العدد

155 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 9:44 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

نسخة عثمان من المصحف ومكان تواجدها

دمشق ـ عبد الحميد ثابت المشوح

المصحف الشريف معجزة الرسول محمد (ص) في كل عصر ومكان، وجوهر لكل زمان ومكان، وفهم هذا الدين الحنيف معناه التجديد والتطبيق بما يتلاءم وحياة الإنسان في هذا الكون. والقرآن كتاب الله المنزل، وحجته الخالدة، كان ـ ولا يزال ـ موضع تكريم وتقديس لدى المسلمين، حتى تلك الدول التي لا يدخل القرآن في شؤون حكمها وإدارتها، ولا يوجد بيت من بيوت المسلمين إلا ويحتفظ بنسخة أو أكثر من هذا القرآن الكريم.

من المعروف أن هناك ست نسخ من القرآن الكريم الذي جُمِع في عهد عثمان بن عفان ثالث الخلفاء (رض)، وقد أُرسِلت خمس منها إلى كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة والكوفة والبصرة والشام، وبقيت نسخة واحدة منه لدى الخليفة عثمان الذي اغتيل سنة 656 ميلادية وهو يتلو بعضاً من آياته فخضب دمه إحدى صفحات هذا الكتاب العظيم عند الآية الخامسة من سورة البقرة.

ويُحفظ اليوم في مدينة طشقند عاصمة أوزبكستان في متحف تاريخ شعوب الجمهورية مصحف قديم كبير الحجم كتب على الرق، وفد إليها من مدينة سمرقند، والأحاديث المتداولة انه نسخة المصحف نفسها التي كان بين يدي عثمان عند اغتياله.

وفي العام 1869 أثار هذا الكتاب العظيم اهتمام محافظ إقليم وادي زيرافشا واتفق مع شيوخ مسجد خوجا أحرار على أن يأخذ منهم المصحف ليرسله إلى طشقند، ولكنه نكث بوعده، وأرسله إلى بطرسبورغ السوفياتية ورغم المطالبة المستمرة من مسلمي أوزبكستان، لم يجدوا من يستمع إليهم بعودة هذا المصحف الشريف.

وعند انتصار ثورة تشرين الاول ـ أكتوبر ـ الاشتراكية العام 1917 أمر لينين مفوض الشعب لشؤون التنوير (وزير المعارف) إعادة نسخة المصحف الشريف إلى مسلمي روسيا في طشقند، فنقل في عربة قطار خاصة وقامت بمرافقة المصحف شخصيات دينية مسلمة.

والسؤال الذي يطرح نفسه دائماً بين أئمة المسلمين كيف وصل هذا المصحف الشريف إلى سمرقند وفي أي وقت ومن أين وإلى من ترجع أسباب ذلك؟

كلنا يعرف أنه بعد مرور نصف قرن فقط على نزول القرآن الكريم على نبي الهدايا محمد بن عبد الله (ص) بلغ هذا الدين الحنيف ربوع تركمانستان، وتركز في المدن الكبرى مثل بخارى وسمرقند.

ومعروف كذلك لدى غالبية الأدباء والمثقفين ورجال الدين أنه في نهاية القرن السابع الهجري قامت علاقات طيبة بين خانات القبيلة الذهبية وبين الملك الظاهر بيبرس المنحدر من آسيا الوسطى بخاصة أن أغلب الروايات تفيد أن بركة خان الذي صار المسلم الأول بين أحفاد جنكيز خان كان يسعى دائماً إلى إقامة علاقات جيدة مع ملوك مصر، ولجأ الطرفان ـ وعلى نطاق واسع ـ إلى التراسل وتبادل السفراء والهدايا، وأقام هذان الملكان المسلمان العلاقات بغرض إضعاف قدرة دولة هولاكو الوثنية في إيران، ووصلت ذات مرة الهدايا المصرية إلى القبيلة الذهبية، وكان بينها إحدى نسخ عثمان بن عفان من المصحف الشريف، والذي نقل من سمرقند إلى بطرسبورغ، ولا يُستَبعد أن يكون ذلك المصحف هو نفسه الذي نقله تيمورلنك إلى مدينة سمرقند بعد انتصاره على قوات أبناء خان عندما غزا مدينة ساراي العام 1397، وهذا الافتراض يُعتقد انه الأنسب ولا داعي لدحضه إذ أن داحضيه يفتقرون إلى إثبات المخالفة، ومن الافتراضات التي يقبلها المنطق ما ورد في كتاب " تحفة النظار في غرائب وعجائب الأسفار " لابن بطوطة والتي أورد وعلى لسانه يقول: " في أثناء إقامتي في سوريا رأيت في المسجد الأموي في دمشق مصحفاً مخطوطاً بحروف كوفية، ورأيت مصحفاً مماثلاً في مسجد علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه)  في مدينة الكوفة، أما المصحف الشريف الذي رأيته في دمشق فقد احترق أثناء الحصار الذي فرضه تيمورلنك على هذه المدينة بينما نقل تيمورلنك المصحف الذي كان في البصرة إلى سمرقند، وهذه الفكرة أيدها المستشرق الروسي شيبونين قائلاً: «لقد زار ابن بطوطة مدينة البصرة قبل غزو تيمورلنك لسوريا، وبالتالي لا يمكن أن تبقى تحفة كنسخة الخليفة الراشدي من المصحف خارج اهتمام تيمورلنك باعتباره قائداً مغروراً كثيرا».

وهكذا، فإن الأبحاث تؤكد وتعطي أساساً للاعتقاد الجازم أن نسخة طشقند هي من نسخ المصحف الشريف التي استنسخها عثمان بن عفان، ومن ثم وبغية المزيد من الوضوح ينبغي التذكير أن نسخ عثمان التي أرسلت إلى الأمصار يومئذ لا تزال حية حتى أيامنا هذه، وبينها نسخة طشقند وهي مخطوطة بالخط نفسه، وهذا الخط بعيد تماماً عن تلك التحديثات والتعديلات التي شهدتها الكتابة الخطية العربية في عصر الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان أي في سنوات 86 ـ 96 هـ حينما ظهرت القراءات المختلفة بسبب تكاثر أتباع الإسلام من غير العرب، ويعتبر ذلك حجة مهمة تؤيد ما نقوله، وهي أن نسخة طشقند يمكن اعتبارها إحدى نسخ المصحف الشريف الست التي استنسخها عثمان، وربما تكون النسخة التي كان يتلوها عندما قتل.

 

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع