|
حوار الحضارات لا صدام الثقافات
قراءة تحليلية فى
نظرة الخوئى إلى الآخر
إعداد: د. دنيا القلينى
باحثة فى جامعة الاسكندرية
الحضارة: هى مجموعة المفاهيم عن الحياة
لكنها ليست مفاهيم ساكنة وإنما هى مؤثرة تشكل الحياة من حيث السلوك
ومن حيث التسخير، ومن الطبيعي أن ترث أو تتجاور مع حضارات أخرى لها
مفاهيمها ولها حركتها.
والسؤال ما هى
العلاقة بين الحضارات المتزامنة والتاريخية؟ ما من حضارة موجودة
إلاَّ ولها جذر حضاري تاريخي، وما يجب أنْ يهتم به المفكرون هو
معرفة أصول الحضارة الغربية وجذورها إذ أخذت تسعى جاهدة للعولمة
باعتبار حتميتها، ومن هنا تبرز خطورتها واضحة للعيان وقد ظهرت
توجهات متعددة حول العلاقة مع هذه الحضارة فالبعض يرى قبولها مطلقا
وآخرون قبولها مع التحفظ وجمع ثالث يصم أذنيه ويغلق عينيه عنها،
وجمع يرى الحوار معها (حوار الحضارات).
فمنذ صدور دراسة (صمويل هنتنغتون) عام 93
والنقاش لم يتوقف حول صراع الحضارات، واحتل الصراع بين الحضارتين
الإسلامية والغربية النقاش الأبرز والاحتمالات الأقوى، رغم الوضع
المتردي الحالي للعالم الإسلامي، لكن هذا الوضع لم يمنع أنصار
الصراع في الغرب من التأكيد على أن المسلمين يمثلون الخطر القادم
المنافس للحضارة الغربية.
على الجانب الأخر خرجت
الكثير من الدعوات العاقلة من الشرق تنادى بالحوار بدلا من الصدام
مرتكزة في ذلك على ان دعوة حوار الحضارات هي البديل الموضوعي
والايجابي لطرح صدام الحضارات الذي خرج من أفواه بعض المثقفين في
الغرب عقب انتهاء الحرب الباردة بين الشرق الشيوعي بقيادة الاتحاد
السوفيتي السابق والغرب الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة وتعددت
تفسيرات خروج طرح صدام الحضارات ما بين افتراض ان الدعوة لمواجهة
عدو جديد على أسس حضارية وليست إيديولوجية توفر رؤية مشتركة للغرب
وسببا للحفاظ على تماسك تحالفه السياسي والثقافي خوفا من منافسات
اقتصادية فيما بين دولة قد تؤدي الى صدامات قد تنهى التحالف
الغربي، و أيا كانت دوافع أطروحة صدام الحضارات، فقد كان رد الفعل
المتوازن والعاقل في آن واحد هو الداعي إلي حوار الحضارات، وهي
دعوة تبنتها دوائر كثيرة عبر العالم، خاصة في العالم الإسلامي.
التمازج الحضاري:
ولد السيد عبد المجيد الخوئى في العراق تلك
الدولة التي تتمتع بموزائيكه جميلة متمثلة في تشعب انتماءات أبنائه
وتعدد قومياته وطوائفه الممتدة من الشمال إلى الجنوب وبين سهوله
ووديانه، بما يعكس أجمل صورة من صور التعايش الحضاري الذي يبحث
العالم عنه اليوم ضمن موضوع حوار الحضارات.
وفى مسيرة السيد الخوئي محطات أساسية أثرت في
وعيه و منهجه العام خاصة بعد انتقاله للعيش في بريطانيا، الأمر
الذي فتح امامه أفاقا واسعة للإطلاع على الحضارة الغربية متمثلة في
بريطانيا والتي يمارس الجميع فيها حرياتهم في إطار القانون، الأمر
الذي ساعد على انتشار الإسلام في تلك الدولة التي تسمح بالتبشير
الديني.
