|
ضوابط الاجتهادوشروط
المجتهد
الاستاذ الدكتور فاضل الحسيني الميلاني
عميد كلية الشريعة
الجامعة العالمية للعلوم الاسلامية ـ لندن
عانى المسلمون طويلا من إحجام كثير من
المؤهلين للاجتهاد عن القيام به بسبب الدعوى التي نادت بأن (باب
الاجتهاد مغلق). والصحيح أن هذه الدعوى فاسدة من أصلها، فإن القائلين
بها إن كانوا مقلدين فلا عبرة بقولهم، وإن كانوا مجتهدين فمجرد وجودهم
يكذّبها ويسقطها. ومهما كانت الاسباب التي دعت الى المناداة بإغلاق باب
الاجتهاد، فإننا لا نستطيع التسليم بصحة هذا الزعم ولا باستمرار أثره،
وإلا حكمنا على فقهنا بالعجز عن الوفاء بحاجات الخلق. ولا يخفى ما في
ذلك من تبعات وآثار غير مقبولة.
من جهة اخرى فان إبقاء باب الاجتهاد مفتوحا لا يعني
أن يُترك لكل انسان أن يقول في الدين ما شاء، كيف شاء. بل إن العلم
الديني تخصص - شديد الدقة والعمق - لا يحل لأحد أن يقول فيه إلا إذا
كان مؤهلا لذلك تأهيلا يقبله العلماء المتمرسون. والفارق بين التأهيل
للقول في العلم الديني، وبين التأهيل للقول في التخصصات الاخرى هو
ضرورة شهادة العلماء لمن يتصدى للقول في الدين بأنه يصلح لذلك. فلا
تكفي هنا الشهادة الجامعية، مهما علت، ولا الدرجة الوظيفية، مهما تكن
رفيعة، فكم من أصحاب هذين، او احدهما، لو عُرض على قاضٍ عادل لردّ
شهادته وأسقط عدالته. وكم منهم لا بصر له بالادلة وترتيبها وكيفية
فهمها فضلا عن القدرة على الاستنباط منها.
وهنا استشهد بكلام للدكتور حسن الترابي يقول فيه:
( ففي الساحة مواقف جانحة
توشك ان تضل بالفكرة في غمرة من هذا الغموض المنهجي، فمن المنتسبين الى
الفكر الاسلامي _ والله أعلم بالنيات _ أناس غلوا بكلمات منها (المقاصد
فوق النصوص) و (روح الدين لا حروفه) و (الأولويات الناسخة) وانتهوا الى
تعطيل القطعيات من الاحكام. ومن المنتسبين الى المسلمين أناس اتّخذوا
الدين شِرعة وتاريخاً محض تراث، يلتمسون فيه العناصر (الايجابية) التي
توافق أهواء النهضة كما تلوح لهم ويطرحون (السلبيات)... لذا يلزم تأسيس
المبادرات الاجتهادية جميعاً على منهج معلوم صريح... وتمحيص الزيف،
وعزل خواطر الهوى المعربد والشهوة المطلقة) (1)
والخلاصة: ان الاجتهاد الذي ندعو اليه، هو اجتهاد
العلماء القادرين على استنباط الحكم من مصادره، الذي يسير على مناهج
الاستدلال والبحث التي قبلها المسلمون على امتداد تاريخهم، لا الاجتهاد
الذي يتحلل صاحبه من كل قيد، ويرفض كل قديم، ويتبع هوى نفسه، او مصالح
قريبة زائلة له او لمن يسترضيهم بما يقول. فذلك ليس من الاجتهاد في
شيء، وفاعله مأزور لا أجر له.
وقد رأينا من هؤلاء من يحتل أعلى المناصب الرسمية
والناس لا يأبهون لقوله ولا يتعلقون بفعله، بل يهملونه عامدين ويأخذون
عن الذين يظنون أنهم يتقون الله في القول والعمل ويراقبونه في السر
والعلن. وليس المجتهد معصوما من الخطأ، فإن العصمة ليست في الاسلام إلا
لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والعترة الطاهرة من الائمة عليهم
السلام.
متى بدأ الاجتهاد؟
لاشك في أن الاجتهاد بالمعنى المصطلح عندنا لم يكن
موجوداً في عصر النبي (ص) وانما حدث هذا الاصطلاح بعد ذلك. كانت النصوص
الخاصة هي التي تعالج كل ما يستجد في حياة المسلمين، وكذلك القواعد
العامة في التشريع. وربما كان يحتاج بعض الصحابة الذين كان رسول الله
(ص) يبعث بهم الى القبائل الى شيء يسير من الدقة في تطبيق الكلي على
مصاديقه. ولا أتصوّر أن التعامل مع المخصصات أو المقيّدات للعمومات
والمطلقات كان منهجاً معروفاً ومقنّنا في ذهنية هؤلاء الصحابة، إذ
لانجد أثراً لذلك في سلوكهم ومواقفهم من الأحداث.
نعم، روى أحمد بن حنبل، وأبو داود، والترمذي، حديث
الحارث بن عمرو بن اخي المغيرة بن شعبة، قال: حدثنا ناس من أصحاب معاذ
عن معاذ، قال: لما بعثه (ص) الى اليمن قال له:
(كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟
قال: أقضي بكتاب الله؟!
قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟
قال: فبسنة رسول الله.
قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله، ولا في كتاب
الله؟
قال: أجتهد رأيي ولا آلو.
قال: فضرب رسول الله (ص) صدره وقال: الحمد لله الذي
وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله).
فظاهر هذا الحديث أن رسول الله (ص) أقرّ الاجتهاد
بالرأي لمعاذ بعد اعواز النصوص. لكن لنا وقفة في سند هذا الحديث.
فقد نصّ علماء الجرح والتعديل على أن الحارث بن
عمرو مجهول، مضافاً الى أنه أغفل ذكر من اخذ عنهم الحديث من أصحاب
معاذ. (قال في عون المعبود: وهذا الحديث أورده الجوزقاني في الموضوعات،
وقال: هذا حديث باطل رواه جماعة عن شعبة، وقد تصفحت هذا الحديث في
أسانيد الكبار والصغار، وسألت من لقيته من أهل العلم بالنقل عنه، فلم
أجد له طريقاً غير هذا، والحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة مجهول،
وأصحاب معاذ من أهل حمص لا يُعرفون، ومثل هذا الاسناد لا يعتمد عليه في
الشريعة.
فإن قيل: إن الفقهاء قاطبة أوردوه واعتمدوا عليه،
قيل: هذا طريقه. والخلف قلّد فيه السلف. فإن أظهروا طريقاً غير هذا مما
يثبت عند أهل النقل رجعنا الى قولهم، وهذا مما لا يمكنهم البتة) (2)
والذي أطمئن اليه _ بعد هذه المناقشة _ أن استخدام
الاجتهاد كمصطلح لم يكن معروفاً في زمن الرسول (ص) وانما حصل في فترة
لاحقة، فليكن في عصر الصحابة. أما لو قصد بالاجتهاد الفهم المعين من
النص فليس من الاجتهاد المصطلح.
وإذا رجعنا الى الوقائع
التاريخية التي حدثت في عهد الصحابة وكان لهم فيها اجتهاد سنجد أن
اجتهادهم كان على نوعين:
أ - اجتهاد الرأي: وهو أن يتعرف الصحابي المصلحة في
الفعل او المفسدة فيفتي وفق ما يرى.
ب - اجتهاد النص: وهو أن يرجع الصحابي الى النص
الشرعي ويتفهم معناه ويفتي وفق ما يفهم.
ولنشر بإجمال الى نماذج من هذين:
الاجتهاد في فهم النص
يقول الدكتور عمر سليمان الاشقر في كتابه (تاريخ
الفقه الاسلامي)، وهو في معرض حديثه عن اجتهاد الصحابة: (واجتهدوا في
فهم النص، فقد أمرهم الرسول (ص) بالتوجه الى بني قريظة بعد معركة
الخندق، وقال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في
بني قريظة ، فلما كانوا في الطريق حضر وقت العصر.
فقال بعضهم: يجب أن نصليها في وقتها، لأن الذي
أراده منا الرسول (ص) سرعة النهوض الى بني قريظة، ولم يرد منا تأخير
الصلاة.
وقال فريق آخر: لا نصليها إلا عندما نصل الى بني
قريظة، لأن الرسول (ص) أمرنا بذلك.
ففريق نظر الى المعنى، وفريق نظر الى اللفظ، ولم
يخطّئ الرسول (ص) واحدا من الفريقين).
اجتهاد الرأي
ذكر أبو الفتح الشهرستاني في كتابه (الملل
والنحل)(3) واقعتين من الوقائع التي كان للصحابة فيها رأي خاص حيث لم
يلتزموا بالنص، قال: (وأما الاختلافات الواقعة في حال مرضه (ص) - وبعد
وفاته - بين الصحابة (رض) فهي اختلافات اجتهادية كما قيل، كان غرضهم
منها إقامة مراسم الشرع وإدامة مناهج الدين.
فأول تنازع وقع في مرضه (ص) فيما رواه الإمام ابو
عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري بإسناده عن عبد الله بن عباس (رض)
قال: لما اشتد بالنبي (ص) مرضه الذي مات فيه، قال: ائتوني بدواة وقرطاس
أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعدي.
فقال عمر: إن رسول الله (ص) قد غلبه الوجع، حسبنا
كتاب الله، وكثر اللغط، فقال النبي (ص): قوموا عني، لا ينبغي عندي
التنازع.
قال ابن عباس: الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين
كتاب رسول الله).
والاجتهاد في هذه المسألة كان من عمر، وتبعه نفر من
الحاضرين، وذلك أن عمر قدّر أن المصلحة أن لا يكتب الكتاب ويكتفى
بالقرآن.
وهذا - كما هو واضح - اجتهاد رأي يقوم على تقدير
المصلحة وفق ما يراه المجتهد شخصيا، ولكنه - كما هو واضح ايضا - اجتهاد
في مقابلة النص الصادر من النبي (ص) بالامر بإتيانه الدواة والقرطاس
ليكتب لهم الكتاب الذي يعصمهم من الضلال.
وقال الشهرستاني في (ص33): (والخلاف الثاني في مرضه
أنه قال: جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه.
فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأسامة قد برز من
المدينة.
وقال قوم: قد اشتد مرض النبي (ص) فلا تسع قلوبنا
مفارقته، والحالة هذه، فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره)
.
والقصة يوضحها ابن أبي الحديد على النحو الآتي:
(لما مرض رسول الله (ص) مرض الموت دعا اسامة بن زيد بن حارثة فقال: سر
الى مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك على هذا الجيش، وإن أظفرك الله
بالعدو فأقلل اللبث، وبث العيون، وقدم الطلائع
.
فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والانصار إلا كان في
ذلك الجيش، منهم: أبو بكر وعمر.
فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على جلّة
المهاجرين والانصار.
فغضب رسول الله (ص) لما سمع ذلك، وخرج عاصبا رأسه،
فصعد المنبر، وعليه قطيفة، فقال: أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم
في تأميري اسامة، لئن طعنتم في تأميري اسامة فقد طعنتم في تأميري أباه
من قبله، وأيم الله إن كان لخليقا بالإمارة، وابنه من بعدُ لخليق بها،
وإنهما لمن أحب الناس اليّ، فاستوصوا به خيرا، فإنه من خياركم
.
ثم نزل ودخل بيته، وجاء المسلمون يودعون رسول الله
(ص) ويمضون الى عسكر اسامة بالجرف)(4).
صحابيان يمثلان مدرستين
يقول الدكتور محمد رواس قلعه جي في مقدمته لكتابه
(موسوعة فقه ابراهيم النخعي 1/127): (إن الاستاذ الاول لمدرسة الرأي هو
عمر بن الخطاب، لأنه واجه من الامور المحتاجة الى التشريع ما لم يواجهه
خليفة قبله ولا بعده، فهو الذي على يديه فتحت الفتوح ومصرت الامصار،
وخضعت الامم المتدينة من فارس والروم لحكم الإسلام)
.
ومن الوثائق التي تشير الى تأكيد عمر بن الخطاب على
منهج الرأي: قول عمر لشريح لما ولاه قضاء الكوفة: انظر ما يتبين لك في
كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا، وما لم يتبين لك فاتبع فيه سنة رسول الله
(ص)، وما لم يتبين لك في السنة فاجتهد فيه برأيك) (5).
وكذلك كتاب عمر الى أبي موسى الاشعري: الفهم، الفهم
فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، اعرف الاشباه والامثال،
وقس الامور عند ذلك) (6).
في مقابل ذلك نجد تأكيد علي بن أبي طالب على منهج
النص، في قوله: (...وأنزل عليكم الكتاب تبيانا لكل شيء، وعمّر فيكم
نبيه أزمانا، حتى أكمل له ولكم فيما أنزل من كتابه دينه الذي رضي
لنفسه، وأنهى اليكم على لسانه محابه من الاعمال ومكارهه، ونواهيه
وأوامره، وألقى اليكم المعذرة، واتخذ عليكم الحجة، وقدم اليكم بالوعيد،
وأنذركم بين يدي عذاب شديد) (7).
اختلاف الاجتهادات في العصر الاول
يروي الشريف الرضي في (نهج البلاغة) أن رجلا سأل
الامام علي بن أبي طالب عليه السلام عما في أيدي الناس من اختلاف الخبر
فأجابه الامام قائلا:
(إن في أيدي الناس حقا
وباطلا، وصدقا وكذبا، وناسخاً ومنسوخاً، وعاما وخاصا، ومحكما ومتشابها،
وحفظا ووهما . ولقد كُذب علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على
عهده حتى قام خطيبا فقال: من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس:
1 - رجل منافق مُظهر
للايمان، متصنّع بالاسلام، لا يتأثم ولا يتحرّج، يكذب على رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) متعمداً، فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم
يقبلوا منه، ولم يصدّقوا قوله، ولكنهم قالوا: صاحب رسول الله (ص) رآه
وسمع منه، ولَقِف عنه...
2 - ورجلٌ سمع من رسول الله
شيئاً لم يحفظه على وجهه، فَوَهِمَ فيه، ولم يتعمّد كذباً، فهو في
يديه، يرويه ويعمل به، ويقول: أنا سمعته من رسول الله، فلو علم
المسلمون أنه وَهِم فيه لم يقبلوه منه، ولو علم هو أنه كذلك لرفضه!
3 - ورجل ثالث سمع من رسول
الله شيئاً يأمر به، ثم انه نهى عنه، وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن
شيء، ثم أقر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ، ولم يحفظ الناسخ. فلو علم
أنه منسوخ لرفضه. ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه.
4 - وآخر رابع، لم يكذب على
الله، ولا على رسوله، مُبغضٌ للكذب خوفاً من الله، وتعظيماً لرسول
الله، ولم يَهِمْ، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به على ما سمعه، لم
يزد فيه ولم ينقص منه، فهو حفظ الناسخ فعمل به، وحفظ المنسوخ فجنّب
عنه، وعرف الخاص والعام، والمحكم والمتشابه، فوضع كل شيء موضعه).(8)
بهذا التحليل الدقيق يقسّم الامام حالات الناس،
ومناشئ اختلافهم في الحديث، وهم بعدُ في الصدر الأول من العصر الاسلامي.
جسامة مهمة الافتاء
أكدت آيات كثيرة على أهمية الإفتاء حتى نسبته الى
الباري جل وعلا تارة، والى الانبياء تارة اخرى، فمن الاول قوله تعالى
(يستفتونك، قل الله يُفتيكم في الكلالة...) (9) وقوله تعالى (ويستنبؤنك
أحق هو؟ قل: اي وربي انه لحق) (10).
ومن الثاني قوله عز من قائل: (يوسف ايها الصديق،
أفتِنا في سبع بقرات سمان...)(11).
أما في مجال التحذير من الفتوى بغير علم فتكفينا
الآيات الآتية، هي:
1 - قوله تعالى: (ولا
تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب: هذا حلال، وهذا حرام لتفتروا على الله
الكذب) (12).
2 - قوله عز من قائل (...
وان تقولوا على الله ما لا تعلمون) (13).
3 - قوله تعالى: (قل ارأيتم
ما انزل الله لكم من رزقٍ فجعلتم منه حراما وحلالا، قل: آللّه اذن لكم
أم على الله تفترون؟) (14) وهذه الآية صريحة في أن بيان اي حكم شرعي
على انه حلال او حرام يكون من مصاديق الافتراء على الله ان لم يكن
مستندا الى اذن من الله او حجة شرعية قطعية!
4 - واذا كان الباري جل
وعلا يهدد اكرم خلقه وهو الرسول محمد بن عبد الله (ص) بالآثار الوخيمة
المترتبة على التقول على الله، فما شأنك بسائر العباد؟ قال سبحانه (ولو
تقول علينا بعض الاقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين)
(15).
وأما الاحاديث الدالة على ذلك فهي كثيرة، نقتصر على
بعضها:
1 - قال رسول الله (ص): (ان
الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض
العلماء، حتى اذا لم ُيبقِ عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا
بغير علم، فضلوا وأضلوا )(16).
2 - وقال (ص): (اجرأكم على
الفتوى أجرأكم على النار) (17).
3 - وقال البراء: (لقد رأيت
ثلاثمائة من اهل بدر ما فيهم من أحد الا وهو يحب أن يكفيه صاحبه
الفتيا) (18).
4 - وعن عطاء بن السائب
التابعي: (ادركت أقواما يُسأل أحدهم عن الشيء وانه ليرعد) (19)
5 - وعن القاسم بن محمد بن
ابي بكر - أحد فقهاء المدينة المتفق على علمه وفقهه - انه سئل عن شيء،
فقال: لا أحسنه.
فقال السائل: إني جئت اليك لا أعرف غيرك.
فقال القاسم: لا تنظر الى طول لحيتي وكثرة الناس
حولي، والله ما أحسنه.
فقال شيخ من قريش جالس الى جنبه: يا ابن أخي
إلزمها، فوالله ما رأيتك في مجلس أنبه منك مثل اليوم.
فقال القاسم: والله لأن يُقطع لساني أحب الي أن
اتكلم بما لا علم لي به) (20).
هكذا تتجلى جسامة الإفتاء وعظم المسؤولية وها هي
الآيات والاحاديث تبين خطورة الموقع، لكن ما يؤسف له أن تهاون بعض
دارسي العلم في مسألة الاجتهاد في الازمنة الاخيرة، وتصوروا أن اجتياز
الامتحان في احدى كليات الشريعة، او الاستماع الى بضع محاضرات في الفقه
يكفي لان يكون الشخص مؤهلا لاستنباط الاحكام، وصاحب نظرة فقهية صائبة.
ان ما يحز في النفوس هو أن هؤلاء، مدعين التجديد في الفقه، يسمحون
لأنفسهم اقتحام أدق المجالات الفقهية فيحللون ويحرمون بغير علم ولا هدى
ولا كتاب منير. ويكفي في سطحية هؤلاء أنهم لا يحسنون قراءة نص عربي،
وليس لهم إحاطة بأقوال الفقهاء، وتغيب عنهم أبسط قواعد الاجتهاد.
وتنطلق فتاوى التكفير من كل زاوية، ويدعي كل من هب
ودب الاختصاص في الشريعة، ولكم ان تعرفوا فداحة ما يجري.
لذا فان الواجب على علماء كل عصر، وكل بلد، أن
يمارس المؤهلون منهم هذا الاجتهاد، ويعلموا الناس ممارسته حتى لا ينقطع
العلم الشرعي، ولا يتوقف ميلاد العلماء الذين يستطيعون بيانه للناس
وتبليغهم إياه. وهذا هو مقتضى الميثاق الذي أخذه الله على العلماء:
(وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه)
(21)، وإذا كان بعض أولئك قد أضاعه كما تنبئنا الآية نفسها فنبذوه وراء
ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ، فإن ورثة الانبياء من
علماء هذه الامة محفوظون - بحفظ الله لكتابه ودينه - من هذه الخطيئة،
وعلى عواتقهم تقع المسؤولية في الدفاع عن الدين الحنيف وقيمه ومبادئه
السمحة.
محدودية النصوص
من المشاكل الفكرية التي تثار حول معالجة الشريعة
الاسلامية لكل جوانب الحياة: أن النصوص الشرعية محدودة وحاجات الانسان
الفردية والاجتماعية لا حدود لها، بل هي في اتساع مستمر، فكيف يمكن
التوفيق بينهما؟
والجواب عن ذلك: يلجأ الفقيه الى استخدام قواعد
عامة تسمى بـ (القواعد الفقهية)، تضمّنتها كتب عديدة، منها ما كتبه آية
الله الميرزا حسن البجنوردي في 7 مجلدات عن هذه القواعد ومجالات
استخدامها، كما كتب قبله الفقيه السيد محمد بحر العلوم (قدس سره) كتابه
القيّم (بلغة الفقيه)، وذكر شطراً من هذه القواعد الكلية الدكتور عبد
الكريم زيدان في (المدخل لدراسة الشريعة الاسلامية).
من هذه القواعد: (كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنه
نجس) و (اليقين لا يُنقض بالشك) و (لاضرر ولا ضرار في الاسلام) و (ما
من شيء حرّمه الله إلا وأحلّه لمن اضطر) و (كل مسكر حرام) و (اليد
أمارة الملكية).
هذه القواعد تساعد الفقيه في استكشاف الحكم الشرعي
حين تعرض عليه مسألة جديدة، لكن اذا لم تفِ القواعد الكلية بالغرض،
فهناك الطرق البديلة المأخوذة أساساً من نصوص شرعية تقرر قواعد عملية،
أو تستند الى قواعد عقلية محضة مثل (قاعدة قبح العقاب بلا بيان) التي
تعتبر أساساً لأصالة الاباحة أو البراءة العقلية حيث ينعدم النص.
وهناك من يحاول إقحام الموضوعات المستجدة ضمن بعض
القواعد العامة في الفقه من دون خبرة فقهية صالحة كالذي تمّ أيام
الرئيس جمال عبد الناصر في تبرير الاشتراكية وانتزاع الملكية الفردية
من أصحاب رؤوس الأموال الضخمة في مصر بحجة أنهم سفهاء، والسفيه لابد أن
يحجر عليه من قبل المحكمة الشرعية!!
فلسفة التشريع
وهناك موضوع آخر لاتقل أهميته عن مسألة وفاء النصوص
المحدودة بالحاجات المستجدة غير المحدودة، وهو أنه هل يمكن للبشر إدراك
المصالح والمفاسد الواقعية التي تبنى عليها الأحكام الشرعية؟
توجد ثلاث اجابات عن هذا السؤال:
1- ذهب بعض الفقهاء الى
الافراط في فسح المجال للفكر الانساني في معرفة علل الاحكام الشرعية،
والتعرف على مقاصد الشريعة، واعطى بعضهم أهمية فائقة لهذا الاتجاه حتى
أسماه بـ (علم المقاصد) الذي يدرس أهداف الشريعة وغاياتها العامة.
ولدى التتبع نجد ان إمام الحرمين الجويني المتوفى
سنة 478 هجرية أول من طرق هذا الباب في كتابه (البرهان) الذي استفاد
منه أبو حامد الغزالي في أول كتاب أصولي له وهو (المنخول) كثيراً حتى
أن البعض يعتبر الثاني خلاصة أمينة للأول. ولإمام الحرمين عبارة شهيرة
في سياق رده على الكعبي المعتزلي الذي اشتهر بانكار المباح في الشريعة
يقول فيها: (ومن لم يتفطن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس على
بصيرة في وضع الشريعة).
ثم جاء الغزالي المتوفى سنة 505 هجرية فذكر في
كتابه (شفاء الغليل) تعليل الأحكام الشرعية بما تتضمنه وتفضي اليه من
جلب مصلحة أو دفع مفسدة، وحدّد في هذا الكتاب وكتابه الآخر (المستصفى)
امهات المقاصد الشرعية التي عليها مدار كل مقصود شرعي وكل مصلحة شرعية.
أما الفخر الرازي المتوفى 606 هجرية فقد أورد في
كتابه (المحصول) كل ما سبق عند الجويني والغزالي، بينما نجد العز بن
عبد السلام المتوفى سنة 660 هجرية يشتهر في كتابه (قواعد الأحكام في
مصالح الأنام) بالكلام عن مقاصد الشريعة التي تتلخص في جلب المصالح
ودرء المفاسد.
لكن من بلغ بهذا المنحى المرحلة المتقدمة جداً هو
ابراهيم بن موسى الغرناطي الشهير بالشاطبي في كتابيه (الموافقات في
أصول الشريعة) و (الاعتصام) وقد توفي سنة 790 هجرية. انه يرى انه
(اتفقت الأمة، بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على
الضروريات الخمس، وهي الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل. وعلمها
عند الامة كالضروري...)
لقد حسب أصحاب هذا المعنى انهم امسكوا بملاكات جميع
الأحكام الالهية، فصارت (المصالح المرسلة) و (الاستحسان) و (سد
الذرائع) مصادر للتشريع والاستنباط.
2- ذهب الظاهرية (اتباع ابن
حزم الاندلسي) من السنة، والاخباريون من الشيعة الى اتجاه معاكس
للاتجاه الاول فأنكروا إمكانية الوصول الى ملاكات الاحكام، بل أن بعضهم
انكر استناد الأحكام الى مصالح ومفاسد ورفض القطع الحاصل من مقدمات
عقلية، وكان نتيجة ذلك الجمود الفكري، وعدم القدرة على مواكبة متطلبات
العصر.
3- واختار فريق ثالث مذهباً
وسطاً بين الافراط والتفريط، فلم يذهبوا الى انغلاق باب الملاكات
الفقهية، ولم يعطّلوا قدرة العقل على التعرّف على هذه الملاكات بشكل
كامل، كما انهم لم يقبلوا بكل مستند ظني يدلّهم على هذه الملاكات.
ومن النماذج المهمة في عملية الاستنباط لدى فقهاء
الشيعة أخذهم بتنقيح المناط اذا كان قطعياً، واستنادهم الى مناسبات
الحكم والموضوع، والغاء الخصوصية استناداً الى دليل مقبول من الفهم
العرفي. فمن ذلك ما اشتهر بين الفقهاء من أن (أسباب النزول) لا توجب
قصر الحكم على الواقعة، فالمورد لا يخصص الوارد، لأن البيان عام،
والتعليل مطلق، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
اجل، نجد في تراث مدرسة أهل البيت (ع) كتباً عديدة
تنحو منحى التعليل وبيان مقاصد الشريعة، من أقدمها كتاب (علل الشرائع)
للمفضل بن عمر الجعفي، و (علل الشرائع) للشيخ الصدوق المتوفى سنة 381
هجرية.
المواد الاولية في عملية الاجتهاد
الاجتهاد كأي كائن محدث، يتوقف وجوده على أسس
ومعدات متنوعة، يجب توفرها قبل حدوثه، وقد عبر عنها الكثيرون بالشروط،
ونرجح أن نسميها بالمواد الاولية.
وقد تحدث عنها الاصوليون والفقهاء سعة وضيقا، وسوف
نعرض بعض الاقوال لنرسم على ضوئها أهم ما لها من خطوط.
1 - يرى الشهيد الثاني من
الإمامية (المتوفى 966هـ) ان الاجتهاد يتحقق (بمعرفة المقدمات الست،
وهي: الكلام، والاصول، والنحو، والتصريف، ولغة العرب، وشرائط الادلة،
والاصول الاربعة وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، ودليل العقل) (22).
ثم يشرح المعتبر من هذه المقدمات والاصول فيقول:
(والمعتبر من الكلام: ما
يعرف به الله تعالى: وما يلزمه من صفات الجلال والاكرام وعدله، وحكمته
ونبوة نبينا (ص) وعصمته، وامامة الأئمة عليهم السلام
).
ومن الاصول: ما يعرف به أدلة الاحكام من الامر
والنهي، والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد، والإجمال والبيان وغيرها
مما اشتملت عليه مقاصده.
ومن النحو والتصريف ما يختلف المعنى باختلافه ليحصل
بسببه معرفة المراد من الخطاب...
ومن اللغة: ما يحصل به فهم كلام الله ورسوله ونوابه
بالحفظ، او الرجوع الى أصل مصحح يشتمل على معاني الالفاظ المتداولة في
ذلك ومن شرائط الادلة: معرفة الاشكال الإقترانية والإستثنائية، وما
يتوقف عليه من المعاني المفردة وغيرها.
والمعتبر من الكتاب الكريم: معرفة ما يتعلق
بالاحكام وهو نحو من خمسمائة آية إما بحفظها او فهم مقتضاها ليرجع
اليها متى شاء ويتوقف على معرفة الناسخ منها من المنسوخ، ولو بالرجوع
الى أصل يشتمل عليه.
ومن السنة: جميع ما اشتمل منها على الاحكام، ولو في
أصل مصحح رواه عن عدل بسند متصل الى النبي والائمة، ويعرف الصحيح منها
والحسن، والموثق، والمرسل والمتواتر، والآحاد والضعيف...
ومن الإجماع والخلاف: أن يعرف أن ما يفتي به لا
يخالف الإجماع... ودلالة العقل من الاستصحاب والبراءة الاصلية وغيرهما
داخلة في الاصول) .
2 - ويرى ابن عبد الشكور من
الحنفية ان الاجتهاد لا يتحقق دون أن يكون لدى صاحبه المؤهلات التالية:
(بعد صحة إيمانه ولو
بالأدلة الإجمالية، ومعرفة الكتاب قيل: بقدر خمسمائة آية، والسنة متنا،
قيل: التي يدور عليها العلم ألف ومائتان، وسندا، مع العلم بحال الرواة
ولو بالنقل عن أئمة الشأن، ومواقع الإجماع أن يكون ذا حظ وافر مما تصدى
له هذا العلم فان تدوينه وان كان حادثا لكن المدون سابق، واما العدالة
فشرط قبول الفتوى) (23).
3 - أما الغزالي من
الشافعية فيقول: (وانما يكون متمكنا من الفتوى بعد أن يعرف المدارك
المثمرة للاحكام، وأن يعرف كيفية الاستثمار.
والمدارك المثمرة للاحكام أربعة: الكتاب، والسنة،
والإجماع، والعقل(24). وطريق الاستثمار يتم بأربعة علوم: اثنان مقدمان،
واثنان متممان. واربعة في الوسط، فهذه ثمانية.
أما العلوم الاربعة التي بها يعرف طرق الاستثمار،
فعلمان مقدمان:
أحدهما: معرفة نصب الادلة وشروطها التي بها تصير
البراهين والادلة منتجة، والحاجة الى هذا تعم المدارك الاربعة.
ثانيهما: معرفة اللغة والنحو على وجه يتيسر له به
فهم خطاب العرب.
والعلمان المتممان:
احدهما: معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة،
وذلك في آيات وأحاديث مخصوصة.
ثانيهما: وهو يخص السنة معرفة الرواة، وتمييز
الصحيح منها عن الفاسد، والمقبول عن المردود، فان ما لا ينقله العدل عن
العدل فلا حجة فيه)(25).
4 - وذهب القرافي المالكي
الى أن معدات الاجتهاد هي: (أن يكون عالما بمعاني الالفاظ وعوارضها من
التخصيص والنسخ، واصول الفقه. ومن كتاب الله تعالى ما يتضمن الاحكام
وهي خمسمائة آية، ولا يشترط الحفظ، بل العلم بمواضعها لينظرها عند
الحاجة اليها، ومن السنة بمواضع أحاديث الاحكام دون حفظها، ومواضع
الإجماع والإختلاف، والبراءة الاصلية، وشرائط الحد والبرهان، والنحو
واللغة والتصريف واحوال الرواة)(26).
5 - وينتهي ابن قدامة
الحنبلي في شرائط المجتهد الى: (احاطته بمدارك الاحكام المثمرة لها،
وهي الاصول: الكتاب، والسنة، والإجماع واستصحاب الحال، والقياس التابع
لها، وما يعتبر في الحكم في الجملة.
والواجب عليه في معرفة الكتاب ما يتعلق منه
بالاحكام، وهي قدر خمسمائة آية، ولا يشترط حفظها، بل علمه بمواقعها حتى
يطلب الآية المحتاج اليها وقت حاجته.
فالمشترط في معرفة السنة معرفة أحاديث الاحكام، وهي
وان كانت كثيرة فهي محصورة. ولا بد من معرفته للناسخ والمنسوخ من
الكتاب والسنة، ويكفيه أن يعرف أن المستدل به في هذه الحادثة غير منسوخ.
ويحتاج أن يعرف الحديث الذي يعتمد عليه فيها انه
صحيح غير ضعيف، اما بمعرفة رواته وعدالتهم، واما بأخذه من الكتب
الصحيحة التي ارتضى الأئمة رواتها.
وأما الإجماع: فيحتاج الى معرفة مواقعه، ويكفيه أن
يعرف أن المسألة التي يفتي فيها هي من المجمع عليه، أم من المختلف فيه،
أم هي حادثة.
ويحتاج الى معرفة نصب الادلة وشروطها، ومعرفة شيء
من النحو واللغة يتيسر به فهم خطاب العرب، وهو ما يميز به بين صريح
الكلام وظاهره، ومجمله، وحقيقته، ومجازه، وعامه، وخاصه، ومحكمه
ومتشابهه، ومطلقه، ومقيده، ونصه وفحواه، ولحنه ومفهومه.
ولا يلزمه من ذلك الا القدر الذي يتعلق به الكتاب
والسنة، ويستولي به على مواقع الخطاب، ودرك دقائق المقاصد فيه) (27).
6 - يرى الشوكاني الزيدي ان
للمجتهد شروطاً خمسة وهي:
الشرط الاول: أن يكون عالما بنصوص الكتاب والسنة،
فان قصر في احدهما لم يكن مجتهدا ولا يجوز له الإجتهاد، ولا يشترط
معرفته بجميع الكتاب والسنة، بل بما يتعلق منهما بالاحكام.
الشرط الثاني: أن يكون عارفا بمسائل الإجماع، حتى
لا يفتي بخلاف ما وقع الإجماع عليه، ان كان ممن يقول بحجية الإجماع.
الشرط الثالث: ان يكون عالما بلسان العرب بحيث يمكن
تفسير ما ورد في الكتاب والسنة من الغريب ونحوه.
الشرط الرابع: أن يكون عالما بعلم اصول الفقه،
لاشتماله على نفس الحاجة اليه.
الشرط الخامس: أن يكون عارفا بالناسخ والمنسوخ بحيث
لا يخفى عليه شيء من ذلك مخافة أن يقع في الحكم بالمنسوخ(28).
7 - في حين يتوسع ابن حزم
الظاهري في الشروط فيقول: (ففرض عليهم (المتأهبون لفتيا المستفتي) تقصي
علوم الديانة على حسب طاقاتهم، من أحكام القرآن، وحديث النبي (ص) ورتب
النقل، وصفات النقلة، ومعرفة السند الصحيح مما عداه من مرسل، وضعيف،
هذا فرضه اللازم له، فان زاد الى ذلك معرفة الإجماع والإختلاف، ومن أين
قال كل قائل، وكيف يرد أقاويل المختلفين المتنازعين الى الكتاب والسنة
فحسن.
وفرض عليه تعلم كيفية البراهين التي يتميز بها الحق
من الباطل، وكيف يعمل فيما ظاهره التعارض من النصوص.
وفرض معرفة الناسخ من المنسوخ.
(كذلك) فرض أن يكون عالما
بلسان العرب ليفهم عن الله عز وجل، وعن النبي (ص) ويكون عالما بالنحو
الذي هو ترتيب العرب لكلامهم الذي به نزل القرآن، وبه يفهم معاني
الكلام التي يعبر عنها باختلاف الحركات، وبناء الالفاظ.
ويكون عالما بسير النبي (ص) ليعلم آخر أوامره،
وأولها، وحربه عليه السلام لمن حارب، وسلمه لمن سالم، وليعرف على ماذا
حارب، ولماذا وضع الحرب، وحرم الدم بعد تحليله، واحكامه عليه السلام
التي حكم بها)(29) .
هذه هي اقوال بعض الاعلام على اختلاف مذاهبهم في
ممهّدات الإجتهاد وشروطه. وعند ملاحظتنا لها جميعا نراها تكاد تكون
متشابهة في اعتبارها، وعلى ضوئها سوف نستخلص تلك المواد الاولية.
وهذه المعدات يمكن تقسيمها - من وجهة منهجية -
بلحاظ مواقع الإلتقاء بينها الى قسمين:
1 - ما يعود منها الى اصول
الإجتهاد - أي المصادر التشريعية - التي تصلح أن تكون كبرى لقياس
الإستنباط وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والقياس، وغيرها.
2 - ما يعود منها الى معرفة
كيفية الإستنباط من هذه الاصول، أي ما يقع موقع الصغرى في عملية
الاستنباط ويرتبط بها ارتباطا.
أولا: ما يتصل بالاصول النقلية
فلا بد أن تتوفر في المجتهد مجموعة من الخبرات،
أهمها:
1 - الخبرة الكافية في
معرفة مظان الاحكام الشرعية في الكتاب العزيز وكتب السنة، والفقه، أي
يكون على خبرة واسعة في محتويات هذه الكتب وتحقيق نصوصها من الرجوع الى
نسخها الخطية، او المطبوعة حسب تسلسلها الزمني، ليسهل عليه الإطلاع على
ما يريد استنباطه من أدلة الاحكام والجزم بعدم وجود ما يوقف الأخذ بهذه
الادلة.
2 - الخبرة التامة في كتب
الجرح والتعديل، بغية التأكد من سلامة الرواة ووثاقة نقلهم للنصوص
التشريعية. وتبدو أهمية هذا الجانب في أن حجية النص المنقول تعتمد على
وثاقة الناقل وضبطه، وإلا فلا قيمة للحديث اذا لم يكن معلوم الصدور من
النبي (ص) أو الامام المعصوم (ع). وقد اهتم في عصورنا المتأخرة فقيهان
جليلان بهذا الجانب كشرط ضروري للاجتهاد، هما: آية الله السيد حسين
البروجردي في قم، وآية الله السيد أبو القاسم الخوئي في النجف الأشرف.
3 - الإحاطة بالعلوم
اللسانية التي يتوقف عليها تقويم النص وفهمه كاللغة بمفهومها العام
الشامل للمداليل اللغوية، والمصطلحات الشرعية والتشريعية والنحو
والتصريف وصيغ الهيئات (30)، وعلوم المعاني والبيان، وان يتوفر على حس
بلاغي يرتفع به الى مستوى فهم النصوص التشريعية الواردة في الكتاب
العزيز، والسنة النبوية، وهما في القمة من مستويات البلاغة، وبخاصة
الكتاب المعجز.
4 - أن تكون له خبرة في
دراسة تاريخ التشريع الاسلامي، وما رافق نصوصه من الكتاب او السنة من
أجواء قد تضفي على طبيعة النص معنى لا يدرك من مجرد الإطلاع عليه، وعلى
الاخص معرفة أسباب النزول، وتاريخ الآيات النازلة وما يتصل بذلك من
معرفة ناسخها من منسوخها، ومطلقها من مقيدها، وخاصها من عامها الى غير
ذلك، وما يقال عن الكتاب يقال عن السنة من ضرورة توفر هذه الامور.
5 - الخبرة في اصول تعارض
الادلة، واسلوب الجمع بينها، وذلك بالرجوع الى ما بحثه الاصوليون في
مباحث التعادل والتراجيح، وتكوين رأي فيها.
ثانياً: ما يتصل بالاصول العقلية
أما بالنسبة للاصول العقلية: كالقياس، والعقل،
والاستحسان، والذرائع والمصلحة المرسلة. فلابدّ أن تتوفر في المجتهد
المعدات التالية:
1 - الإلمام التام بالقواعد
المنطقية، وخاصة تلك التي ترتكز عليها اصول الأقيسة بمختلف أشكالها،
لما فيها وفي بقية القواعد المنطقية من العصمة عن الخطأ في الفكر.
2 - الخبرة الكافية
بالقواعد الفلسفية، لارتباطها بقسم من هذه المواضيع.
3 - الاطلاع على علم
الكلام، لصلته الأكيدة بموضوع التحسين والتقبيح العقليين.
4 - الاطلاع على بحوث
الملازمات العقلية غير المستقلة، وهي التي عنيت بدراستها كتب اصول
الفقه أمثال بحث الملازمة بين مقدمة الواجب ووجوب ذيها بناء على ما حقق
من انها تقع موقع الصغرى من قياس الاستنباط. والأمر بالشيء يقتضي النهي
عن ضده، وأمثالهما.
|