العدد

155 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 10:16 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

السيد عبد المجيد الخوئي:الاخلاق في خدمة المشروع.
 اراد من الدين اسعاد الناس وهدايتهم

حسين الرواشدة×

 ما اصعب ان يكتب المرء عن رجلٍ يحبه، لكنني اعترف انني اكتب ـ اليوم ـ عن السيد عبد المجيد الخوئي، رحمة الله عليه، بعين الباحث المنصف، لا بعين المحب للرجل، المعجب بسماته وصفاته وفضائله، وحسبي من ذلك ان الفقيد كان يمثل نموذجاً للمسلم، المفكر والانسان معاً، مثلما كان يجسد مشروعاً للحوار والسماحة والاعتدال، وعليه فإن الكتابة عن الاثنين، النموذج والمشروع، تبدو اكثر اهمية والحاحاً، لا من منطلق المنهج العلمي فقط، وانما من الاحساس الانساني بمعنى الفقد الذي هو سرّ الموت، ونحن  ـ هنا ـ لا نفتقد الراحل بجسده وحسب، ولكن بما تركه، كنموذج انساني وكمشروع فكري اسلامي، من فراغ يصعب ملؤه او تعويضه.

واذا كانت مهمة الباحث في قراءة تراث الراحل وما خلّفه من بحوث فكرية ومساهمات ثقافية تبدو سهلة وميسورة، فإن إنارة الجانب الانساني منه، وسبر اغوار تلك النفس البشرية التي كانت تجيش داخله، وتلقي بظلالها الندية على كل من عرفه او التقاه، هي الاهم والاصعب، الاهم لأنها الوسيلة المتاحة التي يمتلكها البشر لمواجهة فكرة «الموت»، والاصعب لانها تحتاج الى حفريات من نوع خاص لاكتشاف تلك الالطاف الالهية التي يحظى بها بعض البشر، دون سواهم، وأجزم ان السيد عبد المجيد الخوئي كان واحداً من هؤلاء المحظوظين الذين آنست انفسهم الطمأنينة والرضى، واحتازت محبة الناس، وسكنت لقدرها متعلقة بأمل الوعد الذي لا يخيب، وهمة العزيمة التي لا تلين.

ولو قدّر لي ان اختصر «الانسان» او اختزله في عنوان يضيء رحلة الفقيد ويجليها لكان هذا العنوان هو «الاخلاق» اذ انه المفتاح الاكبر الذي يفتح امامنا ابواب هذه الشخصية، ولا غرو ان يُجمِع كل من قرب منه على ما تميز به من تواضع وبساطة، وايثار وسماحة، وطيبة وأُنس، وما اكثرها المواقف التي تضعنا وجهاً لوجه امام هذه السمات التي تفيض منه فطرةً لا اصطناعاً، ومع الاقربين من الاحبة والاهل والاصدقاء كما هي مع الابعدين من خصوم الفكر او الرأي والاجتهاد، الى درجة يُخيل اليك انك امام نمط «انساني» لا يعتمره الغضب والحنق الاّ من اجل الله وفي سبيل الله، ولا يضيق صدره من مخالف ما دام ثمة متسع للحوار والاقناع، ولا ينتابه شك في ان الآخرين، وان لجّوا في الخصومة، اخوان له في الانسانية او في الدين، على حد سواء.

 كان السيد عبد المجيد الخوئي رحمه الله، نموذجاً لذلك الانسان الذي تآخت فيه نصاعة السيرة ورهافة الاحساس مع استقامة السلوك وصرامة الانضباط، فهو متصالح مع نفسه دائماً، من ارضية الغنى، تتجسد فيه مضامين الزهد، ومن موقع الجاه وعراقة الارومة وهيبة المنزلة يتماهى فيه التواضع مع الحدب على الآخرين وكأنه خرج للتو من بين جمهرة الفقراء او هو واحد من هؤلاء البسطاء في العالمين.

وتلك ـ بالطبع ـ بعض سمات «الداعية» التي جسدها الرجل وكشفتها نجاحات ما كان يمكن ان تتحقق لغيره ممن تقدموا صفوف الدعوة او تحملوا اعباء المسؤولية في شرخ الصبا، بل يبدو لي ان خيار «الاخلاق» الذي استقرت عليه شخصيته، سواء في تعامله الانساني مع الآخرين او مع قضيته او حتى مع منطلقاته الفكرية، كان هو «المفتاح» الذي ولج به الى قلوب الناس وافهامهم، على اعتبار ان رسوله للوصول والتأثير لم يكن اللسان ولا حتى «الارث» وقوة الحق الذي يدافع عنه وانما النموذج الذي يقدمه بذاته، ومن وحي سلوكه وممارسته، وما امضاه من سلاح في اقناع المخالفين او تجميع المريدين او رد كيد الكائدين.

واحسب ان الفقيد، رحمة الله عليه، ادرك وهو يعيش في بلاد تسمع عن الاسلام وتفتقده على الارض، او تصبو لمعرفته في الكتب بعد ان عدمته في الكثير من المنتسبين اليه والمحسوبين عليه، ادرك ان هؤلاء في حاجة الى من يقدم لهم اخلاق الاسلام وهي تمشي على قدمين لا في صفحة او صفحات من كتاب، ونموذج «الاسلام» كما تعلمه باعتداله وسماحته وانسانيته، وكما عرفه مصدراً لاسعاد الناس لا لشقاوتهم، وسبباً في هدايتهم لا ترويعهم وقتلهم، فكان هو رائداً لا يخلف وعده، ودليلاً لا يخون امانته، وشاباً متحمساً لرسالة آل البيت الذين يعتز بالانتساب اليهم، وينهض لمواصلة دورهم ووظيفتهم التي اناطها بهم ربّ العالمين.

قال لي ذات مرة:«سامحهم الله اولئك الذين يضعون الدين في يد، ويحملون السكين في اليد الاخرى، فاما هذه واما هذه... يخيرون الناس بينهما ولا يعرفون ان الاسلام رسالة رحمة للعالمين».

وقال ـ والمرارة لا تفارقه: «هؤلاء الذين لا يرون في الدين الا نصوصاً جامدة، او صكوكاً من العقوبات والممنوعات، ويريدون ان يبشروا الناس بالاسلام من منطلق فهمهم العاجز عن تصور الاسلام، وبدون ان يبرزوا نموذجهم الانساني الاسلامي .. يسيئون الى الاسلام وينفروا الناس منه.. ويا ليتهم قنعوا بالبقاء في «صوامعهم» بدل ان يخرجوا الى العالم بهذه البضاعة الفاسدة».

لقد وضع السيد عبد المجيد الخوئي، رحمه الله، هذا النموذج الانساني، بما اختزله من اخلاق وقيم وبما عرفه من سلوك، في خدمة «المشروع» الذي حلم به ونهض اليه وجاهد من اجله بل وجاد بنفسه في سبيله، وهو مشروع يتجاوز السياسة وما يطرح على مهادها من تحرير الوطن او استعادة للحقوق ..او انتصار للاهل المظلومين، كما يتجاوز ـ ايضاً ـ الطائفة والمذهب والمرجو من وريث «الحوزة»، يتجاوزها الى دائرة «الاسلام» الكبرى، حيث الدعوة هي الهدف، والصحوة هي الامل، والتقارب والتعاون والتعايش هي المقدمات الضرورية لاستعادة الوعي والفعل والحضور..

ان مشروعه اذن، هو مشروع الاسلام، غايته رد الاعتبار لهذا الدين وتراثه وحضارته، ومطمحه لملمة اطراف الجسد الاسلامي، وتقريب الاتباع الذين اودت بهم حروب التاريخ الى التناحر والتباعد، ولقد بدأ برفع مداميك المشروع، سنة بعد سنة، وتحمس ـ ما وسعه الجهد والعمر القصير ـ له، حتى يخيل اليك ان حياته بدأت منه، وانها انتهت فيه، لكنها النهاية التي تبشر بالولادة الجديدة...كما يبشر الغروب بانبلاج فجر جديد.

وعلى اطراف «المشروع» نقرأ فكر الراحل الفقيد، ونبذره في تربتنا لعل ذاكرة اجيال ستأتي، تنتعش ذات يوم وتنفتح عليه، فيكون لها محرضاً نحو سباحة جديدة ضد تيار اليأس والقطيعة والجمود، او بداية لزمن سلطانه الحرية وفك عقال العقل من الاتهام.

في كل ما قرأته له، او سمعته منه، كان يحاول، رحمة الله عليه، ان يزاوج بين الدين والحب، او بين مفهوم الاسلام وتعاليمه وبين مفاهيم التآلف والتصالح والتعايش، وسواء كان بالنسبة للامة الواحدة من مهادات مذاهبها وطوائفها و حركاتها واتجاهاتها الفكرية والسياسية.. او من ارضية العلاقة مع الآخر، فإن المنطلق ظل واحداً، وكذلك الحل، وهو التمسك بثقافة الحوار، وبمنهج الاعتراف بالتنوع واحترامه وايجاد ما يلائمه من صياغات بعيداً عن الصراع والتنابذ والقمع والاستبداد، ثم الحركة الدائبة نحو الجوامع والمشتركات من دون ادعاء بامتلاك الحقيقة او زعم بالقداسة، او جنوح نحو الانغلاق.

في مسألة الدين والحب، لا يرى رحمه الله، مجالاً مشروعاً لأي نوع من الاكراه، فلا اكراه في الدين .. ولا في الدنيا ايضاً، ولا فريضة تتقدم في الاسلام على فريضة الحرية، ولا حاكم للانسان ـ بعد النص الثابت ـ الاّ العقل، ولا وظيفة للدين الاّ وظيفة اسعاد الناس وهدايتهم ومساعدتهم على تعمير دنياهم واصلاح دارهم الآخرة.

وقد كان ذلك دليله، في حوارات اتباع المذاهب الاسلامية التي كان من اوائل المتحمسين لها، وفي حوارات المسلمين مع اتباع الديانات الاخرى التي شارك قي اطلاقها، ولم يكن يخفي موقفه المنحاز دائماً الى مشروعية، لا بل وضرورة اشهار هذا الحب كدمغة اسلامية اصيلة، ومن ثم ترجمته الى واقع معاش، سواء في تعاملنا  مع بعضنا، حيث لا فرق بين سني و شيعي...او شيعي وسني او غيرهما من المذاهب الاسلامية الاخرى الاّ بما يقدمه للاسلام من خدمة، وما يبذله في سبيله من تضحية.. او في تعاملنا مع الآخر غير المسلم حيث لا فرق بين عباد الله الاّ بمقدار ما يقدمه احدهم للانسانية من فضيلة، وما يلتزم به من قواعد السلم وعدم الاعتداء.. فالله تعالى كما يرى، رحمة الله عليه، ليس الهاً لاحد من البشر دون احد.. ولا ربّاً لأمة دون اخرى، وانما رب العالمين ولا مفاضلة عنده تعالى بين خلقه الاّ بمعيار التقوى وحسابها عنده جلّت قدرته. اما في الدنيا فلا ميزان الاّ ميزان العدل ولا مبرر لقتال او عداء او صراع الاّ  اذا حدث اعتداء او تجاوز او ضرر... وعندها فالدفاع عن النفس واجب بغض النظر عن دين  من صدر منه الاعتداء.. اذ انه لا دين للظلم والارهاب والعدوان.

ما اجمل قوله، رحمه الله، حين يبرز تصور الاسلام في مسألة علاقة المسلم بالآخر، يقول:«ولا يقف الاسلام في علاقته مع الآخر عند التسامح والقبول بمشروعية الآخر وحقه في الاختلاف وحسب، وانما يتعدى ذلك الى اشعار المسلمين بواجباتهم ازاء الآخرين، فالنظرة اليهم مبنية على اساس المساواة بين الجميع، وان لا تفضيل ولا سيادة ولا سلطة لبشر على بشر، وان حرمة النفس والمال والفكر مطلقة للجميع ولا تفاضل الاّ بالتقوى ومدى الالتزام بالعقود والعهود المبرمة.. وان القرآن للبشرية كافة وعلى المسلم تبليغ احكامه من جهة وترك حرية الاختيار للناس من جهة اخرى».

وان المعيار الاهم الذي يضعه الراحل الفقيد في الحكم على علاقة المسلمين بغيرهم هو معيار العمل الصالح فحيثما كان، كان الاحسان والمودة لا مجرد الاعتراف والتعايش، كما ان معيار سلامة العلاقة بين المسلم واخيه المسلم هو معيار العمل الصالح ايضاً، وهو ذاته مقصد الشريعة الاسلامية، اما ما وقر في القلب من ايمان، وما قام به المسلم من عبادات فذلك امره الى الله تعالى وليس للبشر تدخل فيه ولا حكم.

ترى هل ما اكتبه مجرد شهادة في رجل شدتني اليه حماسته وثقافته ذات يوم التقيته ـ لاول مرة ـ في صيف العام 1996.. وقدمته للصحافة الاردنية في حديث طويل احتفت به ايما احتفاء .. ثم تواصلت لقاءات، ولقاءات،  حتى بكيته حين جاء الناعي يعلن سقوطه على عتبات النجف الاشرف..

هل هي مجرد شهادة تتوسم الوفاء للرجل...وتتلمس ـ بخجل ـ الاشارة الى بعض من سماته وافكاره ومواقفه.. وتعتذر اليه ـ باسم الكثيرين ـ عن سوء الفهم او قلة الحيلة والتقصير..

ام انها تتجاوز ذلك كله لتحرير ذاكرتنا ـ وذاكرة اجيالنا القادمة ـ من غبش الرؤية وعتمة التصور وخليط اليأس والخوف والنسيان والاحباط.

سلام على السيد مجيد الخوئي اذ يبشرنا بحلم الصحوة، ونهارات التآلف والحب والتعايش... وسلام عليه اذ تؤذن في صدورنا بعض اخلاقه، وتنداح بيننا بعض مآثره ودعواته.. وعليه السلام.

 *باحث في مؤسسة آل البيت
 للفكر الاسلامي، وكاتب صحفي في جريدة الدستور.





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع