العدد

155 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 10:24 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

في العراق شعيرة اسلامية تدعى (مشية الأربعين)

زيارة الأربعين مسيرة احتجاجية صامتة ضد الظلم والاستبداد

اللاعنف والمظلومية من سمات مسيرة الحسين

النور _ زاهد البياتي     

من الشعائر الاسلامية التي تلقى اهتماماً كبيراً في العراق زيارة الاربعينية، التي يتوجه فيها الملايين من الناس باندفاع فطري وعفوي الى مدينة كربلاء في العشرين من شهر صفر الحرام من كل عام  تعاطفاً وتأثراً بشخصية اسلامية نادرة ضحت بكل شيء، بالمال والبنون والروح، من اجل ارساء مبادئ الحق الذي جاء به محمد (ص) ومن اجل تثبيت العدالة التي جاء بها القرآن الكريم ومن اجل ان تخلد القيم الانسانية الراقية مدى الدهر امام صغائر الدنيا التي  اطاحت بأسماء كبيرة ومؤثرة والتي كانت قاب قوسين اوادنى من الخلود الانساني لولا ضعفها وأنانياتها وركوعها امام ملذات الدنيا واستسلامها للشيطان، لتبقى الساحة الرحمانية رحبةً امام من قدم وضحى ولمن باعوا الى الباري انفسهم واموالهم واولادهم لما يحب ويرضى فكرمهم بالدنيا قبل الاخرة بعد ان تحولت مراقدهم الى مصدر اشعاع وملجأً وملاذاً امن لمن آمن بالله ورسوله ومدرسة لمن يريد ان يتعلم المبادئ الحقة وغرفة انعاش روحية لتنشيط القلب المرهق بضغوط الحياة الدنيا وردهة للعناية الالهية المركزة من امراض النفس والذات والأنا... ومغتسل لكل الأدران والعوالق الشيطانية ومفل للعقد النفسية والافكار الظلامية المنغلقة امام انموذج رباني متألق ومتدفق ومعطاء لكل الانسانية مع كل يوم جديد ومع كل تطور جديد حيث يولد من جديد ويعطي من جديد ويضحي من جديد ويخلد مع الله من جديد

المشية (مسيرة) الأربعينية

ومشية الأربعينية هي مسيرة راجلة صامتة في معظم الأحيان وترافقها قراءة الآيات القرآنية وبعض الأناشيد الإسلامية أوالأدعية المستجابة حيث يخرج الناس من مدنهم وقراهم من أقصى الحدود وهناك من يأتي من أراضٍ وبقاع أخرى من خارج العراق وينتظمون بشكل عفوي فرادى وجماعات وفي طوابير تجمع الغني والفقير شيباً وشباباً، نساء ورجالاً، اصحاء ورياضيين. ولا تخلوهذه الطوابير من مئات المعاقين الذين يقدمون على عرباتهم الخاصة اوعلى عكازاتهم ويطاولون بالسير على مدى ايام ويقطعون مئات الاميال من اجل الوصول والانتظام في صفوف الخير والحظوة بموطئ قدم في هذه الارض التي تسمى كربلاء. ومن ثم الانخراط في صفوف الساعين للحصول على عضوية ما في نادي أنصار الحسين (ع) هذا النادي الوحيد في العالم الذي يقبل عضوية كل مسلم بل عضوية كل إنسان أسود كان أم أبيض، عربيا كان اوعجمياً، اوروبيا كان أم آسيويا، غنيا أم فقيراً، نعم انه نادي اممي يقبل من كل لون وجنس ولغة ولا يشترط إلا بشرط واحد فقط هوان يكون الانسان المتقدم الى العضوية حراً، وصاحب النادي الانساني يسمى ابا الاحرار وجده الاعظم محمد (ص) رسول الانسانية ونبي وامه سيدة نساء العالمين وهوابن امام وأخوامام وابوامام وجد لأئمة اطهار.

كل الطرق تؤدي الى كربلاء

وتتوجه هذه الجموع الغفيرة الى مدينة كربلاء في هذه المسيرة الراجلة بأشكال مختلفة فهناك من يسير محتذياً وهناك من يمشي حافياً، حسب النية، فيتحول هؤلاء عفويا الى «مخدومين» لانك ستجد ان هناك مبادرات طيبة من اهل الخير والمعرفة والبركة من قبل اهالي المناطق التي تقع على طريق كربلاء اذ تقام السرادق والمخيمات على طول الطريق وتقدم من خلاله الطعام والمياه والشاي واما في المناطق البعيدة فتجد متبرعين من اصحاب الشاحنات الصغيرة والكبيرة يقدمون الساندويشات والمياه المعدنية والفواكه على الزوار الراجلين مجانا تحت عنوان «خدام الحسين» في حالة انسانية نادرة يكون فيها الغني خادما والفقير مخدوما، والكل في حالة تحرر كامل من الانانية والغرور وحب الذات، حالة من التفاعل الايجابي ونكران الذات والارتقاء الانساني الى مديات روحية عالية قلما تجد مثيلها في مكان آخر. اذا ما عرفنا بان هؤلاء ليسوا من نخب المؤمنين الصابرين، بل مجموعات من الناس العاديين، ومن السواد الاعظم من المواطنيين، وهم يحملون كل المعالم السلبية والإيجابية لانسان هذا الزمان. ترى ما سر انتظام الالاف من الناس دون حوافز ومن دون مساعدة من جهة ولا تحريض من دولة ولا تشجيع من سلطة ولا تخصيص من الامم المتحدة ولا صدقة من الدول المانحة ولا مساندة من الهلال الاحمر ولا تطبيل من اليونسكو.

جذور زيارة الأربعين

ومن هوأول زائر حسيني في التاريخ ؟

الشيخ ابراهيم ايزرجاوي حدثنا عن تاريخ هذه الزيارة وجذورها قائلاً:

- من المعروف بأن العشرين من صفر يصادف اربعينية استشهاد الحسين(ع) في كربلاء ويروى بأن جابر بن عبد الله الانصاري أول من زار زيارة الاربعين بعد ان رد الرأس الشريف لسيد الشهداء، ورؤوس بعض اصحابه الشهداء الذين كانوا معه، من الشام على يد الامام علي بن الحسين زين العابدين(ع)، الذي قام بدفنه مع الجسد الطاهر وسمي ايضا بيوم «مَرَد الرأس» بعد رحلة مأساوية من كربلاء الى الشام في واحدة من اكثر صفحات العرب والمسلمين سوادا واكثرها خجلا.

ويروى بان الانصاري كان اغتسل في نهر الفرات ولبس قميصاً طاهراً وتطيب ثم مشى حافيا حتى وقف قرب رأس الحسين (ع) وكبر ثلاثا ثم خرّ مغشيا عليه فلما افاق قال مخاطبا: «السلام عليكم يا ال الله»، ثم انتشر خبر مأساة الحسين واستشهاده من اجل إصلاح أمة جده محمد (ص) فتقاطر المسلمون على زيارة عتبته ومقامه تقربا الى الله تعالى كنموذج مثالي للاسلام الحنيف ومنهاج تطبيقي لتعاليم القرآن الكريم وقيمه كأسوة حسنة على خط جده المصطفى (ص).

الاربعينية نوع من الاشراق

الشيخ الجليل محمد حسن آل ياسين توجهنا إليه  وهوعلى فراش المرض ليحدثنا عن مغزى المسيرة الراجلة في زيارة الاربعينية فرد قائلا :

- الحركة نحوأي جهة سواء بنية الحج اوبنية زيارة مشاهد اهل البيت (ع) كان عن طريق وسائل النقل البدائية (الحيوانات) وفي احكام الحج يستحب ان يحج ماشيا وذلك لزيادة الاجر والثواب وورد عن بعض الائمة (ع) انهم كانوا يجيئون مشياً على الاقدام من المدينة الى مكة المكرمة بنية زيادة الاجر والثواب.

والمقصود من الحج سيرا على الاقدام هوزيادة الجهد والتعب تقرباً الى الله ولهذا دأب المؤمنون على شد الرحال لزيارة العتبات المقدسة مشيا على الاقدام بدل من ركوب الدواب يومين.

