العدد

155 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 10:35 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

نبؤات؟سينية يترجمها الواقع

الثابت والمتغير في واقعة عاشوراء التاريخية

سكينة العكري×

    واقعة عاشوراء، كغيرها من الوقائع التي لا يتسنى للمرء أن يدركها على؟قيقتها في زمانها، إذ لا بد من مرور فترة طويلة، على وقوعها، وبروز ردود الفعل،؟تى يصبح بالإمكان معرفة؟قيقة الحدث بشكل أفضل، والأمر نفسه ينطبق على الشخصيات التاريخية فالشخصيات التاريخية نادراً ما ترى التقدير المناسب لها، وهي على قيد الحياة، بل إن قيمتها غالباً ما يتم اكتشافهاً بعد مماتها.

ففي؟ديث للامام علي (ع) في نهج البلاغة، وهو على فراش الموت:؟غداً ترون أيامي، ويكشف لكم عن سرائري». أي أنكم لم تعرفوني في؟ياتي، وستكشف لكم الأيام من أنا، وماذا خفي من شخصيتي، وهذا ما؟صل بالفعل، فالناس الذين جاؤوا بعد وفاة الإمام علي (ع)، عرفوا عليّاً أفضل ممن عرفوه أيام؟ياته.

وقد تقع؟ادثة اجتماعية معينة، ولا يمكن معرفة ما هيتها، الا بعد زمن طويل، ويتطلب الأمر أكثر من ألف عام،؟تى يتم اكتشاف جوهر تلك الحادثة وماهيتها، ولعل؟ادثة عاشوراء هي من ذلك النوع من الحوادث. وهنا بإمكان المرء أن يدرك أهمية النهضة الحسينية، وكم كانت مفيدة لعالم الإسلام، وكيف أنها استطاعت أن تمزق الحجب، وتوقظ بعض العقول الغارقة في سباتها العميق.

لقد تغير الحال في زمن الامام الحسين (ع) كثيراً، ويكفي أن يفكر أحد في رؤية خليفة المسلمين، وهذا الأمر كان يحسه ويدركه جيداً المسنون، فإنهم عندما يأتون إلى مركز العالم الاسلامي، يرون شاباً يناهز عمره الثلاثين عاماً، قد تربع على عرش الخلافة إنه وسيم الوجه، ينظم شعر الغزل والوصف، وأغلب أشعاره في وصف كلبه، أو جواده، أو القرد الذي يلازمه في تحركاته، ومن يحاول الوصول إليه لا بد له أن يمر عبر سبعة؟واجز أمنية، ولم يكتف بذلك، بل إنه قد وضع؟رساً على كل باب وحاجز، ليفتشوا الزائر بكل دقة وتعقيد، قبل أن يصل إلى ساحة مجلسه.

وماذا يرى في ذلك المجلس؟ سيرى شاباً مستلقياً على عرش ذهبي، محاطاً بكل أجواء الجلال والهيبة، وإلى جواره وضع لزائريه وحاشيته عدداً من الكراسي المرصعة بالذهب والفضة، وإلى جانب؟الخليفة» يجلس ذلك القرد المدلل، وقد ألبسه أفخر اللباس المرصع بالذهب.

أتستطيعون أن تتصوروا الحالة؟ شخص كهذا يقول: أنا خليفة النبي، ويريد كذلك أن يطبق التعاليم الإلهية، فيصلي بهم صلاة الجمعة، وهو إمام جماعتهم، وخطيبهم، وصاحب الوعظ والارشاد للمسلمين؟

في ذلك العصر لم تكن وسائل الاتصال الجماهيري قد اكتشفت، وبالتالي فإن أهل المدينة مثلاً لا يعرفون شيئاً عن مجريات الأوضاع في الشام، وحركة المواصلات، أو رحلات السفر بين المدينتين كانت قليلة ونادرة أيضاً، ومن كان يسافر لم يكن باستطاعته أن يعرف شيئاً عن أوضاع القصر والخلافة في الشام.

بعد واقعة الامام الحسين (ع)، سمع أهل المدينة بخبر مقتل ابن نبيهم فتعجبوا للأمر فأرسلوا وفداً منهم للتحقيق والاستطلاع إلى الشام، ليستخبروا عن أسباب مقتل الامام الحسين ولدى عودة الوفد إلى المدينة سألهم أهلها عن؟قيقة الأوضاع؟ فقالوا يكفي أن نقول لكم إننا وطوال مكثنا في الشام كنا نتوسل إلى الله أن لا يمطر علينا؟جارة من السماء، ونقول لكم إننا جئناكم من عند؟اكم فاسق شارب للخمر لاعب للقمار ولا هم له سوى ملاعبة الحيوانات والقرود والاستمتاع بآلات اللهو والموسيقى والغناء وارتكاب الزنى؟تى مع المحارم، وأنتم في؟ل من بيعته.

وهكذا قامت المدينة وانتفضت انتفاضتها الدموية المعروفة (واقعة الحرة)، وما أكثر الذين انتفضوا بعد واقعة كربلاء، نعم إن الامام الحسين(ع) ظل يردد على الدوام؟تى آخر لحظة من؟ياته:؟وعلى الاسلام السلام، إذ بليت الأمة براع مثل يزيد».

ولكن لم يكن يفهمه أحد آنذاك، لكنه باستشهاده هز العالم، وتحركت جماهير الأمة، وصارت تفتش عن الحقيقة، وعندها أدركت أن ما كان يخفى عليها، كان يراه الامام الحسين بنظره الثاقب، وإن كان من وراء الحجب والاستار، وعندها فقط صدقوا ما كان يقوله الحسين، واقتنعوا به، وصاروا يقولون إن الحق معه.

الثابت والمتغير

إن للتحريف سابقة تاريخية طويلة. والقرآن الكريم يحدثنا عن التحريف بحق الكتب السماوية. كما أن التحريف يشتمل على قسمين: لفظي ومعنوي والموضوع المحرف يمكن أن يشتمل على أقسام عدة.

يقول المرحوم (آيتي) في كتابه؟تحليل تاريخ عاشوراء»:؟إن أسر أهل بيت الإمام، شكل عاملاً مهماً في انتقال وقائع عاشوراء الحقيقية إلى الناس، ومنع تحريفها». ويشير إلى أنه ينبغي أن نلاحظ بأن تاريخ أبي عبدالله الحسين (ع)، يعتبر تاريخاً محفوظاً ومصاناً، لا سيما وأن خصوصية الفاجعة إضافة إلى عظمة الحادثة، وهيبة بيت النبي (ص)، أمران قد ساعدا، على درج التفاصيل الجزئية للواقعة.

لذلك نرى أن جزئيات الواقعة، قد وردت بأسانيد متواترة، ومحكمة، في تواريخ عدة أمثال الطبري وابن الواضح اليعقوبي، وأبو الفرج الاصفهاني وهم مؤرخون عاشوا في القرن الثاني والثالث والرابع للهجرة. وقد نقل جميع هؤلاء وقائع عاشوراء على لسان رواة موثوقين. ويؤكد (آيتي) في كتابه على اهتمام نساء أهل البيت بالخطبة والخطابة في المناسبات المختلفة، على الرغم من وجود الإمام علي بن الحسين (ع) معهن، ما هو في الحقيقة إلا محاولة منهن لمنع وقوع  التحريف.

ولكن على الرغم من ذلك، فإن واقعة عاشوراء اعترتها التحريفات عدة، فمن بينها ما ورد في التواريخ أن يزيداً قد كتب إلى زياد (بعد وصول أخبار ورود مسلم إلى الكوفة إليه ) يقول له ـ في الأمر الذي وجهه إليه في تولية الكوفة:

«أنه كتب إلى شيعتي (أي جواسيسي) من أهل الكوفة، يخبروني أن ابن عقيل في الكوفة، يجمع الجموع لشق عصا المسلمين». والصحيح ان هذا القول ورد على لسان ابن زياد نفسه، وهو يخاطب مسلم بن عقيل بعد القبض عليه:«إيه يا بن عقيل، أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتتهم وتفرق كلمة بعضهم على بعض».

لكن هذا التحريف قد رد عليه مسلم في الحال عندما قال لابن زياد:؟كلا لست لهذا أتيت، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى؟كم الكتاب...»

 

وأما التحريفات التي لحقت بواقعة عاشوراء فهي على نوعين، لفظية ومعنوية:

التحريفات اللفظية: قصة عرس القاسم، التي كما يبدو أنها من الخرافات؟ديثة العهد، وقصة فاطمة الصغرى في المدينة وإبلاغ الطير الأخبار لها، وقصة؟ضور ليلى في كربلاء، والادعاء بأن الحسين (ع) قد أمرها أن ترجع إلى إحدى الخيم، وتنشر شعرها، بعد أن خرجت من المخيم، والشعر المختلق بهذا الخصوص على لسانها:

نذر علي لئن عادوا وإن رجعوا        لأزرعن طريق الطف ريحاناً

وقصة الطفل الذي كان لأبي عبدالله (ع) في الشام، وكيف أنه أراد رؤية أبيه فجاؤوه برأس الحسين، ومات هناك، وغيرها كثير من القراءات أو العبارات التي ترد في المآتم، والتي تظهر أهل البيت أو أصحاب الحسين يلتمسون شربة الماء، بكل ذل من الأعداء.

التحريفات المعنوية: نهوض الحسين وقيامه، كان؟الة استثنائية، وبأمر خاص سري اختص به من قبل الله سبحانة وتعالى، وأن الامام الحسين (ع) بعمله هذا، قد افتدى ذنوب الأمة جميعاً، وهذا الادعاء من دون شك نوع من التأثير المسيحي على أفكارنا، فالامام الحسين بنظر هؤلاء المحرفين قد قتل؟تى يضمن خلاص المذنبين من عذاب يوم القيامة، وحتى يكون شفيعاً لهم لغفران معاصيهم. والحادثة التالية تؤكد ما تم قوله: ( قيل لأحد الأشخاص: ترى لماذا لا تصلي ولا تصوم وتشرب الشراب؟) قال: أنا؟ ألا تروني ليلة الجمعة، وقد اشتهرت بالضرب واللطم على الصدر وهل هناك أحد يجهلني؟ ثم، أبعد ذلك تطلب مني أكثر من هذا؟ فيا للأسف كيف تحولت مدرسة الحسين (ع)، عوضاً عن أن تكون مدرسة:؟أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر» صارت مدرسة لصناعة الرجال من أمثال يزيد، وابن زياد. وعلى أساس مثل تلك الأرضية قامت الأساطير والخرافات.

مسؤولياتنا اتجاه ما جرى

المسؤولية هنا على قسمين: مسؤولية العلماء، ومسؤولية العامة  ومعروف هنا أن العلماء يلقون باللائمة على عامة الناس، إذ يعتبرون جهل العامة وتقصيرهم هو الأساس. وفي المقابل فإن العوام يلقون باللائمة على العلماء ويقولون:؟إن السمك إنما يفسد من رأسه وليس من ذيله». و ينبغي أن نعلم جمعياً بأن المسؤولية تقع هنا على الطرفين معاً، فالتحريف يبيد صورة الشيء، فالامام السجاد مثلاً الرجل المريض والعليل، صار الواحد منا عندما يريد اتهام شخص بالعجز والضعف يقول له: ما بالك وقد أصبحت مثل الإمام زين العابدين، عليلاً، في؟ين أنه (ع) لم يعرف عنه أنه مرض يوماً الا أيام وقائع عاشوراء، وليس كما يصوره البعض. وحتى نتمكن من الاستفادة من تاريخنا، لا بد من؟يازة المعلومات الصحيحة، بينما المعلومات الخاطئة لا يمكن لها أن الا أن تترك الأثر المعكوس على؟ياتنا، ومن هنا تأتي مهمة العلماء من؟يث وضع المتون الواقعية للحديث المسند بيد الناس، وعرض  الوجه الحقيقي للشخصيات الكبرى في التاريخ على الجمهور، وتسليط الأضواء على المتون الواقعية لحوادث التاريخ، وكشف الكذب. بعدها يأتي دور العوام،؟يث أنهم الطرف المستهلك لهذه الأقوال والحكايات المحرفة، وواجبهم أن يتجنبوا الاستماع إلى مثل تلك الخرافات، ورفضها من خلال الارشاد الاجتماعي للأفراد.

×كاتبة بحرانية





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع