|
رؤية نقدية وتشكيكية للكاتب عبد الرحيم علي
مبادرة وقف العنف
بين الجماعة الاسلامية المصرية
تغيير فعلي ام
«مغامرة كبرى»؟
عرض ـ شريف سعد الدين
هل تحولت «الجماعة الإسلامية» في مصر فعلاً،
وبين ليلة وضحاها، إلى جماعة تقبل بالتفاعل مع أسس النظام السياسي
بعدما كانت تكفره؟ وهل صحيح أنها تخلت عن موقفها من الأقباط
والحاكم المبدل للشرع؟. وهل تراجعت عن اعتبار السياحة نشاطا
محرما؟أم أن النظام هو الذي بدل موقفه؟ ولصالح من؟وإذا كانت
الجماعة لم تقدم جديداً في هذه القضايا فما هي الرهانات التي تراهن
عليها الحكومة؟
كل هذه الأسئلة وغيرها يحاول كتاب «المقامرة
الكبرى ـ مبادرة وقف العنف بين رهان الحكومة والجماعة الإسلامية»
الإجابة عنها.
وينطلق المؤلف عبد الرحيم علي في كتابه هذا من
تكذيب المبادرات التي أطلقها القادة التاريخيون لتنظيم «الجماعة
الإسلامية» طوال الشهور الستة الأخيرة من العام 2002، التي جاءت
كتحد سافر للمجتمع وضحاياه من الإرهاب طوال عشرين عاماً عندما وقف
أمير الجماعة كرم زهدي ليعلن أن أفعالهم ليست جرائم وإنما هي أفعال
تحتمل الخطأ مثلما الصواب بحسب الظروف التي وقعت فيها والملابسات
التي أحاطت بها والنتائج التي ترتبت عليها.
ويقول عبد الرحيم علي «أنه بعد اكاذيب عدة،
راهن عليها قادة الجماعة الإسلامية وساعدتهم في ترويجها أجنحة
بعينها في السلطة، قرروا الدخول في مقامرة كبرى» وهذا ما يحاول
رصده في الفصل الأول من الكتاب، منطلقاً مما يعتقده «تفنيد
الأكاذيب ومراوغات القادة التاريخيين» في الفصل الثاني الذي ناقش
ما جاء على لسانهم في حواراتهم مع مجلة «المصور»، وفي الفصل الثالث
الذي يكشف عما يسميه «عمق خداعهم» عبر دراسة مطولة للثابت والمتحول
في فقه «الجماعة الإسلامية» وبالتحديد في مواقفهما من خمس قضايا
رئيسية هي: التكفير والجهاد والأقباط والسياحة والحسبة. ويلقي
المؤلف الضوء على تاريخ هذا التنظيم وسيرته العنفية طوال ربع قرن
في الفصل الرابع، ثم يقدم دراسة دقيقة لخريطة جماعات العنف الديني
في مصر، ويفرد الفصل الخامس لدراسة تنظيم «الجماعة الإسلامية» على
حدة. ويتضمن الفصل السادس دراسة مستقلة حول الصفقة بين الحكومة
والجماعة وينتهي في الفصل السابع الى الإجابة عن السؤال الأهم:
ماذا يريدون وما هو الهدف من وراء مسيرتهم تلك؟!
والكتاب بحسب مؤلفه محاولة «لإلقاء الضوء على
جماعة من أهم جماعات العنف وأخطرها ليس في مصر فقط ولكن في العالم
أجمع. فهي تضع هدفها بعناية أمام أعينها ولا تحيد عنه قيد أنملة.
تغير الأساليب والوسائل لكنها أبداً لا تنحرف عن هدفها النهائي
المتمثل في الاستيلاء على السلطة وإقامة الخلافة الإسلامية،
انطلاقا من مصر التي تمثل في نظرهم مركز الثقل الأساسي في العالم».
كما يتناول الكتاب محاولة للإجابة عن مغزى التوقيت الذي تم فيه
الترويج للمبادرة خصوصاً بعد ادراج الولايات المتحدة الأميركية
«الجماعة الإسلامية» في قوائم المنظمات الإرهابية للمرة الاولى في
ايار ـ مايو ـ 2002 ومطالبة الحكومة بمعلومات واضحة وشاملة عن هذه
الجماعة التي اعتبرتها الصحافة الأميركية أحد أجنحة تنظيم
«القاعدة»، ويستغرب المؤلف «هذا الترويج للمبادرة من قبل صحف
حكومية» والذي يأتي في سياق مطاردة عناصر جماعة الإخوان المسلمين
والقبض على عدد كبير من كوادرهم، كما يأتي في ظل ازدياد حالة
التضييق على المجتمع المدني والوقوف ضد حق التظاهر وحق تكوين
الأحزاب والتصدي لتظاهرات الطلاب.
ويربط المؤلف تشكيكه مع الأسباب الحقيقية
لمبادرة الجماعة بنقاط منها: توقيت إعلان المبادرة والظروف المحيطة
بإعلانها وعدم تضمنها أي تصحيح لمفاهيمهم القديمة التي لا تزال
قائمة بالفعل، إذ إن قضية التكفير لاتزال تشغلهم وكذلك تكفير
الدستور والقانون ومحاكمة النظام السياسي في مصر برمته الذي يعتبر
في مفهوم الجماعة ورؤيتها جرماً كبيراً باتخاذ الديمقراطية أساساً
فكريا له ولقوانينه ومؤسساته، لذا فوجب تكفير التعددية الحزبية
وإعلان الحرب على مجلس الشعب ورفض الانتخابات البرلمانية، كما أنهم
هاجموا وكفروا وجهّلوا الإخوان المسلمين لأنهم ارتضوا دخول
البرلمان، وإجمالاً فإن سلسلة تصحيح المفاهيم التي أصدرتها
«الجماعة الإسلامية» في كانون الثاني - يناير- 2002 احجمت عن تناول
قضايا تكفير الحاكم المبدل والديمقراطية والتعددية السياسية
والموقف من مجلس الشعب والدستور، واكتفت بالرد على من قال بتكفير
عصاة المسلمين وجهالهم وهو ما لم تقل به «الجماعة» من قبل، بل على
العكس فهي أول من أخذ الناس بالعذر بالجهل.
ويقول المؤلف انه «في محاولة من الجماعة
للمراوغة من دون الوقوع في شرك التناقض مع أفكارها القديمة التي
تمثل العمود الفقري لمنهجها، تقسم الكفر في مفهومها إلى خمسة
أنواع: كفر تكذيب وكفر استكبار وإباء مع التصديق، وكفر إعراض وكفر
شك وكفر نفاق، وتمضي الجماعة لتبين أن الكفر المذكور في الكتاب
والسنة ينقسم إلى كفر أكبر وكفر أصغر، والأكبر مخرجا من الملة،
والأصغر لا يكون كفراً مخرجا من الملة».
ويؤكد المؤلف أنه من خلال استعراض قضايا
التكفير والجهاد والأقباط والسياحة والحسبة التي حاولت الجماعة
الإسلامية إيهام الجميع بأنها اجرت مراجعة جادة لها، «فإننا لم
نلمس خيطاً رفيعاً يقول بأن الجماعة تراجعت عن موقفها الفكري من
أهل الذمة والسياحة ووجوب تغيير المنكر باليد، كما لم يتم أي تعديل
لوجهة نظرها في الديمقراطية والحريات والتعددية السياسية والمجالس
التشريعية. وبعد كل ذلك فإنه من حقنا أن نوجه التساؤلات عن سر هذه
الضجة المفتعلة حول ما سمي بالمراجعة والدفع المستمر في تضخيمها من
دون وقفة للتأمل».
ويرسم المؤلف في الفصل الرابع خريطة كاملة
لجماعات العنف التي انتشرت في أرجاء مصر وعلى المستويات الاجتماعية
والفكرية كافة، ومنها:
أولاً: جماعات
التكفير، التي نشأت بين جدران السجن العام 1965 على يد الشيخ علي
عبده إسماعيل وهو أحد أقطاب الإخوان من الرعيل الثاني، وتلميذه
شكري مصطفى، وقد انبثقت من هذه الجماعة جماعات آخرى (جماعة السماوي
ـ الشوقيون ـ الناجون من النار).
ثانياً: الجماعات الجهادية (الفنية العسكرية ـ
تنظيم سالم الرحال ـ تنظيم الجهاد: محمد عبد السلام فرج). وهي من
أخطر التنظيمات الجهادية وهي «الجامعة» التي خرَّجت أغلب مجلس شورى
الجماعة الإسلامية وأبرز الكوادر الأصولية في السبعينيات
والثمانينيات، وكان أسندت للدكتور عمر عبد الرحمن مهمة الإرشاد
فيها.
وبعيداً عن التصنيف الحركي السابق لجماعات
العنف الديني فهناك مشتركات جامعة بينهم هي وحدة المنابع الفكرية
وتوحد الأهداف المشتركة ذات الصبغة السياسية كالقفز على نظام
الحكم، وجميع هذه الجماعات تأخذ بمبدأ (التقية)، وبالطبع سرية
العمل مع حمل السلاح لتحقيق الأهداف، كما أن أمير الجماعة ومؤسسها
هو المحور الرئيسي في كل هذه الجماعات وما يتفرع منها من جماعات
عنقودية. كما أن هناك من يرى وجود تنسيق أو توزيع أدوار بين هذه
الجماعات.
الخلافة هي الهدف النهائي
وعن ماهية الهدف النهائي والحقيقي لأعضاء
«الجماعة الإسلامية» في كل ما يفعلون؟ وهل هي الدعوة إلى الله
بالحكمة والموعظة الحسنة أم أنهم يريدون شيئاً آخر، أفصحوا عنه في
أكثر من وثيقة تحمل توقيعهم؟
يجيب المؤلف أنهم يتخذون الخلافة هدفاً لهم،
بإقامة الدين كله وداخل كل بيت وكل مؤسسة وإقامة الدين بهذا المعنى
يتحقق إذا ما نجحوا في: «تعبيد الناس لربهم وإقامة الخلافة على نهج
النبوة»، وعلى أساس هذين الهدفين فإنهم يرون أن أعداءهم استطاعوا
إزاحة الخلافة عن مسرح الحياة السياسية من خلال العلمانية التي تم
الترويج لها بين أبناء أمتنا لتتخذ ديناً. وهكذا فإن العلمانية في
كفة ورؤيتهم للإسلام في كفة ولا بديل ثالث عن إقامة خلافة على نهج
النبوة.
وبعد تحديد الجماعة الإسلامية لهدفها النهائي
بتعبيد الناس لربهم وإقامة الخلافة، تمضي لتضيف هدفا آخر أساسياً
وهو وجوب تحرير بلاد المسلمين وتفعيل الجهاد لنشر الدين، وذلك
يتحقق بإعداد جيش قوي يرفع راية التوحيد لنصر دين الله، يضمد جراح
أمة الإسلام، لذا فهم يؤكدون على ضرورة التحرر من العلمانية
وسيطرتها على الحكام المسلمين لتحرير البقاع الإسلامية المحتلة
كافة في فلسطين والعراق وأفغانستان ولبنان والهند وجزر الفلبين.
والخلاصة أن المؤلف يرى أن تنظيم «الجماعة
الإسلامية» لجأ لتغيير أساليبه من استخدام السيف والقوة إلى الدعوة
بمفهوم التعبيد والإجبار من أجل تحقيق التواجد داخل المجتمع، حتى
تحين الفرص بتحقيق غايتهم النهائية وهي دولة إسلامية وفق تصورهم عن
الإسلام ويكون مركزها في مصر للانطلاق نحو العالم، لذا «فاللجوء
إلى المراوغة وعدم قول الحقيقة هو طريقهم الحالي لتسيير حركتهم».
|