ندوة مونتريال: الشرق
الاوسط الكبير والعالم العربي
علي حويلي - مونتريال
استضاف المنتدى الثقافي في مركز الامام الخوئي في
مونتريال بالتعاون مع مجلة النور، الدكتور سامي عون، استاذ في جامعة
شربروك وباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، في ندوة عنوانها:
الشرق الاوسط الكبير والعالم العربي، حضرها جمهور من المثقفين
والاعلاميين من ابناء الجاليات العربية . وقدم للندوة الدكتور علي
حويلي بكلمة عن مفهوم الشرق الاوسط كمصطلح جيوبوليتيكي كان تارخيا عرضة
للتقلص والتمدد تبعا لمصالح الدول الاجنبية واستراتيجياتها في المنطقة
.
انطلق المحاضر من قول للامام علي بن ابي طالب:
«داؤك فيك ولا تشعر ودواؤك فيك ولا تبصر» بمعنى ان الداء والدواء يكمن
داخل العالم العربي . فمن تجربة محمد علي باشا الى عصر النهضة الى
العهود الاستقلالية المتعاقبة لم يقدر للعرب ان يطردوا الهجمة الخارجية
ولا ان يرتقوا الى مشروع سياسي قومي على نسق فكري ديمقراطي ولا ان
يفلحوا باقتباس نمط حداثوي مميز ، وانما كانوا ينتقلون من مأزق الى آخر
والنتيجة على الدوام اجهاض المحاولات الرامية الى التغيير والنهوض
والتحديث والحفاظ على النهج المتخلف ومزيداً من القمع، وعجز متواصل عن
استيلاد انظمة ديمقراطية، ما خلا نماذج ضعيفة.
تكريس التقسيم
يعتبر عون ان معاهدة سايكس بيكو العام 1916 اسست
لجرح بليغ في العالم العربي واضحت ديناميكية التقسيم طاغية على منطق
الوحدة وبات ما هو مصطنع امرا واقعا ولم يواجه الا بطروحات طوباوية
وعسكريتارية (اخفاق جميع التجارب الوحدوية التي قامت في اواخر
الخمسينيات وما بعدها في القرن الماضي). فالتعامل مع القضية الفلسطينية
وهي لب الصراع العربي _ الاسرائيلي والرد القومي على فكرة التجزئة ،
كان ينطلق من منطق غلبة التحرير على التحرر بمعنى ان ياتي التحرير اولا
ومن ثم التحرر الداخلي وشعارات تلك المرحلة ما زالت ماثلة في الاذهان
حتى اليوم ( لا صوت يعلو صوت المعركة _ دعم المجهود العسكري )
والنتيجة ان العرب لم يحصلوا لا على التحرير ولا على الحرية كما كانوا
يحلمون وكانت المأساة مزدوجة .
11 ايلول وتداعياته
لم يكن 11 ايلول - سبتمبر - بحد ذاته مؤسسا لنمط
جديد من العلاقات الدولية او لعلاقات الغرب بالعرب عموما واميركا على
وجه الخصوص، ولكنه كان المسرع للمجابهة من حيث بشاعة العنف والارهاب
الناجمين عنه ما دفع اميركا لان تظهر كامبراطوريةامبريالية سارعت على
تأكيد حقها بالوجود كقوة آحادية الجانب تستند الى ارجحية قيم وفكر
توسعي عالمي. واخطر ما في 11 ايلول انه جعل العرب في الشرق الاوسط
وخارجه وفي كل مكان في موقع الادانة. واصبحت المنطقة العربية منطقة
الاستثناء الديمقراطي في العالم اي عصية على التطويع الديمقراطي، وما
يستتبع ذلك من حرية السوق وتحرير التجارة واقتصاد المعرفة وغيرها من
مصطلحات العولمة في هذا العصر . بكلام آخرانتقل العرب من كنف رجل مريض
الى كنف رجل مريض آخر.
ومن تداعيات ايلول ايضا ، التوتر بين حلفاء الامس
اي بين اميركا وحلفائها الاسلاميين المحافظين وفي طليعتهم المملكة
العربية السعودية . قبل ايلول كانت الاستراتيجية الاميركية تراهن على
الاسلام المحافظ الذي تزعمته السعودية وامدته بالعون المادي والمعنوي
والثقافي والروحي والديني في مناطق مختلفة من العالم علماً ان التحالف
التقليدي بين السعودية واميركا كان من اقدم التحالفات الاستراتيجية
التي شهدتها المنطقة العربية بما فيها تحالف اسرائيل مع اميركا. وبعد
ايلول تعرضت السعودية لاعنف حملة اعلامية تشهيرية وصلت الى حد التجريح
بالكرامات والمقدسات الدينية وركزت على اختزال العالم العربي وتماهيه
مع النموذج الذي تجسده طروحات بن لادن .
من النفط الى النفط
لم تقتصر تداعيات ايلول على المنطقة العربية وحسب،
وانما وصلت الى منابع النفط في بحر قزوين وربطها بمنابع النفط في
الخليج واخضاع الدول المتاخمة للذهب الاسود للهيمنة الاميركية او
للتحكم بمواردها النفطية. وتبعا لهذا المنطق التوسعي الاستراتيجي اصبحت
الصين في حالة حصار تحول دون تمددها خارج اراضيها والامر نفسه مع روسيا
الاتحادية التي وان مازالت تحتفط بمقدار من القوة الحضارية، الا ان
اميركا عازمة على تضييق مجالها الحيوي . اما اوروبا، فتعتقد الولايات
المتحدة انها تقزمت سياسياً وان القيم التاريخية التي كانت سائدة في
القارة الاوروبية لم تعد تعني لها وللعالم العربي والاسلامي شيئا يذكر
.
اليمين الثوري
تقوم الادارة الاميركية الواقعة تحت سيطرة اليمين
الجديد او ما يعرف ب «اليمين الثوري» بفرض هيمنة شبه مطلقة على بلدان
الشرق الاوسط الكبير من افغانستان الى المغرب الى سوريا مروا باسرائيل
وتركيا وايران بمعنى ان تكون اميركا هي اللاعب الوحيد في هذه المنطقة
لتطويع الانظمة المعاكسة لتوجهات واشنطن واسقاط الحدود الجغرافية فيما
بينها تمهيدا لربطها في عولمة سياسية واقتصادية وثقافية غير عصية على
اي تحديث اوتغيير. وتعتقد اميركا ان التيارالبن لادني في هذه الدول ما
زال الوحيد الذي يتحرك رغم ترويض العديد من الدول الاسلامية والعربية
سواء بالترهيب اوالترغيب .
ردود الفعل العربية
يتساءل سامي عون لماذا لم يات الاصلاح من الداخل
العربي ؟ ولم لم تدفع الانظمة العربية شعوبها باتجاه الديمقراطية وتقطع
الطريق على اميركا او غيرها من فرض الاصلاح بالقوة ؟ ويرى ان جل ما صدر
من رد فعل يمكن ان يوصف بانه خائف مذعور ومعظمه صادر عن انظمة اعتادت
التوريث السياسي والقهرلشعوبها والتنكيل بالدعاة الحقيقيين للاصلاح
والتغيير والديمقراطية .
اما التيارالعربي القومي فانه ما زال ضعيفا ولا
يتمتع برؤية سياسية وفكرية تقدمية ويخشى النقد الموضوعي سواء نقده
لذاته او لادائه. ويتمسك بخطاب ديماغوجي لم يؤد الا الى انتاج انظمة
منغلقة على نفسها سقطت عند اول اختبار حقيقي في مواجهتها لاميركا وكان
العراق في ذلك المثل والمثال والوعد والوعيد. والمتهافتون على نجاة
انفسهم وانظمتهم يقفون على عتبات البيت الابيض بانتظار تقديم الولاء
والطاعة .
ويتوقف عون عند العراق ليشير الى ان تشكيله
السياسي سيحدد معالم المنطقة باتجاه منعطف واعد لعروبة تعددية حضارية،
عروبة منفتحة تتماهى مع النسيج الاجتماعي والثقافي والديني، منوها
باعتماد الاسلام مصدرا للتشريع مفتوحا على الحداثة كرد عملي على خطورة
الطروحات العلمانية، التي تفرض قهرا على غرار النموذج التركي المحروس
بالعسكر.
باختصار يعتبر عون ان الرد على مشروع الشرق الاوسط
الكبير ينبغي ان يتحدد ضمن اطر سياسية تقدمية تنطلق من ارجحية تحكيم
العقل العربي على ما سواه، وعدم الوقوع في استيلاد «اصولية باصولية»
اخرى او نظام دكتاتوري بآخر، واطلاق حوار عقلاني هاديء هادف، وايجاد
فسحة من الديمقراطية تكفل ان يستظل بفيئها الجميع مهما تنوعت اراؤهم
ومعتقداتهم ومذاهبهم. ولا ضير اذا ما تلاقت هذه الدعوات مع اميركا او
غيرها طالما انها حاجة وطنية وقومية نابعة من الوجدان العربي، وتعبر عن
طموحات العرب في الوحدة والتحرر والتقدم وارساء الديمقراطية بما تعنيه
من تداول سلمي للسلطة وحرية الرأي . فالنخب العربية والاسلامية مدعوة
الى تدعيم «التجسير» الحضاري بديلا عن «الصدام» الحضاري . والرد على
مشاريع الهيمنة الخارجية يكون عبر التخلي عن سياسة تعليق المشروع
الاصلاحي الديمقراطي والتسويف في تطبيقه . ومن الناحية الدينية
والثقافية لا بد من اعلاء شأن الضرورات في الاجتهاد عوض التشبث بمنطق
السلفية التكفيرية . وفي الثقافة السياسية لا بد من اعلاء شأن الحرية
الفردية والجماعية في عملية اعادة تشكيل الانظمة العربية .
المناقشة والمداخلات
تمحورت النقاشات والمداخلات حول عدد من النقاط
وانتهت الى ابراز الطروحات التالية :
- ان الاسلام السياسي المعتدل وتداول السلطة سلميا
وديمقراطيا واطلاق الحريات العامة وصون مؤسسات المجتمع المدني وتفعيلها
وقيام مجتمع المعرفة، هي من العناوين الكبرى لاية عملية اصلاحية من
شانها ان تقطع الطريق على فرض التغيير بالقوة من الخارج وان تلغي مبرر
اللجوء اليه .
- التوجه الى اصلاح البيت العربي من الداخل واعتبار
العرب هم المسؤولون عن تخلفهم وليست اميركا او غيرها وهذا ما يحتم
التخلي نهائيا عن نظرية المؤامرة لان محاسبة الذات اجدى .
- خلو مشروع الشرق الاوسط الكبير من اية اشارة الى
القضية الفلسطينية علما انها محور الصراع العربي الاسرايلي وبؤرة
التفجر التي تهدد الامن الاقليمي والدولي.
- ان المشاريع الاصلاحية المقدمة من بعض الانظمة
العربية الى مؤتمر القمة على تعددها وتناقضها لا ترتقي الى مواجهة
المشروع الاميركي ولا تشكل بديلا عنه مقبولا من الشعوب.
- غياب النموذج العربي الديمقراطي او الدولة
الرافعة كمقياس للتحرك الجماعي .
- للعرب دور مهم يمكن ان يقوموا به من خلال موقعهم
في وسط العالم، والجميع بحاجة الى ما فيه ومن فيه من موارد وطاقات.وعلى
العرب التعامل مع الغرب او اميركا من منظور براغماتي يوازي بين المنافع
والخسائر .
- ينطوي مشروع الشرق الاوسط الكبيرعلى مبادرة جديدة
تهدف الى ربط العرب والمسلمين بدائرة الاحلاف الاجنبية وتقويض مفهوم
الوحدة العربية والغاء الجامعة العربية او توسيعها بحيث تصبح منظمة
اقليمية شعبوية شرق اوسطية لا فرق فيها بين عربي وتركي واسرائيلي
وايراني وافغانستاني وغيرهم من اعضاء الشرق الاوسط العتيد.
|