والفقيد يستند في ذلك
إلى رؤيته الخاصة التي تتفاءل بمستقبل الإسلام عالميا حيث يقول "
إن هذا القرن وبوضوح هو قرن الإسلام وبعث الإسلام من جديد على
العالم اجمع " ولكنة ووفقا لرؤية السيد الخوئي " إسلام قادم من
الغرب" لذا امن الخوئي بأهمية الحوار الحضاري ذلك الحوار الذي يملك
شجاعة سماع الآخر وقبوله، كما يملك أيضاً شجاعة تجاوز جميع عقبات
هذا الحوار الحضاري، في أشكاله المختلفة، سواء أكانت فوارق تاريخ
أو أعراق أو أديان أو أجناس أو ألوان أو أديان مع ذلك نظر السيد
عبد المجيد الخوئى بشك إلى دعاوى الحوار الحضاري بشكلها الحالي
والتي يبقى الحوار خلالها مجرد نظريات وكلمات ينحصر تأثيرها داخل
المؤتمرات بينما يظل القرار النهائي للقوة والسلطة وللمصالح
السياسية العليا بين الأطراف لذلك فالحوار في حد ذاتة ليس حلا
نهائيا فعلى المجتمع العربي والاسلامى بصفة عامة تقوية مصادر قوته
(فكريا واقتصاديا وسياسيا) وإذا كان الحوار يشكل المرحلة الثانية"
فعلينا أولا أن نتحاور داخليا داخل البيت العربي والإسلامي ومن ثم
نتحاور خارجيا مع الأخر ولا يغفل سماحة السيد الخوئى أهمية اكتساب
المزيد من الأصدقاء في الغرب لذا دائما ما عبر الفقيد عن امتنانة
لما يبدية ولى العهد البريطاني الأمير تشارلز من اعتزاز برسالة
الإسلام والأمر ذاته بالنسبة لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير
الذي دعى شخصيات إسلامية الى الاحتفال بعيد الفطر المبارك مؤكدا
احترامه للدين الإسلامي وتقديره لتفاعل البريطانيين مع الإسلام
كرسالة وخلق جدير بالإقتداء، وكانت زيارة تونى بلير رئيس وزراء
بريطانيا إلى مؤسسة الامام الخوئي الخيرية في لندن - وهى الزيارة
الأولى لرئيس وزراء بريطاني - إلى مركز إسلامي في تاريخ وجود
المراكز الإسلامية فى بريطانيا قد أعطت للجالية المسلمة نوعا من
الدعم والقوة لأن المسلمين شعروا أن هناك من يدافع عن حقوقهم وهناك
من يمكنه إيصال صوتهم إلى مراكز صنع القرار
الآنا والآخر:
تمتع السيد الخوئي بسعة فى رؤيته لقضية الأنا
والآخر منطلقا من تحرره من عقدة اصيب بها الكثيرون من قبله الا وهي
«عقدة الغرب والعداء له» وهو يسلك في تلك الرؤيا سلوكا نقديا
تحليليا دون حساسيات أو قوالب مسبقة، فمثلا يرى" ان المسلمين قد
فتحوا الأندلس بالقوة والفاتح ينظر للعملية على أنها نصر عظيم
بينما يعدها أهل البلد عملية غزو وان الفاتحين هم غزاة ومستعمرون
بطريقة او بأخرى وان كانوا أصحاب رسالة دينية آو حضارية ويرى السيد
الخوئي، أن التعددية فى جوهرها تعنى ثلاثة أمور: الاعتراف بوجود
التنوع " كان الناس امة واحدة فبعث اللة النبيين مبشرين ومنذرين
وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس في ما اختلفوا فيه ولو
شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين " لذا فعلينا
احترام هذا التنوع وقبول ما يترتب عليه من خلاف واختلاف في المصالح
والاهتمامات والاولويات في إطار صيغة ملائمة للتعبير عن هذا
التنوع وبذلك يتميز موقف الإسلام في موضوع العلاقة مع الأخر بأنة
قائم على أساس التعايش الايجابي وفقا لقواعد تنظيمية أهمها العمل
بما فيه الصالح العام وحماية الحقوق الأساسية للأفراد تحديد
سلطاتهم التي يرجعون أليها في اختلافهم على أن يتم ذلك على أساس
التعاقد وليس على أساس فرض السلطات الدينية خاصة.
ولا يقف الإسلام في
علاقته مع الآخر عند التسامح والقبول بمشروعية الآخر وحقه في
الاختلاف فحسب، وإنما يتعدى ذلك إلى اشعار المسلمين بالقيام
بواجباتهم إزاء الآخرين.. فالنظرة إليهم مبنية على أساس المساواة
بين الجميع وألا تفضيل ولا سيادة ولا سلطة لبشر على بشر وأن حرمة
النفس والمال والفكر مطلقة للجميع ولا تفاضل إلا بالتقوى ومدى
الالتزام بالعقود والعهود المبرمة بين الأطراف.
أما فيما يتعلق بمحددات الحوار بين الآنا
والآخر فهي تعكس رغبة متبادلة في التعايش والتفاهم والتعاون
انطلاقا من اقتناع مؤداه أن العالم يواجه مشكلات وأزمات اكبر من ان
تدعي حضارة ما انها تملك المفتاح السحري لحلها، او تدعي أيديولوجية
ما أنها تحتكر الحقيقة بصددها، وإنما يستلزم الأمر إقرار كل طرف
بأنه يملك جزءا من الحقيقة ولا ينكر على الأطراف الاخرى امتلاك
أجزاء أخرى منها ولإقرار أيضا بقدرة الجميع على المساهمة بشكل أو
بآخر في تقديم الحلول لتلك المشكلات وضمان توازن تقدم مسيرة
الحضارات الإنسانية دون إخلال بأحد مكوناتها قد يؤدي إلى حالة عدم
توازن تدخل بالبشرية في مرحلة جديدة من الاضطرابات والفوضى والحروب
العرقية والقومية والدينية تفضي الى الدمار والخراب
.
ولعل ابرز دليل على صدق رؤية السيد عبد المجيد
الخوئي ما اعترف به الكاتب العالمي «بول فندلي» فى كتابه "لا صمت
بعد اليوم " حيث يقول " لم تكن هناك لقاءات بين المسلمين ومعظم
الأمريكيين ، ولم يسمع أو يقرأ الأمريكيون شيئاً عن الإسلام ، ولم
يسمع أو يقرأ الأمريكيون آية من آيات القرآن الكريم ، إن التصورات
التي كانت لديهم حول الإسلام خاطئة..
لقد تم خداع الكثير من
الأمريكيين ورجال الدين المسيحيين حول الإسلام ، فقد كانوا يعتقدون
أن المسلمين يتغاضون عن الإرهاب ويسيئون معاملة النساء ويعارضون
الديمقراطية ...... إن الحضارتين تتفهمان بعضهما أكثر من ذي قبل ،
وسيتم التفاهم بين الحضارتين أكثر في المستقبل ، إن الحضارات تتحرك
نحو بعضهما البعض ، وفي ضوء عصر التنوير التعليمي فإن الاختلافات
الموجودة تتآكل ورغم بقاء سمات رئيسية معينة فإن التآكل الإضافي
سيمحوها.
الحوار بين الأديان:
يرى السيد الخوئي ان هناك مساحات واسعة
متشابهة مشتركة بين قيم الاسلام وبقية الديانات السماوية باعتبار
وحدة مصدرها. واختلاف الإسلام عن بقية الأديان - والمسيحية
بالخصوص، كونه يقدم نظرة واضحة محددة عن معنى الدين في حياة
المسلمين من مصادره التأسيسية الأولى، وان ابتعد المسلمون عنها
فيما بعد، أي تميز الإسلام عن المسيحية من خلال وجود القرآن الكريم
الكامل من دون تلاعب فيه او زيادة او نقصان بين ايدي المسلمين
جميعاً.
وكذلك أيضا امكانية الوصول الى السنة النبوية
الصحيحة وهما مصدرا تشريع الاسلام.
بخلاف المسيحية التي تغير وتعدد كتابها المقدس
وبوجوده لم يكن فيه احكام وتشريعات وحدود كما في القرآن. على مقولة
«ترك ما لله لله وما لقيصر لقيصر» على ان سلطة الكنيسة قد ولدت في
ما بعد بسبب تفكك وضعف وانهيار الدولة الرومانية ووجود الفراغ في
السلطة الذي ملأته الكنيسة ووضعت اسسه الفكرية في القرن الثالث
الميلادي.
ويري السيد الخوئي ان الحوار بين الاديان ينطلق
من حقيقة اعتراف الاسلام باصحاب الديانات السماوية الاخرى واحترامه
لحق كل انسان فى اعتقاد ما يراه دون اجبار او ضغط وفقا للاية
الكريمة «فذكرانما انت مذكر لست عليهم بمسيطر»، وكذلك قوله تعالى:
«لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي».
وقد تجسم هذه المعاني وبشكل واضح في مجتمع
المدينة الذي اقامه الرسول صلى الله علىه وسلم وطبق مفاهيمها عمليا
بسيرته في مواضع العقد والبيعة والتولي والقضاء وحق الدفاع عن
النفس وحرمة الانسان مسلما في العيش والتعبد بشعائره جنبا الي جنب
المسلم، وعقد تحالفات وابرم عقود مع جماعة المدينة وفيهم المسيحي
واليهودي والمشرك والمنافق.
أما آلية هذا الحوار فيمكن استخلاصها من الاية
الكريمة " «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ألا نعبد إلا
الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله»
وقوله تعالى في الحوار والجدال «وجادلهم بالتي هي أحسن».
ويرى الخوئي أن مهمة المحاور أن يبين لهم
حسنات الإسلام ويعرض عليهم افكار وآراء المسلمين في شتي مجالات
الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون التوهم ان ذلك
سيستتبع بالضرورة حمل الاخر على الاعتقاد بالاسلام وفى ذلك يقول:
في احيان كثيرة من الصعوبة بمكان أن نعتقد أن بهذه الندوات
والحوارات يمكن أن نحولهم إلي مسلمين رأسا.
هذا لا يتم حتى في حوار المسلمين فيما بينهم
واساسا الحوار ليس المقصود منه جلب الطرف الآخر إلى مذهب أو إلى
دين. الحوار هو وسيلة وعقيدة مبدؤها واساسها احترام الآخر وقبول
الرأي المخالف والا لم يعد هناك مجال للحوار إن لم يكن هناك اختلاف
مع البقاء والاحتفاظ بأديانهم لكل نفس الطريقة لأنهم بنفس الطريقة
هم يفكرون تجاه المسلمين.
المسيحي الذي يجيء إلى ندوة الحوار يتصور أو
يعتقد بأنه يريد أن يبدل دين بعض المسلمين إلي المسيحية يكون مخطئا
طبعا بهذا التفكير وكذلك المسلم ايضا.
فالندوات انما هي محاور للقاء والتفاهم وعرض
الأفكار والآراء ومن ثم تطبع هذه الدراسات وتوزع على الجامعات
ويقرأها الشباب والتلاميذ والدكاترة وممكن أن يقرأها كل مهتم على
الأقل يكون عنده اطلاع واسع عن التمييز بين الأديان وبالخصوص
الإنجليز انفسهم عندما يريد احدهم اعتناق الإسلام نرشده إلى قراءة
هذه البحوث حتي يكون جامعا في مقدمة ايمانه وأفكاره ليس منحصراً
بالرأي الاسلامى فقط وإنما يسمع رأي اليهود في هذه المسألة وما رأي
المسيحيين في هذه المسألة فعندما يختار الإسلام يكون اختياره عن
اطلاع ومعرفة وعقيدة.
اما عن شرعية هذا الحوار بين الاديان فيرى
الخوئي ان اللجوء الى تلك الحوارات قائم على اساس المصلحة العامة
للامة واستقرار المجتمع واعطاء كل ذي حق حقه.
كما طبق ذلك المسلمون عمليا في المدينة وايام
الفتوحات الاسلامية في الاندلس وغيرها، وكما هو عليه حال المسلمين
اليوم في معظم البلاد الاسلامية، وحال المسلمين في البلاد غير
الاسلامية. لان الاسلام يريد لكل قيمة من قيمه ان تأخذ مكانها
الطبيعي في حياة الناس، سواء بطريقة متفردة او متصلة بالحل
الاسلامي الشامل بقطع النظر عن الاداة التي تشارك النظر في ذلك،
كما يريد للمصير الاسلامي ان يقوي ويتأكد ويأخذ دوره الافعل في صنع
القرار، سواء قام به المسلمون من خلال جهدهم الخاص، او شاركهم به
غيرهم.
ولعنا نستوحي ذلك من تقييم النبي صلي الله علىه
وسلم لحلف الفضول، ودخوله في اتفاقات ومعاهدات مع المشركين من
قريش، ومن غيرهم، من خلال المصلحة الاسلامية على صعيد المرحلة
الزمنية المعنية.
ولقد حدد السيد الخوئي مجموعة من النقاط لخص
بها العلاقة مع اصحاب الديانات الاخرى كان اهما
:
1- ينبغى معرفة الفرق
بين الحوار الديني وبين الحوار للتفاهم والتعايش بين اتباع
الديانات وكذلك ضرورة ابعاد هذا الموضوع عن الشأن السياسي
.
2 - لا دخل للقائمين
على المراكز الدينية فى وقتنا الحاضر بما حدث بين اسلافهم في
الماضى.
3- لا يوجد شخص معين
يمكنه ان يدعى بانه ممثل لهذا الديانة او تلك فلا البابا يمثل
جميع المسيحيين بينما لا يوجد لدى المسلمين مثل هذا المنصب.
4 - ان المعارك
التاريخية التي حدثت بين اتباع الديانات، لم تكن حروبا دينية بتمام
معنى الكلمة، وانما كان سبب الكثير منها صراعات الحكام ومصالحهم
الشخصية وان كانوا يستغلون اسم الدين ويحاولون اضفاء صفتة على تلك
الحرب كما هو الحال وبوضوح في زماننا الحاضر.
5 - التاريخ والتجربة
خير برهان ان الدين أي دين لا يمكنه ان يدخل في قلوب وعقول معتنقيه
عن طريق الحرب واستعمال القوة .فلا المسيحية تمكنت من البقاء في
ارض المسلمين اثر الحروب الصليبية ولا الاسلام بقى في اسبانيا رغم
بقاء المسلمين فيها لستة قرون
الإسلام والعلمانية:
تثار الكثير من
التساؤلات حوال العلمانية ومفهومها وهل تعني العلمانية رفض الدين
ومنعه كما هو الحال في الشيوعية؟
ام هل تعني العلمانية
عدم وجوب فرض الدين واحكامه؟ فتكون القوانين المدنية مستمدة من
العلم والتجارب الاجتماعية وما يوافق رأي الاكثرية بما فيه
التشريعات والاحكام الدينية؟
وللفقيد الراحل موقفه الخاص تجاه العلمانية فهو
يرى ان الانظمة العلمانية الحاكمة مختلفة في التطبيق، فأمريكا
العلمانية هي غير فرنسا العلمانية وبفروقات كثيرة، كما يفترقان معا
عن الانظمة العلمانية الالحادية الى حد التناقض.
وعلى هذا الاساس فان كان المقصود من العلمانية
هو الغرض الاول اي بشرط لا دين فهو امر مرفوض ويتنافى مع الدين
والعقل كونه مخالفا للحرية المطلقة التي تنادي بها العلمانية نفسها.
فالعلمانية من الجانب العقائدي اذا قصد منها
رفض الاديان وما هو معروف بالعلمانية اليسارية الشيوعية والشعار
الذي رفعته في بداية هذا القرن بان الدين افيون الشعوب مرفوضة من
قبلنا كمسلمين حيث ان الشيوعيين ادركوا بان هذه الشعارات كانت
جوفاء واسقطت ما في ايديهم.
مشيرا إلى ان هناك
افواجا كثيرة من الغربيين الاوروبيين والامريكيين على وجه الخصوص
يتوجهون نحو الدين بصورة عامة ونحو الإسلام بصورة خاصة ويتمنون ان
يستزيدوا من هذا الدين لذلك فإن الإسلام يرفض العلمانية إذا كانت
تحارب وترفض الدين أما إذا كانت تعني التعددية وقبول الرأي الآخر
فيما هو صالح للمجتمع من عدمه مع أخذ الدين واحكامه بعين الاعتبار
فهذا لا يتنافى مع الدين بل هو المطبق عمليا اليوم في معظم البلاد
الاسلامية.
ولعل اصدق نموذج له في
البلاد الاسلامية والعربية هو لبنان، كما هو حال لبنان، كما هو
علىه حال المسلمين اليوم عموما في بلاد الغرب العلمانية.
ولذلك فان "التعددية التي تعني التسليم
بالاختلاف تعني الاعتراف بوجود التنوع في المجتمعات بسبب وجود عدة
دوائر للانتماء فيه ضمن هويته الواحدة من جهة واحترام هذا التنوع
وقبول ما يترتب عليه من خلاف واختلافات في العقائد والألسنة
والمصالح وأنماط الحياة والاهتمامات ومن ثم فعل الخيرات والأولويات
من جهة ثانية.. وايجاد صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك كله بحرية وفي
اطار مناسب وبالحسنى وبشكل يحول دون نشوب صراع يهدد سلامة المجتمع
من جهة ثالثة.
موقف الإسلام من العلمانية:
ويرى الخوئي أن نظام العلمانية يضم جوانب
ايجابية متعددة يمكنها أن تساهم في تطوير المجتمعات المدنية وتحسين
الخدمات فيه، ولذلك فمن الصعب تحديد موقف الإسلام من العلمانية
واعطاء رأي صريح لرفضها او قبولها مباشرة دون ان يدرس الباحث جميع
الجوانب المتعلقة بالاطراف الإسلامية المختلفة.
حيث انه يوجد في
العالم الاسلامي مدارس ومذاهب متعددة كما هو الحال بالنسبة
للعلمانية التي يوجد فيها مدارس متعددة يسارية ويمينية ومنفتحة إلى
مطلق عنان الانفتاح ومغلقة ومحدودة في مجال التنمية الاجتماعية
ونظام إدارة المجتمع المدني وما شابه. خاصة أن العلمانية كنظام
يوجد فيها جوانب حسنة ومقبولة ومنها كيفية التنظيم الإداري الجيد
ونمو المجتمع المدني وافساح المجال للبشر بصورة عامة للتفاعل مع
احكام وقرارات تمس حياتهم الدنيوية الفردية. وأنه يوجد في الإسلام
جزء من هذا الجانب علاوة على وجوانب عبادية أخرى على اعتبارأن
الإسلام هو أول دين سماوي فتح الحرية فى التفكير، والحرية في
المعتقد وأساس الحرية في قبول الدين نفسه لقول الله تعالى.... "لا
اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" أي بعد ان يتبين الإنسان
الرشد من الغي وبعد ان يتمسك بها او يعتقد بها ويعرف صواب الاسلام
يلتزم به وان لم يقبل ذلك بسبب قصور في الفهم لديه او عناد لا سمح
الله ليست هناك سلطة يمكن ان تجبره على قبول هذا الامر.
«العلمانية الجديدة»:
وللسيد الخوئي مفهومه الخاص لما يسميه
بالعلمانية الجديدة والتى هى بمنظورها الواسع مكونات الحضارة
الجديدة ويرى انها تتكون من :
أ- انجازات العلم التجريبي
ب- التنظيم المجتمعي الدقيق
ج- قيام العلاقات الانسانية على مبدأ المصلحة
ومبدأ بقاء الاصلح.
ورغم ان ذلك المفهوم
يحمل داخل طياته جوانب من الخير وجوانب من الشر، فلا ينبغي ان
يحملنا ما فيها من شر على حرمان انفسنا مما فيها من خير، كما انه
يتفق مع الاسلام في الجانب المادي منه، وهو قبول انجازات العلم
وتنظيم المجتمع الدقيق، ولا يتنافي مع الاسلام بوجه من الوجوه، بل
ان الامر على العكس من ذلك، خاصة في ما يعود الى مسألة انجازات
العلم التجريبي في مجالات الطبيعة، فان الاسلام من خلال الكتاب
والسنة والفقه يدعو المسلمين الي ضرورة توفير هذا العنصر في حياتهم.
لذلك يرى الخوئي انه
يمكن الاستفادة من التجربة العلمانية لدى الغرب في تحسين وضعنا
الاجتماعي والصناعة المحلية والاقتصاد واعمار المدن.
مؤكدا ان الخلاف
الوحيد بين الاسلام والعلمانية هو في المجال الفلسفي والفكري بسبب
نفي العلمانية لوجود الخالق وهذا يعارض منهج الاسلام والاديان
الاخرى المؤمنة والموحدة خاصة ان اساس ديننا ومعتقدنا هو العقل ولا
فاصل بين العقيدة والعقل ونحن مع الدين بعقولنا لا نمانع في
الاستفادة من غيرنا بسبل تطوير مجتمعاتنا وتحسين اوضاعنا
أميركا في منظور الخوئي
اتساقا مع تصور السيد الخوئي للحوار الحضارى
المثمر بين الاسلام والغرب يضع الفقيد تصورا للعلاقة بين العالم
الاسلامي والولايات المتحدة بصفتها القوة الكونية الكبرى فى مختلفا
في ذلك مع المنظور الذي يرى أن أميركا هي الشيطان الأعظم وهنا انقل
نص الحوار الذى ادلى به الفقيد الى مجلة الغد العربى قائلا:
الغرب ليس امة واحدة ففي الغرب معتدل ومتطرف
وهناك الصديق وهناك العدو والذي يجهل الحالة، أما إشراك الجميع
ووضعهم في خانة واحدة واستعداؤهم جميعا إنما يمثل خطأً سياسيا
كبيرا، وهنا اركز على الحالة الأميركية على وجه الخصوص.. فنحن
نهادي أميركا ونطلق الشعارات في معاداتها وفي الوقت نفسه نعلم جيدا
ان علينا ان نتعامل مع هذه القوة المؤثرة بل على الدول العربية
والإسلامية استمداد يد العون من هذه القوة بداية من السلطة
الفلسطينية وانتهاء بأكبر الدول العربية وأغناها.
لذا لا يمكننا قطع العلاقات بها كليا ومن ثم
التحرك إلى مربع معاداة اميركا كليا.
|