العدد

155 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 9:49 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

الاختلاف والحرية متلازمان والتعددية لا تتعارض مع مفهوم وحدة الامة

نضير الخزرجي×

التعددية السياسية والحرية، العلاق التلازمية بين هي ما تقوم عليه مباني اطروحة الباحث والكاتب العراقي نضير الخزرجي، المعنونة «التعددية السياسية والحرية في الاسلام» التي حصل بموجبها على  ماجستير فلسفة من الجامعة العالمية للعلوم الاسلامية، بعد مناقشتها وفي مقر الجامعة العام في لندن في 15/12/2003، من قبل لجنة مكونة من الدكتور عبد الوهاب الأفندي الاستاذ في جامعة ويستمنستر، والدكتور السيد فاضل الميلاني عميد كلية الشريعة في الجامعة الاسلامية، والدكتور ابراهيم العاتي عميد الدراسات العليا بالجامعة الاسلامية، وباشراف الدكتور قيس جواد العزاوي الاستاذ المحاضر جامعة السوربون. ويحاول الكاتب في احد مباحث الاطروحة ان يجيب عن سؤال عما اذا كان التعدد والاختلاف من السنة والفطرة أم لا؟

أينما دار الانسان ببصره في هذا الكون، وجد التعدد والاختلاف والتنوع في كل شئ ما خلا خالق الكون المتوحد في وحدانيته، الصمد في تفرده، فهو الواحد الأحد المتعالي الذي ليس له شريك، لم يلد ولم يولد، ولو كان له شريك في الملك، لفسدت السماوات والأرض، فكما ان لكل صاحب مصنع او معمل الحق الكامل في التصرف في ما تحت حيازته، فان لصاحب المصنع والمعمل الثاني  كامل الحق في التصرف بما يملك، ولا يمكن تصور نفوذ احد على ملك الثاني من دون ان يقع الخراب إذ يرى كل منهم الحق في التصرف بما تهوى نفسه فيصبح الملك عرضة للخراب، ومن هنا قرر تعالى انه: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}سورة الأنبياء:22، فالله سبحانه هو الأحد الذي ليس له ثان.

 فالوحدة البسيطة هي لله الواحد الأحد بإطلاق، أي كل ما عدا الله هو متعدد، وابتغاء توحيده لن يكون إلا في إطار القبول بالتعدد. أما محاولة صب الناس جميعا في قالب واحد فهذه وحدة مصطنعة تجافي فطرة الإنسان التي فطر الله عليها وهي فطرة الاختلاف والتعدد(1)، وإذا كانت الرؤية الإسلامية قصرت «الوحدة» التي لا تركّب فيها ولا تعدد لها على الذات الإلهية وحدها  دون كل المخلوقات والمحدثات والموجودات في كل ميادين الخلق المادية والحيوانية والإنسانية والفكرية وتلك التي قامت جميعها على التعدد والتزاوج والتركب والإرتقاء...  فإن هذه الرؤى الإسلامية تكون، بهذا الموقف الثابت- ثبات الإعتقاد الديني- بل جوهر هذا الإعتقاد، جعلت من التعددية في كل الظواهر المخلوقة  «سنّة» من سنن الله سبحانه وتعالى في الخلق والمخلوقات جميعا و«آية» من الآيات التي لا تبديل لها ولا تحويل.إنها «القانون» الإلهي و «السنّة» الإلهية - الأزلية الأبدية- في ميادين الكون المادي والإجتماعي الإنساني، وشؤون العمران وميادينه...  وبها تتميز وتختص «الوحدانية» في ذات «الحق»...  كما تتميز وتختص «التعددية" بكل ظواهر «الخلق».(2)

 فالذي لا يمـكن ان نتصور لـه شريكا في الألوهية،  لا يمكن ان  نتصور له مشابها او معادلا، لانعدام التشابه والشراكة في الأساس، وحتى في الانسان المخلوق الذي برأ الله نسمته فانه رغم تعدد الكائن البشري وعلى مر الأجيال، من الصعب ان نجد إنسانين متطابقين مئة في المئة، بل يستحيل ذلك وحتى وان تقارب الشبه بين اثنين، وحتى في التوأم، فانه ان تشابهت ملامح الوجه، تبقى هناك أوصاف جسدية ونفسية يستحيل تطابقها، ولهذا عُدّت آية البنان في قوله تعالى: «أيحسب الإنسان ألّن نجمع عظامه. بلى قادرين على أن نسوّي بنانه» سورة القيامة:3 و4، واحدة من معاجز القرآن الكريم، لأنه يستحيل ان تتطابق خارطة بنان إنسانين على وجه البسيطة منذ خلق آدم عليه السلام وحتى يوم القيامة، فرغم التشابه الذي يوحي بالتوحد والذوبان بين التوأمين، فان لكل منهما مورثه الجيني الذي يختلف عن الآخر، ولو كان التوأمان يحملان نفس المورثات الجينية لما اختلفت على سبيل المثال خارطة البنان، فهي على علاقة مباشرة بالمورثة الجينية التي تعطي لكل انسان صفته الخاصة به.

العلم يقر بالتعدد

 وحتى في مجال الاستنساخ او عملية الاستنسال الذي راجت في نهاية القرن العشرين بعد استنساخ النعجة دوللي عام 1996، يستحيل انتاج انسان يحمل جميع صفات الانسان التي اخذت منه الخلية(3)، وهذه المرة تأتي الاختلافات من اعتبارات اخرى، يقول الدكتور محمد الربيعي: «انه من المستحيل استنساخ (أو الأصح استنسال) المتوفين من قبل مئات السنين لانه لا يمكن استعادة كل مادتهم الوراثية من دون عطب حتى وان تم ايجاد أجسامهم، ولا يمكن استنسال الاحياء بعقولهم وعبقريتهم، لان النسل الناتج سيكون شبيها جسميا فقط للاصل حيث لا يمكن اعادة مؤثرات بيئة الرحم أو البيئة العائلية والاجتماعية أو البيت أو المدرسة أو الأب أو الأم الأصل. كيف يمكن لنسلة المتوفى أن تمر  بتجربته الحياتية نفسها وأن تعيش نفس حياته في مرحلة زمنية مختلفة وتحت مؤثرات لا حصر لها. التنسيل بافتراض حدوثه لن يلغي التفرد والخصوصية والتميز عند الانسان لان النسل ستكون لها شخصياتها المستقلة كالتوائم فهي لا تختلف عنها من الناحية الوراثية والبيولوجية، والفرق الوحيد هو ان النسلة فرد يشابه اخاه الذي اخذت منه الخلايا لتزرع وتنقل الى رحم امرأة».(4) فالتشابه امر يستحيل حصوله في هذا الكون بين مختلف المخلوقات.

من هنا، وعلى سبيل المثال، اعتمد رسم البنان منذ ان اكتشف الانسان ذلك في التمييز بين الأفراد، وخاصة في مجال عمل السجلات والوثائق والشرطة وغير ذلك. فكما خلق جل وعلا الملائكة أصنافا متفاضلين، كذلك خلق الانسان، إنها سنة الله العامة الجارية في كافة مخلوقاته، فهو لم يخلق خلقين متشابهين تمام التشابه، بل أبدع ونوّع حتى في (البنان) فكيف بالروح والجنان...  وذلك من اكبر الأدلة على قدرته المطلقة وخلاقيته الشاملة. بل ان العلم الحديث اخذ يعتمد على خارطة اذن الانسان في التعرف على الانسان المطلوب والتمييز بين انسان واخر

ان الاكتشافات العلمية في بدن الانسان توضح بجلاء استحالة تطابق إنسانين بكل الصفات الجسدية والنفسية والعقلية، وإذا كان هناك من تطابق  فهو ما يطلق عليه بالشبه، بل ويذهب الشيخ القرشي الى ان المساواة التي أعلن عنها الاسلام، إنما هي من باب التجوز: «إذ يستحيل نشدان المساواة مائة في المائة، إذ ليس المقصود من المساواة التي أعلنها الاسلام  المساواة الطبيعية بين الناس وهي تساويهم في اللون والشكل فإنها غير ملحوظة في نظر الاسلام ولا يعقل إرادتها ووجودها، فان الناس قد خلقوا غير متساوين في اللون والشكل والتكوين، والعقل والذكاء والأخلاق والميول والطبائع، ويستحيل التساوي بينهم من هذه الجهة».(5) فقد خلق الله تبارك وتعالى نفوس الناس على أنماط مختلفة، كما خلق الناس على أشكال مختلفة.(6)

 وهذه حقيقة لا يكابر أحد في نكرانها،  فعلى سبيل المثال أقرّ الاسلام في التشريعات المساواة بين أبناء البشر من حيث الحكم،، أما من حيث الموضوع وتوفر مفرداته وصولا الى تطبيق حيثيات الحكم فهي خارجة عن نطاق المساواة وخاضعة لاعتبارات عدة تمليها قدرة الانسان على توفير مستلزمات الموضوع,فمثلاً يتساوى الحج في حكم وجوبه بين الذكر والأنثى، وبين الشريف والوضيع، بين الغني والفقير، بين العربي والأعجمي و الحجازي وبين القوقازي، ولكن ربما توفرت ظروف الحج للقوقازي ولم تتوفر لدى الحجازي مع قرب المسافة للأخير عن المشاعر المقدسة وبعدها عن الاول، فالمساواة قائمة بين الاثنين من حيث الوجوب، ولكن المساواة غير قائمة من حيث موضوع الحكم وهي الاستطاعة كما يفهم بوضوح من مدلول قوله تعالى: «ولله على الناس حِج البيت من استطاع إليه سبيلا» سورة آل عمران:97.

صنفا التنوع وخصائصه

ويقرر بعض علماء الدين ان التنوع في الانسان على نوعين: تنوع جعلي تكويني ليس للإنسان دخل فيه، وتنوع كسبي اختياري خاضع لإرادة الانسان. فالصنف الاول تنوع طبيعي تكويني وجد الناس أنفسهم ضمنه من دون اختيار منهم، اذ لا يستشار أحد قبل مجيئه الى هذه الدنيا في انتمائه العرقي أو القومي ولا في ملامح شكله ومظهره...  وهذا التنوع الطبيعي تم بأمر الله ومشيئته، لذلك يُعبّر عنه تعالى بالجعل: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل... } سورة الحجرات:13، فالله تعالى هو الذي جعلنا متنوعين في أعراقنا وقومياتنا وشعوبنا.

الثاني: تنوع اختياري كسبي  يرتبط بقناعات الانسان وأفكاره ونمط سلوكه واتجاهه، فكل انسان هو الذي يقرر ما يعتنق من دين وما يؤمن به من فكر وما يرتضيه لنفسه من ثقافة وسـلوك، وتبعا لـذلك تتعدد الأديـان بين الناس وتختلف المـدارس الفكرية، وتتنوع التوجهات السياسية.(7)

ويرى كاتب آخر ان لكل انسان صنفين من الخصائص، ولهذه الخصائص علاقة كبيرة في إعطاء كل انسان شخصيته وذاته واستقلاله، وهي عبارة عن:

-1الخصائص الذاتية أو الأولية والتي تدخل في ذات الشيء وطبيعته وحدوده، فتوجد مع الشيء وتنعدم بانعدامه فتستعمل فيها كلمة الخَلْق.

-2الخصائص العرضية أو الثانوية: وهي التي لا ترتبط بذات الشيء وطبيعته فلا يكون انعدامها سببا لانعدام الشيء، وهذه تكون:

أ- إما خصائص فطرية كحب الخير ومجانبة الشر والميل الى الانقياد الى الله والدين.

ب- إما خصائص عارضة حيث تطرأ على الشيء بعد تحققه ووجوده كالميل الى بعض العلوم والفنون الجميلة فإنها إكتسابية تحصل من المراجعة والفهم ومناسبتها مع طموحات الانسان.(8)

حتمية الاختلاف والتنوع

إن الاختلاف والتعدد والتنوع: «ظاهرة طبيعية وظاهرة انسانية وجدت منذ بداية وجود الانسان وسوف تستمر هذه الظاهرة الى نهاية هذا الوجود، ظاهرة انسانية أريد منها ابتلاء هذا الانسان واختباره في حركته التكاملية».(9) يقول السيد اسحق الفرحان الأمين العام حزب جبهة العمل الإسلامي الأردني: «نحن نؤمن بان الله سبحانه وتعالى خلق الناس مختلفين ومتفاوتين وجعلهم شعوبا وقبائل، يتكلمون لغات مختلفة رجالا ونساء، ولم يقصد بهذه الاختلافات التناحر والتقاتل بل التعارف والتعاون، ومن هنا نرى في التعددية في الأديان والأيديولوجيات والمذاهب الفلسفية أمرا يتناسب وطبيعة الخلق».(01)

ويعاضده في الرؤية الكاتب سليم الهلالي في كتابه «مؤلفات سعيد حوى»، مؤكدا: «ان الفرقة أمر قدري واقع لا محالة لقوله تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} سورة هود: 119، وقوله صلى الله عليه وسلم: سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة - أي القحط _ فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها، وقوله عليه السلام: وان هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين»(11)، فالإقرار بشرعية الاختلاف أمر لا بد منه.

وعلى الإنسان ان يقر بشرعية الإختلاف بين الأفراد: «كاختلاف العقل والفطرة وغيرهما باعتبار طبيعة الإنسان في الحياة وسنة شرعية أكدها القران الكريم».(21)

     ولو وضعنا الآية 119 من سورة هود الى جانب الآية 99 من سورة يونس:{ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}، ونلحق معهما الآية 31 من سورة الرعد:{أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا} باضافة الآية 24 من سورة سبأ:{وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} وغيرها، لظهرت لنا الصورة جلية على حتمية التعددية، والا حسب منطوق الآيات الشريفات كان بأمكان الباري تعالى وبمشيئته ان يهدى الناس جميعا، ولكن لتعارض هذا مع قيم الحرية والاختيار، ومبدأ الثواب والعقاب.

   والتعدد والاختلاف ليس سمة عالم الدنيا فحسب: «بل هو سمة عالم الاخرة ايضا، فالفائزون بالجنان هم أيضا يعيشون حياة متنوعة، وليست رتيبة».(31)  والى هذا اشار القران في اكثر من موضع، فقد وضع  الناس يوم القيامة في ثلاثة منازل، طبقة في النار وطبقتان في الجنة، وبين الطبقتين تفاضل، قال تعالى:{وكنتم أزواجا ثلاثة. فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة. وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة. والسابقون السابقون. أولئك المقربون} سورة الواقعة:7 الى 11، أو قوله تعالى:{فأما إن كان من المقربين. فروح وريحان وجنت نعيم. وأما ان كان من أصحاب اليمين. فسلام لك من أصحاب اليمين. وأما ان كان من المكذبين الضالين. فنزل من حميم}سورة الواقعة:88 الى 93، ويذهب بعض المفسرين، ان هذه الآيات حاكية عن مراتب الناس عند الموت، والآيات من 7 الى 11 من نفس السورة حاكية عن مراتبهم ومنازلهم يوم القيامة، وأما مراتبهم في الدنيا فتتحدث عنها آية 32 من سورة فاطر: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير}، فالظالم: إشارة الى أصحاب الشمال، والمقتصد: الى أصحاب اليمين، والسابق بالخيرات علامة على: «السابقون السابقون».

ونقرأ هذه المراتب بوضوح في سور متعددة من القران كما في سورتي الانسان والمطففين. فالتعدد والاختلاف في كل جزئية من مكونات الحياة امر قدري وحتمي ليس للانسان حيلة في ما هو فيه وما يحيط به، فالتعدد سنة ليس له ان يبدلها او ان يغير من خارطتها، وانما يتحرك ضمن حدودها، قال تعالى في محكم كتابه الكريم: «ولن تجد لسنة الله تبديلا»سورة الاحزاب: 62، «ولن تجد لسنة الله تحويلا».(سورة فاطر: 43)

لا تعارض بين التعدد والامة الاسلامية؟

وفي خضم الحديث عن شرعية التعدد والتنوع، يتبادر الى الذهن امكانية التعارض بين التعددية باشكالها المختلفة مع دعوة الاسلام الى الامة الواحدة.

ان مثل هذا التعارض يمكن توقعه لو افضى الى التنازع والتشرذم لحرمة التنازع بلحاظ العقل والعرف وبنص القرآن الكريم: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم..»( سورة الأنفال:46), لكن التعدد يبقى في اطار التنوع والتخصص، المؤدي الى التكامل، وهو لا يتعارض اساسا مع نشدان الوحدة والامة الواحدة، ويرى العوا ان: «قوله تعالى - ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون- سورة الانبياء:92، والمراد في هذه الآية، وفي جميع الآيات الأخرى الجارية مجراها، وحدة الدين المتمثل في اخلاص العبودية لله وحده وعدم اشراك احد معه من دونه».(51)

بل ويمكن الذهاب الى ان قوله تعالى:{كان الناس امة واحدة}سورة البقرة:213، وما بعدها اشارة الى واقع التنوع والتعدد الذي حصل بعد المرحلة الأولى من وجود البشرية على وجه البسيطة، ويؤكد البروفيسور عبد العزيز ساجدينا ان مفهوم الامة الواحدة رغم الاختلاف في الاديان والعقائد والمذاهب لازال قائما بلحاظ استمرار جميع اصحاب العقائد السماوية الايمان:«والمشاركة بمبدأ الانسانية»(61) اي أن (الانسانية) توحد بني البشر جميعهم في اطار الامة الواحدة.

ولا يرى الشيخ شمس الدين تعارضا بين مفهومي التعددية والوحدة وذلك انطلاقا من قاعدة (التعاون على البر والتقوى) التي اقرها الاسلام في قوله تعالى :{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان} سورة المائدة: 2، فهو في معرض التساؤل لاستنطاق الجواب يقول:"ان الوحدة _ وحدة الأمة- وهي ضرورة فكرية _ عقيدية وفقهية اسلامية- هل هي وحدة اندماجية كاملة تنحلّ فيها جميع التنوعات الداخلية في المجتمع الاسلامي لحساب التكوين المجتمعي الواحد؟ أو انها وحدة لا تلغي التنوعات الداخلية/ قبائل- شعوب/ قوميات مدينية متحضرة.

ربما كانت الصيغة الثانية هي الظاهرة من النصوص وعلى رأسها الآية المشار اليها من سورة الحجرات :13 {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ اكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليم خبير}،والواقع التاريخي للاسلام كما صنعه الخلفاء الأربعة الأولون. ولكن شرط ألاّ تكون التنوعات عبارة عن مجتمعات سياسية داخل المجتمع السياسي الواحد الذي تتشكل فيه الامة، ولا تكون صيغة المجتمع الاسلامي السياسي صيغة تعـددية على المستوى السياسـي والتنظيمي الداخلي، وانمـا يكون كل تنوع اطارا للعلاقات الانسانية بين أعضائه كما يقضي بعد التعارف المفضي الى التعاون».(71)

     واميل الى ما ذهب اليه الشيخ الحسيني من ان: «التعددية ليست هي اتجاهات مبدئية يختلف بعضها عن البعض وكأن لكل منهم عقائدهم ونظمهم وتقاليدهم وطقوسهم الخاصة المميرة.. ان هذا الفهم مرفوض في الشريعة الاسلامية حيث الكل ذو اصول مشتركة وهدف واحد، انما هي اجتهادات في الاسلوب واختيار الأنجح في العمل والأقرب لتحقيق الهدف.

وبالتالي فهي أعمدة لبناء وحدة يرتكز عليها المجتمع في نهضته ومسيرته في الظروف العادية او المضطربة».(81) وتشتهر بين المفكرين المسلمين مقولة (التعددية في اطار الوحدة) و(التنوع في اطار الامة الواحدة)، وهي مقولة مبنية على قاعدة التوالف بين فطرية التنوع والتعدد والوجوب الشرعي للوحدة والتوحد، من حيث ان وجوب الوحدة والتوحد في اطار الامة الواحدة لا يلغي فطرية التعدد والتنوع شريطة ان يكون مبتنى (التعددية في اطار الوحدة) هو التعاون على البر والتقوى في اطار مرجعية الاسلام، وكما يقول الدكتور عمارة: «فان التعددية الموزونة بميزانها، لابد وأن تكون تميزا لفرقاء يجمعهم جامع الاسلام، وتنوعا لمذاهب وتيارات تظللها مرجعية التصور الاسلامي الجامع، وخصوصيات متعددة في اطار ثوابت الوحدة الاسلامية، الأمر الذي يجعل هذه التعددية: نموا...  وتنمية للخصوصيات، مع احتفاظ كل فرقائها، وأطراف الخصوصيات، وأفراد التنوع بالروح الاسلامية، والمزاج الاسلامي، تواصل الفروع مع أصل الشجرة الطيبة لكلمة الاسلام، التي هي بلاغ الله الى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وبيان هذا الرسول الى العالمين.

بهذا المنظار والمنهاج يكون طريق النظر الاسلامي الى قضية التعددية.. فيراها قانون التنوع الاسلامي في اطار الوحدة الاسلامية».(91)

وبتقديري ان الايمان بالتعددية والتنوع لا يتنافى مع طاعة الامام او التمحور حول المرجعية الدينية والسياسية الواحدة، لان المرجعية الواحدة هي معقد كل التنوعات وينبغي ان يكون الامر كذلك والا انتفت الحاجة الى الامام او المرجعية التي تقود مختلف اصناف وطبقات الناس الى الصراط السوي، فمن اولى مهمات الامام او المرجعية السياسية او الدينية هي جمع المختلف وشد المؤتلف على قاعدتي (التعارف) و(التعاون)، لاستحالة صهر كل الناس بمختلف اطيافها في بوتقة واحدة.

× باحث وكاتب اسلامي

الهوامش:

 1-انظر: الشيخ راشد الغنوشي، «العمل الحزبي شكل من اشكال تعبير الامة عن الاجتهاد والشورى»،  مجلة الرأي لآخر (لندن، مركز التثقيف الاسلامي، السنة 5، العدد 50، 1421هـ/2000م) ص6.

 2- انظر: د. محمد عمارة، «التعددية...  الرؤية الإسلامية والتحديات الغربية»، فصلية الجامعة الإسلامية (لندن، الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية، السنة 1، 1414/1994، العدد2)، ص68-69.

 3- راجع: د. فاضل الحسيني الميلاني، «ماذا قال الفقهاء في الاستنساخ والهندسة الوراثية"، مجلة الرأي الآخر (لندن، مركز التثقيف الإسلامي، السنة 1،1421هـ/2001م، العدد 65) ص11.

 4- حسن السيد عز الدين بحر العلوم، الاستنساخ البشري وموقف الشريعة الإسلامية (الكويت، شركة مكتبة الألفين، الطبعة الثانية 1419هـ/1999م) ص16. من مقالة للدكتور محمد الربيعي، نشرت في جريدة الحياة اللندنية في 13/3/1997م.

 5- الشيخ باقر شريف القرشي، نظام الإسلام السياسي (بيروت، دار التعارف للمطبوعات، الطبعة الثانية 1398هـ/1978م) ص204.

 6- انظر: السيد محمد الشيرازي، سقوط بعد سقوط (الكويت، لجنة الإمام المهدي للطباعة والنشر والترجمة، الطبعة الأولى 1420هـ/1999م) ص40.

 7- للمزيد، راجع: الشيخ حسن الصفار، التنوع والتعايش...  بحث في تأصيل الوحدة الإجتماعية والوطنية (بيروت، دار الساقي، الطبعة الأولى  1999م) ص41-42.

 8- للمزيد، راجع: حسن السيد عز الدين بحر العلوم، الاستنساخ البشري وموقف الشريعة الإسلامية ص31-32.

9-  انظر: السيد محمد باقر الحكيم، «العمل السياسي في الإسلام»، صحيفة لواء الصدر (طهران، السنة18، العدد 911، 1420هـ/1999م) ص5.

 10- اسحق أحمد فرحان، «الإسلاميون والمسيرة الديمقراطية في الأردن»، مجلة النور (لندن، دار النور للنشر 1414هـ/1994م، العدد 43) ص25.

 11- خليل علي حيدر، الحركة الدينية حوار من الداخل (الكويت، شركة كاظمة للنشر والترجمة والتوزيع، الكويت، الطبعة الأولى 1987م) ص56.

 12-حسن الغسرة الجمري البحراني، التعصب وتدمير الذات (بيروت، مؤسسة البلاغ، الطبعة الأولى،1421هـ/2000م) ص91.

 13- انظر: الشيخ محمد مهدي شمس الدين، من مقدمة لكتاب: التعددية والحرية في الاسلام للشيخ حسن الصفار (بيروت،  دار المنهل، الطبعة الثانية،  1416 هـ/1996م) ص6.

 14- للمزيد، راجع:

- عبد الرحمن بن ابي بكر السيوطي، الدرر المنثور في التفسير بالمأثور ج7 (بيروت، دار الفكر، 1993م) ص26.

- محمد بن محمد الغزي، إتقان ما يحسن من الأخبار ج2 (القاهرة، دار الفاروق الحديثة، الطبعة الاولى 1415هـ) ص241.

 15- د. عزام التميمي، مشاركة الاسلاميين في السلطة، بحث لـ لمحمد سليم العوا بعنوان: التعددية السياسية من منظور اسلامي، (لندن، منظمة ليبرتي - الحرية للعالم الاسلامي - 1994، ص33-34.

(16)  Pro. Abdulaziz Sachedina, THE ISLMIC ROOTS OF DEMOCRATIC  PLURALISM, OXFORD UNIVERSITY PRESS, New York, First  Published 2001,P22.

 17- محمد مهدي شمس الدين، في الاجتماع السياسي الاسلامي، (قم ايران، دار الثقافة للطباعة والنشر، ط1،1414هـ/1994م) ص161.

 18- الشيخ محسن الحسيني، نظرات في الوحدة الاسلامية، (طهران، مكتب الشيخ الحسيني، مطبعة مظاهري) ص49.

 19- د. محمد عمارة، «الرؤية الاسلامية والتحديات الغربية»، فصلية الجامعة الاسلامية، ص69.

 





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع