العدد

155 :

الأربعاء, نوفمبر 19, 2008 - 23:10 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

الوازع الديني مقروناً بالشعور بالظلم المحرك الاساسي لكا الاستشهاديين

انتفاضة الأقصى ادخلت «العمليات الاستشهادية» داخل الخط الأخضر

مرت القضية الفلسطينية بسلسلة من المراحل، وكانت بوصلة النضال الفلسطيني تؤشر الى اتجاه الركود بخاصة بعد معاهدة كامب ديفيد وإخراج مصر من معادلة الصراع العسكري -العربي الإسرائيلي، ما ادى عمليا الى استحالة نشوب حرب شاملة بين العرب واسرائيل. حينها تعرضت القضية الفلسطينية إلى حالة من السكون والتهميش فى ظل عدد من العوامل المساعدة اهمها انشغال الدول العربية بالحرب العراقية-الايرانية،  فجاء  غزو لبنان العام 1982 وما واكبه من خروج منظمة التحرير الفلسطينية وفصائل المقاومة من هذا البلد ليزيد من عجز فصائل المقاومة عن القيام بأي اعمال من الخارج ضد قوات الاحتلال الاسرائيلية. وتزامن ذلك مع التزايد المستمر فى التعنت الاسرائيلى الذى تمثل فى رفض الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطينى.

فى ظل تلك الاوضاع البيئية الاقليمية والدولية تفجرت انتفاضة الحجارة فى  كانون الاول -ديسمبر- 1987 اثر دهس احدى السيارات الاسرائيلية مواطناً فلسطينىاً عند حاجز ايريز قرب جباليا فى قطاع غزة، وتدريجيا ظهرت النتائج المهمة لتلك الانتفاضة، التى تمثلت فى اعادة القضية الفلسطينية الى مركز الصدارة على مستوى الاهتمام العالمي كما تحطم على ارضية الانتفاضة الوهم الاسرائيلي بالأمن فى ظل اسلحة ردع تقليدية ونووية.

وعلى رغم كل ذلك، ظلت انتفاضة شعبية فى المقام الاول كما ان فاعليتها انحصرت داخل اراضى الضفة الغربية وقطاع غزة ولم تتعداهما الى الخط الاخضر (اراضى فلسطين 48). ولكن يبقى الانجاز الاكبر للانتفاضة الاولى متمثلا فى بزوغ ظاهرة حركات المقاومة الاسلامية كـ «حماس» و«الجهاد». وفي تحول اطفال الحجارة فى الانتفاضة الأولى الى شباب المقاومة المسلحة في الانتفاضة الثانية. فكانت الانتفاضة الاولى بمثابة المعترك الاول لهؤلاء الاطفال الذين تم صقلهم عملياً في تلك الانتفاضة استعدادا للانخراط المسلح فى انتفاضة الاقصى.

انتفاضة الاقصى 2000

بعد اكثر من سبع سنوات من المفاوضات التي انتهت الى الفشل وآخرها اجتماعات كامب ديفيد بين ياسر عرفات وايهودا باراك، كانت زيارة ارييل شارون الاستفزازية الى حرم المسجد الاقصى نهاية أيلول -سبتمبر- بمثابة الشرارة التى اشعلت الانتفاضة الثانية وما تبعها من احداث درامية نشهدها حتى اليوم.

وبالرغم من ان انتفاضة الاقصى بدأت كالانتفاضة الاولى شعبية غير مسلحة الا ان الوضع سرعان ما تغير تماماً بعد مرور حوالي سنة على اندلاعها عندما تحولت الى اعمال مسلحة وبرزت ظاهرة «الاستشهاديين» كخيار استراتيجى فى النضال من اجل التحرر.

تاريخ الظاهرة عالميا

وبالرغم من ان مصطلح «العمليات الاستشهادية» هو المسمى الشائع لتلك النوعية من العمليات يظل الاسم «الاكاديمى» الذي يطلق عليها هو العمليات الانتحارية sucide missions

وتعود بدايات تلك الظاهرة إلى القرن الحادى عشر عندما اتخذت فرقة «الحشاشون» في شمال فارس النهج الانتحاري فى تنفيذ عملياتها ضد اعدائها، وعرف عن اتباع هذه الجماعة ولاؤهم الشديد لزعيمهم حسن الصباح وجرأتهم المتناهية فى تنفيذ العمليات التى يكلفون بها ما اكسبهم شهرة واسعة أقضّت مضاجع الدولة العباسية وغيرها من الممالك المستقرة فى ذلك الوقت.

ثم اختفت تلك النوعية من العمليات كنشاط منظم واقتصرت على عدد من الحالات الفردية الى ان ظهرت مرة اخرى وبشكل منهجي خلال الحرب العالمية الثانية حيث استخدمت اليابان طائرات وطياري «الكاميكاز» منذ شهر تشرين الاول  -اكتوبر- 1944 وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية ضد اسطول الحلفاء. حيث صممت طائرات الكاميكاز خصيصا لهذا الغرض حيث لا تستطيع الطائرة الهبوط بعد اقلاعها كما يحمل رأس الطائرة باكثر من طن من المتفجرات.

وبالفعل حققت تلك العمليات نجاحات باهرة إذ خسرت الولايات المتحدة نحو 5000 جندى فى معركة اوكيناوا وحدها بفعل عمليات الكاميكاز وهو اكبر عدد من الخسائر في الارواح تتكبده الولايات المتحدة فى معركة واحدة فى تاريخها. واستخدمت حركة نمور التاميل في سريلانكا النهج الانتحارى فى تنفيذ عملياتها. وتشكلت الحركة العام 1972 على يد فيلوبيلاى براباكران بهدف اقامة دولة مستقلة فى شمال سريلانكا وشرقها. ومنذ بداية عملياتها اكتسبت الحركة شهرة واسعة بخاصة بعد تشكيلها العام 1975 لوحدات كوماندوس انتحارية نجحت فى تصفية عدد من الشخصيات السياسية البارزة منهم رئيس الوزراء الهندى السابق راجيف غاندى  أيار- مايو- 1991 ورئيس سريلانكا رناسنغى بريماداسا  أيار- مايو- 3991. وخلال 15 عاماً نفذ التاميليون مئة عملية انتحارية وكانوا يضعون على اعناقهم حبالا من السيانيد كوسيلة لضمان موتهم اذا لم تنجح العملية.

واتخذ حزب العمال الكردستاني كذلك النهج الانتحاري وسيلة لتنفيذ بعض عملياته ضد الدولة التركية، فبلغ عدد العمليات الانتحارية حوالى 25 واستخدمت العمليات ضد الوجود القوات المتعددة الجنسية في لبنان ومن ثم ضد جيش الاحتلال الاسرائيلي.

وترى دراسة توثيقية ان تلك الظاهرة أخذت منحى تصاعديا بارزا فى الاعوام العشرين الماضية وسجلت على مستوى العالم اكثر من 286 عملية انتحارية ما بين العامين 1983 و2000 وذلك قبل اندلاع انتفاضة الاقصى.

والمتتبع لتلك الظاهرة تاريخيا يجد ان الوازع الديني مقرونا بالاحساس الشديد بالظلم والقهر هما المحرك الاساس لتلك الظاهرة. فقديما وعد حسن الصباح رجاله بالفردوس الاعلى وشجعهم على مقاومة مظالم الدولة العباسية فى اواخر عهدها. وحديثا اطلق اليابانيون اسم الكاميكاز «الريح الالهية» على طائراتهم الانتحارية مدفوعين بالخوف من الهزيمة والعار امام الولايات المتحدة الاميركية. ايضا كان الاحساس بالقهر الاجتماعي والثقافي هما المحرك لكل من نمور التاميل وحزب العمال الكردستاني للقيام بعملياتهم الانتحارية. فالاقلية التاميلية عانت طويلا من التمييز والقهر من الغالبية السنهالية في سريلانكا، ايضا تعرض الاكراد تاريخيا للتمييز والتفرقة العرقية داخل تركيا ما دفع هؤلاء جميعا للقيام بعملياتهم الانتحارية حيث تتضاءل اهمية الحياة الفردية فى سبيل تكبيد الطرف الآخر اكبر قدر من الخسائر.

تعريف «العملية الاستشهادية»

و«العملية الاستشهادية» كما يرى الشيخ محمد بن عبدالله السيف - مفتى المجاهدين الشيشان - هي نوع من العمليات التي يقوم بها فرد أو افراد ضد عدو اكثر منهم عددا وعدة علما انهم اقدموا على العمليات مع علمهم المسبق ان مصيرهم واحد وهو الموت وهذا ما تيقنوه او غلب على ظنهم.

واكثر اسلوب يستعمل فى عصرنا هذا لـ «العمليات الاستشهادية» هو تلغيم الجسم او السيارة او الحقيبة والدخول. بها بين تجمعات العدو او مناطقه الحيوية ومرافقه المهمة ومن ثم تفجيرها في الوقت والمكان المناسبين محدثة بذلك اكبر عدد من الضحايا او الخسائر فى صفوف العدو نظرا لعنصر المفاجأة وعمق الدخول وبطبيعة الحال فإن منفذ العملية هو اول القتلى لانه اقربهم الى المادة المتفجرة.

وهناك اسلوب آخر وهو ان يقتحم المجاهد المسلح ثكنات العدو او مناطق تجمعه ويطلق النار عليهم عن قرب (ما يحدث حاليا فى المستوطنات الاسرائيلية) علما انه دخل مسبقا في هذه العملية ولم يفكر اصلا بالخروج ولم يعد خطة للرجوع فهدفه واحد وهو ان يقتل اكبر عدد ويموت يقينا.

وهنا تشير مارتا كرنشا (مدرسة العلوم السياسية فى جامعة وسليان بولاية كونتيكت الاميركية والمتخصصة فى العمليات الانتحارية) إلى ان احدى مميزات العملية الانتحارية انها في غاية السهولة من الناحية التكنولوجية، فليست هناك حاجة لاجهزة متفجرة والانتقال سهل للغاية ووصول الشخص الانتحاري الى هدفه مرجح للغاية ويعتمد نجاح العملية فقط وعلى ثقة منفذ العمليةويقينه.

تاريخ الظاهرة فلسطينيا

يمكن القول أن المحاولة الاولى على صعيد «العمليات الاستشهادية» فلسطينيا  كانت العام 1986 من خلال ما كان يعرف بسرايا الجهاد الاسلامي. وكان من المقرر ان تقود السيارة المفخخة المجاهدة عطاف عليان غير ان العملية كشفت قبل التنفيذ، وفي 17كانون الاول-  ديسمبر-  1992 ابعدت السلطات الاسرائيلية 451 من القيادات الاسلامية في فلسطين الى مرج الزهور، في لبنان مما دعا كتائب عز الدين القسام (الجناح العسكرى لحركة حماس) للقيام بـ «عملية استشهادية» تهدى الى المبعدين فى مرج الزهور. وعلى رغم ترتيب اكثر من محاولة لم تنجح اي منها الى ان قام يحيى عياش (مهندس العمليات الاستشهادية) الذي يعد رائدا فى هذا النوع من العمليات بتجهيز سيارة مفخخة قادها ساهر حمد الله التمام وفجرها بين حافلتين عسكريتين فى مستوطنة ميحولا على بعد 15 كم من نهر الاردن في 16 نيسان- ابريل - 1993. وادى الانفجار الى قتل وجرح عشرات الجنود الاسرائيليين ويسطر ساهر التمام اسمه كأول «الاستشهاديين» الفلسطينيين.

ويرجع المحللون السياسيون سبب التحول في نمط العمليات من اطلاق الرصاص الى انتهاج العمليات الاستشهادية الى محاولة ايقاع مزيد من الخسائر في صفوف جنود الاحتلال، حيث كانت حصيلة القتلى في صفوف الجيش الاسرائيلى من خلال عمليات اطلاق الرصاص محدودة على رغم كلفتها العالية نظرا للترتيبات الامنية العالية عند الحواجز وارتداء معظم الجنود لسترات واقية من الرصاص. ثم ان منطق الاستشهاد حاصل في كل الاحوال اذ عادة ما يتم استشهاد منفذ العملية سواء اثناء قيامه بها او عند محاولته الهروب.

استهداف المدنيين

فى 25 شباط- فبراير-  1994 وعقب الاحداث المأساوية لمذبحة الحرم الابراهيمي، التى نفذها الارهابي باروخ غولدشتاين قررت حركة حماس الرد على المذبحة مع عدم استثناء المدنيين الاسرائيليين كرد على استهداف المدنيين الفلسطينيين.

وجاء الرد الاول فى العفولة بسيارة مفخخة قادها رائد زكارنه فى 16  نيسان - ابريل -1994 مما اوقع ثمانية قتلى وعشرات الجرحى. وكان الرد الثاني فى الخضيرة بحزام ناسف حمله عماد كمارنه ما اوقع خمسة قتلى والعديد من الجرحى.

اما الرد الثالث فكان فى تل ابيب 19  تشرين الاول -اكتوبر- 1994 من خلال حقيبة متفجرات حملها صالح موسى ما اوقع 22 قتيلا وعشرات الجرحى فى حين جاء الرد الرابع من خلال حركة الجهاد الاسلامي بعملية اشترك فيها كل من صلاح عبدالحميد وانور سكر ما اوقع 22 قتيلا وعددا من الجرحى.

اغتيال يحيى عياش

فى الخامس منكانون الثاني- يناير -   1996 اغتالت اسرائيل يحيى عياش احد رموز حركة حماس ما دفع الحركة للرد باربع عمليات كبيرة اثنتان منها في القدس وواحدة في عسقلان واخرى في تل ابيب كانت محصلتها جميعا 64 قتيلا وحوالى 300 جريح، الامر الذي دفع رئيس جهاز الشاباك السابق يعقوب بيري للاعتراف في كتابه«القادم لقتلك» عن فشل اسرائيل فى ايقاف ذلك النوع من العمليات ومصرحا بان تلك العمليات هي اول تهديد وجودي تواجهه الدولة العبرية منذ نشأتها وحتى ذلك التاريخ.

فترة طويلة من الهدوء

عقب ذلك دخل هذا النوع من العمليات من نهايات العام 1997 وطوال العامين 1998 و1999 لفترة طويلة من الهدوء ظن الكثيرون خلالها ان تلك الظاهرة اصبح مصيرها النسيان وبصورة نهائية وكنتيجة مباشرة لتفعيل اتفاقية اوسلو وامتدادها لتشمل قطاعات كبيرة من الضفة الغربية وقطاع غزة وبالتزامن ذلك مع التعاون الامني بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية.

ومع الوعد باقامة دولة مستقلة وانحياز حركة «فتح» كبرى فصائل حركات المقاومة الفلسطينية لخيار المفاوضات دخلت تلك الظاهرة دائرة الانحسار وظلت كذلك الى ان اندلعت انتفاضة الاقصى في ايلول- سبتمبر -  2000 لتشهد طورا جديدا ومختلفا يعد من اهم اطوارها الى الآن.

وعلى الرغم من البدايات العفوية ذات الطابع الجماهيرى والشعبى للانتفاضة وذلك عقب تدنيس شارون لساحة المسجد الاقصى الا انه سرعان ما تحولت تلك الهبة الشعبية الى حركة تستعمل المقاومة المسلحة كخيار للنضال من اجل التحرر ولتظهر من جديد «العمليات الاستشهادية» وتتحول تلك العمليات من مجرد حالات منعزلة تظهر على فترات متقطعة الى عمليات متوالية لها صفة الاستمرار ما كاد يجعل منها ابرازا لاستراتيجية فلسطينية للمقاومة.

 





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع