|
بين مقعده ومقاعدهم
المشهد العربي بعد اغتيال ياسين
حتى استشهاد أحمد ياسين كان للكرسي في المخيلة
العربية، وربما الانسانية، بالاضافة الى معنى التسلط والتنفذ، معنى
الاعاقة، واذا كان المعوق جسدياً، كما كان حال الشيخ الشهيد، ملتصق
بكرسيه بحكم الضرورة والاضطرار، فإن بعض الحكام العرب اشتهر
بالتصاقه الطويل بكرسي الحكم، فأضحى بذلك رمزاً استثنائياً، في هذه
المرحلة من تاريخ العالم، للاستبداد والطمع بمكاسب الكرسي
وامتيازاتها. والمعنيان هنا الاعاقة والتسلط) رغم الفارق بينهما،
هما معنيان سلبيان.
ولكن استشهاد ياسين في خلال انتقاله على كرسي
متحرك من مسجد صلاته الى بيت سكنه وعائلته، أضفى على الكرسي بعداً
من الايجابية كبيراً وصل بها الى حد الصورة السوريالية التي ستكون
مصدر وحي للفنانين بفنونهم المختلفة. (في عدد النور هذا مادة شعرية
وأخرى تشكيلة مصداقاً لذلك) والشاهد أنه بتحرر روح ياسين من
اعاقته الجسدية كانت كرسيه تتحرر من رمزيتها للضعف والمرض لتصبح
رمزاً لقوة روحية لا حد لها في مواجهة الاستضعاف، ولتصبح رمزاً
للبطولة المستخفة بأعلى ما وصلت اليه التكنولوجيا من تفوق، بخاصة
في الجانب التقني العسكري منها فعندما تنفذ مروحية مجهزة بأحدث
آلات القتل والاستهداف والتصويب عملياتها ضد عاجز معوق على كرسيه
المتحرك تتبدد عن التكنولوجيا كل معاني التطور وتنكشف اوهام
التمايز الانساني بين مجتمعات التقدم الصناعي وبقايا مجتمعات
الحرفة والزراعة التقليدية، وتلتصق بالتقدم التكنولوجي كل معاني
الاجزاء الانسانية.
تسامى مؤسس حماس ومرشدها الروحي فوق قاتليه
الذين استجلبت لهم جريمتهم لعنة شاملة في كل أنحاء العالم. لعنة
شملت البعدين السياسي والانساني.
والجماهير العربية، التي أثارت هذه الجريمة
غضبها، و أنزلت بعض شرائحها الى الشارع في تحركات احتجاجية، وزعت ن
غضبها على شارون وعلى معظم الحكام العرب الذين تتهمهم هذه الجماهير
مرة بالعجز مرة بالتعاجز الأقرب الى التواطؤ، وبلغت فاجعة الجمهور
العربي بحكامه الذروة عندما أعلن خبر غامض الغاء اجتماع القمة
العربية، التي كان مقرراً لها تعقد في نهايات الشهر الماضي وهو
نبأ لم تفصله عن استشهاد ياسين سوى أيام قليلة.
وهنا ازدادت مساحة الالتباس وتشابكت خطوط
الرؤية بين وقائع تتكرس وأوهام تتبدد من الوقائع المكرسة غياب الحد
الأدنى من الجدية في الموقف العربي الرسمي من الملفات الكبرى
المتفجرة والمرشحة للتفجر في ساحة العمل العربي المشترك وانعكس ذلك
انسحاباً شبه كلي للنظام العربي الرسمي من واقع الصراع في الضفة
وغزة ما عدا استثناءات قليلة بعضها حكم التشابك الجغرافي وبعضها
الآخر بحكم التشابك الديمغرافي، ومن الوقائع رفع وتيرة الخطاب
الانتقامي الثأري الى حد يجري استبعاد كل اجراء عملي معه. وانحصار
دائرة الفعل بشرائح صغيرة قريبة من دوائر قرار ارسال الفدائيين في
عمليات استشهادية يتجدد الجدل حول طبيعتها وهدفها ونتائجها. ولا
يفسح الفلسطينيون في دائرة التماس، والعرب في الدائرة الاوسع، في
المجال كي يسمع اصحاب الآراء المختلفة بعضهم بعضاً بل ان الساحات
مهددة بانحدارها الى صراعات جانبية تغطي على الصراع الاساس هذا اذا
تجاهلنا تباشير الحملات والحملات المضادة ما يذكرنا بتجمعات لم
تتغير كثيراً عن ما كانت عليه في مراحل صراعات المحاور والتيارات
وابرز ما يلفت في هذا المجال الهجوم المبالغ فيه على بعض المبادرات
التي تدعو الى عمل سياسي مقاوم يتجنب قدر الامكان العمليات
الاستشهادية وذلك بدواع تكتيكية تارة واستراتيجية تارة اخرى، تقول
بأن مثل هذه العمليات تساعد الجانب الاسرائيلي في التماهي مع قوى
دولية كثيرة (وليس الولايات المتحدة وحدها) وبالتالي تؤدي الى عزل
الجانب الفلسطيني عن مواقع صداقية مهمة.
في الجانب العملي باءت حملة الاسرائيليين
الهادفة الى تصنيف ياسين في مجرد خانة الارهاب لأن حضوره في حياته
مثل دوراً قيادياً في خط الاعتدال والوسطية. وكان في هذه المجال
قادراً على ملء فراغ كبير في الحياة السياسية لابناء فلسطين بعامة
ولابناء غزة بخاصة الأمر الذي استدعى قتله في اطار خطة تعمد الى
افراغ الساحة من الرموز القادرة على قيادتها الى شاطئ الامان، أيا
تكن خطط الاحتلال المستفحلة سواء كان انسحاب من جانب واحد ام إعادة
احياء خريطة الطريق أم غير ذلك من مخارج ممكنة.
ولكن في الجانب العملي ايضاً تمكنت اسرائيل
مباشرة او بصورة غير مباشرة بقتل احمد ياسين بتوجيه ضربة شديدة
الخطورة لكل ما تبقى من عمل عربي مشترك سواء كان بحثها يرتبط اولاً
|