتور أبو القاسم سعد الله في كل عمل
تحقيق ونقد للنصوص التراثية أن الأمر ينبغي أن يعالج لا على مستوى
الأفراد فحسب بل على مستوى الهيئات والفرق البحثية، وتكوين
المختصين وإحداث مؤسسات علمية لمعالجة الثروة من المخطوطات التي
تكوّن مرجعا لا مناص منه لدراسة تاريخ الجزائر السياسي والاجتماعي
والثقافي والحضاري. كما يوحي أسلوب معالجته للنصوص المحققة وتعامله
معها قراءة وتدقيقا ونقدا بالجدية في غياب مؤسسات حيوية في صناعة
العلم وتخريجه.
يحرص سعد الله في هذا المجال على أن يقوي وعينا
بأن التحقيق والمعالجة النصية للمخطوط ليست من قبيل الممارسات التي
لها مفعول سحري، ذلك أن القيام بدراسة علم المخطوطات وضبطه هو قبل
كل شيء من فعل علماء مختصين، وهو يريد بذلك لفت الانتباه إلى مناهج
اصطلاحية، بل وحتى عمليات مخبرية قد دخلت فعلا في هذا الميدان،
تشهد كلها على صرامة العمل في مجال التحقيق،وتتطلب الصبر، والأناة،
والدقة، والموضوعية والأمانة العلمية وغيرها من الصفات التي لا
يمكن جمعها والإحاطة بها في هذه المناسبة. ففي هذا العمل الجاد
إزعاج للأذهان المستخفة بالتعامل مع النصوص وتحريض لهمم الباحثين
المتمرسين. وفي الممارسة الفعلية في عملية التحقيق وإخراج النصوص
ونقدها والتقنيات المسخرة لذلك أمثلة حية للاهتداء والاقتداء.
وبالاشتغال في هذا الحقل الحيوي يسهم سعد الله
المؤرخ والأديب والناقد والمحقق في إجلاء فن من الفنون من شأنه أن
يسهم في تأريخ التراث العربي عامة والتاريخ المغاربي بصفة خاصة.
منهجه العلمي في التحقيق:
يبدو أن الحديث عن منهج علمي في التحقيق لدى
الدكتور أبو القاسم سعد الله سابق لأوانه، إذ إن ذلك لا يمكن أن
يستقيم إلا في حالة الاطلاع الكامل على المادة المحققة كلها، لكن
يمكن الحديث عن الإجراءات المطبقة في تحقيق المخطوط من خلال ما
توفر الاطلاع عليه من منجز في هذا الحقل والذي من شأنه أن يعكس
العناصر الأساسية والثابتة التي كان يتم التركيز عليها في كل عمل
تم تحقيقه.
يقوم تحقيق المخطوط ونقده عند سعد الله على
ثلاثة أقسام ثابتة، هي:
القسم
الأول: التقديم. يعرض فيه الباحث
العناصر الآتية:
1- صاحب المخطوط وعصره.
2- وصف المخطوط.
3- طريقة التحقيق.
4- المصادر.
5- قيمة الموضوع.
القسم الثاني:
يعرض فيه متن المخطوط معززا بالتعليقات والتهميش وبيان ما غمض من
عبارات مصححا في بعض الأحيان ما يراه قابلا للإصلاح دون مس المادة
الأصلية أو تغييرها أو تحويلها من مواضعها.
القسم الثالث:
وفيه يثبت المصادر والفهارس، حيث يخصص جزءا للأعلام، وآخر للأماكن،
وقد يعرض ملحقا للجداول والرسوم، كما يثبت المصادر والمراجع
المعتمدة في التحقيق، ثم يختم الكل بفهرس لموضوعات المخطوط.
يبدو أن المخطوطات العربية القديمة توجد كنص
واحد متصل بدون عناوين ولا فقرات أحيانا،ولا فواصل أو نقاط. ولذا
استلزم عمل المحقق القيام بتقسيم النص إلى فقرات، يخضع لتقدير
المحقق كأن تقوم الفقرة على حادث أو فكرة أو خبر. ثم وضع النقط
والفواصل، ثم اقتراح عناوين مناسبة لكل فكرة يعالجها المخطوط.
وأخيرا وضع التعاليق التي تحتاج إلى الرجوع إلى المصادر والمراجع،
وغالبا ما يحتاج المحقق إلى خبرات ومهارات متعددة لكي يفك الغامض
ويجلي المحجوب. كما أن نصوص المخطوط كثيرا ما تتطلب الرجوع إلى
الخرائط الجغرافية، وكتب التاريخ والتراجم والفقه وغيرها من العلوم
والمعارف، واللجوء أحيانا إلى المساءلة الشفوية ممن يتوسم فيهم
المعرفة والخبرة في مجال حقل المخطوط.
كثيرا ما تعترض المحقق مسألة الانحرافات
اللغوية والإملائية أو الكتابة بالعامية التي لا تخضع لأي ضابط
نحوي أو صرفي، مما يُصعِّب مهمة التدقيق والفحص اللغوي. ولذلك
ألفينا الباحث سعد الله يقف أمام هذه الظاهرة متسائلا: ماذا يقرر
حيال هذه النصوص؛ أيتركها على ما هي عليه حفظا للأمانة، والتنبيه
على ما في الأسلوب من انحراف، والتدليل على الكيفية الصحيحة
لقراءته أم اللجوء إلى إعراب النص وإعادة صياغته بطريقة جزئية أو
كلية؟
وفي كل مرة كان الباحث يصل إلى نتيجة منطقية
وسليمة، وهي أنه لو قدر له ولجأ إلى تعديل النص الأصلي فسيمس نصا
لا حق له أن يتدخل فيه من الوجهة التاريخية والعلمية، وحفظا
للأمانة كان يترك النص على حالته الأصلية ويكتفي بالإشارة في
الهامش إلى ما يساعد على قراءته وفهمه حسب السياق.
والمتتبع لأعمال سعد الله في مجال التحقيق
يلاحظ أن الباحث كثيرا ما كان يدقق في هذه المسألة، بحثا عن
مصادرها، كأن يبحث عن أصل الخطأ، أهو نتيجة جهل صاحب المخطوط نفسه
بقواعد اللغة والإملاء أم هو من عمل النساخ.. وقد وصل إلى نتائج
مفيدة جدا يمكن الرجوع إليها في أعماله التحقيقية ومن بينها ظاهرة
شيوع أخطاء في رسم الكلمات، بالإضافة إلى ما كان يحدث من أخطاء
نتيجة تعدد النساخ وتداولهم على نسخ عمل واحد.
إن التركيز على هذه الظاهرة ومحاولة البحث عن
مصدرها في «تاريخ العدواني»(5). و «حكاية العشاق في الحب
والاشتياق» لمحمد بن إبراهيم(6)، وحتى «رحلة ابن حمادوش الجزائري،
المسماة: لسان المقال في النبإ عن النسب والحسب والحال» كشفت عن
شيوع ظاهرة الأسلوب المتفصح: أي الأسلوب الذي يجمع بين العامية
واللغة الفصحى، وهو شكل من أشكال الكتابة ساد في القرنين السابع
والثامن عشر في الجزائر، وتحتاج هذه الظاهرة اللغوية وحدها إلى
دراسة أكاديمية جادة.
وما يستنتج من هذا كله أن سعد الله كان يستخرج
من الاشتغال على النص ما يسميه بلغة القرن العاشر والحادي عشر
والثاني عشر الهجرية. ومن خلال مقارنة النتائج التي توصل إليها في
دراسة كل مخطوط على حدة يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:
- إن لغة العدواني مثلا
كانت بعيدة عن التأثير الخارجي سواء كان هذا التأثير عثمانيا أم
إفرنجيا، بالإضافة إلى أن تأثير اللهجات البربرية لا يكاد يظهر إلا
في توظيف بعض أسماء الأعلام. كما يستنتج من هذا العرض أن لغة
العدواني هي لغة بني هلال وبني سليم الباقية على سلامتها وصفائها
على الرغم من بعدها عن منبتها وتقادم العهد بها، وأنها لغة حبلى
بالمعاني والدلالات والرموز، ويقدم المحقق بعض النماذج للتدليل على
ما وصل إليه من حقائق. في حين أن لغة الأمير مصطفي صاحب حكاية
العشاق هي لغة متفصحة، تناسب القص الشعبي، متأثرة في مجملها
بالدخيل من مفرد عثمانية ومحلية وأفرنجية، مما أبعدها في بعض
الأحيان عن الصفاء والسلامة اللغوية الأصيلة.
بالإضافة إلى التدقيق الإملائي واللغوي، تم لفت
الانتباه إلى أخطاء في كتابة بعض الكلمات، وقد شملت هذه الظاهرة
حتى النصوص التي فصّحت، مثل (أتا) بدل (أتى)، (غدى) بدل (غدا)،
(قلت) بدل (قلة)، وحسما لهذه المسائل اللغوية والإملائية كان
المحقق يلجأ كل مرة إلى رسم جداول يحدد فيها موضع الخطأ وينبه إلى
صورته الصحيحة حتى يستقيم المعنى.
وبالإضافة إلى الجانب اللغوي والتدقيق
الإملائي، كانت تعترض المحقق عوائق أخرى، من مثل:
- وجود بعض الأوراق
المبعثرة.
- نسخ تحتوي أوراقاً
ناقصة.
- نسخ فيها أوراق
إضافية،وفي بعض الأحيان بخط مخالف.
- نسخ مبتورة البداية
وغالبا الجزء النهائي وهو الجزء الهام المتعلق بتاريخ النسخ
والناسخ ومكانه.
وللتغلب على هذه الصعاب كان المحقق يلجأ أحيانا
إلى الاستعانة بالأخبار التي تورد ذكر المخطوط المعني، أو مقارنة
النسخ بعضها ببعض إن توفرت النسخ في مخطوط واحد، أو يستعين بالنصوص
المترجمة إلى اللغات الأجنبية لملء الفراغ كما هو الشأن مثلا في
استعانته بمقال جوستان بون بالفرنسية لما يحتويه من معلومات دقيقة
تكمل ما جاء في الصفحات الناقصة في المخطوط الأصلي بالعربية من
«تاريخ العدواني».
إلا أن ما يؤاخذ عليه المحقق أحيانا هو حذفه
لبعض العبارات أو الألفاظ غير المناسبة للذوق من وجهة نظره هو،حيث
فضل الاستغناء عنها وتعويضها بنقاط بين قوسين(#0236)، ويذكر سعد
الله في صفحة 33 من تاريخ العدواني ما نصه: «وقد استعملنا هذه
الطريقة في مناسبتين فقط الأولى عند ذكر كلمة (الكلاب) والثانية
عند وصف الرافضة»(7). مع العلم أنه يذكر أن ترجمة فيرو لتاريخ
العدواني أبقت على كلمة (كلاب) كما هي على أساس أنها جزء من الاسم.
ويذكر الباحث سعد الله أنه احتار بين الإبقاء على الكلمة أو حذفها
ثم تصرف معها كما ذكرنا.
أما بخصوص حذف عبارة كاملة حول الرافضة
(الخوارج) فهو يعتقد أنها نَشاز حقا، وقدم تبريرات تاريخية وفقهية
تبرر خطأ الراوي، وتمثل وجهة نظره الخاصة، واعتبرها بذلك خروجا عن
الموضوع، لذلك لجأ إلى حذفها.والمتفق عليه علميا أن المحقق ليس من
مهامه الدفاع عن جهة معينة أو الوقوف ضد جهة أخرى، إذا كان موضوع
المخطوط يتعرض لمسائل خلافية من هذا القبيل، بل عليه أن يبقي على
أصل النسخة كما هو حفاظا على الأمانة العلمية، وينبه إلى ذلك في
الهامش. وتعليقا على هذه المسألة يقول أحد المشتغلين على المخطوط
وهو من بني يزقن: أنا مزابي ورغم ذلك لا أقر شرعية الحذف الذي لجأ
إليه الدكتور سعد الله.
الهـوامـش:
1- الدكتور أبو القاسم
سعد الله مؤرخ وأديب جزائري، يمتاز بسلاسة الأسلوب وعمق البحث ودقة
الحكم، صاحب إنتاج غزير، مثقف ملتزم وجاد في نشاطه العلمي والعملي.
ولد ببلدة قمار ولاية الوادي جنوب شرق الجزائر.
درس بجامع الزيتونة من سنة 1947 حتى 1954 واحتل المرتبة الثانية في
دفعته. بدأ يكتب في صحيفة البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين
الجزائريين سنة 1954، وكان يطلق عليه «الناقد الصغير». كما درس
بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في القاهرة، وحاز على شهادة
الماجستير في التاريخ والعلوم السياسية سنة 1962. ثم انتقل إلى
أميركا سنة 1962، حيث درس في جامعة «منيسوتا» التي حصل منها على
شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر باللغة الإنكليزية سنة
1965.
حائز على جوائز وطنية ودولية عدة، بلغ عدد
مؤلفاته في الأدب والتاريخ والفكر زهاء أربعين كتابا.
2- عبد الكريم عوفي،
التراث الجزائري#0236 المخطوط بين الأمس واليوم، آفاق الثقافة
والتراث، العددان: (20/21) أبريل 1998، ص123
3- أبو القاسم سعد
الله، أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر- القسم الأول، الشركة الوطنية
للنشر والتوزيع، الجزائر، 1981، ص. 357
**- من بين
المخطوطات التي حققها الباحث سعد الله:
- الأمير مصطفى بن
براهيم باشا، حكاية العشاق في الحب والاشتياق، 1977.
- عبد الرزاق بن حمادوش
الجزائري، رحلة بن حمادوش الجزائري، (لسان المقال)، 1983.
- شيخ الإسلام عبد
الكريم الفكون، منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية،
1987.
- محمد بن محمد عمر
العدواني، تاريخ العدواني، 1996.
- مختارات من الشعر
العربي، جمع المفتي أحمد بن عمار، دار الغرب الإسلامي، بروت، ط2،
1991.
- رسالة الغريب إلى
الحبيب، تأليف أحمد بن أبي عصيدة البجائي، دار الغرب الإسلامي،
1991.
4- عبد الرزاق بن
حمادوش الجزائري، رحلة ابن حمادوش الجزائري، المسماة: لسان المقال
في النبإ عن النسب والحال، تحقيق وتقديم وتعليق: الدكتور أبو
القاسم سعد الله، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1983،
ص.19
5- محمد بن محمد بن عمر
العدواني، تاريخ العدواني. كتاب في أخبار هجرة واستقرار بعض
القبائل العربية مع ذكر الأحوال والتقلبات السياسية والاجتماعية
لمنطقة المغرب العربي وأحوال بعض المدن والقرى، والعلاقات الروحية
بين المشرق والمغرب منذ الفتح الإسلامي، تقديم وتحقيق وتعليق: أبو
القاسم سعد الله، دار المغرب الإسلامي، بيروت، 1996.
6- محمد بن إبراهيم
(الأمير مصطفي)، حكاية العشاق في الحب والاشتياق، تحقيق الدكتور
أبو القاسم سعد الله، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر،
1976.
7-محمد بن محمد بن عمر
العدواني،تاريخ العدواني،مصدر سابق،ص.33 |