|
الاجتهاد العام
والاجتهاد التخصصي
يمكن تصنيف الدراسات الفقهية الى مرحلتين:
المرحلة الأولى: يكتسب طالب الاجتهاد فيها
القدرة على الاستنباط الشامل في كل جوانب الفقه، وهو ما يصطلح عليه
عادة بالاجتهاد العام. وهذه الكفاءة العلمية تمكّن الفقيه من ان
يعطي رأياً فقهياً في كل مسائل الفقه بدون استثناء حسب المنهجية
الفقهية التي بدأت في مدرسة الفقه الامامي من زمن الشيخ نجم الدين
محمد بن الحسن الهذلي المعروف بالمحقق الحلي المتوفى 676هـ،
والمعمول بها لحد الآن.
والمرحلة الثانية: يتخصص فيها الفقيه في باب من
أبواب الفقه، كالحج، أو الصلاة، أو العقود أو القضاء، أو غيرها من
أبواب العبادات والمعاملات.
كما تستدعي هذه المحاولة وهي توزيع أبواب الفقه
حسب تخصصات متعددة، على اعادة النظر في تبويب الفقه ومنهجته؛ وليس
من شك في ان منهجة المحقق الحلي (رحمه الله) قوية ومنظمة، ولكن
لعصره، ولو كان الآن يعيش بيننا لما ارتضى هذا الاسلوب في تبويب
الفقه. والمنهجة تتأثر كثيراً بالمسائل الفقهية التي يحتاجها الناس
في كل عصر، كما ان الأبواب والكتب الفقهية ليست تعبدية، وانما تتبع
حاجة الانسان في عصره، فان مسائل من مثل العملة والاجراءات
المصرفية، والتأمين، وبطاقات الائتمان، والعمليات التجارية المعقدة
اليوم، والعمليات الجراحية، والبصمة الوراثية وهندسة الجينات لم
تكن موجودة في العصور السابقة، وبالضرورة لم يكن لها مكان في تبويب
الفقه آنذاك.
لا يختص الأمر بالزمان واختلاف ابتلاءات الناس
في العصور المختلفة، بل اننا نجد في العصر الواحد مناهج متعددة في
التبويب الفقهي، كما نجد عناوين لأبواب وكتب في الفقه في بعض
المناهج ونفتقدها في مناهج أخرى، فمثلاً نرى ان (كتاب الأموال)
وكتاب (الأحكام السلطانية) وكتب (الحسبة) كانت معروفة، أما الآن
فليس لها في المنهج الفقهي المألوف عندنا ذكر إلا بصورة نادرة من
قبل بعض الفقهاء المتأخرين من قبيل الشيخ النراقي والامام الخميني
ومن تأخر عنهما.
وقد كتب في هذه الجوانب فقهاء معروفون، من قبيل
أبي عبيدة في الأموال، وابن تيمية في الحسبة، والماوردي، وابو يعلى
الحنبلي في الأحكام السلطانية، وغيرهم.
إذن لم تكن مسألة التبويب وتسمية الكتب
والأبواب الفقهية مسألة تعبدية، وإنما تخضع لظروف الفقه، ولكي ندخل
في حقول التخصصات المختلفة نحتاج الى اعادة النظر في المنهجة
الفقهية المألوفة، كما نحتاج حقيقة الى استحداث أبواب وعناوين
جديدة في الفقه.
ولا شك ان وجود منهجية واقعية للفقه في عصرنا
يساعد كثيراً على تنظيم التخصصات تنظيماً مناسباً، فمثلاً تتوزع
(الأحوال الشخصية) حسب المنهجة الفقهية المألوفة على ثلاثة أبواب:
العقود (النكاح)، والايقاعات (الطلاق)، والاحكام (الارث)، وليس
لمسألة النفقة موضع محدد الا بالعرض، في حين تقتضي المنهجة الصحيحة
جمع الأحوال الشخصية كلها في باب واحد، وادخالها تحت تخصص واحد، او
تخصصات متقاربة.
حاجتنا الى التخصصات الفقهية
اذا تم العمل بمقترح التخصص، فانه يسهل حينئذ
تفرغ الفقيه لمجاله الخاص والتعمق فيه، فواحد يختص بالتأمين،
والعمليات المصرفية، والتعامل بالاسهم والسندات المالية. وآخر
يتخصص في مجال القضاء والشهادة ووسائل الاثبات، وثالث يتفرغ
للعلاقات الدولية والمعاهدات، واسلوب التعامل مع غير المسلمين،
ورابع يركز على الأحوال الشخصية.. وهكذا.
ان مرحلة التخصص تمكن الفقيه من التفرغ أكثر
لاستيعاب المسألة الفقهية الداخلة في حد اختصاصه، وتمكنه أيضاً من
ممارسة أكثر للأدلة المتعلقة باختصاصه، ومن ثم تزداد كفاءة الفقيه
العلمية في استخدام الأدلة في الحقل المختص به؛ فليس من شك في ان
طبيعة المنهج الاستدلالي في فروع العلم الاجمالي المعروفة في أبواب
الخلل في الصلاة، تختلف عن المنهج الاستدلالي في المعاملات، وطبيعة
المنهج الاستدلالي في المعاملات تختلف عنها في كتاب الأمر بالمعروف
والجهاد مثلاً. إن المقصد الاسنى في باب العبادات هو تزكية النفوس
وتطهير القلوب كمقدمة للتقرب الى الله جل وعلا، أما المعاملات
فيراد منها صياغة ضوابط دقيقة تنطبق على الجميع، وتُخطّط للنظام
الاقتصادي والمالي بما يقلّل من آثار النزاع بين أفراد المجتمع.
ولكي تزداد كفاءة الفقيه العلمية، وخبرته
الفقهية لابد له ان يسلك طريق الاختصاص في البحث الفقهي، ويختص
بباب أو كتاب أو حقل خاص في الفقه، بعد ان تتوفر لديه القابلية
العامة للاجتهاد؛ بالاضافة الى ان طائفة واسعة من المسائل الفقهية
تحتاج الى خبرات غير فقهية زائدة على الخبرة في هذا المجال، ولا
تتيسر الخبرة من النوع الأول للفقيه العام، وذلك مثل مسائل العملة
والمصارف والشركات ومسائل القضاء المعقدة في المحاكم الحديثة،
وكذلك مسائل العلاقات والمعاهدات الدولية الحديثة.
إن أول من دعا الى اعتماد أسلوب التخصص في
عملية الاجتهاد الفقهي في حوزة قم هو آية الله الشيخ عبد الكريم
الحائري المتوفى سنة 1355 هجرية، على حد نقل السيد أحمد الزنجاني
(31)
وعلى حد تعبير الشيخ مرتضى المطهري فإن مضمون
هذا الاقتراح يتلخّص في توزيع الادوار على مجموعة من العلماء
المجتهدين الذين تفقهوا في دورة عامة، وبلغوا درجة الاجتهاد
المطلق، بحيث يعين كل منهم لنفسه باباً فقهياً يختص فيه... بالضبط
كما هو الحال في التخصصات الطبية، فهذا مختص بالقلب، وذاك بالعين،
وثالث في الانف والاذن والحنجرة... (32)
شروط المجتهد
قال السيد محمد كاظم الطباطبائي (المتوفى 1337
هجرية): "يشترط في المجتهد أمور: البلوغ، والعقل، والايمان،
والعدالة، والرجولية، وكونه مجتهداً مطلقاً، فلا يجوز تقليد
المتجزي، والحياة فلا يجوز تقليد الميت ابتداءً، وأن يكون أعلم فلا
يجوز تقليد المفضول مع التمكن من الأفضل، وان لا يكون متولداً من
الزنا، وان لا يكون مقبلاً على الدنيا وطالباً لها، مكباً عليها،
مجدّاً في تحصيلها"(33).
ويمكن تقسيم هذه الشروط الى ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: شروط تتعلق بشخص المجتهد،
وهي: البلوغ، والعقل، والايمان، والرجولية.
المجموعة الثانية: شروط تتعلق بسلوكه وثقة
الجماهير به، وهي: العدالة، وطهارة المولد، وعدم الاقبال على
الدنيا.
المجموعة الثالثة: شروط تتعلق بأدائه المهمة
التي من أجلها شرّع الاجتهاد ومقدار خبرته، وهي: الحياة، والاجتهاد
المطلق، والأعلمية.
فهذه عشرة شروط.
وسأتناول كلاً من المجموعتين الأولى والثانية
بشيء من التفصيل في فرعين، تاركاً الحديث عن المجموعة الثالثة
لفرصة أخرى.
الفرع الأول: الشروط المتعلقة بشخص المجتهد،
وهي كما أسلفنا:
1- البلوغ: لم يرد دليل
في الشريعة يصرح باعتبار البلوغ في المفتي، ما ان مقتضى السيرة
العقلائية في رجوع الجاهل الى الخبير المختص في فرع من فروع
المعرفة هو عدم التفرقة بين البالغ وغيره. فلو فرضنا ان صبياً كان
ماهراً في استخراج الحسابات الرياضية، أو خبيراً في أوزان الشعر
وقوافيه، أو متخصصاً في الميكانيك، لم يجد العقلاء حرجاً في الرجوع
اليه واستشارته في ذلك الاختصاص.
ويمكن الاستئناس لاشتراط البلوغ في المفتي بما
يأتي:
1 - الحديث المشهور عن
رسول الله (ص): (رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم) (34).
2 - ما رواه محمد بن
مسلم عن الامام الصادق (ع): (عمد الصبي وخطأه واحد) (35).
3 - استبعاد أن يوكل
أمر الفُتيا بين المسلمين الى صبي مراهق حتى لو كان مستوفياً لسائر
الشروط.
ويجيب استاذنا الامام الخوئي (قدس سره) عن
الحديث الأول بأنه أجنبي عن محل الكلام، أما الحديث الثاني فمعناه:
(ان ديته في القتل خطأ على عاقلته، وليس معناه ان كل ما صدر عن
الصبي فهو بحكم الخطأ في الشريعة المقدسة، بحيث لو تكلم الصبي في
أثناء صلاته متعمداً لم تبطل صلاته - بناءً على شرعية عباداته -
لأنه بحكم الخطأ. اذاً، الرواية أجنبية عن جواز تقليد الصبي)(36).
والخلاصة: (ان كون عمد الصبي خطأ، وكونه
مرفوعاً عنه الحكم لا يقتضيان بطلان أقواله وأفعاله حتى يحكم
ببطلان ما أوجده من العقود والايقاعات)(37).
وأما مسألة الاستبعاد، فيقول عنها الامام
الخوئي انها (مما لا وقع له، كيف ومن الأنبياء والأوصياء عليهم
أفضل السلام من بلغ مرتبة النبوة أو الامامة وهو صبي. فاذا لم تكن
الصباوة منافية للنبوة والامامة فلا تكون منافية للمرجعية
أبداً)(38).
2 - العقل: واشتراط ذلك
واضح لا خلاف فيه، ولسنا بحاجة الى اقامة الدليل عليه. فانه من
الثابت من مذاق الشارع المقدس عدم رضاه بزعامة من لا عقل له، أو
ايكال أي أمر اليه.
3 - الايمان: وهذا شرط
واضح أيضاً فلا داعي للتفصيل فيه.
4 - الرجولية: أو
الذكورة.
ذهب فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة وعدد
كبير من الامامية الى أن الذكورة شرط في القضاء والحكم، وإمامة
الدولة الاسلامية، والولايات العامة، مستدلين بأن النبي (ص) لم
يولِّ امرأة للقضاء ولا ولاية بلد من البلاد الاسلامية. وكذلك فعل
الخلفاء من بعده.
كما استدلوا بقوله (ص): (لن يفلح قومٌ ولّوا
أمرهم امرأة) على ما رواه البخاري وأحمد والنسائي والترمذي وصححه.
يقول الدكتور وهبة الزحيلي ملخصاً آراء المذاهب الاسلامية في هذا
المجال: (ولأن القضاء يحتاج الى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة
والخبرة بشؤون الحياة ولانه لابد للقاضي من مجالسة الرجال من
الفقهاء والشهود والخصوم)(39)
بينما ذهب الحنفية الى جواز تولي المرأة للقضاء
في الأموال ، أي ما يسمى بالمحاكم المدنية في عصرنا، أما في القضاء
الجنائي فلا تعيّن قاضياً.
ويرى أستاذنا السيد الخوئي (قدس سره): (أن
التصدي للإفتاء بسبب العادة جعلٌ للنفس في معرض الرجوع والسؤال،
لأنها مقتضى الرئاسة للمسلمين، ولا يرضى الشارع بجعل المرأة نفسها
معرضا لذلك أبداً، كيف ولم يرضَ بامامتها للرجال في صلاة الجماعة،
فما ظنك بكونها قائمة بأمورهم ومديرة لشؤون المجتمع، ومتصدية
للزعامة الكبرى للمسلمين؟) (40)
في حين ناقش العلاّمة الشيخ محمد مهدي شمس
الدين الموضوع بكامله في (صلاحية المرأة لتولّي الحكم) في دراسة
مستفيضة، فمن أراد فليرجع اليها.
الفرع الثاني: الشروط المتعلقة بالسلوك، وهي:
1- العدالة
ان مسألة السلوك والنزاهة والابتعاد عن الرذائل
أمور أساسية في اعطاء قيمة لرأي المجتهد. إذ كيف ترضى الشريعة
الغراء التي قامت على أساس (مكارم الأخلاق) وبُنيت دعائم الرسالة
فيها على (التزكية) بايكال أمر التفقه والاجتهاد وبيان أحكام الدين
الى من يفتقد التقوى ولا يتورع عن ارتكاب الافعال المنكرة
والقبائح، ولا يرى بأساً من حضور مجالس الطرب والرقص والفساد؟!
ان العلم الاجتهادي لابد أن يقترن بالسلوك
المتميز الواعي، اقتران العلم بالعمل حسب النصوص الشرعية الكثيرة.
ويمكن الاستدلال لاشتراط العدالة فقهياً بما
يأتي:
الدليل الأول: ما رواه عمر بن حنظلة حول
الترافع في الخصومة: (.. فإن كان كل واحد منهما اختار رجلاً من
أصحابنا، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما، واختلفا في ما حكما،
وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ فقال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما
وأصدقهما في الحديث وأورعهما..)(41). ومن الواضح ان الأعدلية لا
يمكن فرضها الا عندما يكون الحكمان عادلين وفي حالة اختلافهما يتبع
رأي الأعدل منهما.
ونظير ذلك ما رواه موسى بن أكيل النميري عن
الامام الصادق (ع)، قال: "سئل عن رجل يكون بينه وبين أخٍ له منازعة
في حق، فيتفقان على رجلين يكونان بينهما، فحكما، فاختلفا في ما
حكما. قال: وكيف يختلفان؟ قال: حكم كل منهما الذي اختاره الخصمان.
فقال: ينظر الى أعدلهما وأفقههما في دين الله، فيمضي حكمه"(42).
الدليل الثاني: ما يشهد لاشتراط العدالة في
إمام الجماعة، إما بتنقيح المناط القطعي على مبنى الامامية أو
القياس على مبنى من يعتبره حجة.
وبعبارة أخرى: لا مجال لاحتمال أن تكون العدالة
شرطاً في امام الجماعة ولا تكون شرطا في المجتهد.
فمن الاحاديث المروية عن طريق أهل البيت (ع) ما
رواه علي بن راشد قال: "قلت لأبي جعفر (ع): ان مواليك قد اختلفوا
فأصلي خلفهم جميعا؟ً فقال: لاتصلّ إلاّ خلف من تثق(43) بدينه".
هكذا في نسخة الكافي وفي التهذيب زاد: (وأمانته)(44).
ومنها: ما عن يزيد بن حماد عن أبي الحسن (ع)
قال: "قلت له: أصلي خلف من لا أعرف؟ فقال: لا تصل إلا خلف من تثق
بدينه..."(45) بناء على ان الوثوق بالدين يساوق احراز العدالة.
الدليل الثالث: أن نتعدى من دليل اشتراط
العدالة في الشاهد الى المجتهد الذي سيكون من مهامه الفصل في
الخصومات فلئن كان الشاهد، ودوره في فصل الخصومة، وايصال الحق الى
مستحقه أقل من دور القاضي، تشترط فيه العدالة، فالمجتهد بطريق
أولى، إما أولوية قطعية، أو أولوية عرفية تحقق دلالة التزامية في
دليل اشتراط العدالة في الشاهد.
أو يقال: إن جواً تشريعياً لا يقبل شهادة غير
العادل لا يتم فيه اطلاق لدليل الاجتهاد بالنسبة لمجتهد غير عادل.
ولنذكر بعض هذه الروايات الدالة على اشتراط
العدالة في الشاهد:
1- ما رواه عبد الله بن
سنان بسند صحيح قال: (قلت لأبي عبد الله (ع): ما يرد من الشهود؟
قال: فقال: الظنين والمتهم، قال: قلت: الفاسق والخائن؟ قال: ذلك
يدخل في الظنين) (46). وهذا النمط من الروايات انما يدل على اشتراط
العدالة إما على مبنى عدم الواسطة بين الفسق والعدالة، أو بناءً
على ان الظنين يشمل من لم تحرز فيه ملكة العدالة وإن لم يصدر منه
فسق لعدم تهيؤ أسبابه مثلاً؛ إذ لا فرق في الظن به بين أن يكون قد
صدر منه ذنب أو أن لا يكون صدر منه الذنب لأجل عدم تهيؤ أسبابه له.
2- ما رواه عبد الله بن
أبي يعفور بسند صحيح، قال: (قلت لأبي عبد الله (ع): بِمَ تُعرف
عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال: أن
تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان...) (47).
ومنها رواية عبد الرحمن بن الحجاج بسند صحيح عن
أبي عبد الله (ع) قال: (قال أمير المؤمنين (ع): لا بأس بشهادة
المملوك إذا كان عدلاً) (48).
3- رواية بريد بن
معاوية بسند صحيح عن أبي عبد الله (ع) عن رسول الله (ص) في قصة رجل
من الأنصار قتل بخيبر: (قال رسول الله (ص) للطالبين بالدم: أقيموا
رجلين عدلين من غيركم أقيدوه برمته...) (49).
ولا يخفى ان القرآن الكريم يشترط العدالة في
الشاهد في موردين، أحدهما: الوصية، حيث قوله عز من قائل: (يا أيها
الذين آمنوا شهادة بينكم اذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا
عدل منكم) (سورة المائدة: 106).
والآخر في مورد الطلاق قوله عز وجل (فاذا بلغن
أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف، واشهدوا ذوي عدل منكم،
وأقيموا الشهادة لله) (سورة الطلاق: 2).
والظاهر ان اشتراط العدالة في المجتهد اجماعي
لا خلاف فيه عند الامامية، وهي شرط عند المالكية والشافعية
والحنابلة في سياق حديثهم عن القاضي حيث اعتبروا فيه الاجتهاد(50)
تحديد مفهوم العدالة
هنا تثار اسئلة ثلاثة لتحديد معنى العدالة:
1 - هل يكتفى لاحراز
عدالة الشخص بعدم صدور المعاصي منه، أو لابد من احراز ملكة
العدالة؟
2 - هل المطلوب في
العدالة هو الاجتناب عن الكبائر، أو لابد من الاجتناب عن المعاصي
الصغيرة أيضاً؟
3 - ذكر بعض الفقهاء
المروءة مقوماً للعدالة، فهل هي شرط اضافي أو انها تجسيد للعدالة؟
وأتصور ان القاء بعض الضوء على هذه المسائل
يعيننا على التعرف على شخصية المجتهد المؤهل للقيام بهذه المهمة،
والذي يستحق ثقة الجماهير المؤمنة به.
1- اشتراط الملكة وعدمه:
أما اشتراط الملكة وعدمه في العدالة فقد يقال:
ان مفهوم العدالة - وهي لغة بمعنى الاستقامة، والمقصود به في
المقام طبعاً العدالة في الدين، وذلك بقرينة ورودها في لسان مشرع
الدين وبلحاظ أحكام الدين - يعطي معنى الملكة؛ فان العدالة وصف حسب
الفرض لانسان ما من إمام جماعة، أو شاهد، أو قاضٍ ونحو ذلك،
واستقامة نفس الانسان ليست بمجرد عدم صدور معصية منه ولو من باب ان
الفرص لم تسنح له، او انه لم تمض على بلوغه سن التكليف أو على
توبته مدة تورطه في المعصية، وانما استقامتها تكون بتطبعها بترك
المعاصي ووجود الرادع النفسي عن المعاصي والزلات. هذا في كل ما ثبت
فيه شرط العدالة بعنوانها. أما مثل عنوان (من تثق بدينه وأمانته)
الذي مضى في بعض روايات صلاة الجماعة، فأيضاً يدل على اشتراط
الملكة؛ إذ بدونها لا يحصل الوثوق. نعم كلما ورد اشتراط ترك الفسق
فحسب لم يدل على اشتراط العدالة بمعنى الملكة.
وفي مقابل ذلك قد يستدل على كفاية عدم صدور
المعصية - من دون شرط الملكة أو التطبع النفسي - بالروايات الواردة
في قبول شهادة من يقام عليه الحد بعد توبته(51)، ومنها ما رواه عبد
الله بن سنان بسند صحيح، قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن المحدود
إذا تاب أتقبل شهادته؟ فقال: إذا تاب - وتوبته أن يرجع مما قال،
ويكذّب نفسه عند الامام وعند المسلمين، فأذا فعل - فإن على الإمام
أن يقبل شهادته بعد ذلك) (52) ونحن نعلم أن مجرّد التوبة لا يستلزم
رجوع الملكة، وإنما التوبة تجعل الذنب كأنه لم يتحقق، فيصبح حاله
حال من هو قريب العهد بالبلوغ الذي لم يصدر منه معصية لا على أساس
الملكة، بل على أساس الصدفة.
وقد يقال برأي وسط بين اشتراط الملكة وكفاية
عدم صدور الذنب وهو: ان مجرد عدم صدور الذنب المجتمع مع عدم أي
رادع نفسي عن الذنب - لا يكون عدالة، والمحدود التائب ليس حاله
هكذا، فان توبته تعني تحقق الرادع النفساني الى مستوى الملكة بحيث
لا ينكسر عادة الا في حالات نادرة جداً يتوفر فيها مستوى خاص من
المغريات، فليس شرطاً في تحقق العدالة وذلك بدليل النصوص التي
اقتصرت على مجرد التوبة. والصحيح ان هذه الروايات ليست بصدد اثبات
العدالة الواقعية للمحدود الذي تاب، بدليل انها لم تفترض العلم
بخلوّه عن باقي الذنوب رغم انه عادة لا يعلم عن محدود تاب كونه
خالياً عن باقي الذنوب، وانما هي بصدد بيان قبول شهادته المبتني في
ظاهر الشرع على حسن الظاهر الذي سيأتي أنه أمارة على العدالة،
والمفروض ان توبته تعيد اليه حسن ظاهره الذي انهدم بفعل ما أوجب
عليه الحد.
2- اشتراط ترك الصغيرة
وعدمه:
وأما إخلال المعصية الصغيرة بالعدالة وعدمه،
فمقتضى ما هو المفهوم من كلمة العدالة بمعنى الاستقامة في الدين،
ومثل التعبير بالوثوق بالدين في قوله: "صلّ خلف من تثق بدينه
وأمانته" هو كونه تاركاً للصغائر أيضاً. فارتكاب الصغيرة وان كان
معفوّاً عنه عند اجتناب الكبائر لكنه - على أي حال - خلاف
الاستقامة في الدين وانحراف عنه؛ لأنه محرم حسب الفرض.
الا انه قد يستدل على عدم إخلال المعصية
الصغيرة بالعدالة بما رواه الصدوق بسنده عن عبد الله بن أبي يعفور،
قال: (قلت لأبي عبد الله (ع): بِمَ تعرف عدالة الرجل بين المسلمين
حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف
البطن والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله
عليها النار..) (53). حيث ان التقييد بالكبائر يدل على عدم إضراره
الصغيرة.
وقد يمكن التمسك بالآية الكريمة على عدم إخلال
الصغيرة بالعدالة وهي قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تُنهَونَ
عنه نكفّر عنكم سيئاتكم وندخلكم مُدخلاً كريماً) (سورة النساء: 31).
ووجه الاستدلال بهذه الآية المباركة هو أن
يقال: ان بيان تكفير السيئات عند اجتناب الكبائر وادخاله مدخلاً
كريماً يدل بدلالة التزامية عرفية على ان ترك الكبائر يجعل باقي
الذنوب كأن لم يكن وبحكم العدم في كل الأحكام.
وعلى أية حال فالمعاصي وإن كانت متدرجة في
الكبر والصغر، فليس هناك حد معين يفترض أنها الى هذا الحد كبيرة
وما بعده صغيرة، فان الكبر والصغر نسبيان بالنسبة للكل المعاصي،
لكن قد عرفنا ان قسماً منها لو تركه أحد كفّر عنه القسم الآخر
الأصغر من الأول، فسُمّي الأول بالكبيرة والثاني بالصغيرة، فيقع
الكلام في ما هو المقياس لمعرفة الكبيرة والصغيرة، وقد اختلفت
الآراء كثيراً بهذا الصدد، وقد نسب رأيان الى المشهور:
1- ان الكبيرة هي كل
ذنب توعد الله - تعالى - عليه بالعقاب في الكتاب العزيز.
2- أنها كل ذنب توعد
الله عليه النار.
والأول أعم من الثاني من حيث ان العقاب قد
يتجسد في غير النار، والثاني أعم من الأول من حيث عدم التقييد بكون
الوعيد في الكتاب. ومن الممكن افتراض اتحاد كلا الرأيين، بأن يكون
المقصود بالعقاب ما يشمل على النار، أو يكون المقصود بالنار مطلق
العقاب، وذُكرت النار على سبيل المثال، وبأن يكون المقصود من توعد
الله عليه النار توعده في الكتاب.
وعلى كل فلا بأس بذكر روايتين في تحديد المعاصي
الكبيرة:
1- روى أبو هريرة عن
رسول الله (ص)، قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل وما هنّ؟ قال:
الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل
الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات
الفاضلات المؤمنات) (54).
2- روى محمد بن مسلم
بسند صحيح عن الامام الصادق (ع) قال: (الكبائر سبع: قتل المؤمن
متعمداً، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة،
وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا بعد البيّنة، وكل ما أوجب الله
عليه النار) (55).
هذا وقد ذكر استاذنا الامام الخوئي (قدس سره)
في مقدمة منهاج الصالحين ما يأتي:
(مسألة 29 - العدالة
المعتبرة في مرجع التقليد عبارة عن الاستقامة في جادة الشريعة
المقدسة، وعدم الانحراف عنها يميناً وشمالاً، بأن لا يرتكب معصية
بترك واجب، أو فعل حرام، من دون عذر شرعي. ولا فرق في المعاصي من
هذه الجهة بين الصغيرة والكبيرة. وفي عدد الكبائر خلاف..)(56).
ثم عد ما يقرب من 50 معصية عدّها جميعاً من
الكبائر.
3- وأما ما يتعلق
بالمروءة، فنرجح ان مخالفة المروءة لو لم تكن في حد المعصية، لم
تضر بالعدالة لأن ذلك لا يتعارض مع الاستقامة في الدين. واذا أدت
الى واحدة من المعاصي المنصوص عليها كانت مندرجة تحت عنوان العدالة
فلا حاجة الى هذا الشرط الجديد.
هذا كله بالنسبة الى الشرط الأول من الشروط
المتعلقة بالسلوك، وهو العدالة.
2- طهارة المولد
وجدنا جسامة مهمة الافتاء، وأنها من أعظم
المناصب الالهية بعد الولاية. ومن الواضح أن المتولّد من علاقة غير
مشروعة لم يصدر منه ذنب ولا تقصير ويصدق عليه قول الشاعر:
هذا جناه أبي عليَّ
وما جنيت على احد
رغم ذلك يجب الاعتراف بأن كون الشخص مطعوناً في
نسبه او متولّداً من زنا منقصة، والشريعة الغراء لا ترضى بتصدّيه
لهذه المهمة الدينية.
3- عدم الاقبال على
الدنيا
وهنا ينبغي أن نقول: ان كان هذا راجعاً الى
شرطية العدالة، فلا داعي لذكره كشرط جديد، وإن كان أمراً آخر غير
العدالة واستقامة السلوك، فما هو؟
يسلّط عالم جليل هو آية الله الشيخ عبد الله
المامقاني في وصيّته لولده الضوء على هذه النقطة فيقول: (واياك _
بني _ ان طلبت العلم، وبلغت المرتبة العليا منه أن تطلب الرياسة
وتحن نفسك اليها، فإنها مهلكة، وللدين مفنية... وان اتتك قهراً
عليك، فعليك بمراقبة نفسك آنا بعد آن، فإن خطرها عظيم، ومزالقها
كثيرة...) (57)
ولعله يشير الى أن التصدي للاجتهاد والافتاء قد
يستدعي الشهرة وانبهار الناس بشخصية هذا المفتي والاعجاب به، وكل
ذلك قد ينافي تزكية الباطن، والميل عن جادة الحق!!
نسأل الله جل وعلا أن يهدينا الى سواء السبيل،
وأن ينير قلوبنا بنور العلم والتقوى انه سميع مجيب.
الهوامش
1- مجلة قضايا اسلامية
معاصرة، العدد السابع، ص171-172.
2- هامش الاحكام
السلطانية، ص46، نقلاً عن: الاصول العامة للفقه المقارن، ص339،
طبعة دار الاندلس _ بيروت.
3 - الملل والنحل، ط
دار المعرفة - بيروت 1404هـ - 1984م.
4 - الجرف: موضع على
ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام.
5 - تاريخ التشريع
الاسلامي، محمد الخضري، بيروت: دار القلم 1983م ط1، ص83.
6 - المصدر السابق.
7 - شرح نهج البلاغة
لابن أبي الحديد، ج2، 122.
8 _ خطبة رقم 210 من
نهج البلاغة.
9 - سورة النساء، 176.
10 - سورة يونس، 53.
11 - سورة يوسف، 46.
12 - سورة النحل، 116.
13 - سورة البقرة، 169.
14 - سورة يونس، 59.
15 - سورة الحاقة، 44 -
46.
16 _ 20 زين الدين بن
علي العاملي (المعروف بالشهيد الثاني): منية المريد في آداب المفيد
والمستفيد، دار المرتضى، بيروت ص139 - 140.
21 - سورة آل عمران،
187.
22 - الروضة البهية في
شرح اللمعة الدمشقية،ج1، 236،ورسالة الاجتهاد،للبهبهاني: ص37- 47
23 - مسلم الثبوت: ج2،
319 - 320.
24 - شرح الغزالي في
(المستصفى: ج2، 101 - 102) المعتبر من هذه المدارك المثمرة فقال:
أما كتاب الله عز وجل فهو الاصل، ولا بد من معرفته، ولنخفف عنه
أمرين:
أحدهما: انه لا يشترط معرفة جميع الكتاب، بل ما
تتعلق به الاحكام منه، وهو مقدار خمسمائة آية.
ثانيهما: لا يشترط حفظها عن ظهر قلبه، بل أن
يكون عالما بمواضعها بحيث يطلب فيها الآية المحتاج اليها في وقت
الحاجة.
وأما السنة: فلا بد من معرفة الاحاديث التي
تتعلق بالاحكام، وهي وان كانت زائدة على الوف فهي محصورة وفيها
التخفيفان المذكوران.
وأما الإجماع: فينبغي أن تتميز عنده مواقع
الإجماع، حتى لا يفتي بخلاف الإجماع...
وأما العقل: فنعني به مستند النفي الاصلي
للاحكام، فان العقل قد دل على نفي الحرج في الاقوال والافعال، وعلى
نفي الاحكام عنها من صور لا نهاية لها... .
25 - المستصفى، ج2، 101
- 103، وراجع احكام الآمدي، ج4، 140 - 142.
26 - شرح تنقيح الفصول
في اختصار المحصول: 194.
27 - روضة الناظر: 190
- 191 وراجع صفة الفتوى والمفتي: 16 - 17.
28 - ارشاد الفحول: 250
- 252.
29 - الاحكام، ج2، 691
- 693.
30 - للاصوليين
المتخرّجين من مدرسة النجف الأشرف في دراسة وضع الهيئات، كهيئات
المشتقات، والاوامر، والنواهي وصيغ العموم والخصوص، والإطلاق
والتقييد، وبعض المفاهيم بحوث قيمة قد لا يجدها الباحث بهذا
المستوى في أي مجال آخر من مجالات كتب الفقه او غيرها من الكتب
المعنية بأمثالها من البحوث.
31- مجموعة من
الباحثين: آراء في المرجعية الشيعية، ص121، دار الروضة _ بيروت
1994م
32- مرتضى المطهري:
الاجتهاد في الاسلام، ص32، دار التعارف للمطبوعات - بيروت
33 - العروة الوثقى،
ج1، الاجتهاد والتقليد، مسألة 22.
34 - الحديث مذكور في
أكثر المسانيد والسنن، وعن طريق أهل البيت في وسائل الشيعة، باب 4
من أبواب العبادات.
35 - وسائل الشيعة، باب
11 من أبواب العاقلة.
36 - التنقيح في شرح
العروة الوثقى، ص216.
37 - المصدر السابق،
ص216.
38 - المصدر السابق،
ص215.
39- الفقه الاسلامي
وأدلته، ج6/482.
40- الميرزا علي
الغروي: التنقيح في شرح العروة الوثقى، ج1/188، ط مؤسسة احياء آثار
الامام الخوئي - قم
41 - الوسائل، ج18، ب9
من صفات القاضي، ح1، ص75.
42 - الوسائل، ج18، ب9
من صفات القاضي، ح45، ص88.
43- قد يفهم من كلمة
الوثوق بالدين ــ بغض النظر عن عطف الأمانة ــ الوثوق بصحة
اعتقاداته.
44 - الوسائل، ج5، ب10
من صلاة الجماعة، ح2، ص389.
45 - الوسائل، ج5، ب12
من صلاة الجماعة، ح1، ص395. وتمام الحديث مذكور في الكشي وفي مجمع
الرجال للقهبائي في ترجمة يونس بن عبد الرحمن.
46 - الوسائل، ج18، ب30
من الشهادات، ح1، ص274.
47 - الوسائل، ج18، ب41
من الشهادات، ح1، ص288.
48 - الوسائل، ج18، ب23
من الشهادات، ح1، ص253.
49 - الوسائل، ج18، ب3
من كيفية الحكم، ح2، ص170.
50- تعرّض الدكتور وهبة
الزحيلي في الفقه الاسلامي وأدلته، ج6/483 الى أقوال المذاهب
الاربعة بهذا الصدد.
51 - راجع الوسائل،
ج18، ب36 و37 من أبواب الشهادات، ص282 الى 284.
52 - الوسائل، ج18، ب37
من أبواب الشهادات، ح1، ص283.
53 - الوسائل، ح18، ب41
من الشهادات، ح1، ص288.
54 - وسائل الشيعة، ب46
من أبواب جهاد النفس، ج11، ص254.
55 - وسائل الشيعة، ب46
من أبواب جهاد النفس، ج11، ص261.
56 - منهاج الصالحين،
ج1 (العبادات)، ص10.
57- مرآة الرشاد، طبعة
دار الزهراء _ بيروت ص232.
|