العدد

155 :

الثلاثاء, اغسطس 19, 2008 - 23:33 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

وطن تسند على كتفه رأسك وتنام او تموت!

الحسيمة ذات زلزال .. آلام وصور

الحسيمة ـ حكيم عنكر

في طريق العودة من الحسيمة، جوًّا، عبر مطار الشريف الإدريسي، كانت المداشر والقرى والدور المتناثرة بين فجّيْن أو المستنبتة في أظهر جبال الريف، تنام على ألم وحزن، لم يبرحا بعدُ سُوَيْداء القلب.

طريق العودة غير طريق المجيء. حين كانت تقلّـنا من الرباط ـ نحن معشر الصحافيين ـ طائرة "هرقل" C130 العسكرية، كنا مملوئين بمشاعر مختلفة. لم يمر على الكارثة إلا أربعة أيام، وها نحن أمام عفوية الألم وفظاعة ما يحيط به. كلٌّ منّا كانت له فكرته الخاصة، وتصوره وقناعاته وشجنه الأليم.

اكتشف المغاربة، أنهم أيتام أمام هذه الكارثة، وأن زلزالا آخر أعمق وأشد شقاقًا هزّهم من الداخل.

تعرّت العورات. وبدت الخطابات الرنانة ضائعة في بحر من السخرية ومن العبث. لم تعد كلمات التنمية والنهوض بالعالم القروي ومغرب الحداثة والديمقراطية تقنع أحدًا. حتى أشد المسؤولين عمى، أفاق من غـيـّـه أو من عماه، وبدأ نوع من النقد الذاتي، أو من القبول بالأمر الواقع، أو شيء من هذا التسليم بأن أهون الشر حصل. لكن استمرار الوضع على ما هو عليه، لن يردّ الشرور القادمة، شرور البطالة والفوارق الاجتماعية، وسوء وضعية البنيات الأساسية، وغيرها من الحاجيات التي لها أضراس طاحونة لا ترحم.

قُـلْ لي أية قوة وقائية وإنقاذية لديك، أَقُـلْ لك من أنت.

هذه القاعدة تصلح إلى حد بعيد لأهوال الزلازل والفيضانات. وفي الحسيمة، بدا أننا بعيدون عن هذه القاعدة وعن هذه الكينونة. لا رادّ لقضاء الله، فعلا؛ لكن ما أضعف الناس، وأوّلُهم أولئك السياسيون، اللاهجون في كل نادٍ، وتلك الفرق من الحسابات والمصالح والأنانيات.

البلد يحتاج إلى مجهود كبير. حسّ التضامن استيقظ في نفوس المغاربة. أُرْسِـلتْ أطنان من كل نقطة جغرافية على مدار الخريطة. قدم أناس متطوعون، وجمعيات تختبر فعاليتها. وبدا أن ورشة كبيرة للإنقاذ فتحت، وأن السواعد تمتد. لكن «السذاجة البيروقراطية» تدخلت هذه المرة، وأفرغت كل حس وطني من محتواه. هل صمدت؟ بالطبع لا. لأنها كانت مجرد رقصة خائبة، مجرد استعادة لزمن «المخزن»، ولصيغة مبتذلة لإدارة شؤون المواطنين.

يقول أحد الناشطين من المجتمع المدني: ماذا يريد هؤلاء؟ لماذا يكبّـلون كل يد ممدودة؟

وتقول سيدة غاضبة في إحد مخيمات إمزورن القرية المنكوبة: «ليتركونا وحالنا، سندفن موتانا وسنلملم جراحاتنا، وسننهض»!

أما ذلك الشيخ الوقور، الثمانيني، الذي أبكانا في زاوية المخيم، فإنه يمد يده إلى جيبه، ويسلّ بطاقة «مُقاوِم»، ويُشهرها في وجوهنا: «دافعنا عن استقلال البلاد، وهكذا نجازى! تركونا للعراء، وبدأوا يتفرجون علينا. لا أريد شيئًا؛ أريد فقط خيمة أستُـر بها عيالي وحريمي».

طفلة تلعب جانب المخيم. والفتيات مفتوحات الأعين على الحلم. والعادات اليومية الحميمة، ودفء الأسرة، والعائلة. وصباح الخير، ودفء السرير. وحميمية الجدران. والأسرار الصغيرة المكلومة في الخزانات ونفائس النساء. وكل ما يعطي للحياة معنى.

كل ذلك، أضحى في خبر كان. مات في الهزيع الأخير من ذلك الليل الأسود. وانطمرت أنفاس، وطُويتْ مصائر. ثم كان الذي كان.

في طريق العودة، كان المساء يتقدم الحافلة. وكانت الحافلة التي تقطع بنا الكيلومترات السبعة عشر، تتلوى في المنعرجات نحو المطار.

في الخارج، بدأ سكان المنطقة استعدادهم لقضاء ليلة أخرى في العراء.

حَجرة «نيكور»، الجزيرة الصغيرة التي ما زالت تحت سيطرة الإسبان، تبدو على مرمى حجر، مضاءة، مثل شموع حفلة عيد الميلاد.

ونحن «كتبة العصر» و«مناطقة الحقيقة» الجدد، لا نرسو على شيء. بنا غضب كشيف. سِـرُّنا يقول: «لا حياة لمن تنادي». سرّنا يصهل: «تؤخذ الأوطان غلابا». سرّنا يسخر منا: «وما نيل الأوطان بالتمني».

سرّنا يعود القهقرى. ينكص. وتموت الكلمات التي على البال.

هل يكفي أن أحدثك عن تاجر المأساة ذاك؛ عن السياسي الفاشل الذي بارت خطاباته في الدولاب؛ عن «المدني» المتنطع الذي يلبس بزّة العسكري؛ عن ممثل السكان، اللص، الذي يسرق المؤونة؛ عن موظف الهلال الأحمر الذي يؤمم بضعة أفرشة، كي يتاجر بها بعد ذلك في السوق السوداء.

هل هذه مأساة؟ أم بحر زاخر بالمصالح؟ هل هذا «وطن» أم «مبغى» كما قال ذاك الشاعر الفذ؟

في طريق العودة، كنت أنشج. كنت أفتل ضفائر أخرى لوطن محلوم به؛ «وطن في العينين» كما قالت تلك الكاتبة الأخرى؛ وطن تسند على كتفيه رأسك، وتنام، أو تموت.

حين جاء الملك للإقامة بين ظهراني سكان الحسيمة، كتضامن خلاّق منه، هدأت النفوس، عادت العيون إلى محاجرها، واطمأن الناس الى مصائرهم.

ملك شاب وحيوي ورحيم. يخبّ الخطى نحو الناس؛ يصافحهم؛ يكلمهم؛ يعزيهم؛ يقوي عزائمهم.

يهتف السكان: «عاش الملك».

لم تكن تلك الكلمة تعني غير الانتماء المتجدد للوطن. ولم تكن إلا ردًّا على كل الخطابات السطحية.

المواطنون يتحدثون عن أسطورة يبنيها رجل يؤمن بالتغيير، يقودها بثبات وبخطى محسوبة. أما «الحكومة» فإنها نائمة في «العسل».

منطقة الشمال، هذا الريف الصامد، ريف عبد الكريم الخطابي؛ الأمير الآخر المدفون في قاهرة المعز؛ رجل حرب العصابات الأول؛ مخترع كل أساليب الفتك بـ «الكفار»... هذا الرجل الذي يوجد معسكره/ قريته «أجدير» على مرمى طرف العين؛ هذا الرجل الشاهد/ الغائب على المعركة المفتوحة.

وما أدهش قياس الحاضر على الغائب!

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع