|
الكتاب:
المقدس وغير المقدس وقضايا الفكر الاسلامي
المؤلف: مجدي رياض
الناشر: أخبار التعليم
عرض: نهاد عبد الوهاب
يعتبرالكتاب الذي نعرضه في هذه السطور للباحث
مجدي رياض، وصل لما نظن أنه انقطع، وصل للبحث الفكري الفلسفي، الذي
لا يغفل أو يتغافل عن معطيات الواقع، ولعل عنوان الكتاب يعطي بعض
مؤشرات لما يحتويه، و هو «المقدس وغير المقدس وقضايا الفكر
الإسلامي» الصادر عن أخبار التعليم، وكنا نعتقد أن العنوان الأدق
هو (المقدس الديني وغير المقدس الفكري في الإسلام) حيث يمكن
التمييز بين النص المقدس وهو عطاء رباني، وبين التأويل أو التفسير
أو الاجتهاد الفكري الذي هو عطاء بشري، يحتمل الصواب والخطأ، كما
يحتمل التغيير عبر تغير الزمن والمعطيات.
ولعل أهم ما يميز هذا الكتاب مسألتان:
1- التوقيت: فقد جاء في
توقيت مهم للغاية، التبست فيه المفاهيم والمصطلحات وساد نوع من
الغموض الذي قد يكون متعمداً للماهيات والدلالات للألفاظ والكلمات
والعبارات في الخطاب الإسلامي الراهن، على سبيل المثال فإن كلمة
«الجهاد» صارت - وربما هي في الأصل كذلك - حمالة أوجه، هناك جهاد
في فلسطين لا تخطئه العين، وهناك «جهادات» من نوع آخر تتماس مع
مفهوم آخر هو «الإرهاب» من هنا تأتي اهمية الكتاب في تحديد
المفاهيم، ومن أهمها مفهوم الشيعة وعلاقته بالسنة، ومن الواضح أن
المؤلف يدعو إلى حوار مستمر بين المذاهب الإسلامية بغية التقريب.
2- حاجة التيار القومي
(الناصري) إلى المزيد من التأصيل الفكري على خلفية إسلامية
وتراثية، وإذا كان الباحث محمد مورو قال ذات مرة أن الناصرية هي
اجتهاد داخل الفكر السياسي الإسلامي، فإن مجدي رياض أكد بطريقة غير
مباشرة على الخلفية الدينية للفكر الناصري، الذي تبنى شعارات لها
أصول إسلامية نجد صداها في بعض فصول الكتاب، وبخاصة الفصل الخامس
الذي حمل عنوان «شهر الله الصيام: حقائق اجتماعية»، فقد حرص المؤلف
على «إلقاء الضوء على البعد الاجتماعي الغائب في كثير من كتاباتنا
عن الشعائر الإسلامية، وبعض مفاهيمنا الدينية...» ومن يراجع سلسلة
مؤلفات مجدي رياض سوف يكتشف أن العلاقة بين كل من الناصرية
والعروبة والقومية مع الإسلام، تشكل أحد الهواجس المهمة في زوايا
تفكيره، فهو مؤلف كتاب «رحلة في عالم المفكر القومي الإسلامي محمد
عماره» وكتاب «العروبة والإسلام» و«الإسلام والقرن الخامس عشر»
و«الوحدة العربية والصراع العربي الصهيوني».
وينطلق الباحث من رؤية عروبية غير شوفينية
مستندة على قواعد إسلامية واضحة لتحليل أي مواقف سياسية (شروط
النصر في الإسلام) أو فكرية (حديث عن الردة وعن النص والعقل) أو
اجتماعية (شهر الصيام- حقائق اجتماعية).
الناصرية والاسلام
ويمكن القول أن كتاب: (المقدس وغير المقدس
وقضايا الفكر الإسلامي) هو إضافة غير مباشرة إلى العلاقة الجدلية
بين العروبة والإسلام، فهو يكشف عن آليات تفكير مناضل قومي، ونحسب
أنها محل اتفاق مع غير المتعصبين في التيار الإسلامي، فهو يحدد
مثلاً شروط الحاكم، ووصل إلى حقيقة مهمة هي انه: «لم يوجد في الفكر
الإسلامي سواء الأصول أو المنطلقات أو غالبية الاجتهادات مجال
لسلطة دينية، فبعد الرسول (ص) لم يعد لأحد سلطان ديني على
المسلمين، (وهذا ما فعله الخلفاء الراشدون)، ويرى أهمية التزام
التقوى (إن التقوى تقف في مواجهة الفساد) وفي موقع آخر (إن الطاغية
يتصور أنه فوق الحق وفوق قيم الله، ولا يسعى إذا ما تولى سلطاناً
إلى الإصلاح بل للإفساد وإهلاك الحرث والنسل).
في مواجهة الفساد
وباختصار هناك فصل كامل حول: (الإسلام والعمل
السياسي) يتضمن قواعد إسلامية وأخلاقية للعمل السياسي، بدءاً من
اختيار الحاكم وانتهاء بآداب الحوار، ويلفت نظري هنا ضيقه
بـالثرثرة والثراثرة وحدد هذا المصطلح في أن: «الثرثار ليس كل من
يتكلم كثيراً، بل هذا الذي يتكلم بكثرة مع تكلف، والمتشدق هو
المتطاول على الناس بكلامه» ثم ينتهي أن هؤلاء هم الذين قال فيهم
الرسول الكريم (ص) ثلاث مرات «هلك المتنطعون» أي المبالغون في
الأمر وهذا التحديد مهم في عصرنا هذا، بعدما انتشر «المتنطعون» في
الندوات الذين يلقون الاتهامات على الناس جزافاً، أو يتحدثون بغير
علم، ويمكن القول أن هذا الفصل الذي تناول فيه سمات العمل السياسي
في الإسلام وأخلاقياته يشتمل على معان يحتاجها كل من يتعاطى العمل
العام، والعمل الجماهيري، ونحيل القارئ إلى صفحات 126، 127، 128
التي اشتملت على هذه السمات وأهمها: الموضوعية، الموازنة بين
السلبيات والايجابيات، البعد عن الانفعال والتجريح، البعد عن
مهاجمة الأشخاص بصفة شخصية والتركيز على الأفكار، ثم الاهتمام
بالقضايا الرئيسية والبعد عن الشكليات.
وختاماً، نرى أن هذا الكتاب مهم في توضيح
المساحة الفاصلة بين النص المقدس، الذي هو وحي من السماء، وبين
الاجتهاد البشري، وفي حين أن النص مغلق، فإن الاجتهاد مفتوح، بل
مطلوب ومرغوب، وحسب الكاتب فإن «فترات التخلف والانحطاط أوالخضوع
للتبعية والاستعمار، يرتبط بها تعطيل العقل، بينما تصاحب حقب
التجديد والنهضة حالة من اليقظة العقلية والنقدية، ومن ثم اعلاء
مكانة الإنسان واحترام آدمتيه».
|