وبعد تطور وسائل النقل الى السيارات وما اليها من القطارات والطائرات، بقي المؤمنون، من باب حرصهم على نيل الزيادة في الاجر والثواب، يسيرون على اقدامهم من مدنهم باتجاه المشاهد المقدسة لزيارة الائمة سلام الله عليهم وبخاصة زيارة الحسين (ع) عملاً بما تشعر به الاخبار الاسلامية التي يستفاد منها بأن الاعمال التي يقوم بها الانسان تقربا الى الله فكلما كان اكثر جهدا وتعبا كان أكثرها أجراً وثوابا. وهناك مقولة تراثية تقول «أفضل الاعمال أحمزها» واحمزها بمعنى اكثرها تعبا ومشقة.

وانطلاقا من هذا كان دأب المؤمنين السير على اقدامهم في بعض مواسم الزيارات كزيارة عرفة، وزيارة عاشوراء، وزيارة الاربعين وربما زيارة النصف من شعبان.

وتتحكم الظروف المناخية والجوية في زيادة المشاة اونقصانهم رغم ان هناك من الناس المواظبين رغم قساوة الظروف وشدتها!

ورسالة اهل البيت (ع) تنعكس علينا ايمانا وخلقا ودينا مما يشجع عليها ويزيدها حرارة لكي لا تبرد اوتتضاءل في النفس لان الانسان يشد الرحال سيراً على الاقدام لزيارة الحسين وعندما يصل الى هناك يقوم بمراسيم الزيارة وعندما يحصل نوع من الاشراق والتطهر في نفس  المؤمن فيشد المسلم الى رسالة الحسين (ع) ومنهج الحسين والقضية التي ضحى من اجلها الحسين (ع) فكلما تطور الزمن وتطورت معه وسائل الاتصالات والطرق والنقل، تطور أمامها ذهن المؤمن وقلبه الفطري الخاشع من خشية الله والنابض بحب الله وحب الحرية وحب الرسول الاكرم وآله الكرام صلوات الله وسلامه عليهم من خلال وسيلة اتصال متطورة وعبر مواقع ربانية خلقت من اجل سلام البشر في الدنيا والاخرة.

الاضطهاد التاريخي لزوار الحسين

ويذكر التاريخ بأن زوار الحسين كانوا تعرضوا إلى المنع والاضطهاد ـ على مر التاريخ وبفترات متقطعة ـ  من قبل حكام جائرين وولاة نصبوا العداء لأ هل بيت النبوة (ع) يقول السيد علي النوري (باحث تاريخي) بأن بعض الخلفاء من بني امية وبني العباس كانوا قد فرضوا حظراً على الوصول إلى مشهد الحسين وبعض الحكام لجأ إلى فرض ضرائب ثقيلة على الزوار لتقنين عدد الزوار فملئت خزائن الحاكم بالمال وازداد عدد الزوار إلى اضعاف، فما كان من احد هؤلاء الجائرين إلا إن يصدر أمراً يتم بموجبه قطع اليد مقابل زيارة الحسين لقطع الطريق امام هذا الزحف المتصاعد فنام الليل بملئ جفينه مرتاح البال لأنه عرف مغاليق باب حب الحسين امام الناس ! ليفاجأ بطابور طويل يقف امام الجلاد وقد شمروا عن اذرعهم تمهيداً لقطعها لكي ينالوا زيارة الحسين (ع) وينعموا بحب الله وحب القرآن وحب النبي وآله.

الأربعين ومسيرة اللاعنف عند غاندي

الكاتب حليم الاعرجي (صحافي وباحث) يعيدنا إلى اجواء الاستبداد والظلم والكبت التي كانت شائعة في عهد الرئيس العراقي السابق صدام حسين، ويقول:

- صدام كان مرعوباً ومهزوماً من داخله لان الدكتاتورية لا تليق بالأحرار ولا يمكن لأي شخص شجاع أوشهم ان يكون دكتاتوراً فقط الجبن والخوف والرعب والانهزامية هي عناصر تركيب النفس الفاشية. كما يقول علماء النفس والاجتماع، فزيارة الأربعين كانت مسيرة احتجاجية صامته وتظاهرة عصرية وحضارية تعبر عن اللاعنف في زمن الاستبداد والقتل الجماعي المجاني كما كان يفعل الماهاتما غاندي الذي تعلم من ثورة الحسين واستشهاد الحسين فاختار نهجاً حسينياً لتحقيق رغبات شعبه رغم اختلاف الدين الذي يعتنقه عندما قال كلمته المشهورة: «تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر».

لماذا منع صدام المواكب الحسينية في زيارة الأربعين ؟

إذن كان صدام مرعوباً من أي تجمع اوأي فكر اوأي اتجاه !

يقول أبوعلي (قيادي بعثي سابق) بأن صدام سمح بزيارة الأربعين لسنة واحدة قبل سقوطه بسنوات واجتمع بنا في ليلة الاربعين بشكل طارئ عندما تناقلت وسائل الإعلام عن وصول اكثر من ثمانية ملايين زائر إلى كربلاء موبخاً اعوانه ومعنفاً إياهم عن كيفية تحريك الشارع العراقي بهذا الثقل من قبل شخص مات قبل أكثر من ألف سنة ! ولم يصرف فلساً واحداً.

فسألهم عما فعلوه طيلة ثلاث عقود من العمل السياسي ونهر من النفط والمال يغدق على مشاريعهم وشراء الذمم والسياسيين في كل انحاء العالم !؟

وقال بالحرف الواحد: انها ثورة حقيقية ولكنها بدون قائد !

الحاج علي حسين الباوي ( 75 سنة)، من المواظبين على زيارة الاربعين منذ طفولته ونادرا ما تخلف عن هذه الزيارة اخبرنا بأنه تعرض الى  عمليات اعتقال ومنع عدة على يد السلطة رغم انه غير سياسي ولم تكن لديه أي رغبة في ممارسة السياسة في حياته وابنه حازم كان قد اوقف من قبل «الرفاق البعثيين» وهويروم زيارة الأربعينية وهوداخل بغداد ونال من التعذيب والاهانات ما جعله يترك العراق وينجوبنفسه لان الزيارة كانت ادت الى اعدام المئات ولربما الالاف من العراقيين...

الحاج محسن الصائغ (52 سنة من اهالي المشخاب)، هذا الرجل من العشاق الدائمين لزيارة الاربعين ولم يترك هذه الشعيرة ولا زيارة الحسين وكل ليلة جمعة من كل اسبوع منذ اربعين عام ! فقط مرة واحدة تخلف عن الزيارة ليلة الجمعة الاسبوعية بسبب حادث احتراق ابنه ! فترك ابنه الراقد في المستشفى في اليوم التالي فأكمل زيارة الحسين وعاد الى ابنه بعد ان دعا الله سبحانه وتعالى بحق الحسين ان يشفي ابنه.

حكايات عجيبة

وهناك حكايات كثيرة لشباب وشيب ونساء تحكي قصصا عجيبة عن طرق عبورهم عبر مسالك شائكة ومعقدة من نقاط التفتيش التي كانت تعد بالمئات من قبل عناصر الحزب والامن والمخابرات لمنع الوصول الى كربلاء والتمتع بزيارة الاربعين. قصص كثيرة بدأت وانتهت مع نهاية نظام فاسد جائر أثبت بانه لا يجيد سوى الاستئساد على ابناء البلد ولا يمتلك سوى مهارة الاختباء في الحجور المظلمة..

حسن النجفي ( كاسب 28 سنة) يصور حالة البطش بالزوار واستعداء اهل البيت (ع) بالادوار التاريخية وصدام جزء من هذا الدور وحلقة من سلسلة تمثل الشر والباطل والنكوص الفكري امام فكر رباني نير وسير متألقة تنور دروب الاسلام والانسانية.

ومن صور الايمان والتواصل مع الله والرسول واله (ع) هي صورة واقعية معاصرة للشاب علي قاسم (12 سنة) الذي قطعت يمينه في حادث تفجير عاشوراء الكاظمية الذي زرناه في مستشفى الكاظمية مع عدد من الاعلاميين وبحضور مدير المستشفى وبعض الاطباء، ونحن نحاول ان نقوم معنوياته وزرع الامل فيه! وجدنا انفسنا ضعفاء امام شاب قوي وشجاع ومؤمن وعاشق للرسول وآله وهويكرر ليتني مت شهيداً... فهذه اليد قليلة بحق الله، بحق الرسول، بحق الحسبن (ع) هيهات ان ننثني امام الارهاب وستبقى ذكرى الحسين مناراً للبشرية...

وودعناه وهويكرر: لوقطعوا ارجلنا واليدين _ نأتيك زحفا سيدي يا حسين.

 

 





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع