|
المعلومة في العالم العربي تزداد ندرة ويرتفع
ثمنها كل ما اقتربت من القمة. والقمة في كل بلد عربي هو الحاكم،
فكيف اذا كانت تتعلق بقمة القمم اي لقاء ا لحكام العرب.
والشاهد هذه المرة ان الحرم الاعلامي لم يطل
الصحافيين ووسائل الاعلام بل تعداهم الى الدبلوماسيين وربما وزراء
الخارجية، فالقرار بالتأجيل ـ الإلغاء ـ قيل انه نزل كوقع الصاعقة
على الوزراء انفسهم وهم في ذروة نقاشهم لاقرار صيغة البيان المشترك
الذي سيقر على مستوى قيادات الدول حين يجتمعون كما كان مقرراً في
نهايات الشهر الماضي. والوزراء سعوا الى معرفة الاسباب الكامنة
وراء القرار وطلبوا لقاء صاحب هذا القرار فامتنع عن لقائهم وقيل
لهم انه مصاب بنزلة برد. واحتشد الصحافيون حول الوزراء يستطلعون
الاسباب، فكانوا عبثاً يحاولون لانهم يتوجهون لمن هو اكثر جهلاً
منهم بحقيقة ما حدث والمضيف التونسي اكتفى ببيان مقتضب، وظلت
الاسئلة معلقة بلا جواب.
وحلت الاشاعات والتأويلات مكان الاجوبة
الرسمية، فقيل ان الرئيس التونسي أحس بمهانة لكثرة القادة الذين
اعتذروا عن حضور القمة او شعر انه سيترأس قمة من وزراء الخارجية
على الأغلب، ففضل الإلغاء بحركة غاضبة، وقيل في الجانب الاخر ان
اصحاب المعالي الوزراء ظلوا ست ساعات يناقشون امكان اشتراك الدول
العربية في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب دون ان يتوصلوا الى
اتفاق، ما يعبر عن لا جديتهم في معالجة الملفات الخطيرة المعروضة
أمامهم. وكان الإلغاء هو افضل المخارج.
فوراً خرجت تبريرات تعتبر اكثر جدية من مثل ان
الدول العربية انقسمت بين من يريد ان تعطي القمة الاولوية لملفي
فلسطين والعراق وبين من يريد ان تعطي الأولوية لملف الاصلاح تسديدا
لفاتورة اميركية، هؤلاء وأولئك كانوا في موقفهم يسعون لجعل موقف
الآخر اكثر حراجة دون ان يعني ذلك ان ايا من الملفات يشكل وزناً
حقيقياً على جدول اعمال القمة مجتمعة ام على جدول اعمال كل قياد
عربية على حدة. ولكن ذلك لم يرض غرور كثير من المراقبين فلا بد من
استحضار عنصر المؤامرة فقيل ان الضغوطات الخارجية، (بعضهم حدد
الضغوط الاميركية على وجه التخصيص) انها كانت وراء قرار التأجيل ـ
الإلغاء المفاجئ، اميركا كررت نفيها ذلك على لسان اكثر من مصدر
ومسؤول. ولكن هل نصدق اميركا ونكذب قمتنا؟!.
كان الامر يمكن ان يمر بهذه البساطة لولا ان
البعض اشار الى ان الضغط الخارجي انما هو عبارة عن رسال شارونية
وجهت الى العرب عبر اغتيال الشيخ الشهيد احمد ياسين لتعطيل القمة،
ولم يفت هذا البعض الترويج لمقولة نسبت الى مصادر اسرائيلية تقول
ان انفراط القم يدل على ان العرب لم يعد يجمعهم العداء لاسرائيل
كقاسم مشترك. وان التحريض ضد اسرائيل لم يعد كافياً للم شعث الصف
العربي وتخفيف انقساماته، وبالتالي فإن الإلغاء ـ التأجيل ـ كان
جزءاً من المؤامرة الاسرائيلية ـ الاميركية... الخ.
وكانت الصورة اشد تعبيراً عندما انطلق الاعلام
العربي الرسمي يتسابق في اظهار الغيرة على عقد القمة من عرض مصري
لاستضافتها في خلال ثلاث ايام الى لقاء رباعي او ثلاثي او ثنائي
محتمل او مؤكد في شرم الشيخ يجمع على الاقل الرئيس المصري وولي
العهد السعودي وربما ملك البحرين والرئيس السوري. ثلاثة منهم على
الاقل كان مشكوكاً حضورهم للقمة العادية.
نعم ان الغموض، الذي لف الموقف القممي العربي،
ازدادت مساحته مع استشهاد ياسين لا لأن المسؤولين العرب اتعظوا بما
اصاب قائد شعب شقيق لهم، وقدروا حقاً معنى المهانة التي ألحقها
مقتل ياسين بالأمة ورموزها، بل لان هذا الاستشهاد ضيق هامش
المناورة امام هؤلاء القادة اذ اصبحوا مطالبين بموقف واضح من ملفين
شائكين: ملف العمل المسلح ضد الاحتلال الاسرائيلي وملف العمل
المدني من اجل مواجهة استحقاقات تحدي الاصلاح الذي تطرحه اميركا
وتحمله جماعات معارضة من الداخل.
مصير القمة تلفه شكوك كبيرة والاعلام في ذروة
ارتباكه لا يتوانى ان يقدم ما يعتقده جديد او مفيد ولكنه لا يقع
وهو في زمن المفاجآت الا على قديم جرت اعادة انتاجه مرات ومرات.
المحرر
|